Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 11–20 of 200

11

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allah seized them for their sins. And Allah is severe in penalty.

وهَذِهِ مَسْألَةٌ كَلامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما هو خالِقُ الخَيْرِ ؟ أوْ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ ؟ فالأوَّلُ: قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلى مَذْهَبِهِ.

وقَرَأ الصِّدِّيقُ، وأبُو قائِلَةَ، والجَرّاحُ (لا تَزُغْ قُلُوبُنا) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الباءِ وقَرَأ بَعْضُهم (لا يَزُغْ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً، ورَفْعِ باءِ (قُلُوبُنا) جَعَلَهُ مِن زاغَ، وأسْنَدَهُ إلى القُلُوبِ، وظاهِرُهُ نَهْيُ القُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وإنَّما هو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، و

؎لا أعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدامِعُهُ

أيْ: لا تُزِغْنا فَتَزِيغَ قُلُوبُنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ظاهِرُهُ الهِدايَةُ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الضَّلالِ، وقِيلَ: بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا لِلْعِلْمِ بِالمُحْكَمِ، والتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ مِن كِتابِكَ، و(إذْ) أصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وهُنا أُضِيفَ إلَيْها (بَعْدَ) فَصارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وهي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ، واسْتُصْحِبَ فِيها حالُها مِنَ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلَيْها تُخْرِجُها عَنْ هَذا الحُكْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] ؟ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الإنفطار: ١٩] في قِراءَةِ مَن رَفَعَ (يَوْمُ) وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا

عَلى حِينَ مَن تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلى حِينَ الكِرامِ قَلِيلُ ألا لَيْتَ أيّامَ الصَّفاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنا عَنْ بابِهِ، واسْتُعْمِلَ خَبَرًا ومَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ، واسْمَ لَيْتَ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ ؟

﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ سَألُوا بِلَفْظِ الهِبَةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولا عَمَلٍ ولا مُعاوَضَةٍ؛ لِأنَّ الهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وخَصُّوها بِأنَّها مِن عِنْدِهِ، والرَّحْمَةُ إنْ كانَتْ مِن صِفاتِ الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ فِيها الهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: نَعِيمًا، أوْ ثَوابًا صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ المَسْئُولُ صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أنْ يَسْألُوا الرَّحْمَةَ إجْراءً لِلسَّبَبِ مَجْرى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: مَعْنى (رَحْمَةً) تَوْفِيقًا وسَدادًا وتَثْبِيتًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهُدى.

﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ هَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وهَبْ لَنا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذا المُشْكِلَ إنَّكَ أنْتَ العالِمُ بِالمُشْكِلاتِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي عَلى فَعّالٍ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوا: وهُوبٌ، لِمُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ، ويَجُوزُ في (أنْتَ) التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، والفَصْلُ، والِابْتِداءُ.

﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا سَألُوهُ تَعالى أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ الهِدايَةِ، وكانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفاءِ الزَّيْغِ والهِدايَةِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أخْبَرُوا أنَّهم مُوقِنُونَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجازاةِ، وأنَّ اعْتِقادَ صِحَّةِ الوَعْدِ بِهِ هو الَّذِي هَداهم إلى سُؤالِ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم، ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، ومَعْنى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَن أخْبَرَ بِهِ، وإنْ كانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهو بِحالِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ فِيهِ.

وقِيلَ: اللّامُ، بِمَعْنى في، أيْ: في يَوْمٍ، ويَكُونُ المَجْمُوعُ لِأجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وظاهِرُ هَذا الجَمْعِ أنَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .

العِبْرَةُ: الِاتِّعاظُ يُقالُ مِنهُ: اعْتَبَرَ، وهو الِاسْتِدْلالُ بِشَيْءٍ عَلى شَيْءٍ يُشْبِهُهُ، واشْتِقاقُها مِنَ العُبُورِ، وهو مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ: عِبْرُ النَّهْرِ، وهو شَطُّهُ، والمِعْبَرُ: السَّفِينَةُ، والعِبارَةُ يُعَبِّرُ بِها إلى المُخاطَبِ بِالمَعانِي، وعَبَرْتَ الرُّؤْيا مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا: نَقَلْتَ ما عِنْدَكَ مِن عِلْمِها إلى الرّائِي أوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجْهَلُ. وكانَ الِاعْتِبارُ انْتِقالًا عَنْ مَنزِلَةِ الجَهْلِ إلى مَنزِلَةِ العِلْمِ، ومِنهُ العَبْرَةُ: وهي الدَّمْعُ؛ لِأنَّها تُجاوِزُ العَيْنَ.

