Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 101–110 of 200

101

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allah and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allah has [indeed] been guided to a straight path.

﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ عَلى أيِّ حالٍ يَقَعُ مِنكُمُ الكُفْرُ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِهِ ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعْلِمُكُمُ الكِتاب والحِكْمَة ويُزَكِّيكم بِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإزاحَةِ الشُّبَهِ، والجُمْلَةُ وقَعَتْ حالًا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ( تَكْفُرُونَ ) والمُرادُ اسْتِبْعادُ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ الكُفْرُ وعِنْدَهم ما يَأْباهُ.

وقِيلَ: المُرادُ التَّعْجِيبُ أيْ لا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَكْفُرُوا في سائِرِ الأحْوالِ لا سِيَّما في هَذِهِ الحالِ الَّتِي فِيها الكُفْرُ أفْظَعُ مِنهُ في غَيْرِها؛ ولَيْسَ المُرادُ إنْكارَ الواقِعِ كَما في ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِكُفْرِهِمْ فِعْلُهم أفْعالَ الكَفَرَةِ كَدَعْوى الجاهِلِيَّةِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الواقِعِ، والأوَّلُ أوْلى، وفي الآيَةِ تَأْيِيسٌ لِلْيَهُودِ مِمّا رامُوهُ، والأكْثَرُونَ عَلى تَخْصِيصِ هَذا الخِطابِ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوِ الأوْسِ والخَزْرَجِ مِنهم، ومِنهم مَن جَعَلَهُ عامًا لِسائِرِ المُؤْمِنِينَ وجَمِيعِ الأُمَّةِ، وعَلَيْهِ مَعْنى كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ، إنَّ آثارَهُ وشَواهِدَ نُبُوَّتِهِ فِيهِمْ؛ لِأنَّها باقِيَةٌ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، ولَمْ يُسْنِدْ سُبْحانَهُ التِّلاوَةَ إلى رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشارَةً إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ في البابِ، وإيذانًا بِأنَّ التِّلاوَةَ كافِيَةٌ في الغَرَضِ مِن أيِّ تالٍ كانَتْ.

صفحة 17

﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ إمّا أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أيْ ومَن يَعْتَصِمْ بِدِينِ اللَّهِ، والِاعْتِصامُ بِمَعْنى التَّمَسُّكِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وإمّا أنْ لا يُقَدَّرَ فَيُجْعَلُ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ اسْتِعارَةً لِلِالتِجاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، قالَ الطِّيبِيُّ: وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ، أيْ والحالُ أنَّ القُرْآنَ يُتْلى عَلَيْكم وأنْتُمْ عالِمُونَ بِحالِ المُعْتَصَمِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا﴾ إلَخْ؛ لِأنَّ مَضْمُونَهُ أنَّكم إنَّما تُطِيعُونَهم لِما تَخافُونَ مِن شُرُورِهِمْ ومَكايِدِهِمْ فَلا تَخافُوهم والتَجِئُوا إلى اللَّهِ تَعالى في دَفْعِ شُرُورِهِمْ ولا تُطِيعُوهم، أما عَلِمْتُمْ أنَّ مَنِ التَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى كَفاهُ شَرَّ ما يَخافُهُ فَعَلى الأوَّلِ جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِإنْكارِ الكُفْرِ مَعَ هَذا الصّارِفِ القَوِيِّ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ، وعَلى الثّانِي لِلْحَثِّ عَلى الِالتِجاءِ، ويُحْتَمَلُ عَلى الأوَّلِ التَّذْيِيلُ، وعَلى الثّانِي الحالُ أيْضًا فافْهَمْ، و( مَن ) شَرْطِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ( 101 ) جَوابُ الشَّرْطِ، ولِكَوْنِهِ ماضِيًا مَعَ قَدْ أفادَ الكَلامُ تَحَقُّقَ الهُدى حَتّى كَأنَّهُ قَدْ حَصَلَ، قِيلَ: والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، ووَصْفُ الصِّراطِ بِالِاسْتِقامَةِ لِلتَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ عَلى الَّذِينَ يَبْغُونَ لَهُ عِوَجًا، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ وإنْ كانَ هو الدِّينَ الحَقَّ في الحَقِيقَةِ، والِاهْتِداءُ إلَيْهِ هو الِاعْتِصامُ بِهِ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ لَمّا اخْتَلَفَ الِاعْتِبارانِ وكانَ العُنْوانُ الأخِيرُ مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ …

Aal-i-Imraan 3:101Listen in Qur'an →
102

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

O you who have believed, fear Allah as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَرَّرَ الخِطابَ بِهَذا العُنْوانِ تَشْرِيفًا لَهم ولا يَخْفى ما في تَكْرارِهِ مِنَ اللُّطْفِ بَعْدَ تَكْرارِ خِطابِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ حَقَّ تَقْواهُ، رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا: «هُوَ أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ» . وادَّعى كَثِيرٌ نَسْخَ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتِ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ العَمَلُ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَخْفِيفًا عَلى المُسْلِمِينَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الأُولى. ومِثْلُهُ عَنْ أنَسٍ وقَتادَةَ. وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمْ تُنْسَخْ، ولَكِنَّ حَقَّ تُقاتِهِ أنْ يُجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى أنْفُسِهِمْ وآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ومَن قالَ بِالنَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ المُرادَ مِن حَقِّ تُقاتِهِ ما يَحِقُّ لَهُ ويَلِيقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ومَن قالَ بِعَدَمِ النَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ ( حَقَّ ) مِن حَقَّ الشَّيْءُ بِمَعْنى وجَبَ وثَبَتَ، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى مَوْصُوفِها، وأنَّ الأصْلَ اتَّقُوا اللَّهَ اتْقاءً حَقًّا أيْ

صفحة 18

ثابِتًا وواجِبًا عَلى حَدِّ ضَرَبْتُ زَيْدًا شَدِيدَ الضَّرْبِ تُرِيدُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وادَّعى أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ باطِلٌ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن إباحَةِ بَعْضِ المَعاصِي، وتَعَقَّبَهُ الرُّمّانِيُّ بِأنَّهُ إذا وُجِّهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ عَلى أنْ يَقُومُوا بِالحَقِّ في الخَوْفِ والأمْنِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى كُلِّ حالٍ، ثُمَّ أباحَ تَرْكَ الواجِبِ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إنَّما يَخْطِرُ بِالبالِ حَتّى يُجابَ عَنْهُ إذا فُسِّرَ ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ النَّسْخِ بِما فَسَّرَهُ هو بِهِ مِن تَرْكِ جَمِيعِ المَعاصِي ونَحْوِهِ، وإنْ لَمْ يُفَسَّرْ بِذَلِكَ بَلْ فُسِّرَ بِما جَنَحَ إلَيْهِ القائِلُ بِالنَّسْخِ فَلا يَكادُ يَخْطِرُ ما ذَكَرَهُ بِبالٍ لِيَحْتاجَ إلى الجَوابِ، نَعَمْ يَكُونُ القَوْلُ بِإنْكارِ النَّسْخِ حِينَئِذٍ مَبْنِيًّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِنِ امْتِناعِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ ابْتِداءً كَما لا يَخْفى، وأصْلُ ( تُقاةٍ ) وُقَيَةٌ قُلِبَتْ واوُها المَضْمُومَةُ تاءً كَما في تُهَمَةٍ وتُخَمَةٍ وياؤُها المَفْتُوحَةُ ألِفًا، وأجازَ فِيها الزَّجّاجُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: تُقاةٌ ووِقاةٌ وإقاةٌ.

﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (201) أيْ مُخْلِصُونَ نُفُوسَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لا تَجْعَلُونَ فِيها شَرِكَةً لِسِواهُ أصْلًا، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الإسْلامَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يُرادُ بِهِ الأعْمالُ …

Aal-i-Imraan 3:102Listen in Qur'an →
103

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And hold firmly to the rope of Allah all together and do not become divided. And remember the favor of Allah upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allah make clear to you His verses that you may be guided.

﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أيِ القُرْآنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ».

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنِّي تارِكٌ فِيكم خَلِيفَتَيْنِ؛ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَمْدُودٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وإنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ» . ووَرَدَ بِمَعْنى ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِحَبْلِ اللَّهِ الطّاعَةُ والجَماعَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ثابِتِ بْنِ قُطْنَةَ المُزَنِيِّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِالطّاعَةِ والجَماعَةِ، فَإنَّهُما حَبْلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أمَرَ بِهِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: حَبْلُ اللَّهِ تَعالى الجَماعَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبِي العالِيَةِ: أنَّهُ الإخْلاصُ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وعَنِ الحَسَنِ

صفحة 19

أنَّهُ طاعَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الإسْلامُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَهْدُ اللَّهِ تَعالى وأمْرُهُ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ.

وفِي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَتِ الحالَةَ الحاصِلَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنِ اسْتِظْهارِهِمْ بِأحَدِ ما ذَكَرَ ووُثُوقِهِمْ بِحِمايَتِهِ بِالحالَةِ الحاصِلَةِ مِن تَمَسُّكِ المُتَدَلِّي مِن مَكانٍ رَفِيعٍ بِحَبْلٍ وثِيقٍ مَأْمُونِ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مَجازٍ في المُفْرَداتِ، واسْتُعِيرَ ما يُسْتَعْمَلُ في المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الألْفاظِ لِلْمُشَبَّهِ، وقَدْ يَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَتانِ مُتَرادِفَتانِ بِأنْ يُسْتَعارَ الحَبَلُ لِلْعَهْدِ مَثَلًا اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً أصْلِيَّةً، والقَرِينَةُ الإضافَةُ، ويُسْتَعارُ الِاعْتِصامُ لِلْوُثُوقِ بِالعَهْدِ والتَّمَسُّكِ بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ التَّبَعِيَّةِ، والقَرِينَةُ اقْتِرانُها بِالِاسْتِعارَةِ الثّانِيَةِ، وقَدْ يَكُونُ في ( اعْتَصَمُوا ) مَجازٌ مُرْسَلٌ تَبَعِيٌّ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، وقَدْ يَكُونُ مَجازًا بِمَرْتَبَتَيْنِ لِأجْلِ إرْسالِ المَجازِ، وقَدْ تَكُونُ الِاسْتِعارَةُ في الحَبْلِ فَقَطْ ويَكُونُ الِاعْتِصامُ باقِيًا عَلى مَعْناهُ تَرْشِيحًا لَها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والقَرِينَةُ قَدْ تَخْتَلِفُ بِالتَّصَرُّفِ، فَبِاعْتِبارٍ قَدْ تَكُونُ مانِعَةً، وبِاعْتِبارٍ آخَرَ قَدْ لا تَكُونُ، فَلا يَرِدُ أنَّ احْتِمالَ المَجازِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلى قَرِينَةٍ مانِعَةٍ عَنْ إرادَةِ المَوْضِعِ لَهُ، فَمَعَ وُجُودِها كَيْفَ يَتَأتّى إرادَةُ الحَقِيقَةِ لِيَصِحَّ الأمْرانِ في ( اعْتَصَمُوا ) وقَدْ تَكُونُ الِاسْتِعارَتانِ غَيْرُ مُسْتَقِلَّتَيْنِ بِأنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ في الحَبْلِ مَكْنِيَّةً، وفي الِاعْتِصامِ تَخْيِيلِيَّةً؛ لِأنَّ المَكْنِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّخْيِيلِيَّةِ، قالَهُ الطِّيبِيُّ، ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ.

