Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 131–140 of 200

131

وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

﴿واتَّقُوا النّارَ﴾ أيِ احْتَرِزُوا عَنْ مُتابَعَةِ المُرابِينَ وتَعاطِي ما يَتَعاطَوْنَهُ مِن أكْلِ الرِّبا المُفْضِي إلى دُخُولِ النّارِ ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾ أيْ هُيِّئَتْ

صفحة 56

﴿لِلْكافِرِينَ﴾ (131) وهي الطَّبَقَةُ الَّتِي اشْتَدَّ حَرُّها وتَضاعَفَ عَذابُها وهي غَيْرُ النّارِ الَّتِي يَدْخُلُها عُصاةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّها دُونَ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أكَلَةَ الرِّبا عَلى شَفا حُفْرَةِ الكَفَرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ النّارَ مُطْلَقًا مَخْلُوقَةٌ لِلْكافِرِينَ مُعَدَّةٌ لَهم أوَّلًا وبِالذّاتِ، وغَيْرُهم يَدْخُلُها عَلى وجْهِ التَّبَعِ فالصِّفَةُ لَيْسَتْ لِلتَّخْصِيصِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُلُّ مِنَ العُلَماءِ، رُوِيَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ في اجْتِنابِ مَحارِمِهِ ولَيْسَ بِنَصٍّ في التَّخْصِيصِ.

Aal-i-Imraan 3:131Listen in Qur'an →
132

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And obey Allah and the Messenger that you may obtain mercy.

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ في جَمِيعِ ما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ الأمْرِ بِالتَّقْوى السّابِقِ ﴿والرَّسُولَ﴾ أيِ الَّذِي شَرَعَ لَكُمُ الدِّينُ وبَلَّغَكُمُ الرِّسالَةَ فَإنَّ طاعَتَهُ طاعَةُ اللَّهِ تَعالى.

﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ( 132 ) أيْ لِكَيْ تَنالُوا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى أوْ راجِينَ رَحْمَتَهُ، وعَقَّبَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ تَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: هَذِهِ الآيَةُ مُعاتَبَةٌ لِلَّذِينَ عَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ أمَرَهم بِما أمَرَهم في أُحُدٍ ولَعَلَّهُمُ الرُّماةُ الَّذِينَ فارَقُوا المَرْكَزَ.

Aal-i-Imraan 3:132Listen in Qur'an →
133

۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

﴿وسارِعُوا﴾ عَطْفٌ عَلى أطِيعُوا أوِ اتَّقُوا.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ والعِراقِ أيْ بادِرُوا وسابِقُوا، وقُرِئَ بِالأخِيرِ ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ أيْ أسْبابِهِما مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: سارِعُوا إلى أداءِ الفَرائِضِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى الإسْلامِ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: إلى الهِجْرَةِ، وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: إلى التَّكْبِيرَةِ الأُولى، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إلى أداءِ الطّاعاتِ، وعَنْ يَمانٍ: إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: إلى الجِهادِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: إلى التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ العُمُومُ ويَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الأنْواعِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: لِأنَّها كالسَّبَبِ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِمَغْفِرَةٍ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ، ووَصْفُ المَغْفِرَةِ بِكَوْنِها مِنَ الرَّبِّ دُونَ الجَنَّةِ تَعْظِيمًا لِأمْرِها وتَنْوِيهًا بِشَأْنِها، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنّا، كانُوا إذا أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً في عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ، افْعَلْ كَذا وكَذا، فَسَكَتَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ثُمَّ تَلاها عَلَيْهِمْ» . والتَّنْوِينُ في مَغْفِرَةٍ لِلتَّعْظِيمِ ويُؤَيِّدُهُ الوَصْفُ، وكَذا في ( جَنَّةٍ ) ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا وصْفُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ والمُرادُ كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:

حَسِبْتُ بُغامَ راحِلَتِي عَناقًا وما هي ويْبَ غَيْرِكَ بِالعَناقِ

فَإنَّهُ أرادَ كَصَوْتِ عَناقٍ، والعَرْضُ أقْصَرُ الِامْتِدادَيْنِ، وفي ذِكْرِهِ دُونَ ذِكْرِ الطُّولِ مُبالَغَةٌ، وزادَ في المُبالَغَةِ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ وتَقْدِيرِ المُضافِ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَحْدِيدَ عَرْضِها حَتّى يَمْتَنِعَ كَوْنُها في السَّماءِ، بَلِ الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ السَّعَةِ بِما هو في تَصْوِيرِ السّامِعِينَ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تَصِفُ الشَّيْءَ بِالعَرْضِ إذا أرادُوا وصْفَهُ بِالسَّعَةِ، ومِنهُ قَوْلُهم: أعْرَضَ في المَكارِمِ إذا تَوَسَّعَ فِيها، والمُرادُ مِنَ ( السَّمَواتِ والأرْضِ ) السَّمَواتُ

صفحة 57

السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: تُقْرَنُ السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ كَما تُقْرَنُ الثِّيابُ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَذاكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها فَوْقَ السَّمَواتِ السَّبْعِ تَحْتَ العَرْشِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وقِيلَ: إنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَعْنى كَوْنِها في السَّماءِ أنَّها في جِهَةِ …

Aal-i-Imraan 3:133Listen in Qur'an →
134

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

Who spend [in the cause of Allah] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allah loves the doers of good;

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ مادِحٌ لَهم، وقِيلَ: مُخَصَّصٌ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ أوْ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ ( هم ) ومَفْعُولُ ( يُنْفِقُونَ ) مَحْذُوفٌ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما يَصْلُحُ لِلْإنْفاقِ المَحْمُودِ أوْ مَتْرُوكٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي.

﴿فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ أيْ في اليُسْرِ والعُسْرِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: في حالِ السُّرُورِ والِاغْتِمامِ، وقِيلَ: في الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ بِأنْ يُوصِي، وقِيلَ: فِيما يَسُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ والقَرِيبِ، وفِيما يَضُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الأعْداءِ، وقِيلَ: في ضِيافَةِ الغَنِيِّ والإهْداءِ إلَيْهِ، وفِيما يُنْفِقُهُ عَلى أهْلِ الضُّرِّ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وأصْلُ السَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَسُرُّ، والضَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَضُرُّ، والمُتَبادِرُ ما قالَهُ الحَبْرُ، والمُرادُ إمّا ظاهِرُهُما أوِ التَّعْمِيمُ كَما عُهِدَ في أمْثالِهِ، أيْ أنَّهم لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن كَثِيرٍ أوْ قَلِيلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ تَصَدَّقَ بِبَصَلَةٍ، وفي الخَبَرِ: «اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ،» «ورُدُوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحَرَّقٍ».

﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أصْلُ الكَظْمِ شَدُّ رَأْسِ القِرْبَةِ عِنْدَ امْتِلائِها، ويُقالُ: فَلا كَظِيمٌ أيْ مُمْتَلِئٌ حُزْنًا و( الغَيْظُ ) هَيَجانُ الطَّبْعِ عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُنْكِرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغَضَبِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ الغَضَبَ يَتْبَعُهُ إرادَةَ الِانْتِقامِ البَتَّةَ، ولا كَذَلِكَ الغَيْظُ، وقِيلَ: الغَضَبُ ما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ والبَشَرَةِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ، والغَيْظُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: هُما مُتَلازِمانِ إلّا أنَّ الغَضَبَ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، والغَيْظُ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ.

