Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 131–140 of 200

131

وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ لِما تَقَدَّمَ ”واتَّقُوا اللَّهَ“، والذَّواتُ لا تُتَّقى، فَإنَّما المُتَّقى مَحْذُوفٌ أوْضَحَهُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: واتَّقَوُا النّارَ. والألِفُ واللّامُ في النّارِ لِلْجِنْسِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ النّارُ الَّتِي وعَدَ بِها آكِلَ الرِّبا أخَفَّ مِن نارِ الكافِرِ، أيْ أعَدَّ جِنْسَها لِلْكافِرِينَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ آكِلُ الرِّبا قَدْ تُوُعِّدَ بِالنّارِ الَّتِي يُعَذَّبُ بِها الكافِرُ. وقِيلَ: تُوُعِّدُ أكَلَةُ الرِّبا بِنارِ الكَفَرَةِ، إذِ النّارُ سَبْعُ طَبَقاتٍ: العُلْيا مِنها وهي جَهَنَّمُ لِلْعُصاةِ، والخَمْسُ لِلْكُفّارِ، والدَّرْكُ الأسْفَلُ لِلْمُنافِقِينَ. فَأكَلَةُ الرِّبا يُعَذَّبُونَ بِنارِ الكُفّارِ، لا بِنارِ العُصاةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَسْتَحِلُّوا الرِّبا.

وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى واتَّقُوا أنْ تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَكْفُرُوا. وقِيلَ: اتَّقُوا العَمَلَ الَّذِي يَنْزِعُ مِنكُمُ الإيمانَ وتَسْتَوْجِبُونَ بِهِ النّارَ. وكانَ أبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ، حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ بِاجْتِنابِ مَحارِمِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ أمَدَّ ذَلِكَ بِما أتْبَعَهُ مِن تَعْلِيقِ رَجاءِ المُؤْمِنِ لِرَحْمَتِهِ بِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآياتِ وأمْثالَها لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالأطْماعِ الفارِغَةِ والتَّمَنِّي عَلى اللَّهِ تَعالى. وفي ذِكْرِهِ تَعالى ”لَعَلَّ“ و”عَسى“ في نَحْوِ هَذِهِ المَواضِعِ وإنْ قالَ النّاسُ ما قالُوا ما لا يَخْفى عَلى العارِفِ الفَطِنِ مِن دِقَّةِ مَسْلَكِ التَّقْوى، وصُعُوبَةِ إصابَةِ رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَزَّةِ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ مِن تَقْنِيطِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، ووُلُوعِهِ بِمَذْهَبِهِ يَجْعَلُهُ يُحَمِّلُ ألْفاظَ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، أوْ ما هو بَعِيدٌ عَنْها. وتَقَدَّمَ شَرْحُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ في أوائِلِ البَقَرَةِ.

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ قِيلَ: أطِيعُوا اللَّهَ في الفَرائِضِ، والرَّسُولَ في السُّنَنِ. وقِيلَ: في تَحْرِيمِ الرِّبا، والرَّسُولَ فِيما بَلَّغَكم مِنَ التَّحْرِيمِ. وقِيلَ: وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ. فَإنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةُ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقالَ الَمَهَدَوِيُّ: ذِكْرُ الرَّسُولِ زِيادَةٌ في التَّبْيِينِ والتَّأْكِيدِ والتَّعْرِيفِ بِأنَّ طاعَتَهُ طاعَةُ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذِهِ الآيَةُ هي ابْتِداءُ المُعاتَبَةِ في أمْرِ أُحُدٍ، وانْهِزامِ مَن فَرَّ، وزَوالِ الرُّماةِ مِن مَرْكَزِهِمْ. وقِيلَ: صِيغَتُها الأمْرُ، ومَعْناها العَتْبُ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما جَرى مِنهم مِن أكْلِ الرِّبا، والمُخالَفَةِ يَوْمَ أُحُدٍ. والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ إرادَةُ الخَيْرِ لِعَبِيدِهِ، أوْ ثَوابُهم عَلى أعْمالِهِمْ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ ضُرُوبًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ، مِن ذَلِكَ: العامُّ المُرادُ بِهِ الخاصُّ في ”﴿مِن أهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، قالَ الجُمْهُورُ: أرادَ بِهِ بَيْتَ عائِشَةَ. فالِاخْتِصاصُ في: ”﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، وفي: ”﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]“، وفي: ”﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ …

Aal-i-Imraan 3:131Listen in Qur'an →
132

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And obey Allah and the Messenger that you may obtain mercy.

﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ لِما تَقَدَّمَ ”واتَّقُوا اللَّهَ“، والذَّواتُ لا تُتَّقى، فَإنَّما المُتَّقى مَحْذُوفٌ أوْضَحَهُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: واتَّقَوُا النّارَ. والألِفُ واللّامُ في النّارِ لِلْجِنْسِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ النّارُ الَّتِي وعَدَ بِها آكِلَ الرِّبا أخَفَّ مِن نارِ الكافِرِ، أيْ أعَدَّ جِنْسَها لِلْكافِرِينَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ آكِلُ الرِّبا قَدْ تُوُعِّدَ بِالنّارِ الَّتِي يُعَذَّبُ بِها الكافِرُ. وقِيلَ: تُوُعِّدُ أكَلَةُ الرِّبا بِنارِ الكَفَرَةِ، إذِ النّارُ سَبْعُ طَبَقاتٍ: العُلْيا مِنها وهي جَهَنَّمُ لِلْعُصاةِ، والخَمْسُ لِلْكُفّارِ، والدَّرْكُ الأسْفَلُ لِلْمُنافِقِينَ. فَأكَلَةُ الرِّبا يُعَذَّبُونَ بِنارِ الكُفّارِ، لا بِنارِ العُصاةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَسْتَحِلُّوا الرِّبا.

وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى واتَّقُوا أنْ تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَكْفُرُوا. وقِيلَ: اتَّقُوا العَمَلَ الَّذِي يَنْزِعُ مِنكُمُ الإيمانَ وتَسْتَوْجِبُونَ بِهِ النّارَ. وكانَ أبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ، حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ بِاجْتِنابِ مَحارِمِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ أمَدَّ ذَلِكَ بِما أتْبَعَهُ مِن تَعْلِيقِ رَجاءِ المُؤْمِنِ لِرَحْمَتِهِ بِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآياتِ وأمْثالَها لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالأطْماعِ الفارِغَةِ والتَّمَنِّي عَلى اللَّهِ تَعالى. وفي ذِكْرِهِ تَعالى ”لَعَلَّ“ و”عَسى“ في نَحْوِ هَذِهِ المَواضِعِ وإنْ قالَ النّاسُ ما قالُوا ما لا يَخْفى عَلى العارِفِ الفَطِنِ مِن دِقَّةِ مَسْلَكِ التَّقْوى، وصُعُوبَةِ إصابَةِ رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَزَّةِ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ مِن تَقْنِيطِ العاصِي غَيْرِ التّائِبِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، ووُلُوعِهِ بِمَذْهَبِهِ يَجْعَلُهُ يُحَمِّلُ ألْفاظَ القُرْآنِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، أوْ ما هو بَعِيدٌ عَنْها. وتَقَدَّمَ شَرْحُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ في أوائِلِ البَقَرَةِ.

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ قِيلَ: أطِيعُوا اللَّهَ في الفَرائِضِ، والرَّسُولَ في السُّنَنِ. وقِيلَ: في تَحْرِيمِ الرِّبا، والرَّسُولَ فِيما بَلَّغَكم مِنَ التَّحْرِيمِ. وقِيلَ: وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ. فَإنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةُ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقالَ الَمَهَدَوِيُّ: ذِكْرُ الرَّسُولِ زِيادَةٌ في التَّبْيِينِ والتَّأْكِيدِ والتَّعْرِيفِ بِأنَّ طاعَتَهُ طاعَةُ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذِهِ الآيَةُ هي ابْتِداءُ المُعاتَبَةِ في أمْرِ أُحُدٍ، وانْهِزامِ مَن فَرَّ، وزَوالِ الرُّماةِ مِن مَرْكَزِهِمْ. وقِيلَ: صِيغَتُها الأمْرُ، ومَعْناها العَتْبُ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما جَرى مِنهم مِن أكْلِ الرِّبا، والمُخالَفَةِ يَوْمَ أُحُدٍ. والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ إرادَةُ الخَيْرِ لِعَبِيدِهِ، أوْ ثَوابُهم عَلى أعْمالِهِمْ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ ضُرُوبًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ، مِن ذَلِكَ: العامُّ المُرادُ بِهِ الخاصُّ في ”﴿مِن أهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، قالَ الجُمْهُورُ: أرادَ بِهِ بَيْتَ عائِشَةَ. فالِاخْتِصاصُ في: ”﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، وفي: ”﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]“، وفي: ”﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ …

Aal-i-Imraan 3:132Listen in Qur'an →
133

۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] الكَظْمُ: الإمْساكُ عَلى غَيْظٍ وغَمٍّ. والكَظِيمُ: المُمْتَلِئُ أسَفًا، وهو المَكْظُومُ. وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ:

