Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 121–130 of 200

121

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -

﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] .

غَدا الرَّجُلُ: خَرَجَ غُدْوَةً. والغُدُوُّ يَكُونُ في أوَّلِ النَّهارِ. وفي اسْتِعْمالِ غَدا بِمَعْنى صارَ فَيَكُونُ فِعْلًا ناقِصًا - خِلافٌ.

الهَمُّ: دُونَ العَزْمِ، والفِعْلُ مِنهُ هَمَّ يَهُمُّ. وتَقُولُ العَرَبُ: هَمَمْتُ وهَمْتُ، يَحْذِفُونَ أحَدَ المُضَعَّفَيْنِ كَما قالُوا: أمَسْتُ، وظَلْتُ، وأحَسْتُ، في مَسَسْتُ وظَلَلْتُ وأحْسَسْتُ. وأوَّلُ ما يَمُرُّ الأمْرُ بِالقَلْبِ يُسَمّى خاطِرًا، فَإذا تَرَدَّدَ صارَ حَدِيثَ نَفْسٍ، فَإذا تَرَجَّحُ فِعْلُهُ صارَ هَمًّا، فَإذا قَوِيَ واشْتَدَّ صارَ عَزْمًا، فَإذا قَوِيَ العَزْمُ واشْتَدَّ حَصَلَ الفِعْلُ أوِ القَوْلُ.

الفَشَلُ في البَدَنِ: الإعْياءُ. وفي الحَرْبِ: الجُبْنُ والخَوَرُ، وفي الرَّأْيِ: العَجْزُ والفَسادُ. وفِعْلُهُ: فَشِلَ، بِكَسْرِ الشِّينِ.

التَّوَكُّلُ: تَفَعُّلٌ مِن وكَّلَ أمْرَهُ إلى فُلانٍ، إذا فَوَّضَهُ لَهُ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: هو إظْهارُ العَجْزِ والِاعْتِمادِ عَلى غَيْرِكِ، يُقالُ: فُلانٌ وكَلَةٌ تُكَلَةٌ، أيْ عاجِزٌ بِكُلِّ أمْرِهِ إلى غَيْرِهِ. وقِيلَ: هو مِنَ الوِكالَةِ، وهو تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى غَيْرِهِ ثِقَةً بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ.

بَدْرٌ في الآيَةِ: اسْمُ عَلَمٍ لِما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَفائِهِ، أوْ لِرُؤْيَةِ البَدْرِ فِيهِ لِصَفائِهِ، أوْ لِاسْتِدارَتِهِ. قِيلَ: وسُمِّيَ بِاسْمِ صاحِبِهِ بَدْرِ بْنِ كَلَدَةَ. قِيلَ: بَلْ بَدْرُ بْنُ بَجِيلِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ. وقِيلَ: هو بِئْرٌ لِغِفارٍ. وقِيلَ: هو اسْمُ وادِي الصَّفْراءِ. وقِيلَ: اسْمُ قَرْيَةٍ بَيْنَ المَدِينَةِ والجارِ.

الفَوْرُ: العَجَلَةُ والإسْراعُ. تَقُولُ: اصْنَعْ هَذا عَلى الفَوْرِ. وأصْلُهُ مِن فارَتِ القِدْرُ: اشْتَدَّ غَلَيانُها وبادَرَ ما فِيها إلى الخُرُوجِ. ويُقالُ: فارَ غَضَبُهُ، إذا جاشَ وتَحَرَّكَ. وتَقُولُ: خَرَجَ مِن فَوْرِهِ، أيْ مِن ساعَتِهِ، لَمْ يَلْبَثْ، اسْتُعِيرَ الفَوْرُ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ الحالَةُ الَّتِي لا رَيْبَ فِيها ولا تَعْرِيجَ عَلى شَيْءٍ مِن صاحِبِها.

الخَمْسَةُ: رُتْبَةٌ مِنَ العَدَدِ مَعْرُوفَةٌ، ويُصَرَّفُ مِنها فَعَّلَ، يُقالُ: خَمَّسْتُ الأرْبَعَةَ أيْ صَيَّرْتُهم في خَمْسَةٍ.

الطَّرْفُ: جانِبُ الشَّيْءِ الأخِيرِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الشَّيْءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جانِبًا أخِيرًا. الكَبْتُ: الهَزِيمَةُ. وقِيلَ: الصَّرْعُ عَلى الوَجْهِ أوْ إلى اليَدَيْنِ. وقالَ النَّقاشُ وغَيْرُهُ: التّاءُ بَدَلٌ مِنَ الدّالِ. أصْلُهُ: كَبَّدَهُ، أيْ فَعَلَ فِعْلًا يُؤْذِي كَبِدَهُ. الخَيْبَةُ: عَدَمُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ.

﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ …

Aal-i-Imraan 3:121Listen in Qur'an →
122

إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

When two parties among you were about to lose courage, but Allah was their ally; and upon Allah the believers should rely.

﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ الطّائِفَتانِ: بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ، وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وهُما الجَناحانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ: الطّائِفَتانِ هُما مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ.

رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ في ألْفٍ وقِيلَ: في تِسْعِمِائَةٍ وخَمْسِينَ، والمُشْرِكُونَ في ثَلاثَةِ آلافٍ، ووَعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا» .، فانْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النّاسِ. وسَبَبُ انْخِذالِهِ أنَّهُ أشارَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ حِينَ شاوَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُشاوِرْهُ قَبْلَها، فَأشارَ عَلَيْهِ بِالمُقامِ في المَدِينَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ وخَرَجَ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: أطاعَهم، وعَصانِي، وقالَ: يا قَوْمُ، عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا وأوْلادَنا، فَتَبِعَهم عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ الأنْصارِيُّ - وفي رِوايَةٍ: أبُو جابِرٍ السُّلَمِيُّ - فَقالَ: أُنْشِدُكُمُ اللَّهَ في نَبِيِّكم وأنْفُسِكم، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، فَهَمَّ الجَبانُ بِاتِّباعِ عَبْدِ اللَّهِ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ، ومَضَوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أضْمَرُوا أنْ يَرْجِعُوا، فَعَزَمَ اللَّهُ لَهم عَلى الرُّشْدِ فَثَبَتُوا، وهَذا الهَمُّ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِ؛ إذْ لَيْسَ بِعَزِيمَةٍ، إنَّما هو تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ عَزْمٍ. ولا شَكَّ أنَّ النَّفْسَ عِنْدَما تُلاقِي الحُرُوبَ ومَن يُجالِدُها يُزِيدُ عَلَيْها مِثْلَيْنِ وأكْثَرَ - يَلْحَقُها بَعْضُ الضَّعْفِ عَنِ المُلاقاةِ، ثُمَّ يُوَطِّئُها صاحِبُها عَلى القِتالِ فَتَثْبُتُ وتَسْتَقِرُّ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وقَوْلِي كُلَّما جَشَأْتُ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي

وإذْ هَمَّتْ: بَدَلٌ مِن ”إذْ غَدَوْتَ“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَمِلَ فِيهِ مَعْنى ”﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]“ . انْتَهى. وهَذا غَيْرُ مُحَرَّرٍ؛ لِأنَّ العامِلَ لا يَكُونُ مُرَكَّبًا مِن وصْفَيْنِ، فَتَحْرِيرُهُ أنْ يَقُولَ: أوْ عَمِلَ فِيهِ مَعْنى سَمِيعٍ أوْ عَلِيمٍ، وتَكُونُ المَسْألَةُ مِن بابِ التَّنازُعِ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ ”﴿تُبَوِّئُ﴾ [آل عمران: ١٢١]“، ولَـ ”﴿غَدَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٢١]“ . و”هَمَّ“ يَتَعَدّى بِالباءِ، فالتَّقْدِيرُ: بِأنْ تَفْشَلا والمَعْنى: أنْ تَفْشَلا عَنِ القِتالِ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ في التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ والنَّهْيِ عَنِ الفَشَلِ:

؎قاتِلُوا القَوْمَ بِالخِداعِ ولا ∗∗∗ يَأْخُذْكم عَنْ قِتالِهِمْ فَشَلُ

؎القَوْمُ أمْثالُكم لَهم شَعْرٌ ∗∗∗ في الرَّأْسِ لا يَنْشُرُونَ إنْ قُتِلُوا

وأدْغَمَ السَّبْعَةُ تاءَ التَّأْنِيثِ في الطّاءِ، وعَنْ قالُونَ خِلافٌ ذَكَرْناهُ في ”عِقْدِ اللَّآلِي في القِراءاتِ السَّبْعِ العَوالِي“ مِن إنْشائِنا. والظّاهِرُ أنَّ هَذا الهَمَّ كانَ عِنْدَ تَبْوِئَةِ الرَّسُولِ ﷺ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وانْخِذالِ عَبْدِ اللَّهِ بِمَنِ انْخَذَلَ. وقِيلَ: حِينَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ وخالَفُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ. وفي قَوْلِهِ: ”﴿طائِفَتانِ﴾“ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى الكِنايَةِ عَنْ مَن يَقَعُ مِنهُ ما لا يُناسِبُ والسِّتْرِ عَلَيْهِ؛ إذْ لَمْ يُعَيِّنِ الطّائِفَتَيْنِ بِأنْفُسِهِما، ولا صَرَّحَ بِمَن هَمّا مِنهُ مِنَ القَبائِلِ؛ سَتْرًا عَلَيْهِما.

﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ مَعْنى الوِلايَةِ هُنا التَّثْبِيتُ والنَّصْرُ، فَلا يَنْبَغِي لَهُما أنْ يَفْشَلا. وقِيلَ: جَعَلَها مِن أوْلِيائِهِ المُثابِرِينَ عَلى طاعَتِهِ. وفي …

Aal-i-Imraan 3:122Listen in Qur'an →
123

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And already had Allah given you victory at [the battle of] Badr while you were few in number. Then fear Allah; perhaps you will be grateful.

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ لَمّا أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ذَكَّرَهم بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وهو ما سَنّى لَهم ويَسَّرَ مِنَ الفَتْحِ والنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم في حالِ قِلَّةٍ وذِلَّةٍ، إذْ كانَ ذَلِكَ النَّصْرُ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ. والنَّصْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِبَدْرٍ بِالمَلائِكَةِ، أوْ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ، أوْ بِكَفِّ الحَصى الَّتِي رَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ بِإرادَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] أقْوالٌ.

والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وأنْتُمْ أذِلَّةٌ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ في نَصَرَكم، والمَعْنى: وأنْتُمْ أذِلَّةٌ في أعْيُنِ غَيْرِكم، إذْ كانُوا أعِزَّةً في أنْفُسِهِمْ، وكانُوا بِالنِّسْبَةِ إلى عَدُوِّهِمْ وجَمِيعِ الكُفّارِ في أقْطارِ الأرْضِ عِنْدَ المُتَأمِّلِ مَغْلُوبِينَ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَمْ تُعْبَدْ“ .

والأذِلَّةُ: جَمْعُ ذَلِيلٍ. وجَمْعُ الكَثْرَةِ ذِلّانٌ، فَجاءَ عَلى جَمْعِ القِلَّةِ لِيَدُلَّ أنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ. والذِّلَّةُ الَّتِي ظَهَرَتْ لِغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ هي ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ وقِلَّةِ السِّلاحِ والمالِ والمَرْكُوبِ. خَرَجُوا عَلى النَّواضِحِ يَعْتَقِبُ النَّفَرُ عَلى البَعِيرِ الواحِدِ، وما كانَ مَعَهم مِنَ الخَيْلِ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، ومَعَ عَدُوِّهِمْ مِائَةُ فَرَسٍ. وكانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ ثَلاثَمِائَةِ رَجُلٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ وسَبْعُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ وصاحِبُ رايَتِهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ومِائَتانِ وسِتَّةٌ وثَلاثُونَ مِنَ الأنْصارِ وصاحِبُ رايَتِهِمْ سَعْدُ بْنُ عِبادَةَ. وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وسِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا. وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وفي رِوايَةٍ: ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وكانَ عَدُوُّهم في حالِ كَثْرَةٍ زُهاءَ ألْفِ مُقاتِلٍ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وقائِلَةٍ ما بالُ أُسْرَةِ عادِيًا تَفانَتْ وفِيها قِلَّةٌ وخُمُولُ

؎تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا ∗∗∗ فَقُلْتُ لَها إنَّ الكِرامَ قَلِيلُ

؎وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ

والنَّصْرُ بِبَدْرٍ هو المَشْهُورُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، وعَلى يَوْمِ بَدْرٍ انْبَنى الإسْلامُ. وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ السّابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ لِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أمَرَ بِالتَّقْوى مُطْلَقًا. وقِيلَ: في الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَجِّيهِ الشُّكْرَ إمّا عَلى الإنْعامِ السّابِقِ بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ عَلى الإنْعامِ المَرْجُوِّ أنْ يَقَعَ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّكم يُنْعِمُ عَلَيْكم نِعْمَةً أُخْرى فَتَشْكُرُونَها، وضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ.

﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يَمُدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينِ بَلى﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ اتِّصالُها بِما قَبْلَها، وأنَّها مِن قِصَّةِ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، فَيَكُونُ ”إذْ“ مَعْمُولًا لِـ ”﴿نَصَرَكُمُ﴾“ . وقِيلَ: هَذا مِن تَمامِ قِصَّةِ أُحُدٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ مُعْتَرَضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ؛ لِما فِيهِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى التَّوَكُّلِ والثَّباتِ لِلْقِتالِ. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ المَدَدُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ بِألِفٍ، وهُنا بِثَلاثَةِ آلافٍ وخَمْسَةِ …

Aal-i-Imraan 3:123Listen in Qur'an →
124

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ لَمّا أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ذَكَّرَهم بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وهو ما سَنّى لَهم ويَسَّرَ مِنَ الفَتْحِ والنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم في حالِ قِلَّةٍ وذِلَّةٍ، إذْ كانَ ذَلِكَ النَّصْرُ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ. والنَّصْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِبَدْرٍ بِالمَلائِكَةِ، أوْ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ، أوْ بِكَفِّ الحَصى الَّتِي رَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ بِإرادَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] أقْوالٌ.

والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وأنْتُمْ أذِلَّةٌ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ في نَصَرَكم، والمَعْنى: وأنْتُمْ أذِلَّةٌ في أعْيُنِ غَيْرِكم، إذْ كانُوا أعِزَّةً في أنْفُسِهِمْ، وكانُوا بِالنِّسْبَةِ إلى عَدُوِّهِمْ وجَمِيعِ الكُفّارِ في أقْطارِ الأرْضِ عِنْدَ المُتَأمِّلِ مَغْلُوبِينَ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَمْ تُعْبَدْ“ .

والأذِلَّةُ: جَمْعُ ذَلِيلٍ. وجَمْعُ الكَثْرَةِ ذِلّانٌ، فَجاءَ عَلى جَمْعِ القِلَّةِ لِيَدُلَّ أنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ. والذِّلَّةُ الَّتِي ظَهَرَتْ لِغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ هي ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ وقِلَّةِ السِّلاحِ والمالِ والمَرْكُوبِ. خَرَجُوا عَلى النَّواضِحِ يَعْتَقِبُ النَّفَرُ عَلى البَعِيرِ الواحِدِ، وما كانَ مَعَهم مِنَ الخَيْلِ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، ومَعَ عَدُوِّهِمْ مِائَةُ فَرَسٍ. وكانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ ثَلاثَمِائَةِ رَجُلٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ وسَبْعُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ وصاحِبُ رايَتِهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ومِائَتانِ وسِتَّةٌ وثَلاثُونَ مِنَ الأنْصارِ وصاحِبُ رايَتِهِمْ سَعْدُ بْنُ عِبادَةَ. وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وسِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا. وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وفي رِوايَةٍ: ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وكانَ عَدُوُّهم في حالِ كَثْرَةٍ زُهاءَ ألْفِ مُقاتِلٍ. وما أحْسَنَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وقائِلَةٍ ما بالُ أُسْرَةِ عادِيًا تَفانَتْ وفِيها قِلَّةٌ وخُمُولُ

