Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 121–130 of 200

121

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -

﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ خَرَجْتَ غَدْوَةً ( ﴿مِن﴾ ) عِنْدِ ( ﴿أهْلِكَ﴾ ) والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فِيهِ مِنِ اسْتِتْباعِ عَدَمِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِلضَّرَرِ عَلى أنَّ وُجُودَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِما وعَدَ مِنَ النَّجاةِ عَنْ مَضَرَّةِ كَيْدِ الأعْداءِ، وكانَ الخُرُوجُ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ تُوطِنُهم قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: تُنْزِلُهم، وقِيلَ: تُسَوِّي وتُهَيِّئُ لَهم، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ – لِلْمُؤْمِنِينَ - إذْ لَيْسَ مَحَلُّ التَّقْوِيَةِ والزِّيادَةِ غَيْرَ فَصِيحَةٍ ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ أيْ مَواطِنَ ومَواقِفَ ومَقاماتٍ لَهُ، وأصْلُ المَقْعَدِ والمَقامِ مَحَلُّ القُعُودِ والقِيامِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ بِطَرِيقِ المَجازِ عَلى المَكانِ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِيامٌ وقُعُودٌ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مَن بِهِ كَقَوْلِهِمُ المَجْلِسُ السّامِيُّ والمَقامُ الكَرِيمُ، وجُمْلَةُ ( ﴿تُبَوِّئُ﴾ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( ﴿غَدَوْتَ﴾ ) ولِكَوْنِ المَقْصُودِ تَذْكِيرُ الزَّمانِ المُمْتَدِّ المُتَّسِعِ لِابْتِداءِ الخُرُوجِ والتَّبْوِئَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إذْ هو المُذَكِّرُ لِلْقِصَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القَوْلِ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ ناوِيًا وقاصِدًا لِلتَّبْوِئَةِ، و( مَقاعِدَ ) مَفْعُولٌ ثانٍ – لِتُبَوِّئُ - والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَقاعِدَ، ولا يَجُوزُ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ المَكانُ وهو لا يَعْمَلُ.

رَوى ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى والحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرِهِمْ، وكُلٌّ قَدْ حَدَّثَ بَعْضَ الحَدِيثِ " «أنَّهُ لَمّا أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ أصْحابِ القَلِيبِ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ بَعِيرِهِ مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ في رِجالٍ مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ أُصِيبَتْ آباؤُهم وأبْناؤُهم وإخْوانُهم يَوْمَ بَدْرٍ فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ، ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ أخْيارَكم فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ لَعَلَّنا نُدْرِكُ بِهِ ثَأْرَنا بِمَن أصابَ مِنّا فَفَعَلُوا، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وخَرَجَتْ بِجِدِّها وجَدِيدِها وأحابِيشِها ومَن تابَعَها مِن بَنِي كِنانَةَ وأهْلِ تِهامَةَ، وخَرَجُوا مَعَهم بِالظَّعْنِ التِماسَ الحَفِيظَةِ وأنْ لا يَفِرُّوا، وخَرَجَ أبُو سُفْيانَ وهو قائِدُ النّاسِ بِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، وخَرَجَ آخَرُونَ بِنِساءٍ أيْضًا، فَأقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ بِجَبَلٍ بِبَطْنِ السَّبْخَةِ مِن قَناةٍ عَلى شَفِيرِ الوادِي مُقابِلَ المَدِينَةِ، فَلَمّا سَمَّعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ قَدْ نَزَلُوا حَيْثُ نَزَلُوا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي رَأيْتُ

صفحة 42

بَقَرًا تُنْحَرُ، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا، ورَأيْتُ أنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدْعُوهم حَيْثُ نَزَلُوا، فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مُقامٍ، وإنْ هم دَخَلُوا عَلَيْنا قاتَلْناهم فِيها، وكانَ رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ …

Aal-i-Imraan 3:121Listen in Qur'an →
122

إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

When two parties among you were about to lose courage, but Allah was their ally; and upon Allah the believers should rely.

﴿إذْ هَمَّتْ﴾ قِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ غَدَوْتَ مُبَيِّنٌ لِما هو المَقْصُودُ بِالتَّذْكِيرِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا – لِتُبَوِّئُ – أوْ – لِغَدَوْتَ – أوْ – لِسَمِيعٌ عَلِيمٌ - عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ أوْ لَهُما مَعًا في رَأْيٍ، ولَيْسَ المُرادُ تَقْيِيدَ كَوْنِهِ سَمِيعًا عَلِيمًا بِذَلِكَ الوَقْتِ ﴿طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ أيْ فِرْقَتانِ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُما حَيّانِ مِنَ الأنْصارِ بَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ وكانا جَناحَيْ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هَمَّتْ طائِفَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وطائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أيْ تَضْعُفا وتَجْبُنا حِينَ رَأوُا انْخِذالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ مَن مَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ مُتَعَلِّقٌ بِهَمَّتْ، والباءُ مَحْذُوفَةٌ أيْ هَمَّتْ بِالفَشَلِ، وكانَ المُرادُ بِهِ هُنا لازِمَهُ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الهَمُّ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الهَمَّ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ عَلى مُخالَفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُفارَقَتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ عَنْ مُؤْمِنٍ بَلْ كانَ مُجَرَّدَ حَدِيثِ نَفْسٍ ووَسْوَسَةٍ كَما في قَوْلِهِ:

أقُولُ لَها إذا جَشَأتْ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ ناصِرُهُما، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( ﴿هَمَّتْ﴾ ) أوْ مِن ضَمِيرِهِ في ( ﴿تَفْشَلا﴾ ) مُفِيدَةٌ لِاسْتِبْعادِ فَشَلِهِما أوْ هَمِّهِما مَعَ كَوْنِهِما في وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ( واللَّهُ ولِيُّهم ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى حَدِّ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ .

﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ( 221 ) أيْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لا عَلى غَيْرِهِ كَما يُؤْذَنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ والتَّعْلِيلِ وألْ في ( المُؤْمِنُونَ ) لِلْجِنْسِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الطّائِفَتانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي هَذا العُنْوانِ إشْعارٌ بِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى مِن مُوجِباتِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ التَّوَكُّلِ لِيُفِيدَ العُمُومَ أيْ لِيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ جَلِيلِها وحَقِيرِها سَهْلِها وحَزَنِها.

Aal-i-Imraan 3:122Listen in Qur'an →
123

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And already had Allah given you victory at [the battle of] Badr while you were few in number. Then fear Allah; perhaps you will be grateful.

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ بَيانٌ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى إثْرَ بَيانِ ما تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِهِما، أوْ مُساقَةٌ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِتَذْكِيرِ ما يُوجِبُهُ، وبَدْرٌ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ بِئْرٌ لِرَجُلٍ مِن جُهَيْنَةَ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ فَسُمِّيَتْ بِهِ، وقالَ الواقِدِيُّ: اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ، وقِيلَ: لِلْوادِي وكانَتْ كَما قالَ عِكْرِمَةُ: مَتْجَرًا في الجاهِلِيَّةِ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ بَدْرًا ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ التَقى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُشْرِكُونَ، وكانَ أوَّلَ قِتالٍ قاتَلَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ ذَلِكَ في السّابِعَ عَشَرَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، والباءُ بِمَعْنى في؛ أيْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في بَدْرٍ، ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( نَصَرَكم ) و( أذِلَّةٌ ) جَمْعُ قِلَّةٍ لِذَلِيلٍ، واخْتِيرَ عَلى ذَلائِلَ لِيَدُلَّ عَلى قِلَّتِهِمْ مَعَ ذِلَّتِهِمْ، والمُرادُ بِها عَدَمُ العُدَّةِ لا الذُّلُّ المَعْرُوفُ، فَلا يَشْكُلُ

صفحة 44

دُخُولُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذا الخِطابِ إنْ قُلْنا بِهِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ المَعْنى المَعْرُوفُ، ويَكُونُ المُرادُ ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ في أعْيُنِ غَيْرِكم وإنْ كُنْتُمْ أعِزَّةً في أنْفُسِكم، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عَدَدِهِمْ وعَدَدِ المُشْرِكِينَ إذْ ذاكَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِاجْتِنابِ مَعاصِيهِ والصَّبْرِ عَلى طاعَتِهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ اكْتِفاءً بِما سَبَقَ وما لَحِقَ مَعَ الإشْعارِ - عَلى ما قِيلَ - بِشَرَفِ التَّقْوى وأصالَتِها وكَوْنِ الصَّبْرِ مِن مَبادِيها اللّازِمَةِ لَها، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِها عَلى الإخْبارِ بِالنَّصْرِ إعْلامٌ بِأنَّ نَصْرَهُمُ المَذْكُورَ كانَ بِسَبَبِ تَقْواهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ( 321 ) لَعَلَّكم تَقُومُونَ بِشُكْرِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ النَّصْرِ القَرِيبِ بِسَبَبِ تَقْواكم إيّاهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً أوْ مَجازًا عَنْ نَيْلِ نِعْمَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الشُّكْرَ كَأنَّهُ قِيلَ: فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَنالُونَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى فَتَشْكُرُونَهُ عَلَيْها، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ ومُسْتَعِدٌّ إيّاهُ.