وقَدْ ذَكَرْنا في حَواشِينا عَلى رِسالَةِ ابْنِ عِصامٍ ما يَرُدُّ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مَعَ الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ. ( ﴿جَمِيعًا﴾ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( اعْتَصِمُوا ) كَما هو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ …

Aal-i-Imraan 3:103Listen in Qur'an →
104

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong, and those will be the successful.

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِتَكْمِيلِ النَّفْسِ لِيَكُونُوا هادِينَ مَهْدِيِّينَ عَلى ضِدِّ أعْدائِهِمْ، فَإنَّ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِمْ فِيما سَبَقَ بَدُلُّ عَلى أنَّهم ضالُّونَ مُضِلُّونَ، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ لامِ الأمْرِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ، وتَكُنْ إمّا مِن كانَ التّامَّةِ فَتَكُونُ ( أُمَّةٌ ) فاعِلًا، وجُمْلَةُ ( يَدْعُونَ ) صِفَتُهُ، و( مِنكم ) مُتَعَلِّقٌ بِتَكُنْ أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً - لِأُمَّةٍ - قُدِّمَ

صفحة 21

عَلَيْها فَصارَ حالًا، وإمّا مِن كانَ النّاقِصَةِ فَتَكُونُ ( أُمَّةٌ ) اسْمَها و( يَدْعُونَ ) خَبَرَها، و( مِنكم ) إمّا حالٌ مِن أُمَّةٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بَكانَ النّاقِصَةِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي تَؤُمُّ أيْ تَقْصِدُ لِأمْرٍ ما، وتُطْلَقُ عَلى أتْباعِ الأنْبِياءِ لِاجْتِماعِهِمْ عَلى مَقْصِدٍ واحِدٍ وعَلى القُدْوَةِ، ومِنهُ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ وعَلى الدِّينِ والمِلَّةِ، ومِنهُ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وعَلى الزَّمانِ، ومِنهُ ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعانِيها، والمُرادُ مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ الدُّعاءُ إلى ما فِيهِ صَلاحٌ دِينِيٌّ أوْ دُنْيَوِيٌّ، فَعَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ إيذانًا بِمَزِيدِ فَضْلِهِما عَلى سائِرِ الخَيْراتِ كَذا قِيلَ، قالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تِلْكَ البابِ لِأنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ العامِّ جَمِيعَ ما يَتَناوَلُهُ إذِ الخَيْرُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ إمّا فِعْلٌ مَأْمُورٌ أوْ تَرْكٌ مَنهِيٌّ لا يَعْدُو واحِدًا مِن هَذَيْنِ حَتّى يَكُونَ تَخْصِيصُهُما بِتَمَيُّزِهِما عَنْ بَقِيَّةِ المُتَناوِلاتِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ فائِدَةُ هَذا التَّخْصِيصِ ذِكْرُ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ عامًّا ثُمَّ مُفَصَّلًا، وفي تَثْنِيَةِ الذِّكْرِ عَلى وجْهَيْنِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ إلّا إنْ ثَبَتَ عُرْفٌ يَخُصُّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِبَعْضِ أنْواعِ الخَيْرِ وحِينَئِذٍ يَتَّمُ ما ذَكَرَ، وما أرى هَذا العُرْفَ ثابِتًا انْتَهى، ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ لِأنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ لَوْ فُسِّرَ بِما يَشْمَلُ أُمُورَ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها أمْرٌ أوْ نَهْيٌ كانَ أعَمَّ مِن فَرْضِ الكِفايَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ ثُمَّ قالَ: الخَيْرُ اتِّباعُ القُرْآنِ وسُنَّتِي» وهَذا يَدُلُّ أنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ لا يَشْمَلُ الدُّعاءَ إلى أُمُورِ الدُّنْيا.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الخَيْرَ بِمَعْرُوفٍ خاصٍّ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وجَعَلَ المَعْرُوفَ في الآيَةِ ما عَداهُ مِنَ الطّاعاتِ، فَحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى ما قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ أيْضًا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الخَيْرَ الإسْلامُ، والمَعْرُوفَ طاعَةُ اللَّهِ، والمُنْكَرَ مَعْصِيَتُهُ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ إمّا لِلْإعْلامِ بِظُهُورِهِ، أيْ يَدْعُونَ النّاسَ ولَوْ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ ويَأْمُرُونَهم ويَنْهَوْنَهم، وإمّا لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ عَلى حَدِّ: فُلانٌ يُعْطِي، أيْ يَفْعَلُونَ الدُّعاءَ …

Aal-i-Imraan 3:104Listen in Qur'an →
105

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ والرَّبِيعُ.

