Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 151–160 of 200

151

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allah of which He had not sent down [any] authority. And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: أيْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، وإنْ كانُوا ظاهِرِينَ عَلَيْكم يَوْمَ أُحُدٍ فَإنّا نَخْذُلُهم بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. وأتى بِالسِّينِ القَرِيبَةِ الِاسْتِقْبالِ، وكَذا وقَعَ. ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ، فانْهَزَمُوا إلى مَكَّةَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَهم إذْ ذاكَ القُوَّةُ والغَلَبَةُ. وقِيلَ: ذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، فَلَمّا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قالُوا: ما صَنَعْنا شَيْئًا، قَتَلْنا مِنهم ثُمَّ تَرَكْناهم ونَحْنُ قاهِرُونَ، ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهم، فَلَمّا عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَأمْسَكُوا. والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ في الأجْرامِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْجَعْلِ، ونَظِيرُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎هُما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما عَلى النّابِحِ العاوِي أشَدَّ رِجامِ

وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَنُلْقِي بِالنُّونِ، وهو مُشْعِرٌ بِعِظَمِ ما يُلْقى؛ إذْ أسْنَدَهُ إلى المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ”سَيُلْقِي“ بِالياءِ جَرْيًا عَلى الغَيْبَةِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] وقَدَّمَ ”في قُلُوبِهِمْ“: وهو مَجْرُورٌ عَلى المَفْعُولِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِالمَحَلِّ المُلْقى فِيهِ قَبْلَ ذِكْرِ المُلْقى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”الرُّعُبَ“ بِضَمِّ العَيْنِ، والباقُونَ بِسُكُونِها. فَقِيلَ: لُغَتانِ. وقِيلَ: الأصْلُ السُّكُونُ، وضُمَّ إتْباعًا، كالصُّبْحِ والصُّبُحِ. وقِيلَ: الأصْلُ الضَّمُّ، وسُكِّنَ تَخْفِيفًا، كالرُّسْلِ والرُّسُلِ. وذَكَرُوا في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ قِصَّةً طَوِيلَةً أرَدْنا أنْ لا نُخَلِّيَ الكِتابَ مِن شَيْءٍ مِنها، فَلَخَّصْنا مِنها أنْ عَلِيًّا أخْبَرَ الرَّسُولَ بِأنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ حِينَ ارْتَحَلُوا رَكِبُوا الإبِلَ وجَنَبُوا الخَيْلَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَدِينَةِ فَتَجَهَزَ واتَّبَعَ المُشْرِكِينَ إلى حَمْراءَ الأسَدِ. وأنَّ مَعْبَدَ الخُزاعِيَّ جاءَ إلى الرَّسُولِ ﷺ وهو كافِرٌ مُمْتَعِضٌ مِمّا حَلَّ بِالمُسْلِمِينَ، وكانَتْ خُزاعَةُ تَمِيلُ إلى الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ المُشْرِكِينَ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ إلى القِتالِ، فَخَذَلَهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ ومَعْبَدٌ. وقالَ مَعْبَدٌ: خَرَجُوا يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ، ولَمْ أرَ إلّا نَواصِيَ خَيْلِهِمْ قَدْ جاءَتْكم. وحَمَلَنِي ما رَأيْتُ أنِّي قُلْتُ في ذَلِكَ شِعْرًا وأنْشَدَ:

؎كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي ∗∗∗ إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجَرَدِ الأبابِيلِ

؎تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ مَهازِيلٍ

؎فَظَلْتُ أعْدُو أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ

إلى آخِرِ الشِّعْرِ، فَوَقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِ الكُفّارِ. وقَوْلُهُ: ”سَنُلْقِي“ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ بَعْدَ أُحُدٍ، والظَّفَرِ. وقالَ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وفِيها دَلالَةٌ عَلى صِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ أخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ يُلْقِي الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ.

﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾: الباءُ لِلسَّبَبِ، و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ آلِهَةً لَمْ يُنَزِّلْ بِإشْراكِها حُجَّةً ولا بُرْهانًا، وتَسْلِيطُ النَّفْيِ عَلى الإنْزالِ والمَقْصُودُ: …

Aal-i-Imraan 3:151Listen in Qur'an →
152

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ

And Allah had certainly fulfilled His promise to you when you were killing the enemy by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet] and disobeyed after He had shown you that which you love. Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then he turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allah is the possessor of bounty for the believers.

﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾: هَذا جَوابٌ لِمَن رَجَعَ إلى المَدِينَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالُوا: وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ والإمْدادَ بِالمَلائِكَةِ، فَمِن أيِّ وجْهٍ أُتِينا، فَنَزَلَتْ إعْلامًا أنَّهُ تَعالى صَدَقَهُمُ الوَعْدَ ونَصَرَهم عَلى أعْدائِهِمْ أوَّلًا، وكانَ الإمْدادُ مَشْرُوطًا بِالصَّبْرِ والتَّقْوى. واتَّفَقَ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ ما نَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ، وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِجَمْعِ ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ، وإنْ كانَ لَمْ يَصْدُرْ ما يُعاتَبُ عَلَيْهِ مِن جَمِيعِهِمْ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في نِسْبَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ لِلْجَمِيعِ عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، وفي ذَلِكَ إبْقاءٌ عَلى مَن فَعَلَ، وسَتَرَ إذْ لَمْ يُعَيِّنْ، وزَجْرٌ لِمَن لَمْ يَفْعَلْ أنْ يَفْعَلَ.