والمُرادُ والمَتْجَرِّعِينَ لِلْغَيْظِ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ عِنْدَ امْتِلاءِ نُفُوسِهِمْ مِنهُ فَلا يُنْفِقُونَ مِمَّنْ يُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَيْهِمْ ولا يُبْدُونَ لَهُ ما يَكْرَهُ، بَلْ يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى الإنْفاذِ والِانْتِقامِ وهَذا هو المَمْدُوحُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ تَعالى قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْفِذَهُ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ حَتّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أيِّ الحُورِ شاءَ» وفي الأوَّلِ جَزاءٌ مِن جِنْسِ العَمَلِ، وفي الثّانِي ما هو مِن تَوابِعِهِ، وهَذا الوَصْفُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الفاعِلِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا الإنْفاقُ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا مُتَجَدِّدًا عَبَّرَ عَنْهُ بِما يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والحُدُوثَ ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ عَنْ عُقُوبَةِ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ إخْلالٌ بِالدِّينِ، وقِيلَ: عَنِ المَمْلُوكِينَ إذا أساءُوا، والعُمُومُ أوْلى.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ: ”أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى أجْرٌ فَلا يَقُومُ إلّا إنْسانٌ عَفا“ . …

Aal-i-Imraan 3:134Listen in Qur'an →
135

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allah and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allah? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ العَهْدَ عَلى الجِنْسِ بِأنَّهُ أدْخَلُ في المَدْحِ وأنْسَبُ بِذِكْرِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ ما نَزَلَ حِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا“ إلَخْ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حالُ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَمْ يَذْكُرْ صَدْرَ الآيَةِ» .

وفِي رِوايَةِ الكَلْبِيِّ «أنَّ رَجُلَيْنِ أنْصارِيًّا وثَقَفِيًّا آخى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَهُما فَكانا

صفحة 60

لا يَفْتَرِقانِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ مَغازِيهِ وخَرَجَ مَعَهُ الثَّقَفِيُّ وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ في أهْلِهِ وحاجَتِهِ، فَكانَ يَتَعاهَدُ أهْلَ الثَّقَفِيِّ فَأقْبَلَ ذاتَ يَوْمٍ فَأبْصَرَ امْرَأةَ صاحِبِهِ قَدِ اغْتَسَلَتْ وهي ناشِرَةٌ شَعْرَها فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ فَدَخَلَ ولَمْ يَسْتَأْذِنْ حَتّى انْتَهى إلَيْها، فَذَهَبَ لِيَلْثَمَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها فَقَبَّلَ ظاهِرَ كَفِّها ثُمَّ نَدِمَ واسْتَحْيا فَأدْبَرَ راجِعًا فَقالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى خُنْتَ أمانَتَكَ وعَصَيْتَ رَبَّكَ ولَمْ تَصِلْ إلى حاجَتِكَ، قالَ: ونَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ فَخَرَجَ يَسِيحُ في الجِبالِ ويَتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَنْبِهِ حَتّى وافى الثَّقَفِيُّ فَأخْبَرَتْهُ أهْلُهُ بِفِعْلِهِ، فَخَرَجَ يَطْلُبُهُ حَتّى دُلَّ عَلَيْهِ فَوافَقَهُ ساجِدًا وهو يَقُولُ: رَبِّ ذَنْبِي ذَنْبِي قَدْ خُنْتُ أخِي فَقالَ لَهُ: قُمْ يا فُلانُ فانْطَلِقْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاسْألْهُ عَنْ ذَنْبِكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وتَوْبَةً، فَأقْبَلَ مَعَهُ حَتّى رَجَعَ إلى المَدِينَةِ وكانَ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ صَلاةِ العَصْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَوْبَتِهِ فَتَلا: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألِهَذا الرَّجُلِ خاصَّةً أمْ لِلنّاسِ عامَّةً ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً» .

وفِي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ تَيِّهانَ التَّمّارَ أتَتْهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ تَبْتاعُ مِنهُ تَمْرًا فَضَمَّها إلى نَفْسِهِ وقَبَّلَها ثُمَّ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ، وأيًّا ما كانَ فَبِإطْلاقِ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ ما فَعَلَهُ الرُّماةُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَطّافِ بْنِ خالِدٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها لَمّا نَزَلَتْ صاحَ إبْلِيسُ بِجُنُودِهِ وحَثا عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ ودَعا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ حَتّى جاءَتْهُ جُنُودُهُ مِن كُلِّ بَرٍّ وبَحْرٍ فَقالُوا: ما لَكَ يا سَيِّدَنا ؟ قالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ في كِتابِ اللَّهِ لا يَضُرُّ بَعْدَها أحَدًا مِن بَنِي آدَمَ ذَنْبٌ. قالُوا: وما هي ؟ فَأخْبَرَهم، قالُوا: نَفْتَحُ لَهم بابَ الأهْواءِ فَلا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يَرَوْنَ إلّا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَرَضِيَ مِنهم بِذَلِكَ، والمَوْصُولُ إمّا مَفْصُولٌ عَمّا قَبْلَهُ …