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَواحِدَةٌ في الجَنَّةِ وسَبْعُونَ في النّارِ، وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً فَإحْدى وسَبْعُونَ في النّارِ وواحِدَةٌ في الجَنَّةِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَواحِدَةٌ في الجَنَّةِ وثِنْتانِ وسَبْعُونَ في النّارِ. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مِن هم ؟ قالَ: الجَماعَةُ».

وفِي رِوايَةِ أحْمَدَ عَنْ مُعاوِيَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا في دِينِهِمْ عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، وتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ كُلُّها في النّارِ إلّا واحِدَةً».

وفِي رِوايَةٍ لَهُ أُخْرى عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَفَرَّقَتْ إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَهَلَكَتْ سَبْعُونَ فِرْقَةً، وخَلَصَتْ فِرْقَةٌ واحِدَةٌ، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً تَهْلِكُ إحْدى وسَبْعُونَ فِرْقَةً وتَخْلُصُ فِرْقَةٌ» .

ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ؛ لِأنَّ الِافْتِراقَ حَصَلَ لِمَن حَصَلَ عَلى طِبْقِ ما وقَعَ فِيها في بَعْضِ الأوْقاتِ وهو يَكْفِي لِلصِّدْقِ وإنْ زادَ العَدَدُ أوْ نَقَصَ في وقْتٍ آخَرَ.

( ﴿واخْتَلَفُوا﴾ ) في التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ وأحْوالِ المَعادِ، قِيلَ: وهَذا مَعْنى تَفَرَّقُوا وكَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: التَّفَرُّقُ بِالعَداوَةِ، والِاخْتِلافُ بِالدِّيانَةِ.

﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ الآياتُ والحُجَجُ المُبَيِّنَةُ لِلْحَقِّ المُوجِبَةُ لِاتِّحادِ الكَلِمَةِ، وقالَ الحَسَنُ: التَّوْراةُ، وقالَ قَتادَةُ وأبُو أُمامَةَ: القُرْآنُ. ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ﴿لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (501) لا يَكْتَنِهُ عَلى تَفَرُّقِهِمْ واخْتِلافِهِمُ المَذْكُورُ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ لِلْمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ لِأنَّ التَّشْبِيهَ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي الغَضَبَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ مَحْمُولٌ كَما قِيلَ عَلى الِاخْتِلافِ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ، ويُؤْخَذُ هَذا التَّخْصِيصُ مِنَ التَّشْبِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ شامِلٌ لِلْأُصُولِ والفُرُوعِ لِما نَرى مِنِ اخْتِلافِ أهْلِ السُّنَّةِ فِيها - كالماتُرِيدِيِّ والأشْعَرِيِّ - فالمُرادُ حِينَئِذٍ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِلافِ النَّهْيُ عَنِ الِاخْتِلافِ فِيما ورَدَ فِيهِ نَصٌّ مِنَ الشّارِعِ أوْ أجْمَعَ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ.