وصِدْقُ الوَعْدُ: هو أنَّهم هَزَمُوا المُشْرِكِينَ أوَّلًا، وكانَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والزُّبَيْرِ وأبِي دُجانَةَ وعاصِمِ بْنِ أبِي الأفْلَحِ بَلاءٌ عَظِيمٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو مَذْكُورٌ في السِّيَرِ. وكانَ المُشْرِكُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، ومَعَهم مِائَتا فَرَسٍ. والمُسْلِمُونَ في سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ. وتَعَدَّتْ ”صَدَقَ“ هُنا إلى اثْنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ جَرٍّ، تَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، وصَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ، ذَكَرَها بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في بابِ ما يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ، فَيَكُونُ مِن بابِ اسْتَغْفَرَ، واخْتارَ. والعامِلُ في ”إذْ“: ”﴿صَدَقَكُمُ﴾“ .

ومَعْنى تَحَسُّونَهم: تَقْتُلُونَهم. وكانُوا قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ رَجُلًا. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ”﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾“ رُباعِيًّا مِنَ الإحْساسِ، أيْ تُذْهِبُونَ حِسَّهم بِالقَتْلِ. وتَمَنِّي القَتْلَ بِوَقْتِ الفَشَلِ وهو: الجُبْنُ، والضَّعْفُ.

والتَّنازُعُ: وهو التَّجاذُبُ في الأمْرِ، وهَذا التَّنازُعُ صَدَرَ مِنَ الرُّماةِ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَتَّبَ الرُّماةَ عَلى فَمِ الوادِي وقالَ: ”اثْبُتُوا مَكانَكم، وإنْ رَأيْتُمُونا هَزَمْناهم، فَإنّا لا نَزالُ غالِبِينَ ما ثَبَتُّمْ مَكانَكم“ . ووَعَدَهم بِالنَّصْرِ إنِ انْتَهَوْا إلى أمْرِهِ. فَلَمّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ قالَ بَعْضُ الرُّماةِ: قَدِ انْهَزَمُوا فَما مَوْقِفُنا هُنا ؟ الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، الحَقُوا بِالمُسْلِمِينَ. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ نَثْبُتُ مَكانَنا كَما أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: التَّنازُعُ هو ما صَدَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاخْتِلافِ حِينَ صِيحَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ.

والعِصْيانُ: هو ذَهابُ مَن ذَهَبَ مِنَ الرُّماةِ مِن مَكانِهِ طَلَبًا لِلنَّهْبِ والغَنِيمَةِ، وكانَ خالِدٌ حِينَ رَأى قِلَّةَ الرُّماةِ صاحَ في خَيْلِهِ وحَمَلَ عَلى مَن بَقِيَ مِنَ الرُّماةِ فَقَتَلَهم، وحَمَلَ عَلى عَسْكَرِ المُسْلِمِينَ، فَتَراجَعَ المُشْرِكُونَ، فَأُصِيبَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ رَجُلًا.

”﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾“: وهو ظَفَرُ المُؤْمِنِينَ وغَلَبَتُهم. قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: لَقَدْ رَأيْتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هِنْدٍ وصَواحِبِها مُشَمِّراتٍ هَوارِبَ ما دُونَ أخْذِهِنَّ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ؛ إذْ مالَتِ الرُّماةُ إلى العَسْكَرِ يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وخَلُّوا ظُهُورَنا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينا مِن أدْبارِنا، وصَرَخَ صارِخٌ: ألا إنَّ …

Aal-i-Imraan 3:152Listen in Qur'an →
153

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allah repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allah is [fully] Acquainted with what you do.

﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦] ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧] ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨] ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠] ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ١٦٢] ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣] .

الإصْعادُ: ابْتِداءُ السَّفَرِ، والمَخْرَجُ. والصُّعُودُ: مَصْدَرُ صَعِدَ، رَقى مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ، قالَهُ الفَرّاءُ، وأبُو حاتِمٍ، والزَّجّاجُ. وقالَ القُتَبِيُّ: أصْعَدَ: أبْعَدَ في الذَّهابِ، فَكَأنَّهُ إبْعادٌ كَإبْعادِ الِارْتِفاعِ. قالَ:

؎ألا أيُّهَذا السّائِلِي أيْنَ صَعِدْتَ فَإنَّ لَها في أرْضِ يَثْرِبَ مَوْعِدا

وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎قَدْ كُنْتَ تُبْكِينِي عَلى الإصْعادِ ∗∗∗ فاليَوْمَ سَرَحْتُ وصاحَ الحادِي

وقالَ المُفَضَّلُ: صَعِدَ، وأصْعَدَ، وصَعَدَ بِمَعْنًى واحِدٍ. والصَّعِيدُ: وجْهُ الأرْضِ. وصَعَدَةٌ: اسْمٌ مِن أسْماءِ الأرْضِ. وأصْعَدَ: مَعْناهُ دَخَلَ في الصَّعِيدِ.

فاتَ الشَّيْءُ: أعْجَزَ إدْراكُهُ، وهو مُتَعَدٍّ، ومَصْدَرُهُ: فَوْتٌ، وهو قِياسُ فِعْلِ المُتَعَدِّي.