؎فَحَضَضْتُ قَوْمِيَ واحْتَسَبْتُ قِتالَهم والقَوْمُ مِن خَوْفِ المَنايا كُظَّمُ

وكَظْمُ الغَيْظِ رَدَّهُ في الجَوْفِ إذا كانَ يَخْرُجُ مِن كَثْرَتِهِ، فَضَبْطُهُ ومَنعُهُ كَظْمٌ لَهُ. ويُقالُ: كَظَمَ القِرْبَةَ إذا شَدَّها وهي مَلْأى. والكِظامُ: السَّيْرُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُها. وكَظَمَ البَعِيرَ جَرَّتَهُ: رَدَّها في جَوْفِهِ، أوْ حَبَسَها قَبْلَ أنْ يُرْسِلَها إلى فِيهِ. ويُقالُ: كَظَمَ البَعِيرَ والنّاقَةَ، إذا لَمْ يَجْتَرّا، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:

؎فَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ∗∗∗ مِن ذِي الأباطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَقِيلا

الحَقِيلُ: مَوْضِعٌ، والحَقِيلُ أيْضًا نَبْتٌ. ويُقالُ: لا تَمْنَعُ الإبِلُ جَرَّتَها إلّا عِنْدَ الجَهْدِ والفَزَعِ، فَلا تَجْتَرُّ. ومِنهُ قَوْلُ أعْشى باهِلَةَ يَصِفُ نَحّارَ الإبِلِ:

؎قَدْ تَكْظِمُ البَزْلَ مِنهُ حِينَ تُبْصِرُهُ ∗∗∗ حَتّى تَقَطَّعَ في أجْوافِها الجُرُرُ

الإصْرارُ: اعْتِزامُ الدَّوامِ عَلى الأمْرِ. وتَرْكُ الإقْلاعِ عَنْهُ، مِن صَرَّ الدَّنانِيرَ رَبَطَ عَلَيْها. وقالَ أبُو السَّمّالِ:

؎عَلِــمَ اللَّهُ أنَّهَــا مِنِّــي صِــرًى

أيْ: عَزِيمَةٌ. وقالَ الحُطَيْئَةُ يَصِفُ الخَيْلَ:

؎عَوابِسَ بِالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ∗∗∗ عَلالَيْها بِالمُحْضَراتِ أصَرَّتِ

أيْ ثَبَتَتْ عَلى عَدْوِها. وقالَ آخَرُ:

؎يُصِرُّ بِاللَّيْلِ ما تَخْفى شَواكِلُهُ ∗∗∗ يا ويْحَ كُلِّ مُصِرِّ القَلْبِ خَتّارِ

السُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ. وقالَ المُفَضَّلُ: الأُمَّةُ، وأنْشَدَ:

؎ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُ ∗∗∗ ولا رُأوا مِثْلَهُ في سالِفِ السُّنَنِ

وسُنَّةُ الإنْسانِ: الشَّيْءُ الَّذِي يَعْمَلُهُ ويُوالِيهِ، كَقَوْلِ خالِدٍ الهُذَلِيِّ لِأبِي ذُؤَيْبٍ:

؎فَلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها ∗∗∗ فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يُسِيرُها

وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ قُتَيْبَةَ:

؎وإنَّ الأُلى بِألْطَفِ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَأسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَّأسِّيا

وقالَ لَبِيدٌ:

؎مِن أُمَّةٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ∗∗∗ ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها

وقالَ الخَلِيلُ: سَنَّ الشَّيْءَ: صَوَّرَهُ. والمَسْنُونُ المُصَوَّرُ، …

Aal-i-Imraan 3:133Listen in Qur'an →
134

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

Who spend [in the cause of Allah] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allah loves the doers of good;

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: السَّرّاءُ اليُسْرُ، والضَّرّاءُ العُسْرُ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ والضَّحّاكُ: الرَّخاءُ والشِّدَّةُ. وقِيلَ: في الحَياةِ، وبَعْدَ المَوْتِ بِأنْ يُوصِيَ. وقِيلَ: في الفَرَحِ وفي التَّرَحِ. وقِيلَ: فِيما يَسُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ والقَرابَةِ، وفِيما يَضُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: في ضِيافَةِ الغَنِيِّ والإهْداءِ إلَيْهِ، وفِيما يُنْفِقُهُ عَلى أهْلِ الضُّرِّ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: في المَنشَطِ والمَكْرَهِ. ويُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ بِهاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ بِهِما جَمِيعَ الأحْوالِ؛ لِأنَّ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ لا يَخْلُو المُنْفِقُ أنْ يَكُونَ عَلى إحْداهُما. والمَعْنى: لا يَمْنَعُهم حالُ سُرُورٍ ولا حالُ ابْتِلاءٍ عَنْ بَذْلِ المَعْرُوفِ. ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ بِبَصَلَةٍ. وابْتُدِئَ بِصِفَةِ التَّقْوى الشّامِ لَةِ لِجَمِيعِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ جِيءَ بَعْدَها بِصِفَةِ البَذْلِ، إذْ كانَتْ أشُقُّ عَلى النَّفْسِ، وأدَلُّ عَلى الإخْلاصِ وأعْظَمِ الأعْمالِ؛ لِلْحاجَةِ إلى ذَلِكَ في الجِهادِ ومُواساةِ الفُقَراءِ. ويَجُوزُ في ”الَّذِينَ“ الإتْباعُ والقَطْعُ لِلرَّفْعِ والنَّصْبِ.

﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أيِ المُمْسِكِينَ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَيْظِ بِالصَّبْرِ، ولا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ، والغَيْظُ: أصْلُ الغَضَبِ، وكَثِيرًا ما يَتَلازَمانِ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِالغَضَبِ.

والغَيْظُ فِعْلٌ نَفْسانِيٌّ لا يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والغَضَبُ فِعْلٌ لَها مَعَهُ ظُهُورٌ في الجَوارِحِ، وفِعْلٌ ما ولا بُدَّ؛ ولِذَلِكَ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ هو عِبارَةٌ عَنْ أفْعالِهِ في المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا يُسْنَدُ الغَيْظُ إلَيْهِ تَعالى. ووَرَدَتْ أحادِيثُ في كَظْمِ الغَيْظِ وهو مِن أعْظَمِ العِبادَةِ، ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأهُ اللَّهُ أمْنًا وإيمانًا» وعَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «ما مِن جُرْعَةٍ يَتَجَرَّعُها العَبْدُ خَيْرٌ لَهُ وأعْظَمُ أجْرًا مِن جُرْعَةِ غَيْظٍ في اللَّهِ» وعَنْ عائِشَةَ أنَّ خادِمًا لَها غاظَها، فَقالَتْ: لِلَّهِ دَرُّ التَّقْوى، ما تَرَكَتْ لِذِي غَيْظٍ شِفاءً. وقالَ مُقاتِلٌ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ”إنَّ هَذِهِ في أُمَّتِي لَقَلِيلٌ، وقَدْ كانُوا أكْثَرَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ“» . وأنْشَدَ أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ:

؎وإذا غَضِبْتَ فَكُنْ وقُورًا كاظِمًا لِلْغَيْظِ تُبْصِرُ ما تَقُولُ وتَسْمَعُ

؎فَكَفى بِهِ شَرَفًا تَصَبُّرُ ساعَةً ∗∗∗ يَرْضى بِها عَنْكَ الإلَهُ ويَدْفَعُ

﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أيِ الجُناةِ والمُسِيئِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: المَمالِيكُ. وهَذا مِثالٌ؛ إذِ الأرِقّاءُ تَكْثُرُ ذُنُوبُهم لِجَهْلِهِمْ ومُلازَمَتِهِمْ، وإنْفاذُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ سَهْلٌ؛ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: والكاظِمِينَ الغَيْظَ عَنِ الأرِقّاءِ، والعافِينَ عَنِ النّاسِ إذا جَهِلُوا عَلَيْهِمْ. ووَرَدَتْ أخْبارٌ نَبَوِيَّةٌ في العَفْوِ، مِنها: ”يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ أُجُورُهم عَلى اللَّهِ، فَلْيَدْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيُقالُ: مَن ذا الَّذِي أجْرُهُ عَلى اللَّهِ ؟ فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا“ . ورَواهُ أبُو سُفْيانَ لِلرَّشِيدِ وقَدْ غَضِبَ عَلى رَجُلٍ، فَخَلّاهُ. ويَجُوزُ في الكاظِمِينَ والعافِينَ القَطْعُ إلى النَّصْبِ …

Aal-i-Imraan 3:134Listen in Qur'an →
135

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allah and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allah? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ نَزَلَتْ في قَوْلِ الجُمْهُورِ بِسَبَبِ مَنهالِ التَّمّارِ، ويُكَنّى: أبا مُقْبِلٍ، أتَتْهُ امْرَأةٌ تَشْتَرِي مِنهُ تَمْرًا فَضَمَّها وقَبَّلَها ثُمَّ نَدِمَ. وقِيلَ: ضَرَبَ عَلى عَجُزِها.

