قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أيْ غَمًّا عَلى غَمٍّ يَعْنِي حُزْنًا عَلى حُزْنٍ أوْ أثابَكم غَمًّا بِسَبَبِ غَمِّكم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعِصْيانِ أمْرِهِ، والمُناسِبُ لِهَذا الغَمِّ بِحَسَبِ ما يَسْبِقُ الذِّهْنُ أنْ يَقُولَ لِكَيْ تَحْزَنُوا. أمّا قَوْلُهُ: ”لِكَيْلا تَحْزَنُوا“ فَهو مُشْكِلٌ لِأنَّ الغَمَّ سَبَبٌ لِلْحُزْنِ لا لِعَدَمِهِ.
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وعَلَيْهِ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى عَفا عَنْكم لِتَكُونَ حَلاوَةُ عَفْوِهِ تُزِيلُ عَنْكم ما نالَكم مِن غَمِّ القَتْلِ والجِراحِ، وفَوْتِ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ والجَزَعِ مِن إشاعَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَهُ المُشْرِكُونَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى غَمَّكم هَذا الغَمَّ لِكَيْ تَتَمَرَّنُوا عَلى نَوائِبِ الدَّهْرِ، فَلا يَحْصُلُ لَكُمُ الحُزْنُ في المُسْتَقْبَلِ، لِأنَّ مَنِ اعْتادَ الحَوادِثَ لا تُؤَثِّرُ عَلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ ”لا“ وصْلَةٌ وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى زِيادَتِها بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [ ٩٠ ]، وقَوْلِهِ: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] .