النُّعاسُ: النَّوْمُ الخَفِيفُ. يُقالُ: نَعِسَ يَنْعَسُ نُعاسًا فَهو ناعِسٌ، ولا يُقالُ: نَعْسانُ. وقالَ الفَرّاءُ: قَدْ سَمِعْتُها، ولَكِنِّي لا أشْتَهِيها.

المَضْجَعُ: المَكانُ الَّذِي يُتَّكَأُ فِيهِ لِلنَّوْمِ، ومِنهُ: ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ [النساء: …

Aal-i-Imraan 3:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allah other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allah." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, some of us would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allah might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allah is Knowing of that within the breasts.

﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾: الأمَنَةُ: الأمْنُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ. وفَرَّقَ آخَرُونَ فَقالُوا: الأمَنَةُ تَكُونُ مَعَ بَقاءِ أسْبابِ الخَوْفِ، والأمْنُ يَكُونُ مَعَ زَوالِ أسْبابِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمَنَةٌ بِفَتْحِ المِيمِ، عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الأمْنِ. أوْ جَمْعُ آمِنٍ كَـ بارٍّ وبَرَرَةٍ، ويَأْتِي إعْرابُهُ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ”أمْنَةً“ بِسُكُونِ المِيمِ، بِمَعْنى الأمْنِ. ومَعْنى الآيَةِ: امْتِنانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأمْنِهِمْ بَعْدَ الخَوْفِ والغَمِّ، بِحَيْثُ صارُوا مِنَ الأمْنِ يَنامُونَ، وذَلِكَ أنَّ الشَّدِيدَ الخَوْفَ والغَمَّ لا يَكادُ يَنامُ. ونَقَلَ المُفَسِّرُونَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الصَّحابَةُ مِن غَلَبَةِ النَّوْمِ الَّذِي غَشِيَهم كَأبِي طَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، وابْنِ مَسْعُودٍ. واخْتَلَفُوا في الوَقْتِ الَّذِي غَشِيَهم فِيهِ النُّعاسُ.

فَقالَ الجُمْهُورُ: حِينَ ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ مِن مَوْضِعِ الحَرْبِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ وكانَ مِنَ المُتَحَيِّزِينَ إلَيْهِ: ”اذْهَبْ فانْظُرْ إلى القَوْمِ، فَإنْ كانُوا جَنَبُوا الخَيْلَ فَهم ناهِضُونَ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانُوا عَلى خَيْلِهِمْ فَهم عائِدُونَ إلى المَدِينَةِ، فاتَّقُوا اللَّهَ واصْبِرُوا“ ووَطِّنْهم عَلى القِتالِ، فَمَضى عَلِيٌّ، ثُمَّ رَجَعَ فَأخْبَرَ أنَّهم جَنَبُوا الخَيْلَ، وقَعَدُوا عَلى أثْقالِهِمْ عِجالًا، فَأمِنَ المُؤْمِنُونَ المُصَدِّقُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ النُّعاسَ. وبَقِيَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُصَدِّقُونَ، بَلْ كانَ ظَنُّهم أنَّ أبا سُفْيانَ يَؤُمُّ المَدِينَةَ، فَلَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ مِنهم نَوْمٌ، وإنَّما كانَ هَمُّهم في أحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ. وثَبَتَ في البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «غَشِيَنا النُّعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنًا يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ يَسْقُطُ مِن يَدِي وآخُذُهُ، ويَسْقُطُ وآخُذُهُ»، وفي طَرِيقٍ «رَفَعْتُ رَأْسِي فَجَعَلْتُ ما أرى أحَدًا مِنَ القَوْمِ إلّا وهو يَمِيلُ تَحْتَ جَحْفَتِهِ» . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم غَشِيَهُمُ النُّعاسُ وهم في المَصافِّ. وسِياقُ الآيَةِ والحَدِيثُ الأوَّلُ يَدُلّانِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣] . والغَمُّ كانَ بَعْدَ أنْ كُسِرُوا وتَفَرَّقُوا عَنْ مَصافِّهِمْ ورَحَلَ المُشْرِكُونَ عَنْهم. والجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنَّ المَصافَّ الَّذِي أخْبَرَ عَنْهُ أبُو طَلْحَةَ كانَ في الجَبَلِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، أشْرَفَ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانَ مِن عُلُوٍّ في الخَيْلِ الكَثِيرَةِ، فَرَماهم مَن كانَ انْحازَ إلى الجَبَلِ مِنَ الصَّحابَةِ بِالحِجارَةِ، وأغْنى هُناكَ عُمَرُ حَتّى أنْزَلُوهم، وما زالُوا صافِّينَ حَتّى جاءَهم خَبَرُ قُرَيْشٍ أنَّهم عَزَمُوا عَلى الرَّحِيلِ إلى مَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعاسَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، فَأمِنُوا ولَمْ يَأْمَنِ المُنافِقُونَ. والفاعِلُ بِـ ”أنْزَلَ“ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ”فَأثابَكم“ . و”عَلَيْكم“ يَدُلُّ عَلى تَجَلُّلِ النُّعاسِ واسْتِعْلائِهِ وغَلَبَتِهِ، ونِسْبَةُ الإنْزالِ مَجازٌ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَهُ في الأجْرامِ. وأعْرَبُوا ”أمَنَةً“ مَفْعُولًا بِأنْزَلَ، ونُعاسًا بَدَلٌ مِنهُ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما قَدْ يَتَصَوَّرُ اشْتِمالَهُ عَلى الآخَرِ، أوْ يَتَصَوَّرُ اشْتِمالَ العامِلِ عَلَيْهِما عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ. أوْ عَطْفُ بَيانٍ، ولا يَجُوزُ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ مِنَ …