الشَّهْوَةُ: ما تَدْعُوَ النَّفْسُ إلَيْهِ، والفِعْلُ مِنهُ: اشْتَهى، ويُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ فَيُقالُ: شَهَواتٍ، ووَجَدْتُ أنا في شِعْرِ العَرَبِ جَمْعَها عَلى: شُهًى، نَحْوَ: نَزْوَةٌ ونُزًى، وكَوَّةٌ وكُوًى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ: كُوًى جَمْعُ كَوَّةٍ، بِفَتْحِ الكافِ، وهَذا مَعَ: قَرْيَةٍ وقُرًى، ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِمّا جاءَ عَلى وزْنِ ”فَعْلَةٍ“ مُعْتَلِّ اللّامِ، وجُمِعَ عَلى ”فُعَلٍ“، واسْتَدْرَكْتُ أنا: شُهًى، وقالَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي نَضْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ:

؎فَلَوْلا الشُّهى واللَّهِ كُنْتُ جَدِيرَةً بِأنْ أتْرُكَ اللَّذّاتِ في كُلِّ مَشْهَدِ

القِنْطارُ: فِنْعالُ نُونُهُ زائِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، فَيَكُونُ وزْنُهُ: فِنْعالًا مِن: قَطَرَ يَقْطُرُ. وقِيلَ: أصْلٌ؛ ووَزْنُ ”فِعْلالٍ“، فِيهِ خِلافٌ: أهْوَ واقِعٌ عَلى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ ؟ أمْ هو وزْنٌ لا يُحَدُّ ولا يُحْصَرُ ؟ والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ العَدَدِ، ويَأْتِي ذَلِكَ في التَّفْسِيرِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ويُقالُ مِنهُ: قَنْطَرَ لِرَجُلٍ إذا كانَ عِنْدَهُ قَناطِيرُ، أوْ قِنْطارٌ مِنَ المالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ، عَقَدْتُهُ وأحْكَمْتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةَ لِإحْكامِها؛ وقِيلَ: قَنْطَرْتُهُ: عَبَّيْتُهُ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، ومِنهُ سُمِّيَ القَنْطَرَةَ. فَشَبِهَ المالَ الكَثِيرَ الَّذِي يُعَبّى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ بِالقَنْطَرَةِ.

الذَّهَبُ: مَعْرُوفٌ، وهو مُؤَنَّثٌ، يُجْمَعُ عَلى ذِهابٍ وذُهُوبٍ. وقِيلَ: الذَّهَبُ جَمْعُ ذَهَبَةٍ.

والفِضَّةُ: مَعْرُوفَةٌ، وجَمْعُها فِضَضٌ، فالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهابِ، والفِضَّةُ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ: تَفَرَّقَ، ومِنهُ: فَضَضْتُ القَوْمَ.

الخَيْلُ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، بَلْ واحِدُهُ: فَرَسٌ؛ وقِيلَ: واحِدُهُ: خايِلٌ، كَراكِبٍ ورَكْبٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاخْتِيالِها في مَشْيِها. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ التَّخَيُّلِ، لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ في صُورَةِ مَن هو أعْظَمُ مِنهُ. وقِيلَ: الِاخْتِيالُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخَيُّلِ.

النَّعَمُ: الإبِلُ فَقَطْ، قالَ الفَرّاءُ: وهو مُذَكَّرٌ، ولا يُؤَنَّثُ، يَقُولُونَ هَذا نَعَمٌ وارِدٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: النَّعَمُ: يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإذا جُمِعَ انْطَلَقَ عَلى الإبِلِ …

Aal-i-Imraan 3:12Listen in Qur'an →
13

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌۭ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌۭ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌۭ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ

Already there has been for you a sign in the two armies which met - one fighting in the cause of Allah and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight. But Allah supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .

العِبْرَةُ: الِاتِّعاظُ يُقالُ مِنهُ: اعْتَبَرَ، وهو الِاسْتِدْلالُ بِشَيْءٍ عَلى شَيْءٍ يُشْبِهُهُ، واشْتِقاقُها مِنَ العُبُورِ، وهو مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ: عِبْرُ النَّهْرِ، وهو شَطُّهُ، والمِعْبَرُ: السَّفِينَةُ، والعِبارَةُ يُعَبِّرُ بِها إلى المُخاطَبِ بِالمَعانِي، وعَبَرْتَ الرُّؤْيا مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا: نَقَلْتَ ما عِنْدَكَ مِن عِلْمِها إلى الرّائِي أوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجْهَلُ. وكانَ الِاعْتِبارُ انْتِقالًا عَنْ مَنزِلَةِ الجَهْلِ إلى مَنزِلَةِ العِلْمِ، ومِنهُ العَبْرَةُ: وهي الدَّمْعُ؛ لِأنَّها تُجاوِزُ العَيْنَ.

الشَّهْوَةُ: ما تَدْعُوَ النَّفْسُ إلَيْهِ، والفِعْلُ مِنهُ: اشْتَهى، ويُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ فَيُقالُ: شَهَواتٍ، ووَجَدْتُ أنا في شِعْرِ العَرَبِ جَمْعَها عَلى: شُهًى، نَحْوَ: نَزْوَةٌ ونُزًى، وكَوَّةٌ وكُوًى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ: كُوًى جَمْعُ كَوَّةٍ، بِفَتْحِ الكافِ، وهَذا مَعَ: قَرْيَةٍ وقُرًى، ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِمّا جاءَ عَلى وزْنِ ”فَعْلَةٍ“ مُعْتَلِّ اللّامِ، وجُمِعَ عَلى ”فُعَلٍ“، واسْتَدْرَكْتُ أنا: شُهًى، وقالَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي نَضْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ:

