Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 101–110 of 200

101

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allah and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allah has [indeed] been guided to a straight path.

﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدَ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ. ويُناسِبُ هَذا القَوْلُ قَوْلَهُ: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ . وقِيلَ: يَسْتَمْسِكُ بِالقُرْآنِ. وقِيلَ: يَلْتَجِئُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ حَقًّا عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ في دَفْعِ شُرُورِ الكُفّارِ. وجَوابُ ”مِن“ ”فَقَدَ هُدِيَ“ وهو ماضِي اللَّفْظِ مُسْتَقْبَلُ المَعْنى، ودَخَلَتْ ”قَدْ“ لِلتَّوَقُّعِ؛ لِأنَّ المُعْتَصِمَ بِاللَّهِ مُتَوَقِّعٌ لِلْهُدى.

وذَكَرُوا في هَذِهِ الآياتِ مِن فُنُونِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ: الِاسْتِفْهامَ الَّذِي يُرادُ بِهِ الإنْكارُ في ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ والتَّكْرارُ في ”﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٨]“، وفي اسْمِ اللَّهِ في مَواضِعَ، وفِيما يَعْمَلُونَ، والطِّباقُ في ”الإيمانِ والكُفْرِ، وفي الكُفْرِ - إذْ هو ضَلالٌ - والهِدايَةِ، وفي العِوَجِ والِاسْتِقامَةِ، والتَّجَوُّزُ: بِإطْلاقِ اسْمِ الجَمْعِ في“ ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] " فَقِيلَ: هو يَهُودِيٌّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. وقِيلَ: هو شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ. وإطْلاقُ العُمُومِ والمُرادُ الخُصُوصُ في: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

Aal-i-Imraan 3:101Listen in Qur'an →
102

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

O you who have believed, fear Allah as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢] .

أصْبَحَ: مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ لِاتِّصافِ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ وقْتَ الصَّباحِ. وقَدْ تَأْتِي بِمَعْنى صارَ وهي ناقِصَةٌ أيْضًا، وتَأْتِي أيْضًا لازِمَةً تَقُولُ: أصْبَحْتُ أيْ دَخَلْتُ في الصَّباحِ. وتَقُولُ: أصْبَحَ زَيْدٌ، أيْ أقامَ في الصَّباحِ، ومِنهُ: إذا سَمِعْتَ بِسُرى القَيْنِ فاعْلَمْ أنَّهُ مُصَبِّحٌ، أيْ مُقِيمٌ في الصَّباحِ.

شَفا الشَّيْءُ: طَرْفُهُ وحَرْفُهُ، وهو مِن ذَواتِ الواوِ، وتَثْنِيَتُهُ: شَفَوانِ، وهو حَرْفُ كُلِّ جُرْفٍ لَهُ مَهْوًى، كالحُفْرَةِ والبِئْرِ والجُرْفِ والسَّقْفِ والجِدارِ. ويُضافُ في الِاسْتِعْمالِ إلى الأعْلى نَحْوَ: شَفا جُرُفٍ. وإلى الأسْفَلِ نَحْوَ: شَفا حُفْرَةٍ. ويُقالُ: أشَفى عَلى كَذا أيْ أشْرَفَ. ومِنهُ أشَفى المَرِيضُ عَلى المَوْتِ. قالَ يَعْقُوبُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ عِنْدَ مَوْتِهِ ولِلْقَمَرِ عِنْدَ مُحاقِهِ ولِلشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها: ما بَقِيَ مِنهُ أوْ مِنها إلّا شَفا: أيْ قَلِيلٌ.

الحُفْرَةُ: مَعْرُوفَةٌ وهي واحِدَةُ الحُفَرِ، فِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، كَغُرْفَةٍ مِنَ الماءِ. أنْقَذَ: خَلَّصَ.