Aal-i-Imraan 3:154Listen in Qur'an →
155

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met, it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allah has already forgiven them. Indeed, Allah is Forgiving and Forbearing.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ خَطَبَ عُمَرُ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَقَرَأ آلَ عِمْرانَ، وكانَ يُعْجِبُهُ إذا خَطَبَ أنْ يَقْرَأها، فَلَمّا انْتَهى إلى هَذِهِ الآيَةِ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُأُحُدٍ فَهُزِمْنا، مَرَرْتُ حَتّى صَعِدْتُ الجَبَلَ، فَلَقَدْ رَأيْتُنِي أنْزُو كَأنَّنِي أرَوى، والنّاسُ يَقُولُونَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَقُلْتُ: لا أجِدُ أحَدًا يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ إلّا قَتَلْتُهُ، حَتّى اجْتَمَعْنا عَلى الجَبَلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِيمَن فَرَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِرارًا كَثِيرًا مِنهم: رافِعُ بْنُ المُعَلّى، وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ، ورَجُلٌ آخَرُ.

والَّذِينَ تَوَلَّوْا: كُلُّ مَن ولّى الدُّبُرَ عَنِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. قالَهُ عُمَرُ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ. أوْ كُلُّ مَن قَرُبَ مِنَ المَدِينَةِ وقْتَ الهَزِيمَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ رِجالٌ بِأعْيانِهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ مِنهم: عَتَبَةُ بْنُ عُثْمانَ الزُّرَقِيُّ، وأخُوهُ سَعْدٌ وغَيْرُهُما، بَلَغُوا الجَلْعِبَ جَبَلًا بِناحِيَةِ المَدِينَةِ مِمّا يَلِي الأعْوَصَ، فَأقامُوا بِهِ ثَلاثًا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهم: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً. ولَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا: أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وباقِيهِمْ مِنَ الأنْصارِ مِنهم: أبُو طَلْحَةَ، وظاهِرُ ”تَوَلَّوْا“ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّوَلِّي يَوْمَ اللِّقاءِ، سَواءٌ فَرَّ إلى المَدِينَةِ، أمْ صَعِدَ الجَبَلَ.

والجَمْعُ: اسْمُ جَمْعٍ. ونَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ اسْمَ الجَمْعِ لا يُثَنّى، لَكِنَّهُ هُنا أُطْلِقَ يُرادُ بِهِ مَعْقُولِيَّةَ اسْمِ الجَمْعِ، بَلْ بَعْضَ الخُصُوصِيّاتِ، أيْ جَمْعَ المُؤْمِنِينَ، وجَمْعَ المُشْرِكِينَ؛ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ تَثْنِيَتُهُ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

؎وكُلُّ رَفِيقَيْ كُلِّ رَحْلٍ وإنْ هُما تَعاطى القَنا قَوْماهُما أخَوانِ

فَثَنّى قَوْمًا؛ لِأنَّهُ أرادَ مَعْنى القَبِيلَةِ. واسْتَزَلَّ هُنا اسْتَفْعَلَ لِلطَّلَبِ، أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الزَّلَلَ ودَعاهم إلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو مُقْتَضى وسْوَسَتِهِ وتَخْوِيفِهِ. هَكَذا قالُوهُ، ولا يَلْزَمُ مِن طَلَبِ الشَّيْءِ واسْتِدْعائِهِ حُصُولُهُ، فالأوْلى أنْ يَكُونَ اسْتَفْعَلْ هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ، فَيَكُونُ المَعْنى: أزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ، فَيَدُلُّ عَلى حُصُولِ الزَّلَلِ، ويَكُونُ اسْتَزَلَّ وأزَلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كاسْتَبانَ وأبانَ، واسْتَبَلَّ وأبَلَّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] عَلى أحَدِ تَأْوِيلاتِهِ. واسْتِزْلالُ الشَّيْطانِ إيّاهم سابِقٌ عَلى وقْتِ التَّوَلِّي، أيْ كانُوا أطاعُوا الشَّيْطانَ واجْتَرَحُوا ذُنُوبًا قَبْلُ مَنَعَتْهُمُ النَّصْرَ، فَفَرُّوا. وقِيلَ: الِاسْتِزْلالُ هو تَوَلِّيهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ. أيْ: إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ في التَّوَلِّي بِبَعْضِ ما سَبَقَتْ لَهم مِنَ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَجُرُّ إلى الذَّنْبِ، فَيَكُونُ نَظِيرُ ذَلِكَ بِما عَصَوْا. وفي هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ بَعْضُ ما كَسَبُوا هو تَرْكُهُمُ المَرْكَزَ الَّذِي أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالثَّباتِ فِيهِ، فَجَرَّهم ذَلِكَ إلى الهَزِيمَةِ. ولا يَظْهَرُ هَذا؛ لِأنَّ الَّذِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ مِنَ الرُّماةِ كانُوا دُونَ الأرْبَعِينَ، فَيَكُونُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلى البَعْضِ. وقالَ …