واسْتُدِلَّ عَلى عَدَمِ المَنعِ مِنَ الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»، وبِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَهْما أُوتِيتُمْ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فالعَمَلُ بِهِ لا عُذْرَ لِأحَدٍ في تَرْكِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ

صفحة 24

اللَّهِ تَعالى فَسُنَّةٌ مِنِّي ماضِيَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّةٌ مِنِّي فَما قالَ أصْحابِي بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ في السَّماءِ، فَأيُّما أخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، واخْتَلافُ أصْحابِي لَكم رَحْمَةٌ». وأرادَ بِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَواصَّهُمُ البالِغِينَ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ، والمَقْصُودُ بِالخِطابِ مَن دُونَهم فَلا إشْكالَ فِيهِ خِلافًا لِمَن وهِمَ، والرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ في …

Aal-i-Imraan 3:105Listen in Qur'an →
106

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ نُصِبَ بِما في لَهم مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أوْ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ عَذابٌ، وضُعِّفَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ وقِيلَ: عَظِيمٌ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ عَظَمَتِهِ بِهَذا ولا مَعْنى لَهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ إذا عَظُمَ فِيهِ، وفِيهِ كُلُّ عَظِيمٍ، فَفي غَيْرِهِ أوْلى إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ بِمُرادٍ، والمُرادُ بِالبَياضِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ أوْ لازِمُهُ مِنَ السُّرُورِ والفَرَحِ، وكَذا يُقالُ في السَّوادِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ قالُوا: يُوسَمُ أهْلُ الحَقِّ بِبَياضِ الوَجْهِ وإشْراقِ البَشَرَةِ تَشْرِيفًا لَهم وإظْهارًا لِآثارِ أعْمالِهِمْ في ذَلِكَ الجَمْعِ، ويُوسَمُ أهْلُ الباطِلِ بِضِدِّ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ الِابْيِضاضَ والِاسْوِدادَ يَكُونُ لِجَمِيعِ الجَسَدِ إلّا أنَّهُما أُسْنِدا لِلْوُجُوهِ لِأنَّ الوَجْهَ أوَّلُ ما يَلْقاكَ مِنَ الشَّخْصِ وتَراهُ وهو أشْرَفُ أعْضائِهِ.

واخْتُلِفَ في وقْتِ ذَلِكَ فَقِيلَ: وقْتُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقِيلَ: وقْتُ قِراءَةِ الصُّحُفِ، وقِيلَ: وقْتُ رُجْحانِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في المِيزانِ، وقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ وقِيلَ: وقْتَ أنْ يُؤْمَرَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأنْ يَتْبَعَ مَعْبُودَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ في كُلِّ مَوْقِفٍ مِن هَذِهِ المَواقِفِ يَحْصُلُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلى حَدٍّ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ، إذِ البَياضُ والسَّوادُ مِنَ المُشَكَّكِ دُونَ المُتَواطِئِ، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ - تَبْيِضُّ وتَسْوِدُّ - بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وهي لُغَةٌ - وتَبْياضُّ وتَسْوادُّ.

﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ وابْتَدَأ بِحالِ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم لِمُجاوَرَتِهِ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ولِيَكُونَ الِابْتِداءُ والِاخْتِتامُ بِما يَسُرُّ الطَّبْعَ ويَشْرَحُ الصَّدْرَ.

﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ المَقْرُونِ بِالفاءِ أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ، وحَذْفُ القَوْلِ واسْتِتْباعُ الفاءِ لَهُ في الحَذْفِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وإنَّما المَمْنُوعُ حَذْفُها وحْدَها في جَوابِ أمّا، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، والكَلامُ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم فَلا التِفاتَ فِيهِ خِلافًا لِلسَّمِينِ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ أنَّ هَؤُلاءِ أهْلُ الكِتابِ، وكُفْرَهم بَعْدَ إيمانِهِمْ

صفحة 26

كُفْرُهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ الإيمانِ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ عِكْرِمَةُ - واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ.

وقِيلَ: هم جَمِيعُ الكُفّارِ لِإعْراضِهِمْ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالإيمانِ الإيمانُ بِالقُوَّةِ والفِطْرَةِ، وكُفْرُ جَمِيعِ الكُفّارِ كانَ بَعْدَ هَذا الإيمانِ لِتَمَكُّنِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ والدَّلائِلِ الواضِحَةِ والآياتِ البَيِّنَةِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ أُعْطُوا كَلِمَةَ الإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ وأنْكَرُوها بِقُلُوبِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فالإيمانُ عَلى هَذا مَجازِيٌّ، وقِيلَ: إنَّهم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ …

Aal-i-Imraan 3:106Listen in Qur'an →
107

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But as for those whose faces will turn white, [they will be] within the mercy of Allah. They will abide therein eternally.

﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أيِ الجَنَّةِ، فَهو مِنَ التَّعْبِيرِ بِالحالِ عَنِ المَحَلِّ، والظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ، وقَدْ يُرادُ بِها الثَّوابُ، فالظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ مَجازِيَّةٌ كَما يُقالُ: في نَعِيمٍ دائِمٍ وعَيْشٍ رَغْدٍ وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَثْرَتِهِ وشُمُولِهِ لِلْمَذْكُورِينَ شُمُولَ الظَّرْفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ ما هو صِفَةٌ لَهُ تَعالى؛ إذْ لا يَصِحُّ فِيها الظَّرْفِيَّةُ ويَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ مُقابَلَتُها بِالعَذابِ ومُقارَنَتُها لِلْخُلُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ (107) وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ إشْعارًا بِأنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَنالُ ما يَنالُ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى، ولِهَذا ورَدَ في الخَبَرِ: «لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ، فَقِيلَ لَهُ: حَتّى أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: حَتّى أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ».

وجُمْلَةُ ( هم فِيها خالِدُونَ ) اسْتِئْنافِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها ؟ فَأُجِيبَ بِما تَرى، وفِيها تَأْكِيدٌ في المَعْنى لِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلرَّحْمَةِ، ومِن أبْعَدِ البَعِيدِ جَعْلُهُ لِلدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ خِلافًا لِمَن قالَ بِهِ، وجَعَلَ الكَلامَ عَلَيْهِ بَيانًا لِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنِ مُقابِلِهِمْ في العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهم كانُوا خالِدِينَ في الخَيْراتِ، وقُرِئَ: ابْياضَّتْ واسْوادَّتْ.

Aal-i-Imraan 3:107Listen in Qur'an →
108

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعَٰلَمِينَ

These are the verses of Allah. We recite them to you, [O Muhammad], in truth; and Allah wants no injustice to the worlds.

( ﴿تِلْكَ﴾ ) أيِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها وعَظُمَ قَدْرُها ﴿آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ نَقْرَؤُها شَيْئًا فَشَيْئًا، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ إذِ التّالِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي عُدُولِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ بِالتِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الآياتِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِتِلْكَ، و( آياتُ ) بَدَلٌ مِنهُ، وقُرِئَ ( يَتْلُوها ) عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ.

( ﴿بِالحَقِّ﴾ ) أيْ مُتَلَبِّسَةً أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِالصِّدْقِ أوْ بِالعَدْلِ في جَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ ونَطَقَتْ بِهِ، فالظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكَّدَةِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ (801) بِأنْ يُحِلَّهم مِنَ العِقابِ

صفحة 27

ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ عَدْلًا أوْ يَنْقُصَهم مِنَ الثَّوابِ عَمًّا اسْتَحَقُّوهُ فَضْلًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ نَكَّرَ ظُلْمًا ووَجَّهَ النَّفْيَ إلى إرادَتِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدِ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الِانْتِفاءِ، وعَلَّقَ الحُكْمَ بِآحادِ الجَمْعِ المُعَرَّفِ والتَفَتَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ أوْ تَرْكُ الواجِبِ وهو يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى؛ لِلْأدِلَّةِ القائِمَةِ عَلى ذَلِكَ، ونَفْيُ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي إمْكانَهُ، فَقَدْ يُنْفى المُسْتَحِيلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ ما هو ظُلْمٌ مِنَ العِبادِ فِيما بَيْنَهم لا أنَّ كَلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا مِنهُ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ بَيانٍ أنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ولا يُهْمِلُ الكافِرَ ويُجازِيهِ بِكُفْرِهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا لا يُسْتَفادُ هَذا، وفِيهِ ما لا يَخْفى.