Aal-i-Imraan 3:123Listen in Qur'an →
124

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ظَرْفٌ لِنَصْرِكم، والمُرادُ بِهِ وقْتٌ مُمْتَدٌّ، وقَدَّمَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالتَّقْوى إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ، وقِيلَ: بَدَلٌ ثانٍ مِن ( إذْ غَدَوْتَ ) وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا القَوْلُ بِبَدْرٍ، وعَلى ذَلِكَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ المُسْلِمِينَ بَلَغَهم يَوْمَ بَدْرٍ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرٍ المُحارِبِيَّ يُرِيدُ أنْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلَخْ، فَبَلَغَتْ كُرْزًا الهَزِيمَةُ فَلَمْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ القَوْلُ بِأُحُدٍ، وكانَ مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَنِ المُخالَفَةِ ولَمْ يُوجِدا مِنهم فَلَمْ يَمُدُّوا، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ.

﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ الكِفايَةُ سَدُّ الحاجَةِ وفَوْقَها الغِنى بِناءً عَلى أنَّهُ الزِّيادَةُ عَلى نَفْيِ الحاجَةِ، والإمْدادُ في الأصْلِ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، ويُقالُ مَدَّ في السَّيْرِ إذا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وامْتَدَّ بِهِمُ السَّيْرُ إذا طالَ واسْتَمَرَّ، وعَنْ بَعْضِهِمْ ما كانَ بِطَرِيقِ التَّقْوِيَةِ والإعانَةِ، يُقالُ فِيهِ أمَدَّهُ يُمِدُّهُ إمْدادًا، وما كانَ بِطَرِيقِ الزِّيادَةِ يُقالُ فِيهِ: مَدَّهُ مَدًّا، وقِيلَ: يُقالُ: مَدَّهُ في الشَّرِّ وأمَدَّهُ في الخَيْرِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ لا يَكْفِيَهم ذَلِكَ، وأتى بِلَنْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ وتَقْوِيَةِ الإنْكارِ و﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ فاعِلٌ بِيَكْفِيكم و( مِنَ المَلائِكَةِ ) بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لِآلافٍ أوْ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، و( مُنْزِلِينَ ) صِفَةٌ لِثَلاثَةِ آلافٍ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم مَنَّ أشْرَفِ المَلائِكَةِ، وقَدْ أُنْزِلُوا عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنَ السَّماءِ الثّالِثَةِ، وذَكَرَ سِرَّ ذَلِكَ في الفُتُوحاتِ، وقُرِئَ ( مُنَزَّلِينَ ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الصِّيغَتَيْنِ عَلى مَعْنى ( مُنْزِلِينَ ) الرُّعْبَ في قُلُوبِ أعْدائِكم أوِ النَّصْرَ لَكم، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ التّاءِ مِن ثَلاثَةٍ، وقَدْ أُسْكِنَتْ في الشَّواذِّ، ووُقِفَ عَلَيْها بِإبْدالِها هاءً أيْضًا عَلى أنَّهُ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ فِيهِما، ويُضَعِّفُ ذَلِكَ أنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ كالشَّيْءِ الواحِدِ.

Aal-i-Imraan 3:124Listen in Qur'an →
125

بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ

Yes, if you remain patient and conscious of Allah and the enemy come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]

( ﴿بَلى﴾ ) إيجابٌ لِما بَعْدَ ( لَنْ ) أيْ بَلى ( يَكْفِيكم ) ذَلِكَ، ثُمَّ وعَدَهُمُ الزِّيادَةَ بِالشَّرْطِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى مَضَضِ الجِهادِ وما أُمِرْتُمْ بِهِ ( ﴿وتَتَّقُوا﴾ ) رَبَّكم بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ وعَدَمِ المُخالَفَةِ لَهُ ( ﴿ويَأْتُوكُمْ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ أوْ أصْحابُ كُرْزٍ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ.

