Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 141–150 of 200

141

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And that Allah may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يُطَهِّرَهم مِنَ الذُّنُوبِ، ويُخَلِّصَهم مِنَ العُيُوبِ، ويُصَفِّيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ: التَّمْحِيصُ: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎رَأيْتُ فُضَيْلًا كانَ شَيْئًا مُلَفَّفًا فَكَشَفَهُ التَّمْحِيصُ حَتّى بَدا لِيا

وقالَ الزَّجّاجُ: التَّنْقِيَةُ والتَّخْلِيصُ، وذَكَرَهُ عَنِ المُبَرِّدِ وعَنِ الخَلِيلِ. وقِيلَ: التَّطْهِيرُ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا.

﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ أيْ يُهْلِكَهم شَيْئًا فَشَيْئًا. والمَعْنى: أنَّ الدَّوْلَةَ إنْ كانَتْ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ كانَتْ سَبَبًا لِتَمْيِيزِ المُؤْمِنِ مِن غَيْرِهِ، وسَبَبًا لِاسْتِشْهادِ مَن قُتِلَ مِنهم، وسَبَبًا لِتَطْهِيرِ المُؤْمِنِ مِنَ الذَّنْبِ. فَقَدْ جَمَعَتْ فَوائِدَ كَثِيرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَ النَّصْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ كانَ سَبَبًا لِمَحْقِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ واسْتِئْصالِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: يُنْقِصُهم ويُقَلِّلُهم، وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُذْهِبُ دَعْوَتَهم. وقِيلَ: يُحْبِطُ أعْمالَهم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هُنا طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْحَقْ كُلَّ كافِرٍ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم باقٍ عَلى كُفْرِهِ. فَلَفْظَةُ الكافِرِينَ عامٌّ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ. قِيلَ: وقابَلَ تَمْحِيصَ المُؤْمِنِ بِمَحْقِ الكافِرِ؛ لِأنَّ التَّمْحِيصَ إهْلاكُ الذُّنُوبِ، والمَحْقُ إهْلاكُ النُّفُوسِ، وهي مُقابَلَةٌ لَطِيفَةٌ في المَعْنى. انْتَهى. وفي ذِكْرِ ما يَلْحَقُ المُؤْمِنَ عِنْدَ إدالَةِ الكُفّارِ تَسْلِيَةٌ لَهم وتَبْشِيرٌ بِهَذِهِ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ، وأنَّ تِلْكَ الإدالَةَ لَمْ تَكُنْ لِهَوانٍ بِهِمْ، ولا تَحُطُّ مِن أقْدارِهِمْ، بَلْ لِما ذَكَرَ تَعالى.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ فُنُونًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ والبَيانِ، مِن ذَلِكَ الِاعْتِراضُ في ”﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، وفي ”﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]“، وفي ”﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]“، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ في ”﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]“، والتَّشْبِيهُ في ”﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]“ . وقِيلَ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ وإضافَةُ الحُكْمِ إلى الأكْثَرِ في أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، وهي مُعَدَّةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِنَ العُصاةِ. والطِّباقُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي ”ولا تَهِنُوا“ و”الأعْلَوْنَ“؛ لِأنَّ الوَهَنَ والعُلُوَّ ضِدّانِ. وفي ”آمَنُوا“ و”الظّالِمِينَ“؛ لِأنَّ الظّالِمِينَ هُنا هُمُ الكافِرُونَ، وفي ”آمَنُوا“ و”يَمْحَقَ الكافِرِينَ“ . والعامُّ يُرادُ بِهِ الخاصُّ في: ”﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، يَعْنِي مَن ظَلَمَهم أوِ المَمالِيكَ. والتَّكْرارُ في: ”﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]“، ”﴿واتَّقُوا النّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١]“، وفي: لَفْظِ الجَلالَةِ، وفي: ”﴿واللَّهُ يُحِبُّ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، و”﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]“، وفي: ”﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]“، ”﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾ [آل عمران: ٥٧]“، ”﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ﴾“، وفي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ، والَّذِينَ إذا فَعَلُوا. والِاخْتِصاصُ في: ”﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]“، وفي: …