Aal-i-Imraan 3:108Listen in Qur'an →
109

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allah will [all] matters be returned.

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ لَهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وخَلْقًا وتَصَرُّفًا، والتَّعْبِيرِ بِـ ( ما ) لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ غَيْرَ العُقَلاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ كَغَيْرِهِمْ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ (901) أيْ أُمُورُهم فَيُجازِي كُلًّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْحَصْرِ أيْ إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ لا إلى غَيْرِهِ شَرِكَةً أوِ اسْتِقْلالًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما ورَدَ في جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ( تَرْجِعُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

Aal-i-Imraan 3:109Listen in Qur'an →
110

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allah. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ والدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: هو مِن تَتِمَّةِ الخِطابِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وتَوالَتْ بَعْدَ هَذا خِطاباتُ المُؤْمِنِينَ مِن أوامِرَ ونَواهِيَ، واسْتَطْرَدَ بَيْنَ ذَلِكَ مِن يَبْيَضُّ وجْهُهُ ومَن يَسْوَدُّ، وشَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ إلى الخِطابِ الأوَّلِ تَحْرِيضًا عَلى الِانْقِيادِ والطَّواعِيَةِ، وكانَ ناقِصَةٌ ولا دَلالَةَ لَها في الأصْلِ عَلى غَيْرِ الوُجُودِ في الماضِي مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى انْقِطاعٍ أوْ دَوامٍ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْأزَلِيَّةِ كَما في صِفاتِهِ تَعالى نَحْوَ ( وكانَ الله بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا ) وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلُزُومِ الشَّيْءِ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ نَحْوَ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ وذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى أنَّها تَدُلُّ بِحَسَبِ الوَضْعِ عَلى الِانْقِطاعِ كَغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، والمُصَحَّحُ هو الأوَّلُ وعَلَيْهِ لا تُشْعِرُ الآيَةُ بِكَوْنِ المُخاطَبِينَ لَيْسُوا خَيْرَ أُمَّةٍ الآنَ، وقِيلَ: المُرادُ كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ أيْ في عِلْمِهِمْ كَذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَسْتَدْعِي زِيادَةَ كانَ وهي لا تُزادُ في أوَّلِ الجُمْلَةِ.

( ﴿أُخْرِجَتْ﴾ ) أيْ أُظْهِرَتْ وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ ( ﴿لِلنّاسِ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقِيلَ: بِخَيْرِ أُمَّةٍ، وجُمْلَةُ ( أُخْرِجَتْ ) صِفَةٌ لِأُمَّةٍ، وقِيلَ: لِـ ( خَيْرِ )، والأوَّلُ أوْلى، والخِطابُ قِيلَ: لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، وإلَيْهِ ذَهَبُ الضَّحّاكُ، وقِيلَ: لِلْمُهاجِرِينَ مِن بَيْنِهِمْ وهو أحَدُ خَبَرَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي آخَرَ أنَّهُ عامٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي الحَسَنِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أُعْطِيتُ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الأرْضِ، وسُمِّيتُ أحْمَدَ، وجُعِلَ التُّرابُ لِي طَهُورًا، وجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ“».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ الآيَةَ في أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ،

صفحة 28

وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ وإنْ كانَ خاصًّا بِمَن شاهَدَ الوَحْيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِبَعْضِهِمْ، لَكِنَّ حُكْمَهُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِلْكُلِّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما حَكى قَتادَةُ: ”يا أيُّها النّاسُ مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ مِن تِلْكُمُ الأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ اللَّهِ تَعالى مِنها“ وأشارَ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِكَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِأُمَّةٍ عَلى ما قِيلَ إلّا أنَّهُ يُفْهَمُ الشَّرْطِيَّةُ، والمُتَبادِرُ مِنَ …

Aal-i-Imraan 3:110Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.