والعَطْفُ بِالواوِ مُشْعِرٌ بِالمُغايَرَةِ. لَمّا ذَكَرَ الصِّنْفَ الأعْلى وهُمُ المُتَّقُونَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، ذَكَرَ مَن دُونِهِمْ مِمَّنْ قارَفَ المَعاصِيَ وتابَ وأقْلَعَ، ولَيْسَ مِن بابِ عَطْفِ الصِّفاتِ واتِّحادِ المَوْصُوفِ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، وإنَّهُ مِن نَعْتِ المُتَّقِينَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفاحِشَةُ الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ ما دُونَهُ مِنَ النَّظَرِ واللَّمْسَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: الفاحِشَةُ الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ سائِرُ المَعاصِي. وقالَ النَّخَعِيُّ: الفاحِشَةُ القَبائِحُ، وظُلْمُ النَّفْسِ مِنَ الفاحِشَةِ، وهو لِزِيادَةِ البَيانِ. وقِيلَ: جَمِيعُ المَعاصِي، وظُلْمُ النَّفْسِ العَمَلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا حُجَّةٍ. وقالَ الباقِرُ: الفاحِشَةُ النَّظَرُ إلى الأفْعالِ، وظُلْمُ النَّفْسِ رُؤْيَةُ النَّجاةِ بِالأعْمالِ. وقِيلَ: الفاحِشَةُ الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغِيرَةُ. وقِيلَ: الفاحِشَةُ ما تُظُوهِرَ بِهِ مِنَ المَعاصِي، وقِيلَ: ما أُخْفِيَ مِنها. وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: الفاحِشَةُ ما دُونَ الزِّنا مِن قُبْلَةٍ أوْ لَمْسَةٍ أوْ نَظْرَةٍ فِيما لا يَحِلُّ، وظُلْمُ النَّفْسِ بِالمَعْصِيَةِ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ الذَّنْبُ الَّذِي فِيهِ تَبِعَةٌ لِلْمَخْلُوقِينَ، وظُلْمُ النَّفْسِ ما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ. وهَذِهِ تَخْصِيصاتٌ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الفاحِشَةِ في الزِّنا؛ ولِذَلِكَ قالَ جابِرٌ حِينَ سَمِعَ الآيَةَ: زَنَوْا ورَبِّ الكَعْبَةِ.

ومَعْنى ذَكَرُوا اللَّهَ: ذَكَرُوا وعِيدَهُ. قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: العَرْضُ عَلى اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. أوِ السُّؤالُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ والواقِدِيُّ. وقِيلَ: نَهْيُ اللَّهِ. وقِيلَ: غُفْرانُهُ. وقِيلَ: تَعَرَّضُوا لِذِكْرِهِ بِالقُلُوبِ لِيَبْعَثَهم عَلى التَّوْبَةِ. وقِيلَ: عَظِيمُ عَفْوِهِ، فَطَمِعُوا في مَغْفِرَتِهِ. وقِيلَ: إحْسانُهُ، فاسْتَحْيَوْا مِن إساءَتِهِمْ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها عَلى أنَّ الذِّكْرَ هو بِالقَلْبِ. وقِيلَ: هو بِاللِّسانِ، وهو الِاسْتِغْفارُ. ذَكَرُوا اللَّهَ بِقُلُوبِهِمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَطاءٌ في آخَرِينَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ما رَأيْتُ أكْثَرَ اسْتِغْفارًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» ولا بُدَّ مَعَ ذِكْرِ اللِّسانِ مِن مُواطَأةِ القَلْبِ، وإلّا فَلا اعْتِبارَ بِهَذا الِاسْتِغْفارِ. ومَنِ اسْتَغْفَرَ وهو مُصِرٌ فاسْتِغْفارُهُ يَحْتاجُ إلى اسْتِغْفارٍ. والِاسْتِغْفارُ سُؤالُ اللَّهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ الغُفْرانَ.

وقِيلَ: نَدِمُوا وإنْ لَمْ يَسْألُوا. والظّاهِرُ الأوَّلُ. ومَفْعُولُ ”اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ“ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ فاسْتَغْفِرُوهُ لِذُنُوبِهِمْ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الفِعْلِ وتَعْدِيَتِهِ.

* *

﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ جُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ، أوْ بَيْنَ ذِي الحالِ والحالِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ إعْرابًا في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةُ فِيها …

Aal-i-Imraan 3:135Listen in Qur'an →
136

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى الصِّنْفَيْنِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالصِّنْفِ الثّانِي، ويَكُونَ ”﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥]“ مُبْتَدَأً، و”أُولَئِكَ“ وما بَعْدَهُ خَبَرَهُ، و”﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ﴾“ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في مَوْضِعِ خَبَرِ ”أُولَئِكَ“ . وثَمَّ مَحْذُوفٌ أيْ: جَزاءُ أعْمالِهِمْ مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ لِذُنُوبِهِمْ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الخَبَرِ الصّادِقِ قَبُولَ تَوْبَةِ التّائِبِ، ولَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى مِن جِهَةِ العَقْلِ شَيْءٌ، بَلْ هو بِحُكْمِ المِلْكِ لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ أجْرُ العامِلِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ جَزاؤُهم؛ لِأنَّهُما في مَعْنًى واحِدٍ، وإنَّما خالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ جَزاءٌ واجِبٌ عَلى عَمَلٍ، وأجْرٌ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، لا كَما يَقُولُ المُبْطِلُونَ. ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ما أقَلَّ حَياءً مَن يَطْمَعُ في جَنَّتِي بِغَيْرِ عَمَلٍ، كَيْفَ أجُودُ بِرَحْمَتِي عَلى مَن يَبْخَلُ بِطاعَتِي ؟ وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: طَلَبُ الجَنَّةِ بِلا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وانْتِظارُ الشَّفاعَةِ بِلا سَبَبٍ نَوْعٌ مِنَ الغُرُورِ، وارْتِجاءُ الرَّحْمَةِ مِمَّنْ لا يُطاعُ حُمْقٌ وجَهالَةٌ. وعَنِ الحَسَنِ: يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ: «جُوزُوا الصِّراطَ بِعَفْوِي، وادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، واقْتَسِمُوها بِأعْمالِكم» . وعَنْ رابِعَةَ البَصْرِيَّةَ أنَّها كانَتْ تُنْشِدُ:

؎تَرْجُو النَّجاةَ ولَمْ تَسْلُكْ مَسالِكَها إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلى اليَبَسِ

انْتَهى ما ذَكَرَهُ، والبَيْتُ الَّذِي كانَتْ رابِعَةُ تُنْشِدُهُ هو لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ. وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ مِن أنَّ الإيمانَ دُونَ عَمَلٍ لا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ.

﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ذَلِكَ، أيِ المَغْفِرَةُ والجَنَّةُ.

Aal-i-Imraan 3:136Listen in Qur'an →
137

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أنَّهُ إنْ ظَهَرَ عَلَيْكُمُ الكُفّارُ يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ حُسْنَ العاقِبَةِ لِلْمُتَّقِينَ، وإنْ أُدِيلَ الكُفّارُ فالعاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وكَذَلِكم كُفّارُكم هَؤُلاءِ عاقِبَتُهم إلى الهَلاكِ. وقالَ النَّقّاشُ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ (ولا تَهِنُوا) . ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الجُمَلَ المُعْتَرِضَةَ في قِصَّةِ أُحُدٍ عادَ إلى كَمالِها، فَخاطَبَهم بِأنَّهُ إنْ وقَعَتْ إدالَةُ الكُفّارِ فالعاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَتْ ومَضَتْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ سُنَنٍ أيْ طَرائِقَ أوْ أُمَمٍ، عَلى شَرْحِ المُفَضَّلِ أنَّ السُّنَّةَ الأُمَّةَ. وقالَ الحَسَنُ: سُنَّةٌ أقْضِيَةٌ في إهْلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أمْثالٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وقائِعُ وطَلَبُ السَّيْرِ في الأرْضِ، وإنْ كانَتْ أحْوالُ مَن تَقَدَّمَ تُدْرَكُ بِالأخْبارِ دُونَ السِّيَرِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ إنَّما تَكُونُ مِمَّنْ سارَ وعايَنَ، وعَنْهُ يُنْقَلُ، فَطَلَبَ مِنهُ الوَجْهَ الأكْمَلَ؛ إذْ لِلْمُشاهَدَةِ أثَرٌ أقْوى مِن أثَرِ السَّماعِ. وقِيلَ: السَّيْرُ هُنا مَجازٌ عَنِ التَّفَكُّرِ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. وقالَ الجُمْهُورُ: النَّظَرُ هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ. وقالَ قَوْمٌ: هو بِالفِكْرِ. والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ ”انْظُرُوا“؛ لِأنَّها مُعَلَّقَةٌ، و”كَيْفَ“ في مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ كانَ. والمَعْنى: ما سُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ مِن وقائِعِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ﴿وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٦١] .

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ السَّفَرِ في فِجاجِ الأرْضِ؛ لِلِاعْتِبارِ ونَظَرِ ما حَوَتْ مِن عَجائِبِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى، وزِيارَةِ الصّالِحِينَ، وزِيارَةِ الأماكِنِ المُعَظَّمَةِ، كَما يَفْعَلُهُ سُيّاحُ هَذِهِ المِلَّةِ، وجَوازُ النَّظَرِ في كُتُبِ المُؤَرِّخِينَ؛ لِأنَّها سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَةِ سِيَرِ العالَمِ وما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ المَثُلاثِ.

Aal-i-Imraan 3:137Listen in Qur'an →
138

هَٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ

This [Qur'an] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allah.