Aal-i-Imraan 3:141Listen in Qur'an →
142

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Or do you think that you will enter Paradise while Allah has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١] ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] . ”كَأيِّنْ“ كَلِمَةٌ يُكَثَّرُ بِها بِمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ، وقَلَّ الِاسْتِفْهامُ بِها. والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، دَخَلَتْ عَلى ”أيْ“ وزالَ مَعْنى التَّشْبِيهِ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِما بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ: أنَّ أيًّا وزْنُهُ فِعْلٌ، وهو مَصْدَرُ ”أوى“ يَأْوِي، إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، أصْلُهُ ”أوى“ عَمِلَ فِيهِ ما عَمِلَ في طَيٍّ مَصْدَرِ طَوَيَ. وهَذا كُلُّهُ دَعْوى لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِنها. والَّذِي يَظْهُرُ أنَّهُ اسْمٌ مَبْنِيٌّ بَسِيطٌ لا تَرْكِيبَ فِيهِ، يَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ مِثْلَ ”كَمْ“، وفِيهِ لُغاتٌ: الأُولى وهي الَّتِي تَقَدَّمَتْ، و”كائِنٌ“ ومَنِ ادَّعى أنَّ هَذِهِ اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ، فَقَوْلُهُ بِعِيدٌ. و”كَئَنَ“ عَلى وزْنِ كَعَنَ، وكَأيِّنْ وكَيَيِّنْ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالنُّونِ. وأكْثَرُ ما يَجِيءُ تَمْيِيزُها مَصْحُوبًا بِمِن. ووَهَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ في قَوْلِهِ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ مِن، وإذا حُذِفَتِ انْتَصَبَ التَّمْيِيزُ سَواءٌ أوَلِيَها أمْ لَمْ يَلِيها، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎أطْرُدُ اليَأْسَ بِالرَّجاءِ فَكَأيِّنْ ألَمًا عَمَّ يَسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ

وقَوْلِ الآخَرِ:

؎وكَأيِّنْ لَنا فَضْلًا عَلَيْكم ونِعْمَةً ∗∗∗ قَدِيمًا ولا تَدْرُونَ ما مِن مُنْعِمِ

الرُّعْبُ: الخَوْفُ، رَعَبْتُهُ فَهو مَرْعُوبٌ. وأصْلُهُ مِنَ المَلْئِ. يُقالُ: سَيْلٌ راعِبٌ يَمْلَأُ الوادِي، ورَعَبْتُ الحَوْضَ: مَلَأْتُهُ.

السُّلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْوالِي: سُلْطانٌ. …

Aal-i-Imraan 3:142Listen in Qur'an →
143

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And you had certainly wished for martyrdom before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.

﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وظاهِرُهُ العُمُومُ والمُرادُ الخُصُوصُ. وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْضُرُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ؛ إذْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّما خَرَجَ مُبادِرًا يُرِيدُ عِيرًا لْقُرَيْشِ، فَلَمْ يَظُنُّوا حَرْبًا، وفازَ أهْلُ بَدْرٍ بِما فازُوا بِهِ مِنَ الكَرامَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ لِيَكُونَ لَهم يَوْمٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ، وهُمُ الَّذِينَ حَرَّضُوا عَلى الخُرُوجِ لِأُحُدٍ. فَلَمّا كانَ في يَوْمِ أُحُدٍ ما كانَ مِن قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَمِيئَةَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ الذّابَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ظانًّا أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ بِذَلِكَ صارِخٌ، وفَشا ذَلِكَ في النّاسِ، انْكَفُّوا فارِّينَ، فَدَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» حَتّى انْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ واسْتَعْذَرُوا عَنِ انْكِفافِهِمْ قائِلِينَ: أتانا خَبَرُ قَتْلِكَ، فَرُعِبَتْ قُلُوبُنا، فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَلُومُهم عَلى ما صَدَرَ مِنهم مَعَ ما كانُوا قَرَّرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن تَمَنِّي المَوْتِ. وعَبَّرَ عَنْ مُلاقاةِ الرِّجالِ ومُجالَدَتِهِمْ بِالحَدِيدِ بِالمَوْتِ؛ إذْ هي حالَةٌ تَتَضَمَّنُ في الأغْلَبِ المَوْتَ، فَلا يَتَمَنّاها إلّا مَن طابَتْ نَفْسُهُ بِالمَوْتِ. ومُتَمَنِّي المَوْتِ في الجِهادِ لَيْسَ مُتَمَنِّيًا لِغَلَبَةِ الكافِرِ المُسْلِمِ، إنَّما يَجِيءُ ذَلِكَ في الضِّمْنِ لا أنَّهُ مَقْصُودٌ، إنَّما مَقْصِدُهُ نَيْلُ رُتْبَةِ الشَّهادَةِ؛ لِما فِيها مِنَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ. وأنْشَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ وقَدْ نَهَضَ إلى مَوْتِهِ وقالَ لَهم: رَدَّكُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ:

؎لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً وضَرْبَةً ذاتَ فَرْعٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا

؎حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ أرْشَدَهُ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا

﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ تُشاهِدُوا شَدائِدَهُ ومَضائِقَهُ. وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تَلْقَوْهُ عائِدٌ عَلى المَوْتِ، وقِيلَ: عَلى العَدُوِّ، وأُضْمِرَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ يَعُودُ عَلى مَذْكُورٍ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ: تُلاقُوهُ، ومَعْناها ومَعْنى تَلْقَوْهُ سَواءٌ مِن حَيْثُ إنَّ مَعْنى لَقِيَ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى وزْنِ فاعِلٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ ”مِن قَبْلُ“ بِضَمِّ اللّامِ مَقْطُوعًا عَنِ الإضافَةِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُ أنْ تَلْقَوْهُ نَصْبًا عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَوْتِ. ”﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾“ أيْ عايَنْتُمْ أسْبابَهُ وهي الحَرْبُ المُسْتَعِرَةُ كَما قالَ:

؎لَقَـدْ رَأيْتُ المَـوْتَ قَبْلَ ذَوْقِــهِ

وقالَ:

؎ووَجَدْتُ رِيحَ المَوْتِ مِن تِلْقائِهِمْ ∗∗∗ في مَأْزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ

وقِيلَ: مَعْنى الرُّؤْيَةِ هُنا العِلْمُ، ويَحْتاجُ إلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي أيْ: فَقَدْ عَلِمْتُمُ المَوْتَ حاضِرًا، وحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وحَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْ ظَنَّ وأخَواتِها عَزِيزٌ جِدًّا؛ ولِذَلِكَ وقَعَ فِيهِ الخِلافُ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ”فَلَقَدْ رَأيْتُمُوهُ“ بِاللّامِ. ”﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ لِلتَّأْكِيدِ، ورُفِعَ ما يَحْتَمِلُهُ ”رَأيْتُمُوهُ“ مِنَ المَجازِ، أوْ مِنَ الِاشْتِراكِ الَّذِي بَيْنَ رُؤْيَةِ القَلْبِ ورُؤْيَةِ العَيْنِ، أيْ مُعايِنِينَ …

Aal-i-Imraan 3:143Listen in Qur'an →
144

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ

Muhammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allah at all; but Allah will reward the grateful.

﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ هَذا اسْتِمْرارٌ في عَتْبِهِمْ آخَرُ، أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ كَمَن مَضى مِنَ الرُّسُلِ، بَلَّغَ عَنِ اللَّهِ كَما بَلَّغُوا. ولَيْسَ بَقاءُ الرُّسُلِ شَرْطًا في بَقاءِ شَرائِعِهِمْ، بَلْ هم يَمُوتُونَ وتَبْقى شَرائِعُهم يَلْتَزِمُها أتْباعُهم. فَكَما مَضَتِ الرُّسُلُ وانْقَضَوْا، فَكَذَلِكَ حُكْمُهم هو في ذَلِكَ واحِدٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”الرُّسُلُ“ بِالتَّعْرِيفِ، عَلى سَبِيلِ التَّفْخِيمِ لِلرُّسُلِ، والتَّنْوِيهِ بِهِمْ عَلى مُقْتَضى حالِهِمْ مِنَ اللَّهِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ”رُسُلٌ“ بِالتَّنْكِيرِ، وبِها قَرَأ: ابْنُ عَبّاسٍ وقَحْطانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ووَجْهُها أنَّهُ مَوْضِعُ تَبْشِيرٍ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ في مَعْنى الحَياةِ، ومَكانُ تَسْوِيَةٍ بَيْنِهِ وبَيْنَ البَشَرِ في ذَلِكَ. وهَكَذا يَتَّصِلُ في أماكِنِ الِاقْتِضاءِ بِهِ بِالشَّيْءِ ومِنهُ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ذَكَرَ هَذا الفَرْقَ بَيْنَ التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ في نَحْوِ هَذا المَساقِ أبُو الفَتْحِ، وقِراءَةُ التَّعْرِيفِ أوْجَهُ، إذْ تَدُلُّ عَلى تَساوِي كُلٍّ في الخَلْقِ والمَوْتِ، فَهَذا الرَّسُولُ هو مِثْلُهم في ذَلِكَ.

﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ لَمّا صُرِخَ بِأنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، تَزَلْزَلَتْ أقْدامُ المُؤْمِنِينَ، ورُعِبَتْ قُلُوبُهم، وأمْعَنُوا في الفِرارِ، وكانُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ قالَتْ: ما نَصْنَعُ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ، فَقاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا، مِنهم: أنَسُ بْنُ النَّضْرِ. وفِرْقَةٌ قالُوا: نُلْقِي إلَيْهِمْ بِأيْدِينا فَإنَّهم قَوْمُنا وبَنُو عَمِّنا. وفِرْقَةٌ أظْهَرَتِ النِّفاقَ وقالُوا: ارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الأوَّلِ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا ما قُتِلَ.