Aal-i-Imraan 3:135Listen in Qur'an →
136

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

( ﴿أُولَئِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ أخِيرًا بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، والبُعْدُ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُعْظَمُ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ وهم طائِفَةٌ واحِدَةٌ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( مَغْفِرَة ) خَبَرُ ( أُولَئِكَ ) أوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ ( ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ ) إلَخْ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وادَّعى مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِنَظْمِ المَغْفِرَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ سابِقَةِ الذَّنْبِ في سِ لْكِ الجَزاءِ إذْ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ ( أُولَئِكَ ) إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها كاشِفَةٌ عَنْ حالِ كِلا الفَرِيقَيْنِ المُحْسِنِينَ والتّائِبِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما هو مِن أوْصافِ الأوَّلِينَ ما فِيهِ شائِبَةُ الذَّنْبِ حَتّى يَذْكُرَ في مَطْلَعِ الجَزاءِ الشّامِلِ لَهُما المَغْفِرَةَ، وتَخْصِيصُ الإشارَةِ بِالأخِيرَيْنِ مَعَ اشْتِراكِهِما في حُكْمِ إعْدادِ الجَنَّةِ لَهُما تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ انْتَهى.

والَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ الآيَةَ ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ فَقالَ: إنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لِنَعْتِ رَجُلٍ واحِدٍ أحَدُ الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ أشارَ إلَيْهِما بَلِ الأوَّلِ مِنهُما، وتَكُونُ هَذِهِ الإشارَةُ كَما قالَ صاحِبُ القِيلِ، وهَذِهِ المَغْفِرَةُ هي المَغْفِرَةُ الَّتِي أُمِرَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن لَهُ ذَنْبٌ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ مِنهم بِالمُسارَعَةِ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْها، فَلا يَضُرُّ وُقُوعُها في مَطْلَعِ الجَزاءِ ( مِن رَبِّهِمْ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْمَغْفِرَةِ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ مَغْفِرَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ مَعَ التَّشْرِيفِ ﴿وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَغْفِرَةٌ ) والمُرادُ بِها جَنّاتٌ في ضِمْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ الَّتِي أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ عَرْضَها السَّمَوات والأرْض ولَيْسَ جَنّاتٌ وراءَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ صاحِبِ القِيلِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِإعْدادِ ما وُصِفَ أوَّلًا تَنْصِيصًا عَلى وصْفِها بِاشْتِمالِها عَلى ما يَزِيدُها بَهْجَةً مِنَ الأنْهارِ الجارِيَةِ بَعْدَ وصْفِها بِالسِّعَةِ، والإخْبارُ بِأنَّها جَزاؤُهم وأجْرُهُمُ الَّذِي لا بُدَّ بِمُقْتَضى الفَضْلِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، وهَذا فَوْقَ الإخْبارِ بِالإعْدادِ أوْ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ عَلى طُرُزِ ما ذُكِرَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ التَّنْكِيرَ يُشْعِرُ بِكَوْنِها أدْنى مِنَ الجَنَّةِ السّابِقَةِ، وإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَيِّدُ رُجْحانَ الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ وفِيهِ تَرَدُّدُ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( جَزاؤُهم ) لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ مَعْنًى إذْ هو في قُوَّةِ يَجْزِيهِمُ اللَّهُ جَنّاتٍ خالِدِينَ فِيها، ولا مَساغَ لِأنْ يَكُونَ حالًا مِن جَنّاتٍ في اللَّفْظِ وهي لِأصْحابِها في المَعْنى إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأُبْرِزَ …

Aal-i-Imraan 3:136Listen in Qur'an →
137

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ أيْ وقائِعُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ أجْراها اللَّهُ تَعالى حَسَبَ عادَتِهِ، وقالَ المُفَضَّلُ: إنَّ المُرادَ بِها الأُمَمُ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِمَعْنى الأُمَّةِ في كَلامِهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ:

ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكم ولا رَأوْا مِثْلَكم في سالِفِ السُّنَنِ

وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِها الشَّرائِعُ والأدْيانُ، فالمَعْنى قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ وأدْيانٌ نُسِخَتْ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِأنَّ هَذا إمّا مُساقٌ لِحَمْلِ المُكَلَّفِينَ أوْ آكِلِي الرِّبا عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ أوْ عَلى التَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ أوْ عَلى كِلَيْهِما بِنَوْعٍ غَيْرِ ما سَبَقَ - كَما قِيلَ - وإمّا عَوْدٌ إلى تَفْصِيلِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ مَبادِي الرَّشَدِ والصَّلاحِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الفَوْزِ والفَلاحِ عَلى رَأْيٍ، وذِكْرُ مُضِيِّ الأدْيانِ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ ارْتِباطٍ بِذَلِكَ، وإنْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ فِيهِ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى دِينِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يَهِنُوا بِقَوْلِ اليَهُودِ أنَّ دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنْسَخُ ولا يَجُوزُ النَّسْخُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ بَداءٌ، وتَحْرِيضًا لِلْيَهُودِ وحَثًّا عَلى قَبُولِ دِينِ الإسْلامِ، وإنْذارًا لَهم مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ ما وقَعَ عَلى المُكَذِّبِينَ، وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَنْصُرُهم عَلى المُكَذِّبِينَ، نَعَمْ إطْلاقُ السُّنَّةِ عَلى الشَّرِيعَةِ أقْرَبُ مِن إطْلاقِها عَلى الوَقْعَةِ لِأنَّها في الأصْلِ الطَّرِيقَةُ والعادَةُ ومِنهُ قَوْلُهم: سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( سُنَنٌ ) أيْ سُنَنٌ كائِنَةٌ مِن قَبْلِكم ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ بِأقْدامِكم أوْ بِأفْهامِكم ﴿فانْظُرُوا﴾ أيْ تَأمَّلُوا.

﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ (137) أيْ آخِرُ أمْرِهِمُ الَّذِي أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم لِأنْبِيائِهِمْ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِسَبَبِيَّةِ الخُلُوِّ لِلسَّيْرِ والنَّظَرِ أوِ الأمْرِ بِهِما، وقِيلَ: المَعْنى عَلى الشَّرْطِ أيْ إنْ شَكَكْتُمْ ( فَسِيرُوا ) إلَخْ، والخِطابُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُساقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ النَّقّاشُ: لِلْكُفّارِ - وفِيهِ بُعْدٌ - و( كَيْفَ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ - لِكانَ - مُعَلَّقٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ لِأنَّ الأصْلَ اسْتِعْمالُهُ بِالجارِّ وتَجْرِيدُ الفِعْلِ عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ.

Aal-i-Imraan 3:137Listen in Qur'an →
138

هَٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ

This [Qur'an] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allah.

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (138) الِإشارَةُ إمّا إلى القُرْآنِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وخُدِشَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ، وإمّا إلى ما لَخَّصَ مِن أمْرِ الكُفّارِ والمُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ الآيَةُ اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى والتَّوْبَةِ - كَما قِيلَ - ووَجْهُ الِاعْتِراضِ لِدَفْعِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ المُعْتَرِضَةَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمُعْتَرَضِ فِيهِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ بِأنَّ تِلْكَ الآياتِ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لِآكِلِي الرِّبا، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى التَّرْهِيبِ، ومَعْناهُ راجِعٌ إلى التَّرْغِيبِ بِحَسَبِ التَّضادِّ، كَما أنَّ بَعْضَ الآياتِ الوارِدَةِ في الرَّحْمَنِ لِلْوَعِيدِ تُعَدُّ مِنَ الآلاءِ بِحَسَبِ الزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي فَيَتَأتّى التَّوْكِيدُ دُونَ نَقْصٍ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعَسُّفٌ، وإمّا إلى ما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( قَدْ خَلَتْ ) إلَخْ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي إسْحاقَ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ والبَلْخِيُّ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ – وألْ - في النّاسِ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِمُ المُكَذِّبُونَ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِبَيانٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ

صفحة 66

وقَعَ صِفَةً لَهم أيْ هَذا إيضاحٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَإنَّ الأمْرَ السّابِقَ وإنْ كانَ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ عَلى المُخْتارِ، لَكِنَّ العَمَلَ بِمُوجِبِهِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ فَفِيهِ حَمْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أيْضًا عَلى أنْ يَنْظُرُوا في عاقِبَةِ أسْلافِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ، والمَوْعِظَةُ ما يُلِينُ القَلْبَ ويَدْعُو إلى التَّمَسُّكِ بِما فِيهِ طاعَةٌ، والهُدى بَيانُ طَرِيقِ الرُّشْدِ لِيُسْلَكَ دُونَ طَرِيقِ الغَيِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيانِ أنَّ الثّانِي إظْهارُ المَعْنى كائِنًا ما كانَ، ولِكَوْنِ المُرادِ بِهِ هُنا ما كانَ عارِيًا عَنِ الهُدى والعِظَةِ خَصَّهُ بِالنّاسِ مَعَ أنَّ ظاهِرَهُ شامِلٌ لِلْمُتَّقِينَ.

والمُرادُ بِهِمْ مُقابِلُ المُكَذِّبِينَ وكَأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى وزِيادَةُ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٍ لَكم لِلْإيذانِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ مَدارَ ذَلِكَ كَوْنُهُ هُدًى ومَوْعِظَةً لَهم، إنَّما هو تَقْواهم وعَدَمُ تَكْذِيبِهِمْ، وقَدَّمَ بَيانَ كَوْنِهِ بَيانًا لِلْمُكَذِّبِينَ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَسُوقٍ لَهُ عَلى بَيانِ كَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالسِّياقِ لِأنَّ أوَّلَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مُشاهَدَةِ آثارِ هَلاكِ أسْلافِهِمْ ظُهُورُ حالِ أخْلافِهِمْ، وأمّا الهُدى فَأمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، والِاقْتِصارُ عَلى الأمْرَيْنِ في جانِبِ المُتَّقِينَ مَعَ تَرَتُّبِهِما عَلى البَيانِ لِما أنَّهُما المَقْصِدُ الأصْلِيُّ، وقِيلَ: ألْ في النّاسِ لِلْجِنْسِ.

والمُرادُ بَيانٌ لِجَمِيعِ النّاسِ لَكِنَّ المُنْتَفِعَ بِهِ المُتَّقُونَ لِأنَّهم يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَجِعُونَ بِوَعْظِهِ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُرادَ مِنَ المُتَّقِينَ الصّائِرُونَ إلى التَّقْوى فَيَبْقى الهُدى والمَوْعِظَةُ بِلا زِيادَةٍ، وإنْ يُرادُ بِهِمْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ المُتَّقِينَ بِالفِعْلِ، فَيَحْتاجُ الهُدى وما عُطِفَ عَلَيْهِ إلى اعْتِبارِ ما يَعُمُّ الِابْتِداءَ والزِّيادَةَ فِيهِ، ولا يَخْفى ما في الثّانِي مِن زِيادَةِ البُعْدِ لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ في مَوْضِعَيْنِ، وأمّا الأوَّلُ فَفِيهِ بُعْدٌ مِن جِهَةِ الِارْتِكابِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وهو وإنْ شارَكَ ما قُلْناهُ …

Aal-i-Imraan 3:138Listen in Qur'an →
139

وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «انْهَزَمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أقْبَلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْلُوا عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ، اللَّهُمَّ لَيْسَ يَعْبُدُكَ بِهَذِهِ البَلْدَةِ غَيْرُ هَؤُلاءِ النَّفَرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وثابَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَصَعِدُوا الجَبَلَ ورَمَوْا خَيْلَ المُشْرِكِينَ حَتّى هَزَمُوهم» .