Aal-i-Imraan 3:155Listen in Qur'an →
156

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allah makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allah who gives life and causes death, and Allah is Seeing of what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينِ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ لَمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ المُنافِقِينَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، وأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم ”﴿قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]“، وكانَ قَوْلًا باطِلًا واعْتِقادًا فاسِدًا نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في هَذِهِ المَقالَةِ الفاسِدَةِ والِاعْتِقادِ السَّيِّئِ. وهو أنَّ مَن سافَرَ في تِجارَةٍ ونَحْوِها فَماتَ، أوْ قاتَلَ فَقُتِلَ، لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَعاشَ ولَمْ يَمُتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلسَّفَرِ فِيهِ أوْ لِلْقِتالِ، وهَذا هو مُعْتَقَدُ المُعْتَزِلَةِ في القَوْلِ بِالأجَلَيْنِ. والكُفّارِ القائِلُونَ، قِيلَ: هو عامٌّ، أيِ اعْتِقادُ الجَمِيعِ هَذا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، أوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ سُمِعَ مِنهم هَذا القَوْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، أوْ هو ومُعَتِّبٌ وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وأصْحابُهم.

واللّامُ في ”لِإخْوانِهِمْ“ لامُ السَّبَبِ، أيْ لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، ولَيْسَتْ لامَ التَّبْلِيغِ نَحْوَ: قُلْتُ لَكَ. والأُخُوَّةُ هُنا أُخُوَّةُ النَّسَبِ؛ إذْ كانَ قَتْلى أُحُدٍ مِنَ الأنْصارِ، وأكْثَرُهم مِنَ الخَزْرَجِ، ولَمْ يُقْتَلْ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا أرْبَعَةٌ. وقِيلَ: خَمْسَةٌ. ويَكُونُ القائِلُونَ مُنافِقِي الأنْصارِ، جَمَعَهم أبٌ قَرِيبٌ أوْ بَعِيدٌ، أوْ أُخُوَّةُ المُعْتَقَدِ والتَّآلُفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقالَ:

؎صَفَحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وقُلْنا القَوْمُ إخْوانُ

والضَّرْبُ في الأرْضِ: الإبْعادُ فِيها، والذَّهابُ لِحاجَةِ الإنْسانِ. وقالَ السُّدِّيُّ: الضَّرْبُ هُنا السَّيْرُ في التِّجارَةِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: السَّيْرُ في الطّاعاتِ.

وإذا ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ، و”قالُوا“ ماضٍ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ. فَمِنهم مَن جَرَّدَهُ عَنْ الِاسْتِقْبالِ وجَعَلَهُ لِمُطْلَقِ الوَقْتِ بِمَعْنى حِينَ، فَأعْمَلُ فِيهِ قالَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلَتْ إذا وهي حَرْفُ اسْتِقْبالٍ مِن حَيْثُ الَّذِينَ اسْمٌ فِيهِ إبْهامٌ يَعُمُّ مَن قالَ في الماضِي ومَن يَقُولُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِن حَيْثُ هَذِهِ النّازِلَةِ تُتَصَوَّرُ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ قِيلَ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ مَعَ قالُوا ؟ (قُلْتُ): هو حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ، كَقَوْلِكَ: حِينَ تَضْرِبُونَ في الأرْضِ. انْتَهى كَلامُهُ. ويُمْكِنُ إقْرارُ ”إذا“ عَلى ما اسْتَقَرَّ لَها مِنَ الِاسْتِقْبالِ، والعامِلُ فِيها مُضافٌ مُسْتَقْبَلٌ مَحْذُوفٌ، وهو لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ غايَةُ ما فِيهِ أنّا نُقَدِّرُهُ مُسْتَقْبَلًا حَتّى يَعْمَلَ في الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ، لَكِنْ يَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: لَوْ كانُوا عائِدًا عَلى إخْوانِهِمْ لَفْظًا، وعَلى غَيْرِهِمْ مَعْنًى، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ [فاطر: ١١] وقَوْلُ العَرَبِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎قالَتْ ألا لَيْتَما هَذا الحَمامُ لَنا ∗∗∗ إلى حَمامَتِنا ونِصْفُهُ فَقَدِ

المَعْنى: مِن مُعَمَّرٍ آخَرَ ونِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، ونِصْفُ حَمامٍ آخَرَ، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى دِرْهَمٍ والحَمامِ لَفْظًا لا مَعْنًى. كَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”لَوْ كانُوا“، يَعُودُ عَلى إخْوانِهِمْ لَفْظًا. والمَعْنى: لَوْ كانَ …