وظاهِرُ الِانْقِلابِ عَلى العَقِبَيْنِ هو الِارْتِدادُ. وقِيلَ: هو بِالفِرارِ لا الِارْتِدادُ. وقَدْ جاءَ هَذا اللَّفْظُ في الِارْتِدادِ والكُفْرِ في قَوْلِهِ: ”﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]“ وهَذِهِ الهَمْزَةُ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ. والفاءُ لِلْعَطْفِ، وأصْلُها التَّقْدِيمُ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: فَــأإنْ ماتَ. لَكِنَّهم يَعْتَنُونَ بِالِاسْتِفْهامِ فَيُقَدِّمُونَهُ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا مِثْلُ هَذا وخِلافُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيهِ. وقالَ الخَطِيبُ كَمالُ الدِّينِ الزَّمَلْكانِيِّ: الأوْجُهُ أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقِيلَ الفاءُ، تَكُونُ الفاءُ عاطِفَةً عَلَيْهِ. ولَوْ صَرَّحَ بِهِ لَقِيلَ: أتُؤْمِنُونَ بِهِ مُدَّةَ حَيّاتِهِ، فَإنْ ماتَ ارْتَدَدْتُمْ، فَتُخالِفُوا سُنَنَ اتِّباعِ الأنْبِياءِ قَبْلَكم في ثَباتِهِمْ عَلى مِلَلِ أنْبِيائِهِمْ بَعْدَ وفاتِهِمْ. انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ زَمَخْشَرِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في نَحْوِ ذَلِكَ. وأنَّ هَذِهِ الفاءَ إنَّما عَطَفَتِ الجُمْلَةَ المُسْتَفْهَمَ عَنْها عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ قَبْلَها، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ داخِلَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجَزائِهِ. وجَزاؤُهُ هو ”انْقَلَبْتُمْ“، فَلا تُغَيِّرُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ شَيْئًا مِن أحْكامِ الشَّرْطِ وجَزائِهِ. فَإذا كانا مُضارِعَيْنِ كانا مَجْزُومَيْنِ نَحْوَ: أإنْ تَأْتِنِي آتِكَ. وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّ الفِعْلَ الثّانِيَ يُبْنى عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ، فَيُنْوى بِهِ التَّقْدِيمُ ولا بُدَّ، إذْ ذاكَ …

Aal-i-Imraan 3:144Listen in Qur'an →
145

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًۭا مُّؤَجَّلًۭا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْءَاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّٰكِرِينَ

And it is not [possible] for one to die except by permission of Allah at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And we will reward the grateful.

﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى أنَّ مَوْتَ الأنْفُسِ مُحالٌ أنْ تَكُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَأخْرَجَهُ مَخْرَجَ فِعْلٍ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ إلّا أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ تَمْثِيلًا؛ ولِأنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو المُوَكَّلُ بِذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَقْبِضَ نَفْسًا إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ. وهو عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْرِيضُهم عَلى الجِهادِ، وتَشْجِيعُهم عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، بِإعْلامِهِمْ أنَّ الحَذَرَ لا يَنْفَعُ، وأنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ قَبْلَ بُلُوغِ أجَلِهِ، وإنْ خاضَ المَهالِكَ واقْتَحَمَ المَعارِكَ. والثّانِي: ذِكْرُ ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى بِرَسُولِهِ عِنْدَ غَلَبَةِ العَدُوِّ، والتِفافِهِمْ عَلَيْهِ، وإسْلامِ قَوْمِهِ لَهُ نُهْزَةً لِلْمُخْتَلِسِينَ مِنَ الحِفْظِ والكِلاءِ وتَأخُّرِ الأجَلِ. انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو حَسَنٌ، وهو بَسْطُ كَلامِ غَيْرِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لا تَمُوتُ نَفْسٌ إلّا بِأجَلٍ مَحْتُومٍ. فالجُبْنُ لا يَزِيدُ في الحَياةِ، والشَّجاعَةُ لا تُنْقِصُ مِنها. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَقْوِيَةٌ لِلنُّفُوسِ عَلى الجِهادِ، وفِيها تَسْلِيَةٌ في مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ .

وقَوْلُ العَرَبِ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَفْعَلَ، مَعْناهُ انْتِفاءُ الفِعْلِ عَنْ زَيْدٍ وامْتِناعُهُ. فَتارَةً يَكُونُ الِامْتِناعُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا عَقْلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] وتارَةً لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا عادَةً نَحْوَ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَطِيرَ. وتارَةً لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا شَرْعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٢] وتارَةً لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا أدَبًا، كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُفْهَمُ هَذا مِن سِياقِ الكَلامِ. ولا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الصِّيغَةُ نَهْيًا كَما يَقُولُهُ بَعْضُهم.