؎فَلَوْلا الشُّهى واللَّهِ كُنْتُ جَدِيرَةً بِأنْ أتْرُكَ اللَّذّاتِ في كُلِّ مَشْهَدِ

القِنْطارُ: فِنْعالُ نُونُهُ زائِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، فَيَكُونُ وزْنُهُ: فِنْعالًا مِن: قَطَرَ يَقْطُرُ. وقِيلَ: أصْلٌ؛ ووَزْنُ ”فِعْلالٍ“، فِيهِ خِلافٌ: أهْوَ واقِعٌ عَلى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ ؟ أمْ هو وزْنٌ لا يُحَدُّ ولا يُحْصَرُ ؟ والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ العَدَدِ، ويَأْتِي ذَلِكَ في التَّفْسِيرِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ويُقالُ مِنهُ: قَنْطَرَ لِرَجُلٍ إذا كانَ عِنْدَهُ قَناطِيرُ، أوْ قِنْطارٌ مِنَ المالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ، عَقَدْتُهُ وأحْكَمْتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةَ لِإحْكامِها؛ وقِيلَ: قَنْطَرْتُهُ: عَبَّيْتُهُ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، ومِنهُ سُمِّيَ القَنْطَرَةَ. فَشَبِهَ المالَ الكَثِيرَ الَّذِي يُعَبّى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ بِالقَنْطَرَةِ.

الذَّهَبُ: مَعْرُوفٌ، وهو مُؤَنَّثٌ، يُجْمَعُ عَلى ذِهابٍ وذُهُوبٍ. وقِيلَ: الذَّهَبُ جَمْعُ ذَهَبَةٍ.

والفِضَّةُ: مَعْرُوفَةٌ، وجَمْعُها فِضَضٌ، فالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهابِ، والفِضَّةُ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ: تَفَرَّقَ، ومِنهُ: فَضَضْتُ القَوْمَ.

الخَيْلُ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، بَلْ واحِدُهُ: فَرَسٌ؛ وقِيلَ: واحِدُهُ: خايِلٌ، كَراكِبٍ ورَكْبٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاخْتِيالِها في مَشْيِها. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ التَّخَيُّلِ، لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ في صُورَةِ مَن هو أعْظَمُ مِنهُ. وقِيلَ: الِاخْتِيالُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخَيُّلِ.

النَّعَمُ: الإبِلُ فَقَطْ، قالَ الفَرّاءُ: وهو مُذَكَّرٌ، ولا يُؤَنَّثُ، يَقُولُونَ هَذا نَعَمٌ وارِدٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: النَّعَمُ: يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإذا جُمِعَ انْطَلَقَ عَلى الإبِلِ …

Aal-i-Imraan 3:13Listen in Qur'an →
14

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ

Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allah has with Him the best return.

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .

العِبْرَةُ: الِاتِّعاظُ يُقالُ مِنهُ: اعْتَبَرَ، وهو الِاسْتِدْلالُ بِشَيْءٍ عَلى شَيْءٍ يُشْبِهُهُ، واشْتِقاقُها مِنَ العُبُورِ، وهو مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ: عِبْرُ النَّهْرِ، وهو شَطُّهُ، والمِعْبَرُ: السَّفِينَةُ، والعِبارَةُ يُعَبِّرُ بِها إلى المُخاطَبِ بِالمَعانِي، وعَبَرْتَ الرُّؤْيا مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا: نَقَلْتَ ما عِنْدَكَ مِن عِلْمِها إلى الرّائِي أوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجْهَلُ. وكانَ الِاعْتِبارُ انْتِقالًا عَنْ مَنزِلَةِ الجَهْلِ إلى مَنزِلَةِ العِلْمِ، ومِنهُ العَبْرَةُ: وهي الدَّمْعُ؛ لِأنَّها تُجاوِزُ العَيْنَ.

الشَّهْوَةُ: ما تَدْعُوَ النَّفْسُ إلَيْهِ، والفِعْلُ مِنهُ: اشْتَهى، ويُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ فَيُقالُ: شَهَواتٍ، ووَجَدْتُ أنا في شِعْرِ العَرَبِ جَمْعَها عَلى: شُهًى، نَحْوَ: نَزْوَةٌ ونُزًى، وكَوَّةٌ وكُوًى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ: كُوًى جَمْعُ كَوَّةٍ، بِفَتْحِ الكافِ، وهَذا مَعَ: قَرْيَةٍ وقُرًى، ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِمّا جاءَ عَلى وزْنِ ”فَعْلَةٍ“ مُعْتَلِّ اللّامِ، وجُمِعَ عَلى ”فُعَلٍ“، واسْتَدْرَكْتُ أنا: شُهًى، وقالَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي نَضْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ:

؎فَلَوْلا الشُّهى واللَّهِ كُنْتُ جَدِيرَةً بِأنْ أتْرُكَ اللَّذّاتِ في كُلِّ مَشْهَدِ

