وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.
﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَخُونَ في المَغْنَمِ؛ لِأنَّ الخِيانَةَ تُنافِي النُّبُوَّةَ، وأصْلُ الغُلِّ الأخْذُ بِخَفِيَّةٍ ولِذا اسْتَعْمِلُ في السَّرِقَةِ ثُمَّ خُصَّ في اللُّغَةِ بِالسَّرِقَةِ مِنَ المَغْنَمِ قَبْلَ القِسْمَةِ، وتُسَمّى غُلُولًا أيْضًا، قِيلَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأيْدِيَ فِيها مَغْلُولَةٌ أيْ مَمْنُوعَةٌ مَجْعُولُ فِيها غُلٌّ وهي الحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الأسِيرِ إلى عُنُقِهِ، ويُقالُ لَها: جامِعَةٌ أيْضًا، وقالَ الرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: أصْلُ الغُلُولِ مِنَ الغَلَلِ وهو دُخُولُ الماءِ في
صفحة 109
خَلَلِ الشَّجَرِ، وسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المِلْكِ عَلى خَفاءٍ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي يَحِلُّ، ومِن ذَلِكَ الغِلُّ لِلْحِقْدِ، والغَلِيلُ لِحَرارَةِ العَطَشِ، والغِلالَةُ لِلشِّغارِ، والمُرادُ تَنْزِيهُ ساحَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَمّا ظَنَّ بِهِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ «أنَّ الرُّماةَ حِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ يَوْمَئِذٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ قالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، وأنْ لا يُقَسِّمَ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسَّمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ ولا نَقْسِمُ لَكم، ولِهَذا نَزَلَتِ الآيَةُ»، أوْ تَنْزِيهُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا اتَّهَمَهُ بِهِ بَعْضُ المُنافِقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وحَسَّناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَها، والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِالمَقامِ، وارْتِباطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْها أتَمُّ؛ لِأنَّ القِصَّةَ أُحُدِيَّةٌ إلّا أنَّ فِيها إشْعارًا بِأنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ لَمْ تُقْسَمْ وهو مُخالِفٌ لِما سَيَأْتِي في الأنْفالِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ أوْلى بِالقَبُولِ عِنْدَ أرْبابِ هَذا الشَّأْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ مُرْسَلًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلائِعَ فَغَنِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَنِيمَةً، فَقَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدَمَتِ الطَّلائِعُ قالُوا: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَقْسِمْ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، فالمَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُعْطِيَ قَوْمًا مِنَ العَسْكَرِ ويَمْنَعَ آخَرِينَ بَلْ عَلَيْهِ أنَّ يَقْسِمَ بَيْنَ الكُلِّ بِالسَّوِيَّةِ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ حِرْمانِ بَعْضِ الغُزاةِ بِالغُلُولِ فَطْمًا عَنْ هَذا الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى حَدِّ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ خُوطِبَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ - ولا يَخْفى بُعْدُهُ - …