وقَوْلُهُ: لِنَفْسٍ، المُرادُ الجِنْسُ لا نَفْسٌ واحِدَةٌ. ومَعْنى: إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، أيْ بِتَمْكِينِهِ وتَسْوِيغِهِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الإذْنِ، والأحْسَنُ فِيهِ أنَّهُ تَمْكِينٌ مِنَ الشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ، فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ قَوْلٌ فَيَكُونُ أمْرًا. والمَعْنى: إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِالقَبْضِ. و”﴿أنْ تَمُوتَ﴾“ في مَوْضِعِ اسْمِ كانَ، و”لِنَفْسٍ“ هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وجَعَلَ بَعْضُهم ”كانَ“ زائِدَةً، فَيَكُونُ ”﴿أنْ تَمُوتَ﴾“ في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، ولِنَفْسٍ في مَوْضِعِ خَبَرِهِ. وقَدَّرَهُ الزَّجّاجُ عَلى المَعْنى، فَقالَ: وما كانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ، فَجَعَلَ ما كانَ اسْمًا خَبَرًا، وما كانَ خَبَرًا اسْمًا، ولا يُرِيدُ بِذَلِكَ الإعْرابَ، إنَّما فَسَّرَ مِن جِهَةِ المَعْنى. وقالَ أبُو البَقاءِ: اللّامُ في ”لِنَفْسٍ“ لِلتَّبْيِينِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِكانَ. انْتَهى. وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إنْ كانَتْ ”كانَ“ تامَّةً، وقَوْلُ مَن قالَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وما كانَ المَوْتُ لِنَفْسٍ، و”﴿أنْ تَمُوتَ﴾“ تَبْيِينٌ لِلْمَحْذُوفِ مَرْغُوبٌ عَنْهُ؛ لِأنَّ اسْمَ كانَ إنْ كانَتْ ناقِصَةً أوِ الفاعِلَ إنْ كانَتْ تامَّةً - لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، ولِما في حَذْفِهِ أنْ لَوْ جازَ مِن حَذْفِ المَصْدَرِ وإبْقاءِ مَعْمُولِهِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ.

﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾: أيْ لَهُ أجَلٌ لا …

Aal-i-Imraan 3:145Listen in Qur'an →
146

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّۢ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ

And how many a prophet [fought and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allah, nor did they weaken or submit. And Allah loves the steadfast.

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾: لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ما كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَتَبَ عَلَيْهِمُ اللَّهُ ما حَذَّرَ مِنهم في الآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، أخْبَرَهم بِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ قَتَلَتْ أنْبِياءً لَهم كَثِيرُونَ، أوْ قُتِلَ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ مَعَهم، فَلَمْ يَلْحَقْهم ما لَحِقَكم مِنَ الوَهْنِ والضَّعْفِ، ولا ثَناهم عَنِ القِتالِ فَجْعُهم بِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ، أوْ قَتْلِ رِبِّيِّيهِمْ، بَلْ مَضَوْا قُدُمًا في نُصْرَةِ دِينِهِمْ صابِرِينَ عَلى ما حَلَّ بِهِمْ. وقَتْلُ نَبِيٍّ أوْ أتْباعِهِ مِن أعْظَمِ المَصابِ، فَكَذَلِكَ كانَ يَنْبَغِي لَكُمُ التَّأسِّي بِمَن مَضى مِن صالِحِي الأُمَمِ السّابِقَةِ، هَذا وأنْتُمْ خَيْرُ الأُمَمِ، ونَبِيُّكم خَيْرُ الأنْبِياءِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ العَتْبِ لِمَن فَرَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وكَأيِّنْ“، قالُوا: وهي أصْلُ الكَلِمَةِ، إذْ هي ”أيٌّ“ دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، وكُتِبَتْ بِنُونٍ في المُصْحَفِ، ووَقَفَ عَلَيْها أبُو عَمْرٍو. وسَوْرَةُ بْنُ المُبارَكِ عَنِ الكِسائِيِّ، بِياءٍ دُونَ نُونٍ، ووَقَفَ الجُمْهُورُ عَلى النُّونِ اتْباعًا لِلرَّسْمِ. واعْتَلَّ لِذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كَلامِهِ، وذَلِكَ عَلى عادَةِ المُعَلِّلِينَ، ومِمّا جاءَ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وكَأيِّنْ في المَعاسِرِ مِن أُناسٍ أخُوهم فَوْقَهم وهُمُ كِرامُ

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”وكائِنْ“ وهي أكْثَرُ اسْتِعْمالًا في لِسانِ العَرَبِ وأشْعارِها، قالَ:

؎وكائِنْ رَدَدْنا عَنْكُمُ مِن مُـدَجَّـجٍ

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِينٍ والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ: وكَأيِّنْ عَلى مِثالِ كَعَيِّنْ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ مِنَ الشَّواذِّ ”كَيْئِنْ“، وهو مَقْلُوبُ قِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِينٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِينٍ أيْضًا فِيما حَكاهُ الدّانِي كانَ عَلى مِثالِ كَعِ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎كانَ صَدِيقٌ خِلْتُهُ صادِقَ الأخا ∗∗∗ أبانَ اخْتِبارِي أنَّهُ لِي مُداهِنُ

وقَرَأ الحَسَنُ ”كَيٍّ“ بِكافٍ بَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ. وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ - ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ - بِتَعْلِيلِ هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ في ”كَأيِّنْ“، وبِما عُمِلَ في ”كَأيِّنْ“؛ فَلِذَلِكَ أضْرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو ”قُتِّلَ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَتادَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ شَدَّدَ التّاءَ، وباقِي السَّبْعَةِ ”قاتَلَ“ بِألِفٍ، فِعْلًا ماضِيًا. وعَلى كُلٍّ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يَصْلُحُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ صاحِبُ الضَّمِيرِ هو الَّذِي قُتِلَ أوْ قُتِّلَ عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ الأشْخاصِ، لا بِالنِّسْبَةِ لِفَرْدٍ فَرْدٍ. إذِ القَتْلُ لا يَتَكَثَّرُ في كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ. أوْ هو قاتِلٌ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”مَعَهُ رِبِّيُّونَ“ مُحْتَمِلًا أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَرْتَفِعُ رِبِّيُّونَ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الواوِ لِأجْلِ الضَّمِيرِ في ”مَعَهُ“ العائِدِ عَلى ذِي الحالِ، ومُحْتَمِلًا أنْ يَرْتَفِعَ ”﴿رِبِّيُّونَ﴾“ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالظَّرْفِ، ويَكُونَ الظَّرْفُ هو الواقِعُ حالًا، التَّقْدِيرُ: كائِنًا مَعَهُ رِبِّيُّونَ، وهَذا هو الأحْسَنُ؛ لِأنَّ وُقُوعَ الحالِ مُفْرَدًا أحْسَنُ مِن وُقُوعِهِ جُمْلَةً. وقَدِ اعْتُمِدَ الظَّرْفُ لِكَوْنِهِ وقَعَ حالًا فَيَعْمَلُ، وهي حالٌ مَحْكِيَّةٌ؛ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ …

Aal-i-Imraan 3:146Listen in Qur'an →
147

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الجَلَدِ والصَّبْرِ وعَدَمِ الوَهْنِ والِاسْتِكانَةِ لِلْعَدُوِّ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الأفْعالِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ أثَرُها عَلى الجَوارِحِ، ذَكَرَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإنابَةِ والِاسْتِغْفارِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ، وحَصَرَ قَوْلَهم في ذَلِكَ القَوْلِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم مَلْجَأٌ ولا مَفْزَعٌ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، ولا قَوْلٌ إلّا هَذا القَوْلٌ، لا ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الِاضْطِرابِ واخْتِلافِ الأقْوالِ، فَمِن قائِلٍ: نَأْخُذُ أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، ومِن قائِلٍ: نَرْجِعُ إلى دِينِنا، ومِن قائِلٍ ما قالَ حِينَ فَرَّ. وهَؤُلاءِ قَدْ فُجِعُوا بِمَوْتِ نَبِيِّهِمْ أوْ رِبِّيِّيهِمْ، لَمْ يَهِنُوا، بَلْ صَبَرُوا وقالُوا هَذا القَوْلَ، وهم رِبِّيُّونَ أحْبارٌ؛ هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ، وإشْعارًا أنَّ ما نَزَلْ مِن بَلايا الدُّنْيا إنَّما هو بِذُنُوبٍ مِنَ البَشَرِ، كَما كانَ في قِصَّةِ أُحُدٍ بِعِصْيانِ مَن عَصى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قَوْلَهم“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ و”أنْ قالُوا“ في مَوْضِعِ الِاسْمِ، جَعَلُوا ما كانَ أعْرَفَ الِاسْمَ؛ لِأنَّ إنْ وصِلَتَها تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ. و”قَوْلَهم“: مُضافٌ لِلضَّمِيرِ، يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ العِلْمِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ مِنهم حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فِيما ذَكَرَهُ الَمَهَدَوِيُّ بِرَفْعِ ”قَوْلِهِمْ“، جَعَلُوهُ اسْمَ كانَ، والخَبَرَ ”أنْ قالُوا“، والوَجْهانِ فَصِيحانِ، وإنْ كانَ الأوَّلُ أكْثَرُ. وقَدْ قُرِئَ: ”﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣]“ بِالوَجْهَيْنِ في السَّبْعَةِ، وقَدَّمَ طَلَبَ الِاسْتِغْفارِ عَلى طَلَبِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ والنُّصْرَةِ؛ لِيَكُونَ طَلَبُهم ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَنْ زَكاةٍ وطَهارَةٍ، فَيَكُونُ طَلَبُهُمُ التَّثْبِيتَ بِتَقْدِيمِ الِاسْتِغْفارِ حَرِيًّا بِالإجابَةِ، وذُنُوبُنا وإسْرافُنا مُتَقارِبانِ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَجاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ.