القِنْطارُ: فِنْعالُ نُونُهُ زائِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، فَيَكُونُ وزْنُهُ: فِنْعالًا مِن: قَطَرَ يَقْطُرُ. وقِيلَ: أصْلٌ؛ ووَزْنُ ”فِعْلالٍ“، فِيهِ خِلافٌ: أهْوَ واقِعٌ عَلى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ ؟ أمْ هو وزْنٌ لا يُحَدُّ ولا يُحْصَرُ ؟ والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ العَدَدِ، ويَأْتِي ذَلِكَ في التَّفْسِيرِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ويُقالُ مِنهُ: قَنْطَرَ لِرَجُلٍ إذا كانَ عِنْدَهُ قَناطِيرُ، أوْ قِنْطارٌ مِنَ المالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ، عَقَدْتُهُ وأحْكَمْتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةَ لِإحْكامِها؛ وقِيلَ: قَنْطَرْتُهُ: عَبَّيْتُهُ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، ومِنهُ سُمِّيَ القَنْطَرَةَ. فَشَبِهَ المالَ الكَثِيرَ الَّذِي يُعَبّى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ بِالقَنْطَرَةِ.

الذَّهَبُ: مَعْرُوفٌ، وهو مُؤَنَّثٌ، يُجْمَعُ عَلى ذِهابٍ وذُهُوبٍ. وقِيلَ: الذَّهَبُ جَمْعُ ذَهَبَةٍ.

والفِضَّةُ: مَعْرُوفَةٌ، وجَمْعُها فِضَضٌ، فالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهابِ، والفِضَّةُ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ: تَفَرَّقَ، ومِنهُ: فَضَضْتُ القَوْمَ.

الخَيْلُ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، بَلْ واحِدُهُ: فَرَسٌ؛ وقِيلَ: واحِدُهُ: خايِلٌ، كَراكِبٍ ورَكْبٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاخْتِيالِها في مَشْيِها. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ التَّخَيُّلِ، لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ في صُورَةِ مَن هو أعْظَمُ مِنهُ. وقِيلَ: الِاخْتِيالُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخَيُّلِ.

النَّعَمُ: الإبِلُ فَقَطْ، قالَ الفَرّاءُ: وهو مُذَكَّرٌ، ولا يُؤَنَّثُ، يَقُولُونَ هَذا نَعَمٌ وارِدٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: النَّعَمُ: يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإذا جُمِعَ انْطَلَقَ عَلى الإبِلِ …

Aal-i-Imraan 3:14Listen in Qur'an →
15

۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allah will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allah. And Allah is Seeing of [His] servants -

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] . الرِّضْوانُ: مَصْدَرُ رَضِيَ، وكَسْرُ رائِهِ لُغَةُ الحِجازِ، وضَمُّها لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وقَيْسٍ، وغَيْلانَ. وقِيلَ: الكَسْرُ لِلِاسْمِ، ومِنهُ: رِضْوانٌ خازِنُ الجَنَّةِ، والضَّمُّ لِلْمَصْدَرِ.

السَّحَرُ: بِفَتْحِ الحاءِ، وسُكُونِها، قالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: الوَقْتُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ يُقالُ: تَسَحَّرَ أكْلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واسْتَحَرَ: سارَ فِيهِ قالَ.

؎بَكَّرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرَتْ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ

واسْتَحَرَ الطّائِرُ: صاحَ وتَحَرَّكَ فِيهِ قالَ:

؎يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطّائِرُ المُسْتَحِرْ

وأسْحَرَ الرَّجُلُ واسْتَحَرَ: دَخَلَ في السَّحَرِ قالَ:

؎وأدْلَجَ مِن طِيبَةَ مُسْرِعًا ∗∗∗ فَجاءَ إلَيْنا وقَدْ أسْحَرا

وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ السِّحْرُ: مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخَرِ إلى الفَجْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الأشْعارِ عَنِ العَرَبِ أنَّ السَّحَرَ يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ فِيما بَعْدُ الفَجْرِ. وقِيلَ: السَّحَرُ عِنْدَ العَرَبِ يَكُونُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ إلى الإسْفارِ. وأصْلُ السَّحَرِ الخَفاءُ لِلِطْفَةٍ، ومِنهُ السِّحْرُ والسَّحْرُ.

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ نَزَلَتْ حِينَ قالَ عُمَرُ عِنْدَما نَزَلَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] يا رَبِّ الآنَ حِينَ زَيَّنْتَها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ذَكَرَ المَآبَ وأنَّهُ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، لِأنَّهُ خَيْرٌ خالٍ مِن شَوْبِ المَضارِّ؛ وباقٍ لا يَنْقَطِعُ. والهَمْزَةُ في: أؤُنَبِّئُكم، الأُولى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى هَمْزَةِ المُضارَعَةِ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَحْقِيقِهِما، وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَيْنَهُما. ونَقَلَ ورْشٌ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، وحَذَفَ الهَمْزَةَ. وبِتَسْهِيلِها وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا، وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِها، وتَشْرِيفٌ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَمّا قالَ: ذَلِكَ مَتاعُ، فَأفْرَدَ، جاءَ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، فَأفْرَدَ اسْمَ الإشارَةِ، وإنْ كانَ هُناكَ مُشارًا بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو كَثِيرٌ. فَهَذا مُشارٌ بِهِ إلى ما أُشِيرَ بِذَلِكَ، وخَيْرٌ، هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، ويَكُونُ: مِن ذَلِكم، صِفَةً لِما يَلْزَمُ في ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ ما رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا مِمّا زَهِدُوا فِيهِ.