الِابْيِضاضُ والِاسْوِدادُ مَعْرُوفانِ، ويُقالُ: بَيَّضَ فَهو أبْيَضُ. وسَوَّدَ: فَهو أسْوَدُ، ويُقالُ: هُما أصْلُ الألْوانِ. ذاقَ الشَّيْءَ: اسْتَطْعَمَهُ، وأصْلُهُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُحَسُّ ويُدْرَكُ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِالَّذِي يُعْرَفُ عِنْدَ الطَّعْمِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ ذُقْتُ مِن إكْرامِ فُلانٍ ما يُرَغِّبُنِي في قَصْدِهِ. ويَقُولُونَ: ذُقِ الفَرْقَ واعْرِفْ …

Aal-i-Imraan 3:102Listen in Qur'an →
103

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And hold firmly to the rope of Allah all together and do not become divided. And remember the favor of Allah upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allah make clear to you His verses that you may be guided.

﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ اسْتَمْسِكُوا وتَحَصَّنُوا. وحَبْلُ اللَّهِ: العَهْدُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدِّينُ، أوِ الطّاعَةُ، أوْ إخْلاصُ التَّوْبَةِ، أوِ الجَماعَةُ، أوْ إخْلاصُ التَّوْحِيدِ، أوِ الإسْلامُ. أقْوالٌ لِلسَّلَفِ يَقْرُبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ“» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، لا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، ولا تَخْلُقُ عَلى كَثْرَةِ الرَّدِّ، مَن قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَن عَمِلَ بِهِ رَشَدَ، ومَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» وقَوْلُهم: اعْتَصَمْتُ بِحَبْلِ فُلانٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، مِثْلَ اسْتِظْهارِهِ بِهِ ووُثُوقِهِ بِإمْساكِ المُتَدَلِّي مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ بِحَبْلٍ وثِيقٍ يَأْمَنُ انْقِطاعَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، اسْتَعارَ الحَبْلَ لِلْعَهْدِ والِاعْتِصامَ لِلْوُثُوقِ بِالعَهْدِ، وانْتِصابُ ”جَمِيعًا“ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (واعْتَصِمُوا) .

﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ نُهُوا عَنِ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ والِاخْتِلافِ فِيهِ كَما اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَّصارى. وقِيلَ: عَنِ المُخاصَمَةِ والمُعاداةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ. وقِيلَ: عَنْ إحْداثِ ما يُوجِبُ التَّفَرُّقَ ويَزُولُ مَعَهُ الِاجْتِماعُ. وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَرِيقانِ: نُفاةُ القِياسِ والِاجْتِهادِ كالنَّظّامِ وأمْثالِهِ مِنَ الشِّيعَةِ، ومُثْبِتُو القِياسِ والِاجْتِهادِ. قالَ الأوَّلُونَ: غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ التَّفَرُّقُ والِاخْتِلافُ دِينًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ نَهْيِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ. وقالَ الآخَرُونَ: التَّفَرُّقُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو في أُصُولِ الدِّينِ والإسْلامِ.

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ الخِطابُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ يَعْنِي مَن آمَنَ مِنهم، إذْ كانَ القَوِيُّ يَسْتَبِيحُ الضَّعِيفَ. وقِيلَ: لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ. ورَجَّحَ هَذا بِأنَّ العَرَبَ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ تَكُنْ مُجْتَمِعَةً عَلى الإسْلامِ، ولا مُؤْتَلِفَةَ القُلُوبِ عَلَيْهِ، وكانَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلى الإسْلامِ وتَألَّفَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ العَداوَةِ المُفْرِطَةِ والحُرُوبِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، ولِما تَقَدَّمَ أنَّهُ أمَرَهم بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وهو الدِّينُ، ونَهاهم عَنِ التَّفَرُّقِ، وهو أمْرٌ ونَهْيٌ، بِدَيْمُومَةِ ما هم عَلَيْهِ، إذْ كانُوا مُعْتَصِمِينَ ومُؤْتَلِفِينَ، ذَكَّرَهم بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِصامِ بِدِينِ الإسْلامِ وائْتِلافِ القُلُوبِ إنَّما كانَ سَبَبُهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، إذْ حَصَلَ مِنهُ تَعالى خَلْقُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمُ المُسْتَلْزَمَةِ بِحُصُولِ الفِعْلِ، فَذَكَّرَ بِالنِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ. أمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَتَألُّفُ قُلُوبِهِمْ وصَيْرُورَتُهم إخْوَةً في اللَّهِ مُتَراحِمِينَ بَعْدَما أقامُوا مُتَحارِبِينَ مُتَقاتِلِينَ نَحْوًا مِن مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةٍ إلى أنْ ألَّفَ اللَّهُ بَيْنَهم بِالإسْلامِ. وكانَ - أعْنِي الأوْسَ والخَزْرَجَ - جَدّاهم أخَوانِ لِأبٍ وأُمٍّ. وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَإنْقاذُهم مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ كانُوا أشَفَوْا عَلى دُخُولِها. وبَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ النِّعْمَةِ …

Aal-i-Imraan 3:103Listen in Qur'an →
104

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong, and those will be the successful.