وعَنِ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ تَسْلِيَةً لِلْمُسْلِمِينَ لِما نالَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ القَتْلِ والجِراحِ.

وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ حِينَ «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِطَلَبِ القَوْمِ، وقَدْ أصابَهم مِنَ الجِراحِ ما أصابَهم، وقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”لا يَخْرُجُ إلّا مَن شَهِدَ مَعَنا بِالأمْسِ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»“ وأيًّا ما كانَ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( سِيرُوا في الأرْضِ ) بِحَسَبِ اللَّفْظِ، ومُرْتَبِطَةٌ بِهِ بِحَسَبِ المَعْنى إنْ قُلْنا إنَّهُ عَوْدٌ إلى التَّفْصِيلِ، وبِما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ أُحُدٍ - إنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ - وبِهِ قالَ جَمْعٌ، وجَعَلُوا تَوْسِيطَ حَدِيثِ الرِّبا اسْتِطْرادًا أوْ إشارَةً إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن عَداوَةِ الدِّينِ ومُحارَبَةِ المُسْلِمِينَ، وبِهِ يَظْهَرُ الرَّبْطُ، وقَدْ مَرَّ تَوْجِيهُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ارْتِباطَ هَذِهِ الآيَةِ لَفْظًا بِمَحْذُوفٍ أيْ كُونُوا مُجِدِّينَ ولا تَهِنُوا، ومَضى عَلى الخِلافِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، والوَهْنُ الضَّعْفُ أيْ لا تَضْعُفُوا عَنْ قِتالِ أعْدائِكم والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بِما نالَكم مِنَ الجِراحِ ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ عَلى ما أصَبْتُمْ بِهِ مِن قَتْلِ الأعِزَّةِ، وقَدْ قُتِلَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ صاحِبُ رايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ

صفحة 67

ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعُثْمانُ بْنُ شَمّاسٍ، وسَعْدٌ مَوْلى عُتْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وسَبْعُونَ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: ( لا تَحْزَنُوا ) عَلى ما فاتَكم مِنَ الغَنِيمَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والظّاهِرُ أنَّ حَقِيقَةَ النَّهْيِ غَيْرُ مُرادَةٍ هُنا، بَلِ المُرادُ التَّسْلِيَةُ والتَّشْجِيعُ، وإنْ أُرِيدَتِ الحَقِيقَةُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى الوَهْنِ والحُزْنِ مِنَ الآثارِ الِاخْتِيارِيَّةِ أيْ لا تَفْعَلُوا ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ الفِعْلَيْنِ أيْ والحالُ أنَّكُمُ ( الأعْلَوْنَ ) الغالِبُونَ دُونَ أعْدائِكم، فَإنَّ مَصِيرَهم مَصِيرُ أسْلافِهِمُ المُكَذِّبِينَ فَهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ الإشْعارِ بِالغَلَبَةِ والنَّصْرِ.

حَكى القُرْطُبِيُّ أنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ظَفِرُوا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ في عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ بَعْدُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، أوِ …

Aal-i-Imraan 3:139Listen in Qur'an →
140

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allah may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allah does not like the wrongdoers -