؎تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا ∗∗∗ فَقُلْتُ لَها إنَّ الكِرامَ قَلِيلُ

؎وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ

والنَّصْرُ بِبَدْرٍ هو المَشْهُورُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، وعَلى يَوْمِ بَدْرٍ انْبَنى الإسْلامُ. وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ السّابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ لِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أمَرَ بِالتَّقْوى مُطْلَقًا. وقِيلَ: في الثَّباتِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَجِّيهِ الشُّكْرَ إمّا عَلى الإنْعامِ السّابِقِ بِالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ عَلى الإنْعامِ المَرْجُوِّ أنْ يَقَعَ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّكم يُنْعِمُ عَلَيْكم نِعْمَةً أُخْرى فَتَشْكُرُونَها، وضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ.

﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يَمُدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينِ بَلى﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ اتِّصالُها بِما قَبْلَها، وأنَّها مِن قِصَّةِ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، فَيَكُونُ ”إذْ“ مَعْمُولًا لِـ ”﴿نَصَرَكُمُ﴾“ . وقِيلَ: هَذا مِن تَمامِ قِصَّةِ أُحُدٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ مُعْتَرَضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ؛ لِما فِيهِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى التَّوَكُّلِ والثَّباتِ لِلْقِتالِ. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ المَدَدُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ بِألِفٍ، وهُنا بِثَلاثَةِ آلافٍ وخَمْسَةِ …

Aal-i-Imraan 3:124Listen in Qur'an →
125

بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ

Yes, if you remain patient and conscious of Allah and the enemy come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]

﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ رَتَّبَ تَعالى عَلى مَجْمُوعِ الصَّبْرِ والتَّقْوى وإتْيانِ العَدَدِ مِن فَوْرِهِمْ إمْدادَهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِأكْثَرِ مِنَ العَدَدِ السّابِقِ وعَلَّقَهُ عَلى وُجُودِها، بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ نُزُولُ المَلائِكَةِ عَنْ تَحَلِّيهِمْ بِثَلاثَةِ الأوْصافِ. ومَعْنى مِن فَوْرِهِمْ: مِن سَفَرِهِمْ، هَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ مِن وجْهِهِمْ، هَذا قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. قِيلَ: وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقَيْسٍ، وغَيْلانَ، وكِنانَةَ، أوْ مِن غَضَبِهِمْ هَذا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ، أوْ مَعْناهُ في نَهْضَتِهِمْ هَذِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. أوِ المَعْنى مِن ساعَتِهِمْ هَذِهِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

ولَفْظَةُ الفَوْرِ تَدُلُّ عَلى السُّرْعَةِ والعَجَلَةِ، تَقُولُ: افْعَلْ هَذا عَلى الفَوْرِ لا عَلى التَّراخِي. ومِنهُ الفَوْرُ في الحَجِّ والوُضُوءِ. وفي إسْنادِ الإمْدادِ إلى لَفْظَةِ رَبِّكم دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْماءِ اللَّهِ إشْعارٌ بِحُسْنِ النَّظَرِ لَهم، واللُّطْفِ بِهِمْ.

وقَرَأ الصّاحِبانِ والأخَوانِ ”مُسَوَّمِينَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ بِكَسْرِها. وقِيلَ: مِنَ السَّوْمِ، وهي العَلامَةُ تَكُونُ عَلى الشّاةِ وغَيْرِها، يُجْعَلُ عَلَيْها لَوْنٌ يُخالِفُ لَوْنَها لِتُعْرَفَ. وقِيلَ: مِنَ السَّوْمِ، وهو تَرْكُ البَهِيمَةِ تَرْعى. فَعَلى الأوَّلِ رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ بِعَمائِمَ بِيضٍ، إلّا جِبْرِيلَ فَبِعِمامَةٍ صَفْراءَ كالزُّبَيْرِ. قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والزَّجّاجُ. وقِيلَ: بِعَمائِمَ صُفْرٍ كالزُّبَيْرِ، قالَهُ عُرْوَةُ وعَبْدُ اللَّهِ ابْنا الزُّبَيْرِ، وعَبّادُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والكَلْبِيُّ وزادَ: مُرْخاةٌ عَلى أكْتافِهِمْ. قِيلَ: وكانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، وكانَتْ سِيماهم - قالَهُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ - أوْ خَيْلُهم مَجْزُوزَةَ النَّواصِي والأذْنابِ، مَعْلَمَتُها بِالصُّوفِ والعِهْنِ. قالَهُ مُجاهِدٌ. فَبِفَتْحِ الواوِ: مُعَلَّمِينَ، وبِكَسْرِها مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهم. ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قِراءَةَ الكَسْرِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: سَوِّمُوا، فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْهُ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي: وهو السَّوْمُ، فَمَعْنى مُسَوِّمِينَ - بِكَسْرِ الواوِ - سَوَّمُوا خَيْلَهم أيْ أعْطَوْها مِنَ الجَرْيِ والجَوَلانِ لِلْقِتالِ، ومِنهُ سائِمَةُ الماشِيَةِ. وأمّا بِفَتْحِ الواوِ فَيَصِحُّ فِيهِ هَذا المَعْنى أيْضًا، قالَهُ الَمَهَدَوِيُّ وابْنُ فُورَكٍ. أيْ سَوَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ جَعَلَهم يَجُولُونَ ويَجْرُونَ لِلْقِتالِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَوَّمَ الرَّجُلُ خَيْلَهُ أيْ أرْسَلَها في الغارَةِ. وحَكى بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: سَوَّمَ الرَّجُلُ غُلامَهُ أرْسَلَهُ وخَلّى سَبِيلَهُ؛ ولِهَذا قالَ الأخْفَشُ: مَعْنى مُسَوَّمِينَ: مُرْسَلِينَ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اتِّخاذِ العَلامَةِ لِلْقَبائِلِ والكَتائِبِ لِتَتَمَيَّزَ كُلُّ قَبِيلَةٍ وكَتِيبَةٍ عِنْدَ الحَرْبِ.