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، وجَنّاتٌ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو جَنّاتٌ، فَتَكُونُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: …

Aal-i-Imraan 3:15Listen in Qur'an →
16

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Those who say, "Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,"

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] . الرِّضْوانُ: مَصْدَرُ رَضِيَ، وكَسْرُ رائِهِ لُغَةُ الحِجازِ، وضَمُّها لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وقَيْسٍ، وغَيْلانَ. وقِيلَ: الكَسْرُ لِلِاسْمِ، ومِنهُ: رِضْوانٌ خازِنُ الجَنَّةِ، والضَّمُّ لِلْمَصْدَرِ.

السَّحَرُ: بِفَتْحِ الحاءِ، وسُكُونِها، قالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: الوَقْتُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ يُقالُ: تَسَحَّرَ أكْلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واسْتَحَرَ: سارَ فِيهِ قالَ.

؎بَكَّرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرَتْ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ

واسْتَحَرَ الطّائِرُ: صاحَ وتَحَرَّكَ فِيهِ قالَ:

؎يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطّائِرُ المُسْتَحِرْ

وأسْحَرَ الرَّجُلُ واسْتَحَرَ: دَخَلَ في السَّحَرِ قالَ:

؎وأدْلَجَ مِن طِيبَةَ مُسْرِعًا ∗∗∗ فَجاءَ إلَيْنا وقَدْ أسْحَرا

وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ السِّحْرُ: مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخَرِ إلى الفَجْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الأشْعارِ عَنِ العَرَبِ أنَّ السَّحَرَ يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ فِيما بَعْدُ الفَجْرِ. وقِيلَ: السَّحَرُ عِنْدَ العَرَبِ يَكُونُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ إلى الإسْفارِ. وأصْلُ السَّحَرِ الخَفاءُ لِلِطْفَةٍ، ومِنهُ السِّحْرُ والسَّحْرُ.

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ نَزَلَتْ حِينَ قالَ عُمَرُ عِنْدَما نَزَلَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] يا رَبِّ الآنَ حِينَ زَيَّنْتَها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ذَكَرَ المَآبَ وأنَّهُ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، لِأنَّهُ خَيْرٌ خالٍ مِن شَوْبِ المَضارِّ؛ وباقٍ لا يَنْقَطِعُ. والهَمْزَةُ في: أؤُنَبِّئُكم، الأُولى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى هَمْزَةِ المُضارَعَةِ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَحْقِيقِهِما، وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَيْنَهُما. ونَقَلَ ورْشٌ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، وحَذَفَ الهَمْزَةَ. وبِتَسْهِيلِها وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا، وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِها، وتَشْرِيفٌ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَمّا قالَ: ذَلِكَ مَتاعُ، فَأفْرَدَ، جاءَ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، فَأفْرَدَ اسْمَ الإشارَةِ، وإنْ كانَ هُناكَ مُشارًا بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو كَثِيرٌ. فَهَذا مُشارٌ بِهِ إلى ما أُشِيرَ بِذَلِكَ، وخَيْرٌ، هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، ويَكُونُ: مِن ذَلِكم، صِفَةً لِما يَلْزَمُ في ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ ما رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا مِمّا زَهِدُوا فِيهِ.

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، وجَنّاتٌ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو جَنّاتٌ، فَتَكُونُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: …

Aal-i-Imraan 3:16Listen in Qur'an →
17

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allah], and those who seek forgiveness before dawn.

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] . الرِّضْوانُ: مَصْدَرُ رَضِيَ، وكَسْرُ رائِهِ لُغَةُ الحِجازِ، وضَمُّها لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وقَيْسٍ، وغَيْلانَ. وقِيلَ: الكَسْرُ لِلِاسْمِ، ومِنهُ: رِضْوانٌ خازِنُ الجَنَّةِ، والضَّمُّ لِلْمَصْدَرِ.

السَّحَرُ: بِفَتْحِ الحاءِ، وسُكُونِها، قالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: الوَقْتُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ يُقالُ: تَسَحَّرَ أكْلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واسْتَحَرَ: سارَ فِيهِ قالَ.

؎بَكَّرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرَتْ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ

واسْتَحَرَ الطّائِرُ: صاحَ وتَحَرَّكَ فِيهِ قالَ:

؎يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطّائِرُ المُسْتَحِرْ

وأسْحَرَ الرَّجُلُ واسْتَحَرَ: دَخَلَ في السَّحَرِ قالَ:

؎وأدْلَجَ مِن طِيبَةَ مُسْرِعًا ∗∗∗ فَجاءَ إلَيْنا وقَدْ أسْحَرا

وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ السِّحْرُ: مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخَرِ إلى الفَجْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الأشْعارِ عَنِ العَرَبِ أنَّ السَّحَرَ يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ فِيما بَعْدُ الفَجْرِ. وقِيلَ: السَّحَرُ عِنْدَ العَرَبِ يَكُونُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ إلى الإسْفارِ. وأصْلُ السَّحَرِ الخَفاءُ لِلِطْفَةٍ، ومِنهُ السِّحْرُ والسَّحْرُ.

