كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allah seized them for their sins. And Allah is severe in penalty.
وهَذِهِ مَسْألَةٌ كَلامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما هو خالِقُ الخَيْرِ ؟ أوْ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ ؟ فالأوَّلُ: قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلى مَذْهَبِهِ.
وقَرَأ الصِّدِّيقُ، وأبُو قائِلَةَ، والجَرّاحُ (لا تَزُغْ قُلُوبُنا) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الباءِ وقَرَأ بَعْضُهم (لا يَزُغْ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً، ورَفْعِ باءِ (قُلُوبُنا) جَعَلَهُ مِن زاغَ، وأسْنَدَهُ إلى القُلُوبِ، وظاهِرُهُ نَهْيُ القُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وإنَّما هو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، و
؎لا أعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدامِعُهُ
أيْ: لا تُزِغْنا فَتَزِيغَ قُلُوبُنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ظاهِرُهُ الهِدايَةُ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الضَّلالِ، وقِيلَ: بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا لِلْعِلْمِ بِالمُحْكَمِ، والتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ مِن كِتابِكَ، و(إذْ) أصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وهُنا أُضِيفَ إلَيْها (بَعْدَ) فَصارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وهي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ، واسْتُصْحِبَ فِيها حالُها مِنَ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلَيْها تُخْرِجُها عَنْ هَذا الحُكْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] ؟ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الإنفطار: ١٩] في قِراءَةِ مَن رَفَعَ (يَوْمُ) وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا
عَلى حِينَ مَن تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلى حِينَ الكِرامِ قَلِيلُ ألا لَيْتَ أيّامَ الصَّفاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنا عَنْ بابِهِ، واسْتُعْمِلَ خَبَرًا ومَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ، واسْمَ لَيْتَ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ ؟
﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ سَألُوا بِلَفْظِ الهِبَةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولا عَمَلٍ ولا مُعاوَضَةٍ؛ لِأنَّ الهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وخَصُّوها بِأنَّها مِن عِنْدِهِ، والرَّحْمَةُ إنْ كانَتْ مِن صِفاتِ الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ فِيها الهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: نَعِيمًا، أوْ ثَوابًا صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ المَسْئُولُ صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أنْ يَسْألُوا الرَّحْمَةَ إجْراءً لِلسَّبَبِ مَجْرى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: مَعْنى (رَحْمَةً) تَوْفِيقًا وسَدادًا وتَثْبِيتًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهُدى.
﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ هَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وهَبْ لَنا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذا المُشْكِلَ إنَّكَ أنْتَ العالِمُ بِالمُشْكِلاتِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي عَلى فَعّالٍ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوا: وهُوبٌ، لِمُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ، ويَجُوزُ في (أنْتَ) التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، والفَصْلُ، والِابْتِداءُ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا سَألُوهُ تَعالى أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ الهِدايَةِ، وكانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفاءِ الزَّيْغِ والهِدايَةِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أخْبَرُوا أنَّهم مُوقِنُونَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجازاةِ، وأنَّ اعْتِقادَ صِحَّةِ الوَعْدِ بِهِ هو الَّذِي هَداهم إلى سُؤالِ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم، ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، ومَعْنى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَن أخْبَرَ بِهِ، وإنْ كانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهو بِحالِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ فِيهِ.
وقِيلَ: اللّامُ، بِمَعْنى في، أيْ: في يَوْمٍ، ويَكُونُ المَجْمُوعُ لِأجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وظاهِرُ هَذا الجَمْعِ أنَّهُ …