وقِيلَ: الذُّنُوبُ ما دُونُ الكَبائِرِ، والإسْرافُ الكَبائِرُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الذُّنُوبُ هي الخَطايا، وإسْرافُنا أيْ تَفْرِيطُنا. وقالَ الضَّحّاكُ: الذُّنُوبُ عامٌّ، والإسْرافُ في الأمْرِ الكَبائِرُ خاصَّةً.

والأقْدامُ هُنا قِيلَ: حَقِيقَةٌ، دَعَوْا بِتَثْبِيتِ الأقْدامِ في مَواطِئِ الحَرْبِ ولِقاءِ العَدُوِّ كَيْ لا تَزُلْ. وقِيلَ: المَعْنى: شَجِّعْ قُلُوبَنا عَلى لِقاءِ العَدُوِّ. وقِيلَ: ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ. والأحْسَنُ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ مِن مَظانِّها. وثُبُوتُ القَدَمِ في الحَرْبِ لا يَكُونُ إلّا مِن ثُبُوتِ صاحِبِها في الدِّينِ. وكَثِيرًا ما جاءَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دائِرَةً في الحَرْبِ ومَعَ النُّصْرَةِ كَقَوْلِهِ: ”﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا﴾ [البقرة: ٢٥٠]“ ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقِيلَ: اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا في المُخالَفَةِ، وإسْرافَنا في الهَزِيمَةِ، وثَبِّتْ أقْدامَنا بِالمُصابَرَةِ، وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ بِالمُجاهَدَةِ.

قالَ ابْنُ فُورَكٍ: في هَذا الدُّعاءِ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ؛ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العَبْدِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَسُغْ أنْ يُدْعى فِيما لَمْ يَفْعَلْهُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعاءِ عِنْدَ لِقاءِ …

Aal-i-Imraan 3:147Listen in Qur'an →
148

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So Allah gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allah loves the doers of good.

﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾: قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ”﴿فَأثابَهُمُ﴾ [المائدة: ٨٥]“ مِنَ الإثابَةِ. ولَمّا تَقَدَّمَ في دُعائِهِمْ ما يَتَضَمَّنُ الإجابَةَ فِيهِ الثَّوابَيْنَ وهو قَوْلُهم: اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا، فَهَذا يَتَضَمَّنُ ثَوابَ الآخِرَةِ، وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا يَتَضَمَّنُ ثَوابَ الدُّنْيا، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مَنَحَهُمُ الثَّوابَيْنِ، وهُناكَ بَدَأُوا في الطَّلَبِ بِالأهَمِّ عِنْدَهم، وهو ما يَنْشَأُ عَنْهُ ثَوابُ الآخِرَةِ، وهُنا أخْبَرَ بِما أعْطاهم مُقَدَّمًا. ذَكَرَ ثَوابَ الدُّنْيا لِيَكُونَ ذَلِكَ إشْعارًا لَهم بِقَبُولِ دُعائِهِمْ وإجابَتِهِمْ إلى طَلَبِهِمْ؛ ولِأنَّ ذَلِكَ في الزَّمانِ مُتَقَدِّمٌ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ. قالَ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُما: ثَوابُ الدُّنْيا هو الظُّهُورُ عَلى عَدُوِّهِمْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو الظَّفَرُ والغَنِيمَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَوابُ الدُّنْيا مِنَ النُّصْرَةِ والغَنِيمَةِ والعِزِّ وطِيبِ الذِّكْرِ. وقالَ النَّقّاشُ: لَيْسَ إلّا الظَّفَرُ والغَلَبَةُ؛ لِأنَّ الغَنِيمَةَ لَمْ تَحِلَّ إلّا لِهَذِهِ الأُمَّةِ. وهَذا صَحِيحٌ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي» وهي إحْدى الخَمْسِ الَّذِي أُوتِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُؤْتَها أحَدٌ قَبْلَهُ. وحُسْنُ ثَوابِ الآخِرَةِ الجَنَّةُ بِلا خِلافٍ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: الأجْرُ والمَغْفِرَةُ. وخَصَّ ثَوابَ الآخِرَةِ بِالحُسْنِ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ وتَقَدُّمِهِ، وأنَّهُ هو المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] وتَرْغِيبًا في طَلَبِ ما يُحَصِّلُهُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، ومُناسِبَةً لِآخِرِ الآيَةِ. قالَ عَلِيٌّ: مَن عَمِلَ لِدُنْياهُ أضَرَّ بِآخِرَتِهِ، ومَن عَمِلَ لِآخِرَتِهِ أضَرَّ بِدُنْياهُ، وقَدْ يَجْمَعُهُما اللَّهُ تَعالى لِأقْوامٍ.

﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾: قَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإحْسانَ حِينَ سُئِلَ عَنْ حَقِيقَتِهِ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وفَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ هُنا بِأحَدِ قَوْلَيْنِ، وهو مَن أحْسَنَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ في لُزُومِ طاعَتِهِ، أوْ مَن ثَبَتَ في القِتالِ مَعَ نَبِيِّهِ حَتّى يُقْتَلَ أوْ يَغْلِبَ.

Aal-i-Imraan 3:148Listen in Qur'an →
149

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾: الخِطابُ عامٌّ يَتَناوَلُ أهْلَ أُحُدٍ وغَيْرِهِمْ. وما زالَ الكُفّارُ مُثابِرِينَ عَلى رُجُوعِ المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، ”﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩]“ . ”﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]“، ”﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]“ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] .

﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] وقِيلَ: الخِطابُ خاصٌّ بِمَن كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَعَلى الأوَّلِ عَلَّقَ عَلى مُطْلَقِ طاعَتِهِمُ الرَّدَّ عَلى العَقِبِ والِانْقِلابِ بِالخُسْرانِ، وهَذا غايَةٌ في التَّحَرُّزِ مِنهم والمُجانَبَةِ لَهم، فَلا يُطاعُونَ في شَيْءٍ ولا يُشاوَرُونَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَجِرُّ إلى مُوافَقَتِهِمْ، ويَكُونُ الَّذِينَ كَفَرُوا عامًّا، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ الَّذِينَ كَفَرُوا خاصًّا. فَقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا رَجَعُوا مِن أُحُدٍ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما أصابَهُ الَّذِي أصابَهُ، فارْجِعُوا إلى إخْوانِكم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وقالَهُ الحَسَنُ وعَنْهُ: إنْ تَسْتَنْصِحُوا اليَهُودَ والنَّصارى وتَقْبَلُوا مِنهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَغْوُونَهم، ويُوقِعُونَ لَهُمُ الشُّبَهَ، ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ لَكم نَبِيًّا حَقًّا لَما غُلِبَ، ولَما أصابَهُ وأصْحابَهُ ما أصابَهم، وإنَّما هو رَجُلٌ حالُهُ كَحالِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، يَوْمًا لَهُ ويَوْمًا عَلَيْهِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: هم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِن عُبّادِ الأوْثانِ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو كَعْبٌ وأصْحابُهُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: فِيها دَلالَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ مُطْلَقًا، لَكِنْ أجْمَعُ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مَن وثِقْنا بِنُصْحِهِ مِنهم، كالجاسُوسِ، والخِرِّيتِ الَّذِي يَهْدِي إلى الطَّرِيقِ، وصاحِبِ الرَّأْيِ ذِي المَصْلَحَةِ الظّاهِرَةِ، والزَّوْجَةِ تُشِيرُ بِصَوابٍ. والرِّدَّةُ هُنا عَلى العَقِبِ كِنايَةٌ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ. وخاسِرِينَ: أيْ مَغْبُونِينَ بِبَيْعِكُمُ الآخِرَةَ.

Aal-i-Imraan 3:149Listen in Qur'an →
150

بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّٰصِرِينَ

But Allah is your protector, and He is the best of helpers.

﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ ”بَلْ“: لِتَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ وأخْذٍ في كَلامٍ غَيْرِهِ. والمَعْنى: لَيْسَ الكُفّارُ أوْلِياءَ فَيُطاعُوا في شَيْءٍ، بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم. وقَرَأ الحَسَنُ بِنَصْبِ الجَلالَةِ عَلى مَعْنى: بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ السّابِقَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى النَّهْيِ، أيْ لا تُطِيعُوا الكُفّارَ فَتَكْفُرُوا، بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ مَوْلاكم.

﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مَوْلاهم، أيْ ناصِرِهم ذَكَرَ أنَّهُ خَيْرُ ناصِرٍ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى نُصْرَةِ أحَدٍ، ولا وِلايَتِهِ. وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن قاتَلَ لِنَصْرِ دِينِ اللَّهِ لا يُخْذَلُ ولا يُغْلَبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَوْلاهُ. وقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] .

Aal-i-Imraan 3:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.