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ نَزَلَتْ حِينَ قالَ عُمَرُ عِنْدَما نَزَلَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] يا رَبِّ الآنَ حِينَ زَيَّنْتَها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ذَكَرَ المَآبَ وأنَّهُ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، لِأنَّهُ خَيْرٌ خالٍ مِن شَوْبِ المَضارِّ؛ وباقٍ لا يَنْقَطِعُ. والهَمْزَةُ في: أؤُنَبِّئُكم، الأُولى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى هَمْزَةِ المُضارَعَةِ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَحْقِيقِهِما، وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَيْنَهُما. ونَقَلَ ورْشٌ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، وحَذَفَ الهَمْزَةَ. وبِتَسْهِيلِها وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا، وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِها، وتَشْرِيفٌ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَمّا قالَ: ذَلِكَ مَتاعُ، فَأفْرَدَ، جاءَ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، فَأفْرَدَ اسْمَ الإشارَةِ، وإنْ كانَ هُناكَ مُشارًا بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو كَثِيرٌ. فَهَذا مُشارٌ بِهِ إلى ما أُشِيرَ بِذَلِكَ، وخَيْرٌ، هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، ويَكُونُ: مِن ذَلِكم، صِفَةً لِما يَلْزَمُ في ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ ما رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا مِمّا زَهِدُوا فِيهِ.

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، وجَنّاتٌ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو جَنّاتٌ، فَتَكُونُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: …

Aal-i-Imraan 3:17Listen in Qur'an →
18

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Allah witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

ومُشارَكَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى في الشَّهادَةِ، مِن حَيْثُ عُطِفا عَلَيْهِ لِصِحَّةِ نِسْبَةِ الإعْلامِ، أوْ صِحَّةِ نِسْبَةِ الإظْهارِ والبَيانِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ الإظْهارِ والبَيانِ، مِن حَيْثُ إنَّ إظْهارَهُ تَعالى بِخَلْقِ الدَّلائِلِ، وإظْهارَ المَلائِكَةِ بِتَقْرِيرِها لِلرُّسُلِ، والرُّسُلِ لِأُولِي العِلْمِ. وقالَ الواحِدِيُّ: شَهادَةُ اللَّهِ: بَيانُهُ وإظْهارُهُ، والشّاهِدُ هو العالِمُ الَّذِي بَيَّنَ ما عَلِمَهُ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ دَلالاتِ التَّوْحِيدِ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ، وشَهادَةُ المَلائِكَةِ بِمَعْنى الإقْرارِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ [الأنعام: ١٣٠] أيْ: أقْرَرْنا. فَنَسَّقَ شَهادَةَ المَلائِكَةِ عَلى شَهادَةِ اللَّهِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ مَعْنًى، لِتَماثُلِهِما لَفْظًا. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] لِأنَّها مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، والدُّعاءُ، وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ يَحْتَمِلُ الإقْرارَ، ويَحْتَمِلُ التَّبْيِينَ؛ لِأنَّهم أقَرُّوا وبَيَّنُوا انْتَهى. وقالَ المُؤَرِّجُ: شَهِدَ اللَّهُ، بِلُغَةِ قَيْسِ بْنِ غَيْلانَ. و﴿أُولُوا العِلْمِ﴾ قِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ. وقِيلَ: العُلَماءُ، وقِيلَ: مُؤْمِنُوَ أهْلِ الكِتابِ.

وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. وقِيلَ: عُلَماءُ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: المُؤْمِنُونَ. والمُرادُ بِأُولِي العِلْمِ: مَن كانَ مِنَ البَشَرِ عالِمًا، لِأنَّهم يَنْقَسِمُونَ إلى عالِمٍ وجاهِلٍ، بِخِلافِ المَلائِكَةِ، فَإنَّهم في العِلْمِ سَواءٌ. و﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾: مَفْعُولُ شَهِدَ، وفَصَلَ بِهِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ؛ لِيَدُلَّ عَلى الِاعْتِناءِ بِذِكْرِ المَفْعُولِ، ولِيَدُلَّ عَلى تَفاوُتِ دَرَجَةِ المُتَعاطِفَيْنِ، بِحَيْثُ لا يُنَسَّقانِ مُتَجاوِرَيْنِ. وقَدَّمَ المَلائِكَةَ عَلى أُولِي العِلْمِ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّهُمُ المَلَأُ الأعْلى، وعِلْمُهم كُلُّهُ ضَرُورِيٌّ، بِخِلافِ البَشَرِ، فَإنَّ عِلْمَهم ضَرُورِيٌّ واكْتِسابِيٌّ. وقَرَأ أبُو الشَّعْثاءِ: شُهِدَ، بِضَمِّ الشِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ: أنَّهُ، في مَوْضِعِ البَدَلِ أيْ: شَهِدَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وأُلُوهِيَّتَهُ. وارْتِفاعُ: المَلائِكَةُ، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: والمَلائِكَةُ وأُولُوَ العِلْمِ يَشْهَدُونَ. وحَذَفَ الخَبَرَ لِدَلالِ المَعْنى عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِإضْمارِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِدَلالَةِ ”شَهِدَ“ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إذا بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ فَإنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والتَّقْدِيرُ: وشَهِدَ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ، وأُولُو العِلْمِ. وقَرَأ أبُو المُهَلَّبِ، عَمُّ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ: شُهَداءَ اللَّهِ، عَلى وزْنِ: فُعَلاءَ، جَمْعًا مَنصُوبًا.