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والرَّبِيعُ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ. وقِيلَ: الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ”﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]“ . قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والطَّبَرِيُّ، وجَماعَةٌ. أيْ هَذا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوهُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ مِنَ العَمى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ، إيضاحٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ. يَعْنِي حَثَّهم عَلى النَّظَرِ في سُوءِ عَواقِبِ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم، والِاعْتِبارَ بِما يُعايِنُونَ مِن آثارِ هَلاكِهِمْ. ”﴿وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾“ يَعْنِي: أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بَيانًا وتَنْبِيهًا لِلْمُكَذِّبِينَ فَهو زِيادَةٌ وتَثْبِيتٌ ومَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا مِنَ المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلْبَعْثِ عَلى الإيمانِ، وما يَسْتَحِقُّ بِهِ ما ذَكَرَ مِن أجْرِ العامِلِينَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”﴿هَذا بَيانٌ﴾“ إشارَةٌ إلى ما لَخَّصَ وبَيَّنَ مِن أمْرِ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ والمُصِرِّينَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ. ولَمّا كانَ ظاهِرًا واضِحًا قالَ: بَيانٌ لِلنّاسِ. ولَمّا كانَتِ المَوْعِظَةُ والهُدى لا يَكُونانِ إلّا لِمَنِ اتَّقى خَصَّ بِذَلِكَ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ مَن عَمى فِكْرُهُ وقَسا فُؤادُهُ لا يَهْتَدِي ولا يَتَّعِظُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ الهُدى والمَوْعِظَةُ.

Aal-i-Imraan 3:138Listen in Qur'an →
139

وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَمّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أقْبَلَ خالِدٌ يُرِيدُ أنْ يَعْلُوَ الجَبَلَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَعْلُنَّ عَلَيْنا، اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ» فَنَزَلَتْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وزادَ الواقِدِيُّ أنَّ رُماةَ المُسْلِمِينَ صَعِدُوا الجَبَلَ ورَمَوْا خَيْلَ المُشْرِكِينَ حَتّى هَزَمُوهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وأنْتُمُ الغالِبُونَ بَعْدَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَخْرُجُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ظَفِرُوا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ في عَهْدِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ بَعْدُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ حِينَ أُمِرُوا بِطَلَبِ القَوْمِ مَعَ ما أصابَهم مِنَ الجِراحِ. وقالَ: لا يَخْرُجُ إلّا مَن شَهِدَ مَعَنا أمْسِ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ، نَهاهم عَنْ أنْ يَضْعُفُوا عَنْ جِهادِ أعْدائِهِمْ، وعَنِ الحُزْنِ عَلى مَنِ اسْتُشْهِدَ مِن إخْوانِهِمْ؛ فَإنَّهم صارُوا إلى كَرامَةِ اللَّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ هَزِيمَتِهِمْ وقَتْلِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. قالَهُ مُقاتِلٌ. أوَلَمّا أصابَ النَّبِيَّ ﷺ مِن شَجِّهِ وكَسْرِ رُباعِيَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. أوَلَمّا فاتَ مِنَ الغَنِيمَةِ، ذَكَرُهُ أحْمَدُ النَّيْسابُورِيُّ. أوْ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ. وآنَسَهم بِقَوْلِهِ: ”﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾“ أيِ الغالِبُونَ وأصْحابُ العاقِبَةِ. وهو إخْبارٌ بِعُلُوِّ كَلِمَةِ الإسْلامِ. قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو الظّاهِرُ.

وقِيلَ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾، أيْ قَدْ أصَبْتُمْ بِبَدْرٍ ضِعْفَ ما أصابُوا مِنكم بِ أُحُدٍ أسْرًا وقَتْلًا، فَيَكُونُ ”﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾“ نَصْبًا عَلى الحالِ، أيْ تَحْزَنُوا عالِينَ أيْ مَنصُورِينَ عَلى عَدُوِّكم. انْتَهى. وأمّا كَوْنُهُ مِن عُلُوِّهِمُ الجَبَلَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سَبَبِ النُّزُولِ فَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن كَرَمِ الخُلُقِ أنْ لا يَهُنِ الإنْسانُ في حَرْبِهِ وخِصامِهِ، ولا يَلِينُ إذا كانَ مُحِقًّا، وأنْ يَتَقَصّى جَمِيعَ قُدْرَتِهِ، ولا يَضْرَعَ ولَوْ ماتَ. وإنَّما يُحْسِنُ اللِّينَ في السِّلْمِ والرِّضا، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، والمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُوُنَ» وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجِبُ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا يُوادِعَ العَدُوَّ ما كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ، فَإنْ كانُوا في قُطْرٍ ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْظُرُ الإمامُ لَهم في الأصْلَحِ. انْتَهى.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ دَلالَةٌ عَلى فَضِيلَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ إذْ خاطَبَهم مِثْلَ ما خاطَبَ مُوسى كَلِيمَهُ ﷺ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، إذْ قالَ لَهُ: ”﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨]“ . وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالنَّهْيِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هَزًّا لِلنُّفُوسِ يُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ والثِّقَةَ بِصُنْعِ اللَّهِ، وقِلَّةَ المُبالاةِ بِالأعْداءِ. أوْ بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ: أيْ إنْ صَدَّقْتُمْ بِما وعَدَكم وبَشَّرَكم بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ. ويَكُونُ شَرْطًا عَلى بابِهِ يَحْصُلُ بِهِ الطَّعْنُ عَلى مَن ظَهَرَ نِفاقُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ: لا تَكُونُ الغَلَبَةُ والعُلُوُّ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ، فاسْتَمْسِكُوا بِالإيمانِ.