صفحة 45

﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أصْلُ الفَوْرِ مَصْدَرٌ مِن فارَتِ القِدْرُ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها ومِنهُ أنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَوْرِ جَهَنَّمَ، ويُطْلَقُ عَلى الغَضَبِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ فَوْرَ القِدْرِ وعَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الحالِ الَّتِي لا بُطْءَ فِيها ولا تَراخِيَ، والمَعْنى ويَأْتُوكم في الحالِ، ووُصِفَ بِهَذا لِتَأْكِيدِ السُّرْعَةِ بِزِيادَةِ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيبِ ونَظْمِ إتْيانِهِمْ بِسُرْعَةٍ في سِلْكِ شَرْطَيِ الإمْدادِ ومَدارَيْهِ مَعَ تَحَقُّقِ الإمْدادِ لا مَحالَةَ أسْرَعُوا أوْ أبْطَأُوا إيذانًا بِتَحَقُّقِ سُرْعَةِ الإمْدادِ لا لِتَحْقِيقِ أصْلِهِ، أوْ لِبَيانِ تَحَقُّقِهِ عَلى أيِّ حالٍ فُرِضَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدَهُ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِأبْعَدِ التَّقادِيرِ لِيُعْلَمَ تَحَقُّقُهُ عَلى سائِرِها بِالأوْلى، فَإنَّ هُجُومَ الأعْداءِ بِسُرْعَةٍ مِن مَظانِّ عَدَمِ لُحُوقِ المَدَدِ عادَةً، فَمَتى عُلِّقَ بِهِ تَحَقَّقَ الإمْدادُ مَعَ مُنافاتِهِ لَهُ أفادَ تَحَقُّقَهُ لا مَحالَةَ مَعَ ما هو غَيْرُ مُنافٍ لَهُ كَذا قِيلَ، ورُبَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الإمْدادَ المُرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ وقَعَ لَهم وفي ذَلِكَ تَرْدِيدٌ وتَرَدُّدٌ لِأنَّ هَذا الكَلامَ إنْ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ فَلا شُبْهَةَ في عَدَمِ وُقُوعِ ذَلِكَ ولا بِمِلْكِ واحِدٍ لِعَدَمِ وُقُوعِ الشَّرْطِ؛ ولِذا وقَعَتِ الهَزِيمَةُ، وإنْ كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ كَما هو المُعْتَمِدُ فَقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في أنَّهم أُمِدُّوا بِهَذِهِ الخَمْسَةِ الآلافِ أوْ لا، فَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إلى أنَّهم أُمِدُّوا بِغَيْرِها ولَمْ يُمَدُّوا بِها بِناءً عَلى تَعْلِيقِ الإمْدادِ بِها بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وهي الصَّبْرُ والتَّقْوى وإيتاءُ أصْحابِ كُرْزٍ، وقَدْ فُقِدَ الأمْرُ الثّالِثُ كَما نَقَلْناهُ أوَّلًا، فَلَمْ يُوجَدِ المَجْمُوعُ لِانْعِدامِهِ بِانْعِدامِ بَعْضِ أجْزائِهِ، فَلَمْ يُوجَدِ الإمْدادُ المَذْكُورُ كَما صَرَّحَ بِهِ الشَّعْبِيُّ، نَعَمْ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى خِلافِهِ، ولَعَلَّهُ مَبْنى صاحِبِ القِيلِ، لَكِنْ يَبْقى أنَّ تَفْسِيرَ الفَوْرِ بِما فُسِّرَ بِهِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، بَلْ لَمْ يُوجَدْ صَرِيحًا في كَلامِ السَّلَفِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ أنَّهُ بِمَعْنى الغَضَبِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ يَأْتُوكم بِسَبَبِ غَضَبِهِمْ عَلَيْكم، والإشارَةُ إمّا لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الغَضَبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَدِيدٌ ومُتَمَكِّنٌ في القُلُوبِ، وإمّا لِتَحْقِيرِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ والطَّرِيقِ المَحْمُودِ، فَإنَّهُ إنَّما كانَ عَلى مُخالَفَةِ المُسْلِمِينَ لَهم في الدِّينِ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ وذَمِّ آلِهَتِهِمْ، أوْ عَلى ما أوْقَعُوا فِيهِمْ وحَطَّمُوا رُءُوسَ رُؤَسائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ عِكْرِمَةُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ في أُحُدٍ.

وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ إلى تَفْسِيرِهِ بِالسَّفَرِ أيْ ويَأْتُوكم مِن …

Aal-i-Imraan 3:125Listen in Qur'an →
126

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ

And Allah made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allah, the Exalted in Might, the Wise -

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيِ الإمْدادُ المَفْهُومُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمَدَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ذُكِرَ، وما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الإمْدادَ إلّا بُشْرى لَكم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَعْدِ بِالإمْدادِ، وقِيلَ: لِلتَّسْوِيمِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ أوْ لِلنَّصْرِ المَفْهُومِ مِن نَصْرِكُمُ السّابِقِ، ومُتَعَلِّقُ البِشارَةِ غَيْرُهُ، وقِيلَ: لِلْإمْدادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ، والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والبُشْرى إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، وجَعَلَ مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ أوْ مَفْعُولٌ لَها إنْ جُعِلَتْ مُتَعَدِّيَةً لِاثْنَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ الِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ وما جَعَلَ إمْدادَكم بِإنْزالِ المَلائِكَةِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا البِشارَةَ لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ، وعَلى الثّانِي مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ وما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا بُشْرى لَكم.

والجُمْلَةُ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في حَيِّزِ القَوْلِ، بَلْ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْثِيرِ بِدُونِ إذْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّ حَقِيقَةَ النَّصْرِ مُخْتَصٌّ بِهِ عَزَّ اسْمُهُ لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، ولا يَقْنَطُوا مِنهُ عِنْدَ فُقْدانِ أسْبابِهِ وأماراتِهِ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ووَجَّهَ الخِطابَ نَحْوَ المُؤْمِنِينَ تَشْرِيفًا لَهم وإيذانًا بِأنَّهم هُمُ المُحْتاجُونَ لِما ذُكِرَ، وأمّا رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَغَنِيٌّ عَنْهُ بِما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّأْيِيدِ الرَّوْحانِيِّ والعِلْمِ الرَّبّانِيِّ.

﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ أيْ ولِتَسْكُنَ قُلُوبُكم بِالإمْدادِ فَلا تَخافُوا كَثْرَةَ عَدَدِ العَدُوِّ وقِلَّةَ عَدَدِكم، وهَذا إمّا مَعْطُوفٌ عَلى (بُشْرى) بِاعْتِبارِ المَوْضِعِ وهو كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ إلّا أنَّهُ نُصِبَ

صفحة 47

الأوَّلُ لِاجْتِماعِ شَرائِطِهِ، ولَمْ يُنْصَبِ الثّانِي لِفُقْدانِها، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ أيْضًا إلى أصالَتِهِ في العِلِيَّةِ وأهَمِّيَتِهِ في نَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الكَلامِ السّابِقِ أيْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ بَشَّرَكم كَما فَعَلَ أبُو البَقاءِ، والثّانِي مُتَعَيِّنٌ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي في الأوَّلِ.

﴿وما النَّصْرُ﴾ أيْ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النَّصْرُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ المُودِعِ في الأسْبابِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ قُوَّةً لا تَأثَّرُ إلّا بِهِ أوْ وما النَّصْرُ المَعْهُودُ إلّا مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ قُصارى أمْرِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ البِشارَةِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ ولَمْ يُقاتِلُوا، أوْ لِأنَّ قُصارى أمْرِهِمْ أنَّهم قاتَلُوا بِتَمْكِينِ اللَّهِ تَعالى لَهم، ولَمْ يَكُنْ لَهم فِعْلٌ اسْتِقْلالًا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فَعَلُوا، عَلى أنَّ مُجَرَّدَ قِتالِهِمْ لا يَسْتَدْعِي النَّصْرَ بَلْ لا بُدَّ مِنِ انْضِمامِ ضَعْفِ المُقابِلِينَ المُقاتِلِينَ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَسَلَّطَهم عَلَيْهِمْ، فَحَيْثُ أضْعَفَ وقَوّى ومَكَّنَ وما مَكَّنَ وبِهِ حَصَلَ النَّصْرُ، كانَ ذَلِكَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والآيَةُ عَلى هَذا لا تَكُونُ دَلِيلًا لِمَن زَعَمَ أنَّ المُسَبِّباتِ عِنْدَ الأسْبابِ لا …

Aal-i-Imraan 3:126Listen in Qur'an →
127

لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ وما بَيْنَهُما تَحْقِيقٌ لَحَقِّيَتِهِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿إذْ تَقُولُ﴾ ظَرْفًا لِنَصَرَكم لا بَدَلًا مِن ( إذْ غَدَوْت ) لِئَلّا يُفْصَلَ بِأجْنَبِيٍّ، ولِأنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا في شَأْنِ بَدْرٍ، والمَقْصُورُ عَلى التَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ مِنَ البُشْرى والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَلا يَقْدَحُ في تَعْلِيلِ أصْلِ النَّصْرِ بِالقَطْعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ المَعْهُودِ، والمُعَلَّلُ بِالبِشارَةِ والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ الصُّورِيُّ لا ما في ضِمْنِهِ مِنَ النَّصْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ وعَمُودُهُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الصَّبْرِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ هو الخَبَرُ مُخِلٌّ بِسِدادِ المَعْنى، كَيْفَ لا ومَعْناهُ قَصْرُ النَّصْرِ المَخْصُوصِ المُعَلَّلِ بِعِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلى الحُصُولِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ

صفحة 49

إلّا قَصْرُ حَقِيقَةِ النَّصْرِ كَما في الأوَّلِ، أوِ النَّصْرُ المَعْهُودُ كَما في الثّانِي عَلى ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ فَعَلَ ذَلِكَ التَّدْبِيرَ، أوْ أمَدَّكم بِالمَلائِكَةِ لِيَقْطَعَ مُنْقَطِعٌ عَنِ القَبُولِ، والقَطْعُ الإهْلاكُ، والمُرادُ مِنَ الطَّرَفِ طائِفَةٌ مِنهم قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْ تِلْكَ الطّائِفَةِ بِالوَسَطِ بَلْ بِالطَّرَفِ لِأنَّ أطْرافَ الشَّيْءِ يُتَوَصَّلُ بِها إلى تَوْهِينِهِ وإزالَتِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ الطَّرَفَ أقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم كانُوا أشْرافًا، فَفي الأساسِ هو مِن أطْرافِ العَرَبِ أيْ أشْرافِها، ولَعَلَّ إطْلاقَ الأطْرافِ عَلى الأشْرافِ لِتَقَدُّمِهِمْ في السَّيْرِ، ومِن ذَلِكَ قالُوا: الأطْرافُ مَنازِلُ الأشْرافِ، فَلا يَرِدُ أنَّ الوَسَطَ أيْضًا يُشْعِرُ بِالشَّرَفِ، فالمَعْنى لِيُهْلِكَ صَنادِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا ورُؤَساءَهُمُ المُتَقَدِّمِينَ فِيهِمْ بِقَتْلٍ وأسْرٍ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في بَدْرٍ كَما قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، فَقَدْ قُتِلَ مِن أُولَئِكَ سَبْعُونَ وأُسِرَ سَبْعُونَ، واعْتِبارُ ذَلِكَ في أُحُدٍ حَيْثُ قُتِلَ فِيهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن رُؤَسائِهِمْ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وقَدِ اسْتَبْعَدُوهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أيْ يُخْزِيَهم قالَهُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرِّمَّةِ:

لَمْ أنْسَ مِن شَجَنٍ لَمْ أنْسَ مَوْقِفَنا في حَيْرَةٍ بَيْنَ مَسْرُورٍ ومَكْبُوتِ

وقالَ الجُبّائِيُّ والكَلْبِيُّ: أيْ يَرُدُّهم مُنْهَزِمِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: أيْ يَلْعَنُهم وأصْلُ الكَبْتِ الغَيْظُ والغَمُّ المُؤَثِّرُ، وقِيلَ: صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ، وقِيلَ: إنَّ كَبَتَهُ يَكُونُ بِمَعْنى كَبِدِهِ أيْ أصابَ كَبِدَهُ كَرَآهُ بِمَعْنى أصابَ رِئَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي:

لِأكْبِتَ حاسِدًا وأرى عَدُوًّا ∗∗∗ كَأنَّهُما وداعَكِ والرَّحِيلُ

والآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ قُرِئَ: أوْ …

Aal-i-Imraan 3:127Listen in Qur'an →
128

لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ

Not for you, [O Muhammad, but for Allah], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ «أنَّ رَباعِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّفْلى اليُمْنى أُصِيبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ أصابَها عُتْبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وشَجَّهُ في وجْهِهِ، فَكانَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ أوْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَغْسِلُ الدَّمَ، والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ صَنَعُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ: اللَّهُمَّ العَنْ أبا سُفْيانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ إلَخْ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ».

وعَنِ الجُبّائِيِّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتَأْذِنُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ يَدْعُوَ عَلى الكُفّارِ لَما آذَوْهُ حَتّى إنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ صَلّى الظَّهْرُ ذَلِكَ اليَوْمَ قاعِدًا مِنَ الجِراحِ وصَلّى المُسْلِمُونَ وراءَهُ قُعُودًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ والشَّعْبِيُّ «لَمّا رَأى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ ما فَعَلَ الكُفّارُ بِأصْحابِهِ وبِعَمِّهِ حَمْزَةَ مِن جَدْعِ الأُنُوفِ والآذانِ وقَطْعِ المَذاكِيرِ قالُوا: لَئِنْ أدالَنا اللَّهُ تَعالى مِنهم لَنَفْعَلَنَّ بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلُوا بِنا ولَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ قَطُّ، فَنَزَلَتْ» .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى المُنْهَزِمِينَ عَنْهُ مِن أصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وتابَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

صفحة 50

وهَذِهِ الرِّواياتُ كُلُّها مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُحُدٍ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنها أنَّها بِسَبَبِ المُشْرِكِينَ.

وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرْسَلَ أرْبَعِينَ، وقِيلَ: سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قُرّاءِ أصْحابِهِ، وأمَّرَ عَلَيْهِمُ المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو إلى بِئْرِ مَعُونَةَ عَلى رَأْسِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مِن أُحُدٍ لِيُعَلِّمُوا النّاسَ القُرْآنَ والعِلْمَ، فاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَبائِلَ مِن سُلَيْمٍ مِن عُصَيَّةَ ورِعْلٍ وذَكْوانَ فَأحاطُوا بِهِمْ في رِحالِهِمْ فَقاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ إلّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ أخا بِنَيِ النَّجّارِ فَإنَّهم تَرَكُوهُ وبِهِ رَمَقٌ، فَلَمّا عَلِمَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَدَ وجْدًا شَدِيدًا وقَنَتَ عَلَيْهِمْ شَهْرًا يَلْعَنُهم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ ذَلِكَ»، والمَعْنى لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ شَيْءٌ وإنْ قَلَّ.

﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى الأمْرِ أوْ عَلى شَيْءٍ بِإضْمارِ أنْ أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوْ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ مِن تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ …

Aal-i-Imraan 3:128Listen in Qur'an →
129

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ اخْتِصاصِ مِلْكِيَّةِ جَمِيعِ الكائِناتِ بِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ طَرَفٍ مِن ذَلِكَ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ تَقْرِيرًا لِما سَبَقَ وتَكْمِلَةً لَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْقَصْرِ، (وما) عامَّةٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ تَغْلِيبًا أيْ لَهُ سُبْحانَهُ ما في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، أوْ ما في هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ مُلْكًا ومِلْكًا وخَلْقًا واقْتِدارًا لا مَدْخَلَ لِأحَدٍ مَعَهُ في ذَلِكَ، فالأمْرُ كُلُّهُ لَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.

﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلا يُعاقِبُهُ عَلى ذَنْبِهِ فَضْلًا مِنهُ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ عَدْلًا مِنهُ، وإيثارُ كَلِمَةِ ( مَن ) في المَوْضِعَيْنِ لِاخْتِصاصِ المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ بِالعُقَلاءِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ لِلْإيذانِ بِسَبْقِ رَحْمَتِهِ تَعالى عَلى غَضَبِهِ.

وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعالى وتَعْذِيبَهُ غَيْرُ مُقَيَّدَيْنِ بِشَيْءٍ، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ التَّقْيِيدَ مُنافٍ لِلسَّوْقِ إذْ هو لِإثْباتِ أنَّهُ سُبْحانَهُ المالِكُ عَلى الإطْلاقِ، فَلَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ لا مانِعَ لَهُ مِن مَشِيئَتِهِ ولَوْ كانَتْ مَغْفِرَتُهُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ، وتَعْذِيبُهُ بِالظُّلْمِ لَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِما يَشاءُ، بَلْ لِما تَسْتَدْعِيهِ التَّوْبَةُ أوِ الظُّلْمُ، فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في نَفْيِ الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَغْفِرَ سُبْحانَهُ لِلْمُذْنِبِ ويُعَذِّبَ المُصْلِحَ، وهو مَذْهَبُ الجَماعَةِ، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوْبَةِ، فَمَن لَمْ يَتُبْ لا يَجُوزُ أنْ يُغْفَرَ لَهُ أصْلًا، وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: الآياتُ والأحادِيثُ النّاطِقَةُ بِوَعِيدِ العُصاةِ، الثّانِي: أنَّ المُذْنِبَ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ كانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لَهُ وإغْراءً لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ، وهَذا يُنافِي حِكْمَةَ إرْسالِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وحَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى التَّقْيِيدِ وخَصُّوا أمْثالَها مِنَ المُطْلَقاتِ بِالصَّغائِرِ أوِ الكَبائِرِ المَقْرُونَةِ بِالتَّوْبَةِ وقالُوا: إنَّ المُرادَ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ إذا تابَ، وجَعَلُوا القَرِينَةَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الظُّلْمَ هو السَّبَبُ المُوجِبُ فَلا تَعْذِيبَ بِدُونِهِ، ولا مَغْفِرَةَ مَعَ وُجُودِهِ، فَهو مُفَسِّرٌ ( لِمَن يَشاءُ ) وأيَّدُوا كَوْنَ المُرادِ ذَلِكَ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ولا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ إلّا لِلتّائِبِينَ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ ولا يَشاءُ أنْ يُعَذِّبَ إلّا لِلْمُسْتَوْجِبِينَ، وبِما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ ﴿يَغْفِرُ لِمَن﴾ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴿ويُعَذِّبُ مَن﴾ لَقِيَهُ ظالِمًا، والجَماعَةُ

صفحة 52

تَمَسَّكُوا بِإطْلاقِ الآياتِ، وأجابُوا عَنْ مُتَمَسِّكِ المُخالِفِ، أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّ تِلْكَ الآياتِ والأحادِيثَ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِها إنَّما تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ دُونَ الوُجُوبِ، والنِّزاعُ فِيهِ عَلى أنَّ كَثْرَةَ النُّصُوصِ في العَفْوِ تُخَصِّصُ المُذْنِبَ المَغْفُورَ عَنْ عُمُوماتِ الوَعِيدِ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ مُجَرَّدَ جَوازِ العَفْوِ لا يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِ العِقابِ فَضْلًا عَنِ الجَزْمِ بِهِ، وكَيْفَ …

Aal-i-Imraan 3:129Listen in Qur'an →
130

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَٰفًۭا مُّضَٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allah that you may be successful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ مُشْتَمِلٍ عَلى أمْرٍ ونَهْيٍ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ تَتْمِيمًا لِما سَلَفَ مِنَ الإرْشادِ إلى ما هو الأصْلَحُ في أمْرِ الدِّينِ وفي بابِ الجِهادِ، ولَعَلَّ إيرادَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا بِخُصُوصِهِ هُنا لِما أنَّ التَّرْغِيبَ في الإنْفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ الَّذِي عُمْدَتُهُ الإنْفاقُ في سَبِيلِ الجِهادِ مُتَضَمِّنٌ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِ المالِ، فَكانَ مَظِنَّةَ مُبادَرَةِ النّاسِ إلى طُرُقِ الِاكْتِسابِ ومِن جُمْلَتِها بَلْ أسْهَلُها الرِّبا فَنُهُوا عَنْهُ.