قالَ ابْنُ جِنِّي: عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في المُسْتَغْفِرِينَ. وقِيلَ: نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وهو جَمْعُ شُهَداءَ، وجَمْعُ شاهِدٍ: كَظُرَفاءَ وعُلَماءَ. ورُوِيَ عَنْهُ، وعَنْ أبِي نَهِيكٍ: شُهَداءُ اللَّهِ، بِالرَّفْعِ أيْ: هم شُهَداءُ اللَّهِ. وفي القِراءَتَيْنِ: شُهَداءُ، مُضافٌ إلى اسْمِ اللَّهِ.

ورُوِيَ عَنْ أبِي المُهَلَّبِ: شُهُدٌ بِضَمِّ الشِّينِ والهاءِ، جَمْعُ: شَهِيدٍ، كَنَذِيرٍ ونُذُرٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، واسْمُ اللَّهِ مَنصُوبٌ. وذَكَرَ النَّقّاشُ: أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ بِضَمِّ الدّالِ، وبِفَتْحِها مُضافًا لِاسْمِ اللَّهِ في القِراءَتَيْنِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أنَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:18Listen in Qur'an →
19

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Indeed, the religion in the sight of Allah is Islam. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allah, then indeed, Allah is swift in [taking] account.

﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ أيِ: المِلَّةُ والشَّرْعُ، والمَعْنى: إنَّ الدِّينَ المَقْبُولَ أوِ النّافِعَ أوِ المُقَرَّرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكِسائِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: أنَّ، بِالفَتْحِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةٌ هَذا التَّوْكِيدِ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنَّ قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا هو: تَوْحِيدٌ، وقَوْلَهُ: قائِمًا بِالقِسْطِ، تَعْدِيلٌ، فَإذا أرْدَفَهُ قَوْلُهُ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَقَدْ أذِنَ أنَّ الإسْلامَ هو العَدْلُ والتَّوْحِيدُ، وهو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ، وما عَداهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وفِيهِ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى تَشْبِيهٍ، أوْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، كَإجازَةِ الرُّؤْيَةِ، أوْ ذَهَبَ إلى الجَبْرِ الَّذِي هو مَحْضُ الجَوْرِ، لَمْ يَكُنْ عَلى دِينٍ لِلَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ، وهَذا بَيِّنٌ جَلِيٌّ كَما تَرى، انْتَهى كَلامُهُ. وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ مِن إنْكارِ الرُّؤْيَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ لا لِلَّهِ تَعالى. وأمّا قِراءَةُ الكِسائِيِّ ومَن وافَقَهُ في نَصْبِ: أنَّهُ، وأنَّ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهو هو، ألا تَرى أنَّ الدِّينَ الَّذِي هو الإسْلامُ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ، وهو هو في المَعْنى ؟ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَشْتَمِلُ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ.

وقالَ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ القِسْطِ، لِأنَّ الدِّينَ الَّذِي هو الإسْلامُ قِسْطٌ وعَدْلٌ، فَيَكُونُ أيْضًا مِن بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ. انْتَهَتْ تَخْرِيجاتُ أبِي عَلِيٍّ، وهو مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ يَشْتَمِلُ كَلامُهُ عَلى لَفْظِ المُعْتَزِلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ، وعَلى البَدَلِ مِن أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، خَرَّجَهُ غَيْرُهُ أيْضًا ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَرْكِيبٍ بَعِيدٍ أنْ يَأْتِيَ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وهو: عَرَفَ زَيْدٌ أنَّهُ لا شُجاعَ إلّا هو، وبَنُو تَمِيمٍ، وبَنُو دارِمٍ مُلاقِيًا لِلْحُرُوبِ لا شُجاعَ إلّا هو البَطَلُ المُحامِي، إنَّ الخَصْلَةَ الحَمِيدَةَ هي البَسالَةُ. وتَقْرِيبُ هَذا المِثالِ: ضَرَبَ زَيْدٌ عائِشَةَ، والعُمَرانِ حَنَقا أُخْتَكَ. فَحَنَقا: حالٌ مِن زَيْدٍ، وأُخْتَكَ: بَدَلٌ مِن عائِشَةَ، فَفَصَلَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالعَطْفِ، وهو لا يَجُوزُ. وبِالحالِ لِغَيْرِ المُبْدَلِ مِنهُ، وهو لا يَجُوزُ، لِأنَّهُ فَصْلٌ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ. وخَرَّجَها الطَّبَرِيُّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ، التَّقْدِيرُ: وأنَّ الدِّينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ضَعْفِهِ، ووَجْهُ ضَعْفِهِ أنَّهُ مُتَنافِرُ التَّرْكِيبِ مَعَ إضْمارِ حَرْفِ العَطْفِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ المَرْفُوعَيْنِ بِالمَنصُوبِ المَفْعُولِ، وبَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ المَنصُوبَيْنِ بِالمَرْفُوعِ المُشارِكِ الفاعِلَ في الفاعِلِيَّةِ، وبِجُمْلَتَيِ الِاعْتِراضِ، وصارَ في التَّرْكِيبِ دُونَ مُراعاةِ الفَصْلِ، نَحْوَ: أكَلَ زَيْدٌ خُبْزًا وعَمْرٌو وسَمَكًا. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أكَلَ زَيْدٌ وعَمْرٌو خُبْزًا وسَمَكًا. فَإنْ فَصَلْنا بَيْنَ قَوْلِكَ: وعَمْرٌوَ، وبَيْنَ …