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، وهُما لُغَتانِ كالدُّفِّ والدَّفِّ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ، وقالَ الفَرّاءُ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجِراحَةُ، وبِالضَّمِّ ألَمُها، ويُقْرَأُ بِضَمِّ القافِ والرّاءِ عَلى الإتْباعِ كاليُسْرِ واليُسُرِ، والطُّنْبِ والطُّنُبِ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ بِفَتْحِهِما، وهو مَصْدَرُ قَرِحَ يَقْرَحُ إذا صارَ لَهُ قُرْحَةٌ، والمَعْنى إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهم قَبْلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمْ يُضْعِفُ ذَلِكَ قُلُوبَهم ولَمْ يُثَبِّطْهم عَنْ مُعاوَدَتِكم بِالقِتالِ وأنْتُمْ أحَقُّ بِأنْ لا تَضْعُفُوا؛ فَإنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَرْجُونَ، والمُضارِعُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ لِحِكايَةِ الحالِ لِأنَّ المَساسَ مَضى، وأمّا اسْتِعْمالُ إنْ فِبَتَقْدِيرِ كانَ أيْ إنْ كانَ مَسَّكم قَرْحٌ، و(إنْ) لا تَتَصَرَّفُ في كانَ لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ، أوْ عَلى ما قِيلَ: إنَّ ( إنْ ) قَدْ تَجِيءُ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ مِن غَيْرِ نَقْلِ فِعْلِهِ مِنَ الماضِي إلى المُسْتَقْبَلِ، وما وقَعَ في مَوْضِعِ جَوابِ الشَّرْطِ لَيْسَ بِجَوابِ حَقِيقَةٍ لِتَحَقُّقِهِ قَبْلَ هَذا الشَّرْطِ، بَلْ دَلِيلُ الجَوابِ، والمُرادُ إنْ كانَ مَسَّكم قَرْحٌ فَذَلِكَ لا يُصَحِّحُ عُذْرَكم وتَقاعُدَكم عَنِ الجِهادِ بَعْدُ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَسَّ أعْداءَكم

صفحة 68

مِثْلُهُ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، أوْ يُقالُ: إنْ مَسَّكم قَرْحٌ فَتَسَلَّوْا فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والمِثْلِيَّةُ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ القَتْلى في الجُمْلَةِ فَلا يَرِدُ أنَّ المُسْلِمِينَ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُشْرِكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ خَمْسَةً وسَبْعِينَ وجَرَحُوا سَبْعِينَ، والتَزَمَ بَعْضُهم تَفْسِيرَ القَرْحِ بِمُجَرَّدٍ الِانْهِزامِ دُونَ تَكْثِيرِ القَتْلى فِرارًا مِن هَذا الإيرادِ، وأبْعَدَ بَعْضٌ في تَوْجِيهِ الآيَةِ وحَمَلَها عَلى ما لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: الأوْجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ فَلا تَهِنُوا لِأنَّهُ ﴿مَسَّ القَوْمَ﴾ أيِ الرِّجالَ ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ والقَرْحُ لِلرِّجالِ لا لِلنِّساءِ، فَمَن هو مِن زُمْرَةِ الرِّجالِ يَنْبَغِي أنْ لا يُعْرِضَ عَمّا هو سَمْتُهُ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَسْعى لَهُ، وبِهَذا يَظْهَرُ بَقاءُ وجْهِ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ، وأنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وكَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ قَرْحَ القَوْمِ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ قَرْحِهِمْ، ولا يَحْتاجُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الجَوابِ.

وقِيلَ: إنْ كِلا المَسَّيْنِ كانَ في أُحُدٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإنَّهم قَتَلُوا مِنهم نَيِّفًا وعِشْرِينَ رَجُلًا أحَدَهم صاحِبَ لِوائِهِمْ، وجَرَحُوا عَدَدًا كَثِيرًا، وعَقَرُوا عامَّةَ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ القَرْحَ الَّذِي مَسَّهم أنَّهم رَجَعُوا خائِبِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ بِحِفْظِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ اسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى ما بَعْدَهُ كَما في الضَّمائِرِ المُبْهَمَةِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها نَحْوُ - رَبَّهُ رَجُلًا - ومِثْلُهُ يُفِيدُ التَّفْخِيمَ والتَّعْظِيمَ، و( الأيّامُ ) بِمَعْنى الأوْقاتِ لا الأيّامُ العُرْفِيَّةُ، وتَعْرِيفُها لِلْعَهْدِ …

Aal-i-Imraan 3:140Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.