سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ
We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.
﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: أيْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، وإنْ كانُوا ظاهِرِينَ عَلَيْكم يَوْمَ أُحُدٍ فَإنّا نَخْذُلُهم بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. وأتى بِالسِّينِ القَرِيبَةِ الِاسْتِقْبالِ، وكَذا وقَعَ. ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ، فانْهَزَمُوا إلى مَكَّةَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَهم إذْ ذاكَ القُوَّةُ والغَلَبَةُ. وقِيلَ: ذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، فَلَمّا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قالُوا: ما صَنَعْنا شَيْئًا، قَتَلْنا مِنهم ثُمَّ تَرَكْناهم ونَحْنُ قاهِرُونَ، ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهم، فَلَمّا عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَأمْسَكُوا. والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ في الأجْرامِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْجَعْلِ، ونَظِيرُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎هُما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما عَلى النّابِحِ العاوِي أشَدَّ رِجامِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنُلْقِي بِالنُّونِ، وهو مُشْعِرٌ بِعِظَمِ ما يُلْقى؛ إذْ أسْنَدَهُ إلى المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ”سَيُلْقِي“ بِالياءِ جَرْيًا عَلى الغَيْبَةِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] وقَدَّمَ ”في قُلُوبِهِمْ“: وهو مَجْرُورٌ عَلى المَفْعُولِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِالمَحَلِّ المُلْقى فِيهِ قَبْلَ ذِكْرِ المُلْقى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”الرُّعُبَ“ بِضَمِّ العَيْنِ، والباقُونَ بِسُكُونِها. فَقِيلَ: لُغَتانِ. وقِيلَ: الأصْلُ السُّكُونُ، وضُمَّ إتْباعًا، كالصُّبْحِ والصُّبُحِ. وقِيلَ: الأصْلُ الضَّمُّ، وسُكِّنَ تَخْفِيفًا، كالرُّسْلِ والرُّسُلِ. وذَكَرُوا في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ قِصَّةً طَوِيلَةً أرَدْنا أنْ لا نُخَلِّيَ الكِتابَ مِن شَيْءٍ مِنها، فَلَخَّصْنا مِنها أنْ عَلِيًّا أخْبَرَ الرَّسُولَ بِأنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ حِينَ ارْتَحَلُوا رَكِبُوا الإبِلَ وجَنَبُوا الخَيْلَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَدِينَةِ فَتَجَهَزَ واتَّبَعَ المُشْرِكِينَ إلى حَمْراءَ الأسَدِ. وأنَّ مَعْبَدَ الخُزاعِيَّ جاءَ إلى الرَّسُولِ ﷺ وهو كافِرٌ مُمْتَعِضٌ مِمّا حَلَّ بِالمُسْلِمِينَ، وكانَتْ خُزاعَةُ تَمِيلُ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ المُشْرِكِينَ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ إلى القِتالِ، فَخَذَلَهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَعْبَدٌ. وقالَ مَعْبَدٌ: خَرَجُوا يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ، ولَمْ أرَ إلّا نَواصِيَ خَيْلِهِمْ قَدْ جاءَتْكم. وحَمَلَنِي ما رَأيْتُ أنِّي قُلْتُ في ذَلِكَ شِعْرًا وأنْشَدَ:
؎كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي ∗∗∗ إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجَرَدِ الأبابِيلِ
؎تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ مَهازِيلٍ
؎فَظَلْتُ أعْدُو أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ
إلى آخِرِ الشِّعْرِ، فَوَقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِ الكُفّارِ. وقَوْلُهُ: ”سَنُلْقِي“ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ بَعْدَ أُحُدٍ، والظَّفَرِ. وقالَ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ يُلْقِي الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ.
﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾: الباءُ لِلسَّبَبِ، و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ آلِهَةً لَمْ يُنَزِّلْ بِإشْراكِها حُجَّةً ولا بُرْهانًا، وتَسْلِيطُ النَّفْيِ عَلى الإنْزالِ والمَقْصُودُ: …