Aal-i-Imraan 3:156Listen in Qur'an →
157

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

And if you are killed in the cause of Allah or die - then forgiveness from Allah and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذا تَكْذِيبُ الكُفّارِ في دَعْواهم أنَّ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ في سَفَرٍ وغَزْوٍ لَوْ كانَ أقامَ ما ماتَ وما قُتِلَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلتَّخاذُلِ عَنِ الغَزْوِ، وأخْبَرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ إنْ تَمَّ ما يَحْذَرُونَهُ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ المَوْتِ فِيهِ، فَما يَحْصُلُ لَهم مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَنافِعِها لَوْ لَمْ يَهْلَكُوا بِالقَتْلِ أوِ المَوْتِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ اللّامَ في ”لَئِنْ“ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ هو: ”لَمَغْفِرَةٌ“، وكانَ نَكِرَةً إشارَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ المُؤْمِنِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ بِقَوْلِهِ: ”مِنَ اللَّهِ“، وعَطَفَ عَلَيْهِ نَكِرَةً، ومُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها كَوْنُها عُطِفَتْ عَلى ما يَسُوغُ بِهِ الِابْتِداءُ. أوْ كَوْنُها مَوْصُوفَةً في المَعْنى، إذِ التَّقْدِيرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ. وثَمَّ صِفَةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ لا بُدَّ مِنها وتَقْدِيرُها: ورَحْمَةٌ لَكم. وخَيْرٌ هُنا عَلى بابِها مِن كَوْنِها أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن طِلاعِ الأرْضِ ذَهَبَةٌ حَمْراءُ. وارْتِفاعُ خَيْرٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: لَمَغْفِرَةٌ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَمَغْفِرَةٌ إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً؛ إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ. ويَجِيءُ التَّقْدِيرُ لِذَلِكَ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ. وقَوْلُهُ: خَيْرٌ صِفَةٌ لا خَبَرُ ابْتِداءٍ. انْتَهى قَوْلُهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي هو ”إنْ قُتِلْتُمْ“ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: سَدَّ مَسَدَّ جَوابَ الشَّرْطِ، إنْ عَنى أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، فَصَحِيحٌ، وإنْ عَنى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جُعِلَتِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ لِمَنِ اتَّفَقَ لَهُ أحَدُ هَذَيْنِ: القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوِ المَوْتُ فِيهِ.

وقالَ الرّازِيُّ: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ خَوْفًا مِن عِقابِهِ، ورَحْمَةٌ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ لِطَلَبِ ثَوابِهِ. انْتَهى. ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، وقَدَّمَ القَتْلَ هُنا لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ في تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ؛ إذِ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أعْظَمُ ثَوابًا مِنَ المَوْتِ في سَبِيلِهِ.

قالَ الرّاغِبُ: تَضَمَّنَتْ هاتانِ الآيَتانِ إلْزامًا هو جارٍ مَجْرى قِياسَيْنِ شَرْطِيَّيْنِ اقْتَضَيا الحِرْصَ عَلى القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَمْثِيلُهُ: إنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ، حَصَلَتْ لَكُمُ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، وهُما خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. فَإذا المَوْتُ والقَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ فالحَشْرُ لَكم حاصِلٌ. وإذا كانَ المَوْتُ والقَتْلُ لا بُدَّ مِنهُ والحَشْرُ، فَنَتِيجَةُ ذَلِكَ أنَّ القَتْلَ والمَوْتَ اللَّذَيْنِ يُوجِبانِ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ خَيْرٌ مِنَ …

Aal-i-Imraan 3:157Listen in Qur'an →
158

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ

And whether you die or are killed, unto Allah you will be gathered.

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾: تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذا تَكْذِيبُ الكُفّارِ في دَعْواهم أنَّ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ في سَفَرٍ وغَزْوٍ لَوْ كانَ أقامَ ما ماتَ وما قُتِلَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لِلتَّخاذُلِ عَنِ الغَزْوِ، وأخْبَرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ إنْ تَمَّ ما يَحْذَرُونَهُ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ المَوْتِ فِيهِ، فَما يَحْصُلُ لَهم مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِن حُطامِ الدُّنْيا ومَنافِعِها لَوْ لَمْ يَهْلَكُوا بِالقَتْلِ أوِ المَوْتِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ اللّامَ في ”لَئِنْ“ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ هو: ”لَمَغْفِرَةٌ“، وكانَ نَكِرَةً إشارَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ المُؤْمِنِ. وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ بِقَوْلِهِ: ”مِنَ اللَّهِ“، وعَطَفَ عَلَيْهِ نَكِرَةً، ومُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها كَوْنُها عُطِفَتْ عَلى ما يَسُوغُ بِهِ الِابْتِداءُ. أوْ كَوْنُها مَوْصُوفَةً في المَعْنى، إذِ التَّقْدِيرُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ. وثَمَّ صِفَةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ لا بُدَّ مِنها وتَقْدِيرُها: ورَحْمَةٌ لَكم. وخَيْرٌ هُنا عَلى بابِها مِن كَوْنِها أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَيْرٌ مِن طِلاعِ الأرْضِ ذَهَبَةٌ حَمْراءُ. وارْتِفاعُ خَيْرٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: لَمَغْفِرَةٌ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَمَغْفِرَةٌ إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً؛ إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ. ويَجِيءُ التَّقْدِيرُ لِذَلِكَ: مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ. وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ. وقَوْلُهُ: خَيْرٌ صِفَةٌ لا خَبَرُ ابْتِداءٍ. انْتَهى قَوْلُهُ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي هو ”إنْ قُتِلْتُمْ“ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: سَدَّ مَسَدَّ جَوابَ الشَّرْطِ، إنْ عَنى أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، فَصَحِيحٌ، وإنْ عَنى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جُعِلَتِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ لِمَنِ اتَّفَقَ لَهُ أحَدُ هَذَيْنِ: القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوِ المَوْتُ فِيهِ.

وقالَ الرّازِيُّ: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ خَوْفًا مِن عِقابِهِ، ورَحْمَةٌ إشارَةٌ إلى تَعَبُّدِهِ لِطَلَبِ ثَوابِهِ. انْتَهى. ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، وقَدَّمَ القَتْلَ هُنا لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ في تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ؛ إذِ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أعْظَمُ ثَوابًا مِنَ المَوْتِ في سَبِيلِهِ.