صفحة 55

وقَدَّمَهُ عَلى الأمْرِ اعْتِناءً بِهِ ولِيَجِيءَ ذَلِكَ الأمْرُ بَعْدَ سَدِّ ما يَخْدِشُهُ، وقالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ أنَّ أكْثَرَ أمْوالِ المُشْرِكِينَ قَدِ اجْتَمَعَتْ مِنَ الرِّبا، وكانُوا يُنْفِقُونَ تِلْكَ الأمْوالَ عَلى العَساكِرِ، وكانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ كَيْ يَجْمَعُوا الأمْوالَ ويُنْفِقُوها عَلى العَساكِرِ أيْضًا ويَتَمَكَّنُوا مِنَ الِانْتِقامِ مِن عَدُوِّهِمْ، فَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ ولُطْفًا بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ لَهُ التَّعْذِيبَ لِمَن يَشاءُ والمَغْفِرَةَ لِمَن يَشاءُ وصَلَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَمّا لَوْ فَعَلُوهُ لاسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ العِقابَ وهو الرِّبا، وخَصَّهُ بِالنَّهْيِ لِأنَّهُ كانَ شائِعًا إذْ ذاكَ ولِلِاعْتِناءِ بِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ بِما دَلَّ عَلى تَحْرِيمِهِ مِمّا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَلْ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ، وساقَ الكَلامَ لَهُ أوَّلًا وبِالذّاتِ إيذانًا بِشِدَّةِ الحَظْرِ.

والمُرادُ مِنَ الأكْلِ الأخْذُ، وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ لِما أنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ بِهِ ولِشُيُوعِهِ في المَأْكُولاتِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّشْنِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّبا ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّبا، والأضْعافُ جَمْعُ ضِعْفٍ، وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلُهُ، وضِعْفاهُ مِثْلاهُ، وأضْعافُهُ أمْثالُهُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الضَّعْفُ اسْمُ ما يُضْعِفُ الشَّيْءَ، كالثَّنْيِ اسْمُ ما يُثْنِيهِ، مِن ضَعَفْتُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ فَهو مَضْعُوفٌ عَلى ما نَقَلَهُ الرّاغِبُ بَمَعْنى ضَعَّفْتُهُ وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى العَدَدِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مَعَهُ عَدَدٌ آخَرُ فَأكْثَرُ، والنَّظَرُ فِيهِ إلى فَوْقٍ بِخِلافِ الزَّوْجِ فَإنَّ النَّظَرَ فِيهِ إلى ما دُونَهُ فَإذا قِيلَ: ضِعْفُ العَشَرَةِ لَزِمَ أنْ تَجْعَلَها عِشْرِينَ بِلا خِلافٍ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ تَضْعِيفِها، ولَوْ قالَ: لَهُ عِنْدِي ضِعْفُ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ دِرْهَمانِ ضَرُورَةَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، كَما إذا قِيلَ: هو أخُو زَيْدٍ اقْتَضى أنْ يَكُونَ زَيْدٌ أخاهُ، وإذا لَزِمَ المُزاوَجَةُ دَخَلَ في الإقْرارِ، وعَلى هَذا لَهُ ضِعْفا دِرْهَمٍ مُنَزَّلٌ عَلى ثَلاثَةِ دَراهِمَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما يُتَوَهَّمُ أنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مَوْضُوعُهُ مِثْلاهُ وضِعْفَيْهِ ثَلاثَةُ أمْثالِهِ، بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ مَوْضُوعَهُ المِثْلَ بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ.

وهَذا مِعْزى الفُقَهاءِ في الأقارِيرِ والوَصايا، ومِنَ البَيِّنِ أنَّهم ألْزَمُوا في ضِعْفَيِ الشَّيْءِ ثَلاثَةَ أمْثالِهِ، ولَوْ كانَ مَوْضُوعُ الضِّعْفِ المِثْلَيْنِ لَكانَ الضِّعْفانِ أرْبَعَةَ أمْثالٍ، ولَيْسَ مَبْناهُ العُرْفَ العامِّيَّ بَلِ المَوْضُوعَ اللُّغَوِيَّ، كَما قالَ الأزْهَرِيُّ.

ومِن هُنا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ قالَ: لَهُ عَلَيَّ الضِّعْفانِ …

Aal-i-Imraan 3:130Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.