Aal-i-Imraan 3:125Listen in Qur'an →
126

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ

And Allah made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allah, the Exalted in Might, the Wise -

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الهاءَ في جَعَلَهُ عائِدَةٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ”﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥]“، وهو الإمْدادُ. وجَوَّزَ أنْ يَعُودَ عَلى التَّسْوِيمِ، أوْ عَلى النَّصْرِ، أوْ عَلى التَّنْزِيلِ، أوْ عَلى العَدَدِ، أوْ عَلى الوَعْدِ. و”﴿إلّا بُشْرى﴾“ مُسْتَثْنًى مِنَ المَفْعُولِ لَهُ، أيْ: ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِشَيْءٍ إلّا بُشْرى لَكم. فَهو اسْتِثْناءٌ فَرُغَ لَهُ العامِلُ، وبُشْرى مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وشُرُوطُ نَصْبِهِ مَوْجُودَةٌ، وهو: أنَّهُ مَصْدَرٌ، ومُتَّحِدُ الفاعِلِ والزَّمانِ. و”لِتَطْمَئِنَّ“ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ بُشْرى، إذْ أصْلُهُ لِبُشْرى. ولَمّا اخْتَلَفَ الفاعِلُ في ولِتَطْمَئِنَّ، أُتِيَ بِاللّامِ؛ إذْ فاتَ شَرْطُ اتِّحادِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ فاعِلَ بُشْرى هو اللَّهُ، وفاعِلُ تَطْمَئِنُّ هو قُلُوبُكم. وتَطْمَئِنُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ لامِ كَيْ، فَهو مِن عَطْفِ الِاسْمِ عَلى تَوَهُّمِ مَوْضِعِ اسْمٍ آخَرَ، و”جَعَلَ“ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ.

وقالَ الحَوْفِيُّ: ”﴿إلّا بُشْرى﴾“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الهاءِ، وهي عائِدَةٌ عَلى الوَعْدِ بِالمَدَدِ. وقِيلَ: بُشْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”جَعَلَهُ“ اللَّهُ. فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَتَعَلَّقُ اللّامُ في ”لِتَطْمَئِنَّ“ بِمَحْذُوفٍ، إذْ لَيْسَ قَبْلَهُ عَطْفٌ يُعْطَفُ عَلَيْها. قالُوا: تَقْدِيرُهُ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ بَشَّرَكم. وبُشْرى ”فُعْلى“ مَصْدَرٌ كَـ ”رُجْعى“، وهو مَصْدَرٌ مِن بَشَرَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، والهاءُ في ”بِهِ“ تَعُودُ عَلى ما عادَتْ عَلَيْهِ في ”جَعْلَهُ“ عَلى الخِلافِ المُتَقَدِّمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللّامُ في ولِتَطْمَئِنَّ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”جَعَلَهُ“ . ومَعْنى الآيَةِ: وما كانَ هَذا الإمْدادُ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ، وتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمُ. انْتَهى. وكَأنَّهُ رَأى أنَّهُ لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أنْ يَعْطِفَ ولِتَطْمَئِنَّ عَلى بُشْرى عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ مِن شَرْطِ العَطْفِ عَلى المَوْضِعِ - عِنْدَ أصْحابِنا - أنْ يَكُونَ ثَمَّ مُحْرِزٌ لِلْمَوْضِعِ، ولا مُحْرِزَ هُنا؛ لِأنَّ عامِلَ الجَرِّ مَفْقُودٌ. ومَن لَمْ يَشْتَرِطِ المُحْرِزَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ، وإنْ لا فَيَكُونُ مِن بابِ العَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ كَما ذَكَرْناهُ أوَّلًا.

وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: قالَ بَعْضُهم: الواوُ زائِدَةٌ في ”ولِتَطْمَئِنَّ“ . وقالَ أيْضًا: في ذِكْرِ الإمْدادِ مَطْلُوبانِ، أحَدُهُما: إدْخالُ السُّرُورِ في قُلُوبِهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: إلّا بُشْرى. والثّانِي: حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةَ بِالنَّصْرِ، فَلا تَجْبُنُوا، وهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، فَفَرَّقَ بَيْنَ هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَعَطَفَ الفِعْلَ عَلى الِاسْمِ. ولَمّا كانَ الأقْوى حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَرْتِيبٍ وتَناقُشٍ في قَوْلِهِ: فَعَطَفَ الفِعْلَ عَلى الِاسْمِ. إذْ لَيْسَ مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ. وفي قَوْلِهِ: أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِما ذَكَرَ.

﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ حَصَرَ كَيْنُونَةَ النَّصْرِ في جِهَتِهِ، لا أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِن تَكْثِيرِ المُقاتِلَةِ، ولا مِن إمْدادِ المَلائِكَةِ. وذَكَرَ الإمْدادَ بِالمَلائِكَةِ تَقْوِيَةً لِرَجاءِ النَّصْرِ لَهم، وتَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ. وذَكَرَ وصْفَ …

Aal-i-Imraan 3:126Listen in Qur'an →
127

لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ الطَّرَفُ: مَن قُتِلَ بِبَدْرٍ، هم سَبْعُونَ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، أوْ مَن قُتِلَ بِ أُحُدٍ وهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا عَلى الصَّحِيحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، أوْ مَجْمُوعُ المَقْتُولِينَ في الوَقْعَتَيْنِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وكَنّى عَنِ الجَماعَةِ بِقَوْلِهِ: طَرَفًا؛ لِأنَّ مَن قَتَلَهُ المُسْلِمُونَ في حَرْبٍ هم طَرَفٌ مِنَ الكُفّارِ، إذْ هُمُ الَّذِينَ يَلُونَ القاتِلِينَ، فَهم حاشِيَةٌ مِنهم. فَكانَ جَمِيعُ الكُفّارِ رُفْقَةٌ، وهَؤُلاءِ المَقْتُولُونَ طَرَفًا مِنها. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: طَرَفًا دابِرًا أيْ آخِرًا، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الطَّرَفِ؛ لِأنَّ آخِرَ الشَّيْءِ طَرَفٌ مِنهُ (أوْ يَكْبِتَهم) أيْ لِيُخْزِيَهم ويَغِيظَهم، فَيَرْجِعُوا غَيْرَ ظافِرِينَ بِشَيْءٍ مِمّا أمْلَوْهُ. ومَتى وقَعَ النَّصْرُ عَلى الكُفّارِ، فَإمّا بِقَتْلٍ، وإمّا بِخَيْبَةٍ، وإمّا بِهِما. وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أوْ تَكْبِتَهم“ بِالتّاءِ. وقَرَأ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ: ”أوْ يَكْبِدَهم“ بِالدّالِ مَكانَ التّاءِ، والمَعْنى: يُصِيبُ الحُزْنُ كَبِدَهم. ولِلْمُفَسِّرِينَ في ”﴿يَكْبِتَهُمْ﴾“ أقْوالٌ؛ يَهْزِمَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّجّاجُ، أوْ يُخْزِيَهِمْ قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، أوْ يَصْرَعَهم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واليَزِيدِيُّ، أوْ يُهْلِكَهم قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. أوْ يَلْعَنَهم قالَهُ: السُّدِّيُّ. أوْ يَظْفَرَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ: المُبَرِّدُ. أوْ يَغِيظَهم قالَهُ: النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وأمّا قِراءَةُ لاحِقٍ فَهي مِن إبْدالِ الدّالِ بِالتّاءِ كَما قالُوا. هَوَتَ الثَّوْبَ وهَرَدَهُ، إذا حَرَقَهُ، وسَبَتَ رَأْسَهُ وسَبَدَهُ إذا حَلَقَهُ، فَكَذَلِكَ كَبَتَ العَدُوَّ وكَبَدَهُ أيْ أصابَ كَبِدَهُ.

واللّامُ في ”لِيَقْطَعَ“ يَتَعَلَّقُ قِيلَ: بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أمَدَّكم أوْ نَصَرَكم. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٢٣] أيْ نَصَرَكم لِيَقْطَعَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِيُمْدِدْكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِـ ”جَعَلَهُ“، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”ولِتَطْمَئِنَّ“، وحُذِفَ حَرْفُ العَطْفِ مِنهُ، التَّقْدِيرُ: ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ ولِيَقْطَعَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِأقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو: العامِلُ في ”﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“ وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ. كَأنَّ التَّقْدِيرَ: وما النَّصْرُ إلّا كائِنٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ؛ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا قَطْعُ طَرَفٍ مِنَ الكُفّارِ بِقَتْلٍ وأسْرٍ، وإمّا بِخِزْيٍ وانْقِلابٍ بِخَيْبَةٍ. وتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في ”النَّصْرُ“ لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ في نَصْرٍ مَخْصُوصٍ، بَلْ هي لِلْعُمُومِ، أيْ: لا يَكُونُ نَصْرٌ أيْ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ.