Aal-i-Imraan 3:139Listen in Qur'an →
140

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allah may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allah does not like the wrongdoers -

﴿إنْ يَمْسَسْكم قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ﴾ المَعْنى: إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَضْعُفُوا إنْ قاتَلُوكم بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا تَضْعُفُوا أنْتُمْ. أوْ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ قَبْلَ مُخالَفَةِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَحْوِهِ، فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ. وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ والتَّأسِّي فِيهِ أعْظَمُ مَسْلاةٍ. وقالَتِ الخَنْساءُ:

؎ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

؎وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي

والمِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِأدْنى مُشابَهَةٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: أصابَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ما أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، اسْتُشْهِدَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُتِلَ يَوْمَئِذَ أيْ يَوْمَ أُحُدٍ خَلْقٌ مِنَ الكُفّارِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يَوْمَ بَدْرٍ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ القَوْمَ هُنا الأُمَمُ الَّتِي قَدْ خَلَتْ، أيْ نالَ مُؤْمِنُهم مِن أذى كافِرِهِمْ مِثْلَ الَّذِي نالَكم مِن أعْدائِكم. ثُمَّ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَكم بِهِمْ أُسْوَةٌ. فَإنَّ تَأسِّيَكُمُ بِهِمْ مِمّا يُخَفِّفُ ألَمَكم، ويُثَبِّتُ عِنْدَ اللِّقاءِ أقْدامَكم.

وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ والأعْمَشُ مِن طَرِيقَه ”قُرْحٌ“ بِضَمِّ القافِ فِيهِما، وباقِي السَّبْعَةِ بِالفَتْحِ، والسَّبْعَةُ عَلى تَسْكِينِ الرّاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ أوْلى. انْتَهى. ولا أوْلَوِيَّةَ؛ إذْ كِلاهُما مُتَواتِرٌ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وابْنُ السَّمَيْقَعِ ”﴿قَرْحٌ﴾“ بِفَتْحِ القافِ والرّاءِ، وهي لُغَةٌ، كالطَّرْدِ والطَّرَدِ، والشَّلِّ والشَّلَلِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: إنْ تَمْسَسْكم - بِالتّاءِ مِن فَوْقُ - قُرُوحٌ - بِالجَمْعِ - وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَأسَّوْا فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قُرْحٌ؛ لِأنَّ الماضِيَ مَعْنًى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ. ومَن زَعَمَ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو فَقَدْ مَسَّ، فَهو ذاهِلٌ.

﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ أخْبَرَ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ أنَّ الأيّامَ عَلى قَدِيمِ الدَّهْرِ لا تَبْقى لِناسٍ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ. والمُرادُ بِالأيّامِ أوْقاتُ الغَلَبَةِ والظَّفَرِ، يَصْرِفُها اللَّهُ عَلى ما أرادَ تارَةً لِهَؤُلاءِ وتارَةً لِهَؤُلاءِ، كَما جاءَ الحَرْبُ سِجالٌ. وقالَ:

؎فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنا ∗∗∗ ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ

وسَمِعَ بَعْضُ العَرَبِ الأقْحاحِ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إنَّما هو نُداوِلُها بَيْنَ العَرَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو بَيْنَ النّاسِ، فَقالَ: إنّا لِلَّهِ، ذَهَبَ مُلْكُ العَرَبِ ورَبِّ الكَعْبَةِ. وقُرِئَ شاذًّا ”يُداوِلُها“ بِالياءِ. وهو جارٍ عَلى الغَيْبَةِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ. وقِراءَةُ النُّونِ فِيها التِفاتٌ وإخْبارٌ بِنُونِ العَظَمَةِ المُناسِبَةِ لِمُداوَلَةِ الأيّامِ، والأيّامُ: صِفَةٌ لِتِلْكَ، أوْ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. والخَبَرُ نُداوِلُها، أوْ خَبَرٌ لِتِلْكَ، و”﴿نُداوِلُها﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ.

﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذِهِ لامُ كَيْ، قَبْلَها حَرْفُ العَطْفِ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ مُتَأخِّرٍ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ وهو المُداوَلَةُ، أوْ نَيْلُ الكُفّارِ مِنكم. أوْ هو مَعْطُوفٌ …

Aal-i-Imraan 3:140Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.