قالَ الرّاغِبُ: تَضَمَّنَتْ هاتانِ الآيَتانِ إلْزامًا هو جارٍ مَجْرى قِياسَيْنِ شَرْطِيَّيْنِ اقْتَضَيا الحِرْصَ عَلى القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَمْثِيلُهُ: إنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ، حَصَلَتْ لَكُمُ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، وهُما خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. فَإذا المَوْتُ والقَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ. ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ فالحَشْرُ لَكم حاصِلٌ. وإذا كانَ المَوْتُ والقَتْلُ لا بُدَّ مِنهُ والحَشْرُ، فَنَتِيجَةُ ذَلِكَ أنَّ القَتْلَ والمَوْتَ اللَّذَيْنِ يُوجِبانِ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ خَيْرٌ مِنَ …

Aal-i-Imraan 3:158Listen in Qur'an →
159

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ

So by mercy from Allah, [O Muhammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allah. Indeed, Allah loves those who rely [upon Him].

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقُ الرَّحْمَةِ المُؤْمِنُونَ. فالمَعْنى: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِنْتَ لَهم، فَتَكُونُ الرَّحْمَةُ امْتُنَّ بِها عَلَيْهِمْ. أيْ: دَمِثَتْ أخْلاقُكَ ولانَ جانِبُكَ لَهم بَعْدَ ما خالَفُوا أمَرَكَ وعَصَوْكَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وذَلِكَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ إيّاهم. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الرَّحْمَةِ المُخاطَبُ، أيْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ إيّاكَ جَعَلَكَ لَيِّنَ الجانِبِ مُوَطَّأ الأكْنافِ، فَرَحِمْتَهم ولِنْتَ لَهم، ولَمْ تُؤاخِذْهم بِالعِصْيانِ والفِرارِ وإفْرادِكَ لِلْأعْداءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الرَّحْمَةِ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ جَعَلَهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وبَعْثَهُ بِتَتْمِيمِ مَحاسِنِ الأخْلاقِ والمُؤْمِنِينَ، بِأنْ لَيَّنَهُ لَهم.

و”ما“ هُنا زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وزِيادَتُها بَيْنَ الباءِ وعَنْ ومِن والكافِ، وبَيْنَ مَجْرُوراتِها شَيْءٌ مَعْرُوفٌ في اللِّسانِ، مُقَرَّرٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّها نَكِرَةٌ تامَّةٌ، و”رَحْمَةٍ“ بَدَلٌ مِنها. كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِشَيْءٍ أُبْهِمَ، ثُمَّ أُبْدِلَ عَلى سَبِيلِ التَّوْضِيحِ، فَقالَ: رَحْمَةٌ. وكَأنَّ قائِلَ هَذا يَفِرُّ مِنَ الإطْلاقِ عَلَيْها أنَّها زائِدَةٌ. وقِيلَ: ”ما“ هُنا اسْتِفْهامِيَّةٌ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ المُحَقِّقُونَ: دُخُولُ اللَّفْظِ المُهْمَلِ الوَضْعِ في كَلامِ أحْكَمِ الحاكِمِينَ غَيْرُ جائِزٍ، وهُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّعَجُّبِ تَقْدِيرُهُ: فَبِأيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، وذَلِكَ بِأنَّ جِنايَتَهم لَمّا كانَتْ عَظِيمَةً ثُمَّ إنَّهُ ما أظْهَرَ ألْبَتَّةَ تَغْلِيظًا في القَوْلِ، ولا خُشُونَةً في الكَلامِ، عَلِمُوا أنَّ هَذا لا يَتَأتّى إلّا بِتَأْيِيدٍ رَبّانِيٍّ قَبْلَ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وما قالَهُ المُحَقِّقُونَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ زِيادَةَ ”ما“ لِلتَّوْكِيدِ لا يُنْكِرُهُ في أماكِنِهِ مَن لَهُ أدْنى تَعَلُّقٍ بِالعَرَبِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ مَن يَتَعاطى تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ، ولَيْسَ ما في هَذا المَكانِ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ أحَدٌ مُهْمَلًا فَلا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَأْوِيلِها بِأنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا لِلتَّعَجُّبِ. ثُمَّ إنَّ تَقْدِيرَهُ ذَلِكَ: فَبِأيِّ رَحْمَةٍ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ما مُضافَةً لِلرَّحْمَةِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا تُضافُ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، ولا أسْماءُ الِاسْتِفْهامِ غَيْرُ ”أيٍّ“ بِلا خِلافٍ، و”كَمْ“ عَلى مَذْهَبِ أبِي إسْحاقَ. والثّانِي: إذا لَمْ تَصِحَّ الإضافَةُ فَيَكُونُ إعْرابُهُ بَدَلًا، وإذا كانَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ فَلا بُدَّ مِن إعادَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في البَدَلِ، وهَذا الرَّجُلُ لَحَظَ المَعْنى ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ مِن أحْكامِ الألْفاظِ، وكانَ يُغْنِيهِ عَنْ هَذا الِارْتِباكِ والتَّسَلُّقِ إلى ما لا يُحْسِنُهُ والتَّسَوُّرُ عَلَيْهِ قَوْلُ الزَّجّاجِ في ”ما“ هَذِهِ: إنَّها صِلَةٌ فِيها مَعْنى التَّوْكِيدِ بِإجْماعِ النَّحْوِيِّينَ.

﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾: بَيَّنَ تَعالى أنَّ ثَمَرَةَ اللِّينِ هي المَحَبَّةُ، والِاجْتِماعُ عَلَيْهِ. وأنَّ خِلافَها مِنَ الجَفْوَةِ والخُشُونَةِ مُؤَدٍّ إلى التَّفَرُّقِ، والمَعْنى: لَوْ شافَهْتُهم بِالمَلامَةِ عَلى ما صَدَرَ مِنهم مِنَ المُخالَفَةِ والفِرارِ لِتَفَرَّقُوا مِن حَوْلِكَ هَيْبَةً مِنكَ وحَياءً، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَفَرُّقِ كَلِمَةِ الإسْلامِ …

Aal-i-Imraan 3:159Listen in Qur'an →
160

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

If Allah should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allah let the believers rely.

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾: هَذا التِفاتٌ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى الخِطابِ. ولَمّا أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ وبِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْضَحَ أنَّ ما صَدَرَ مِنَ النَّصْرِ أوِ الخِذْلانِ إنَّما هو راجِعٌ لِما يَشاءُ. وأنَّهُ مَتى نَصَرَكم لا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَكم أحَدٌ، ومَتى خَذَلَكم فَلا ناصِرَ لَكم فِيما وقَعَ لَكم مِنَ النَّصْرِ، أوْ بِكم مِنَ الخِذْلانِ كَيَوْمَيْ بَدْرٍ وأُحُدٍ، فَبِمَشِيئَتِهِ. وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهم عَمّا وقَعَ لَهم مِنَ الفِرارِ. ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ، وناطَ الأمْرَ بِالمُؤْمِنِينَ، فَنَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يُناسِبُ مَعَهُ التَّوَكُّلَ وهو الإيمانُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ مُصَدِّقٌ بِأنَّ اللَّهَ هو الفاعِلُ المُخْتارُ بِيَدِهِ النَّصْرُ والخِذْلانُ. وأشْرَكَهم مَعَ نَبِيِّهِمْ في مَطْلُوبِيَّةِ التَّوَكُّلِ، وهو إضافَةُ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِها إلَيْهِ.

والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ مِن فُرُوضِ الإيمانِ، ولَكِنَّهُ يَقْتَرِنُ بِالتَّشْمِيرِ في الطّاعَةِ والجَزامَةِ بِغايَةِ الجُهْدِ، ومُعاطاةِ أسْبابِ التَّحَرُّزِ، ولَيْسَ الإلْقاءُ بِاليَدِ والإهْمالُ لِما يَجِبُ مُراعاتُهُ بِتَوَكُّلٍ، وإنَّما هو كَما قالَ: ”قَيِّدْها وتَوَكَّلْ“ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] والضَّمِيرُ في ”مِن بَعْدِهِ“ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ، أيْ مِن بَعْدِ ما يُخْذَلُ مِنَ الَّذِي يُنْصَرُ. وإمّا أنْ لا يُحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: إذا جاوَزْتَهُ إلى غَيْرِهِ وقَدْ خَذَلَكَ فَمَن ذا الَّذِي تُجاوِزُهُ إلَيْهِ فَيَنْصُرُكَ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“، أيْ: مِن بَعْدِ الخِذْلانِ. وجاءَ جَوابُ: إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ بِصَرِيحِ النَّفْيِ العامِّ، وجَوابُ ”﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾“ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ وهو الِاسْتِفْهامُ، وهو مِن تَنْوِيعِ الكَلامِ في الفَصاحَةِ والتَّلَطُّفِ بِالمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يُصَرِّحَ لَهم بِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهم، بَلْ أبْرَزَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَقْتَضِي السُّؤالَ عَنِ النّاصِرِ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى نَفْيِ النّاصِرِ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّرِيحِ والمُتَضَمِّنِ، فَلَمْ يُجْرِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ مَجْرى الكُفّارِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ بِالصَّرِيحِ أنَّهُ لا ناصِرَ لَهم كَقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] وظاهِرُ النُّصْرَةِ أنَّها في لِقاءِ العَدُوِّ، والإعانَةِ عَلى مُكافَحَتِهِ، والِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا النُّصْرَةَ بِالحُجَّةِ القاهِرَةِ، وبِالعاقِبَةِ في الآخِرَةِ. فَقالُوا: المَعْنى إنْ حَصَلَتْ لَكُمُ النُّصْرَةُ فَلا تَعُدُّوا ما يَعْرِضُ مِنَ العَوارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ في بَعْضِ الأحْوالِ غَلَبَةً، وإنْ خَذَلَكم في ذَلِكَ فَلا تَعُدُّوا ما يَحْصُلُ لَكم مِنَ القَهْرِ في الدُّنْيا نُصْرَةً، فالنُّصْرَةُ والخِذْلانُ مُعْتَبَرانِ بِالمَآلِ. وفي قَوْلِهِ: ”﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾“ إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ نَصَرَهُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ”وعَلى اللَّهِ“، ولِيَخُصَّ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم بِالتَّوَكُّلِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ عَلَّمَهم أنَّهُ لا ناصِرَ …

Aal-i-Imraan 3:160Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.