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الأمْرُ مُتَوَجِّهٌ لِمَن يَتَوَجَّهُ الخِطابُ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ عَلى ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ. وأمْرُهُ لَهم بِذَلِكَ أمْرٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن تابَعَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو مِنَ الخِطابِ الخاصِّ الَّذِي يُرادُ بِهِ العُمُومُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ عامًّا فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مِنكم) يَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وقالَهُ الضَّحّاكُ والطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، لا يَصْلُحُ إلّا لِمَن عَلِمَ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ، وكَيْفَ يُرَتِّبُ الأمْرَ في إقامَتِهِ، وكَيْفَ يُباشِرُ ؟ فَإنَّ الجاهِلَ رُبَّما أمَرَ بِمُنْكَرٍ ونَهى عَنْ مَعْرُوفٍ، ورُبَّما عَرَفَ حُكْمًا في مَذْهَبِهِ مُخالِفًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِ، فَيَنْهى عَنْ غَيْرِ مُنْكَرٍ ويَأْمُرُ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ، وقَدْ يُغْلِظُ في مَواضِعِ اللِّينِ، وبِالعَكْسِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ بِبَعْضِ الأُمَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ. وذَهَبَ الزُّجاجُ إلى أنَّ ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وأتى عَلى زَعْمِهِ بِنَظائِرَ مِنَ القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ جَمِيعَ الأُمَّةِ، يَكُونُونَ يَدْعُونَ جَمِيعَ العالَمِ إلى الخَيْرِ، الكُفّارَ إلى الإسْلامِ، والعُصاةَ إلى الطّاعَةِ. وظاهِرُ هَذا الأمْرِ الفَرْضِيَّةُ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإذا قامَ بِهِ بَعْضٌ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ، فَيَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَتى قَدَرَ عَلى ذَلِكَ وتَمَكَّنَ مِنهُ. واخْتَلَفُوا في الَّذِي يُسْقِطُ الوُجُوبَ. فَقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ عَلى النَّفْسِ، وما عَدا ذَلِكَ لا يُسْقِطُهُ. وقالَ قَوْمٌ: إذا تَحَقَّقَ ضَرْبًا أوْ حَبْسًا أوْ إهانَةً سَقَطَ عَنْهُ الفَرْضُ، وانْتَقَلَ إلى النَّدْبِ والأمْرِ والنَّهْيِ، وإنْ كانا مُطْلَقَيْنِ في القُرْآنِ فَقَدْ تَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ» ولَمْ يَدْفَعْ أحَدٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ سَلَفِها وخَلَفِها وُجُوبَ ذَلِكَ الأقْوَمَ مِنَ الحَشَوِيَّةِ وجُهّالِ أهْلِ الحَدِيثِ، فَإنَّهم أنْكَرُوا فِعالَ الفِئَةِ الباغِيَةِ، والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِالسِّلاحِ، مَعَ ما سَمِعُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وزَعَمُوا أنَّ السُّلْطانَ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ والجَوْرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وإنَّما يُنْكَرُ عَلى غَيْرِ السُّلْطانِ بِالقَوْلِ أوْ بِاليَدِ بِغَيْرِ سِلاحٍ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِهِ فَصْلًا مُشْبَعًا في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ذَكَرَ فِيهِ أنَّ دِماءَ أصْحابِ الضَّرائِبِ والمُكُوسِ مُباحَةٌ، وأنَّهُ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ قَتْلُهم، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلَ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ مِنهم مَن غَيْرِ إنْذارٍ لَهُ ولا تَقَدُّمٍ بِالقَوْلِ.

يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ: هو الإسْلامُ. قالَهُ مُقاتِلٌ، أوِ العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ أبُو …

Aal-i-Imraan 3:104Listen in Qur'an →
105

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment.