Aal-i-Imraan 3:19Listen in Qur'an →
20

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّۦنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allah [in Islam], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned, "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islam], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allah is Seeing of [His] servants.

﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ الضَّمِيرُ في: حاجُّوكَ، الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٩] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَعُودُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى نَصارى نَجْرانَ، قَدِمُوا المَدِينَةَ لِلْمُحاجَّةِ. وظاهِرُ المِحاجِّ فِيهِ أنَّهُ دِينُ الإسْلامِ؛ لِأنَّهُ السّابِقُ. وجَوابُ الشَّرْطِ هو: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ والمَعْنى: انْقَدْتُ وأطَعْتُ وخَضَعْتُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جَمِيعِ ذاتِهِ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وإذا خَضَعَ الوَجْهُ فَما سِواهُ أخْضَعُ وقالَ المَرْوَزِيُّ، وسَبَقَهُ الفَرّاءُ إلى مَعْناهُ: مَعْنى أسْلَمْتُ وجْهِيَ، أيْ: دِينِيَ؛ لِأنَّ الإيمانَ كالوَجْهِ بَيْنَ الأعْمالِ إذْ هو الأصْلُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أقْوالٌ: أقُولُ لَكم، كَما قالَ ابْنُ نُعَيْمٍ: وقَدْ أجْمَعْتُمْ عَلى أنَّهُ مُحِقٌّ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأسْلَمْتُ وجْهِيَ، أيْ: أخْلَصْتُ نَفْسِيَ وعَمَلِيَ لِلَّهِ وحْدَهُ، لَمْ أجْعَلْ لَهُ شَرِيكًا بِأنْ أعْبُدَهُ وأدْعُوَ إلَهًا مَعَهُ، يَعْنِي أنَّ دِينِي التَّوْحِيدُ، وهو الدِّينُ القَدِيمُ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَكم صِحَّتُهُ، كَما ثَبَتَ عِنْدِي. وما جِئْتُ بِشَيْءٍ بَدِيعٍ حَتّى تُجادِلُونِي فِيهِ، ونَحْوِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآيَةَ، فَهو دَفْعٌ لِلْمُجادَلَةِ انْتَهى.

وفِي تَفْسِيرِهِ أطْلَقَ الوَجْهَ عَلى النَّفْسِ والعَمَلِ مَعًا، إلّا إنْ كانَ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى لا تَفْسِيرَ اللَّفْظِ، فَيَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ. وقالَ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ إيرادِ هَذا الكَلامِ طَرِيقانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إعْراضٌ عَنِ المُحاجَّةِ، إذْ قَدْ أظْهَرَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وذَلِكَ بِإظْهارِ بِالمُعْجِزاتِ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى في إلَهِيَّةِ عِيسى، وبِقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وذَكَرَ شُبَهَ القَوْمِ وأجابَ عَنْها، وذَكَرَ مُعْجِزاتٍ أُخْرى، وهي ما شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَيْنَ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ. والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّهُ إظْهارٌ لِلدَّلِيلِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِهَذا القَدْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، والخُلْفُ فِيما وراءَهُ، وعَلى المُدَّعِي الإثْباتُ. وأيْضًا كانُوا مُعَظِّمِينَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ كانَ مُحِقًّا، وقَدْ أُمِرَ أنْ يَتْبَعَ مِلَّتَهُ، وهُنا أُمِرَ أنْ يَقُولَ كَقَوْلِهِ، فَيَكُونُ هَذا مِن بابِ الإلْزامِ، أيْ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقِ مَن هو عِنْدَكم مُحِقٌّ، وهَذا قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وأيْضًا لِما تَقَدَّمَ أنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ، قِيلَ لَهُ: إنْ نازَعُوكَ فَقُلِ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنِّي أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ، فَهَذا تَمامُ الوَفاءِ بِلُزُومِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَصَحَّ أنَّ الدِّينَ الكامِلَ الإسْلامُ، وأيْضًا فالآيَةُ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِإبْراهِيمَ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا …

Aal-i-Imraan 3:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.