Aal-i-Imraan 3:127Listen in Qur'an →
128

لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ

Not for you, [O Muhammad, but for Allah], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ النُّزُولِ ومُلَخَّصِهِ: أنَّهُ لَعَنَ ناسًا أوْ شَخْصًا عَيَّنَ أنَّهُ عَتَبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، أوْ أشْخاصًا دَعا عَلَيْهِمْ وعُيِّنُوا: أبا سُفْيانٍ، والحارِثَ بْنَ هُشامٍ، وصَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ. أوْ قَبائِلَ عَيَّنَ مِنها: لِحْيانَ، ورِعْلٌ، وذَكْوانَ، وعَطِيَّةَ. أوْ هم بِسَبَبِ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ، أوِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أنْ يَدْعُوَ. ودَعا يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ شُجَّ في وجْهِهِ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، ورُمِيَ بِالحِجارَةِ، حَتّى صُرِعَ لِجَنْبِهِ، فَلَحِقَهُ ناسٌ مِن فُلّاحِهِمْ، ومالَ إلى أنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ اللَّهُ ويُرِيحَ مِنهم، فَنَزَلَتْ. فَعَلى هَذِهِ الأسْبابِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: التَّوْقِيفُ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأُمُورِ إنَّما هي لِلَّهِ، فَيَدْخُلُ فِيها هِدايَةُ هَؤُلاءِ وإقْرارُهم عَلى حالَةٍ. وفي خِطابِهِ: دَلِيلٌ عَلى صُدُورِ أمْرٍ مِنهُ أوْ هَمٍّ بِهِ، أوِ اسْتِئْذانٍ في الدُّعاءِ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأنَّ عَواقِبَ الأُمُورِ بِيَدِ اللَّهِ. قالَ الكُوفِيُّونَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ القُنُوتَ عَلى رِعْلٍ وذَكْوانَ وعَصِيَّةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ السَّخاوِيُّ: لَيْسَ هَذا شَرْطُ النّاسِخِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْسَخْ قُرْآنًا.

﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ قِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الأفْعالِ المَنصُوبَةِ. ويَكُونُ قَوْلُهُ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكُ أمْرِهِمْ، فَإمّا أنْ يُهْلِكَهم، أوْ يَهْزِمَهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا، أوْ يُعَذِّبَهم إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: ”أنْ“ مُضْمَرَةٌ بَعْدَ ”أوْ“، بِمَعْنى: إلّا أنْ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِمْ: لَأُلْزِمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّيَّ، والمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ، فَيُسَرُّ بِهُداهم، أوْ يُعَذِّبَهم بِقَتْلٍ وأسْرٍ في الدُّنْيا، أوْ بِنارٍ في الآخِرَةِ، فَيَسْتَشْفِي بِذَلِكَ ويَسْتَرِيحُ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ لِلتَّأْسِيسِ، لا لِلتَّأْكِيدِ. وقِيلَ: أوْ يَتُوبَ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ. وقِيلَ: عَلى شَيْءٍ. أيْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ، أوْ مِن تَوْبَتِهِمْ، أوْ تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ. أوْ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ تَعْذِيبِهِمْ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ التَّخارِيجِ الأرْبَعَةِ هو الأوَّلُ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ”﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ﴾“، أيْ أمْرِ الطّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هَمَّتا أنْ تَفْشَلا.

وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مِنَ الأمْرِ أيْ: مِن هَذا النَّصْرِ، وإنَّما هو مِنَ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ أمْرُ القِتالِ. والظّاهِرُ الحَمْلُ عَلى العُمُومِ، والأُمُورُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى.

وقَرَأ أُبَيٌّ: ”أوْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبُهم“ بِرَفْعِهِما عَلى مَعْنى: أوْ هو يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْذِيبِ بِقَوْلِهِ: ”﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾“، وأتى بِإنَّ الدّالَّةِ عَلى التَّأْكِيدِ في نِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:128Listen in Qur'an →
129

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا قَدَّمَ ”﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“، بَيَّنَ أنَّ الأُمُورَ إنَّما هي لِمَن لَهُ المُلْكُ، والمِلْكُ فَجاءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وما: إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ العالَمِ وما هَيْأتُهُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ ما هُنا.

﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم، أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُوَضِّحَةً أنَّ تَصَرُّفاتِهِ تَعالى عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ، وناسَبَ البَداءَةَ بِالغُفْرانِ، والإرْدافِ بِالعَذابِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ”﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ ولَمْ يَشْرُطْ في الغُفْرانِ هُنا التَّوْبَةَ. إذْ يَغْفِرُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن تائِبٍ وغَيْرِ تائِبٍ، ما عَدا ما اسْتَثْناهُ تَعالى مِنَ الشِّرْكِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما نَصُّهُ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ بِالتَّوْبَةِ، ولا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ إلّا لِلتّائِبِينَ. ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، ولا يَشاءُ أنْ يُعَذِّبَ إلّا المُسْتَوْجِبِينَ لِلْعَذابِ. وعَنْ عَطاءٍ: يَغْفِرُ لِمَن يَتُوبُ إلَيْهِ، ويُعَذِّبُ مَن لَقِيَهُ ظالِمًا. وإتْباعُهُ قَوْلُهُ: ”﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]“ تَفْسِيرٌ بَيِّنٌ لِمَن يَشاءُ، فَإنَّهُمُ المَتُوبُ عَلَيْهِمْ أوِ الظّالِمُونَ. ولَكِنَّ أهْلَ الأهْواءِ والبِدَعِ يَتَصامُّونَ ويَتَعامَوْنَ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى، فَيَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْواءٍ، ويُطَيِّبُونَ أنْفُسَهم بِما يَفْتَرُونَ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِمْ: يَهَبُ الذَّنْبَ الكَبِيرَ لِمَن يَشاءُ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ عَلى الذَّنَبِ الصَّغِيرِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وذَلِكَ أنَّ مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى كَبِيرَةٍ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ. وما ذَكَرَهُ عَنِ الحَسَنِ لا يَصِحُّ ألْبَتَّةَ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وإنْ ماتَ مُصِرًّا عَلى كَبِيرَةٍ غَيْرَ تائِبٍ مِنها.

﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَرْجِيحٌ لِجِهَةِ الإحْسانِ والإنْعامِ.

Aal-i-Imraan 3:129Listen in Qur'an →
130

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَٰفًۭا مُّضَٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allah that you may be successful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا النَّهْيُ عَنْ أكْلِ الرِّبا اعْتَرَضَ أثْناءَ قِصَّةِ أُحُدٍ، ولا أحْفَظُ شَيْئًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا. انْتَهى.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ومَجِيئُها بَيْنَ أثْناءِ القِصَّةِ: أنَّهُ لَمّا نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ مِن غَيْرِهِمْ، واسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ قِصَّةِ أُحُدٍ، وكانَ الكُفّارُ أكْثَرَ مُعامَلاتِهِمْ بِالرِّبا مَعَ أمْثالِهِمْ ومَعَ المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ المُعامَلَةُ مُؤَدِّيَةٌ إلى مُخالَطَةِ الكُفّارِ - نُهُوا عَنْ هَذِهِ المُعامَلَةِ الَّتِي هي الرِّبا قَطْعًا؛ لِمُخالَطَةِ الكُفّارِ ومَوَدَّتِهِمْ، واتِّخاذِ أخِلّاءٍ مِنهم، لا سِيَّما والمُؤْمِنُونَ في أوَّلِ حالِ الإسْلامِ ذَوُو إعْسارٍ، والكُفّارُ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ ذَوُو يَسارٍ. وكانَ أيْضًا أكْلُ الحَرامِ لَهُ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في عَدَمِ قَبُولِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والأدْعِيَةِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَسْتَجِيبُ لِمَن مَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ إذا دَعا، وإنَّ آكِلَ الحَرامِ يَقُولُ إذا حَجَّ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لا لَبَّيْكَ ولا سَعْدَيْكَ، وحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ» فَناسَبَ ذِكْرَ هَذِهِ الآيَةِ هُنا.

وقِيلَ: ناسَبَ اعْتِراضَ هَذِهِ الجُمْلَةِ هُنا أنَّهُ تَعالى وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ والإمْدادِ مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ والتَّقْوى، فَبَدَأ بِالأهَمِّ مِنها وهو: ما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، وأمْرٍ بِالتَّقْوى، ثُمَّ بِالطّاعَةِ. وقِيلَ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٢٩] وبَيَّنَ أنَّ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مِلْكٌ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُتَصَرَّفَ في شَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ، وآكِلُ الرِّبا مُتَصَرِّفٌ في مالِهِ بِغَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ - نَبَّهَ تَعالى عَلى ذَلِكَ، ونَهى عَمّا كانُوا في الإسْلامِ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ مِن حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الرِّبا في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وانْتَصَبَ ”﴿أضْعافًا﴾“، نُهُوا عَنِ الحالَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي يُوقِعُونَ الرِّبا عَلَيْها، كانَ الطّالِبُ يَقُولُ: أتَقْضِي أمْ تَرْبِي، ورُبَّما اسْتَغْرَقَ بِالنَّزْرِ اليَسِيرِ مالَ المَدِينِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَجِدْ وفاءً زادَ في الدَّيْنِ، وزادَ في الأصْلِ. وأشارَ بِقَوْلِهِ: ”﴿مُضاعَفَةً﴾“ إلى أنَّهم كانُوا يُكَرِّرُونَ التَّضْعِيفَ عامًا بَعْدَ عامٍ. والرِّبا مُحَرَّمٌ جَمِيعُ أنْواعِهِ، فَهَذِهِ الحالُ لا مَفْهُومَ لَها، ولَيْسَتْ قَيْدًا في النَّهْيِ، إذْ ما لا يَقَعُ أضْعافًا مُضاعَفَةً مُساوٍ في التَّحْرِيمِ لِما كانَ أضْعافًا مُضاعَفَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نِسْبَةِ الأكْلِ إلى الرِّبا في البَقَرَةِ.

وقِيلَ: المُضاعَفَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى الأمْوالِ. فَإنْ كانَ الرِّبا في السِّنِّ يَرْفَعُونَها ابْنَةَ مَخاضٍ بِابْنَةِ لَبُونٍ، ثُمَّ حِقَّةً، ثُمَّ جَذَعَةً، ثُمَّ رَباعٌ، هَكَذا إلى فَوْقُ. وإنْ كانَ في النُّقُودِ فَمِائَةٌ إلى قابِلٍ بِمِائَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يُوَفِّهِما فَأرْبَعُمِائَةٍ. والأضْعافُ: جَمْعُ ضِعْفٍ، وهو مِن جُمُوعِ القِلَّةِ؛ فَلِذَلِكَ أرْدَفَهُ بِالمُضاعَفَةِ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لَمّا نَهاهم عَنْ أمْرٍ صَعْبٍ عَلَيْهِمْ فِراقُهُ وهو الرِّبا، أمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ إذْ هي الحامِلَةُ عَلى مُخالَفَةِ ما تَعَوَّدَهُ المَرْءُ مِمّا نَهى الشَّرْعُ عَنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ التَّقْوى سَبَبٌ لِرَجاءِ …

Aal-i-Imraan 3:130Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.