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الأمْرُ مُتَوَجِّهٌ لِمَن يَتَوَجَّهُ الخِطابُ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ عَلى ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ. وأمْرُهُ لَهم بِذَلِكَ أمْرٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن تابَعَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو مِنَ الخِطابِ الخاصِّ الَّذِي يُرادُ بِهِ العُمُومُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ عامًّا فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مِنكم) يَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وقالَهُ الضَّحّاكُ والطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، لا يَصْلُحُ إلّا لِمَن عَلِمَ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ، وكَيْفَ يُرَتِّبُ الأمْرَ في إقامَتِهِ، وكَيْفَ يُباشِرُ ؟ فَإنَّ الجاهِلَ رُبَّما أمَرَ بِمُنْكَرٍ ونَهى عَنْ مَعْرُوفٍ، ورُبَّما عَرَفَ حُكْمًا في مَذْهَبِهِ مُخالِفًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِ، فَيَنْهى عَنْ غَيْرِ مُنْكَرٍ ويَأْمُرُ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ، وقَدْ يُغْلِظُ في مَواضِعِ اللِّينِ، وبِالعَكْسِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ بِبَعْضِ الأُمَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ. وذَهَبَ الزُّجاجُ إلى أنَّ ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وأتى عَلى زَعْمِهِ بِنَظائِرَ مِنَ القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ جَمِيعَ الأُمَّةِ، يَكُونُونَ يَدْعُونَ جَمِيعَ العالَمِ إلى الخَيْرِ، الكُفّارَ إلى الإسْلامِ، والعُصاةَ إلى الطّاعَةِ. وظاهِرُ هَذا الأمْرِ الفَرْضِيَّةُ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإذا قامَ بِهِ بَعْضٌ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ، فَيَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَتى قَدَرَ عَلى ذَلِكَ وتَمَكَّنَ مِنهُ. واخْتَلَفُوا في الَّذِي يُسْقِطُ الوُجُوبَ. فَقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ عَلى النَّفْسِ، وما عَدا ذَلِكَ لا يُسْقِطُهُ. وقالَ قَوْمٌ: إذا تَحَقَّقَ ضَرْبًا أوْ حَبْسًا أوْ إهانَةً سَقَطَ عَنْهُ الفَرْضُ، وانْتَقَلَ إلى النَّدْبِ والأمْرِ والنَّهْيِ، وإنْ كانا مُطْلَقَيْنِ في القُرْآنِ فَقَدْ تَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ» ولَمْ يَدْفَعْ أحَدٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ سَلَفِها وخَلَفِها وُجُوبَ ذَلِكَ الأقْوَمَ مِنَ الحَشَوِيَّةِ وجُهّالِ أهْلِ الحَدِيثِ، فَإنَّهم أنْكَرُوا فِعالَ الفِئَةِ الباغِيَةِ، والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِالسِّلاحِ، مَعَ ما سَمِعُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وزَعَمُوا أنَّ السُّلْطانَ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ والجَوْرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وإنَّما يُنْكَرُ عَلى غَيْرِ السُّلْطانِ بِالقَوْلِ أوْ بِاليَدِ بِغَيْرِ سِلاحٍ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِهِ فَصْلًا مُشْبَعًا في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ذَكَرَ فِيهِ أنَّ دِماءَ أصْحابِ الضَّرائِبِ والمُكُوسِ مُباحَةٌ، وأنَّهُ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ قَتْلُهم، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلَ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ مِنهم مَن غَيْرِ إنْذارٍ لَهُ ولا تَقَدُّمٍ بِالقَوْلِ.

يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ: هو الإسْلامُ. قالَهُ مُقاتِلٌ، أوِ العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ أبُو …

Aal-i-Imraan 3:105Listen in Qur'an →
106

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِأحْكامِ مَن تَبْيَضُّ وُجُوهُهم وتَسْوَدُّ. وابْتُدِئَ بِالَّذِينِ اسْوَدَّتْ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِن حالِهِمْ، ولِمُجاوَرَةِ قَوْلِهِ: وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ولِلِابْتِداءِ بِالمُؤْمِنِينَ والِاخْتِتامِ بِحُكْمِهِمْ. فَيَكُونُ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ شَيْئًا يَسُرُّ الطَّبْعَ، ويَشْرَحُ الصَّدْرَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”أمّا“ في أوَّلِ البَقَرَةِ وأنَّها حَرْفُ شَرْطٍ يَقْتَضِي جَوابًا؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، والخَبَرُ هُنا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ ؟ كَما حُذِفَ القَوْلُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم. ولَمّا حُذِفَ الخَبَرُ حُذِفَتِ الفاءُ، وإنْ كانَ حَذْفُها في غَيْرِ هَذا لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎فَأمّا القِتالُ لا قِتالَ لَدَيْكُمُ ولَكِنَّ سَيْرًا في عِراضِ المِواكِبِ

يُرِيدُ: فَلا قِتالَ، وقالَ الشَّيْخُ كَمالُ الدِّينِ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ المَوْسُومِ بِـ ”نِهايَةِ التَّأْمِيلِ في أسْرارِ التَّنْزِيلِ“: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ في قَوْلِهِمْ لِما حُذِفَ: يُقالُ: حُذِفَتِ الفاءُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“، ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ. فَلَمّا بَطَلَ هَذا تَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ. ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، ومِن نَظْمِ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا حَرْفًا يَقْتَضِي جَوابًا لَهُ أنْ يَكْتَفُوا عَنْ جَوابِهِ حَتّى يَذْكُرُوا حَرْفًا آخَرَ يَقْتَضِي جَوابًا، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لَهُما جَوابًا واحِدًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فَقَوْلُهُ: فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، ولَيْسَ ”أفَلَمْ“ جَوابَ ”أمّا“، بَلِ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: أأهْمَلْتُكم، فَلَمْ أتْلُ عَلَيْكم آياتِي. انْتَهى ما نُقِلَ عَنْ هَذا الرَّجُلِ وهو كَلامُ أدِيبٍ لا كَلامَ نَحْوِيٍّ. أمّا قَوْلُهُ: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ، فَيَكْفِي في بُطْلانِ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّهُ اعْتِراضٌ عَلى جَمِيعِ النُّحاةِ؛ لِأنَّهُ ما مِن نَحْوِيٍّ إلّا خَرَّجَ الآيَةَ عَلى إضْمارٍ، فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ، وقالُوا: هَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عَنْهُ، فالقَوْلُ بِخِلافِهِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ، فَلا التِفاتَ إلَيْهِ. وأمّا ما اعْتَرَضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ [الجاثية: ٣١] وأنَّهم قَدَّرُوهُ فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“ ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ - فَدَلَّ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّقْدِيرِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هَذِهِ الفاءُ الَّتِي بَعْدَ الهَمْزَةِ في ”أفَلَمْ“ لَيْسَتْ فاءَ ”فَيُقالُ“ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“ حَتّى يُقالَ: حُذِفَ ”فَيُقالُ“ وبَقِيَتِ الفاءُ، بَلِ الفاءُ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“، و”يُقالُ“ بَعْدَها مَحْذُوفٌ. …

Aal-i-Imraan 3:106Listen in Qur'an →
107

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But as for those whose faces will turn white, [they will be] within the mercy of Allah. They will abide therein eternally.

﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِأحْكامِ مَن تَبْيَضُّ وُجُوهُهم وتَسْوَدُّ. وابْتُدِئَ بِالَّذِينِ اسْوَدَّتْ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِن حالِهِمْ، ولِمُجاوَرَةِ قَوْلِهِ: وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ولِلِابْتِداءِ بِالمُؤْمِنِينَ والِاخْتِتامِ بِحُكْمِهِمْ. فَيَكُونُ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ شَيْئًا يَسُرُّ الطَّبْعَ، ويَشْرَحُ الصَّدْرَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”أمّا“ في أوَّلِ البَقَرَةِ وأنَّها حَرْفُ شَرْطٍ يَقْتَضِي جَوابًا؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، والخَبَرُ هُنا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ ؟ كَما حُذِفَ القَوْلُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم. ولَمّا حُذِفَ الخَبَرُ حُذِفَتِ الفاءُ، وإنْ كانَ حَذْفُها في غَيْرِ هَذا لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎فَأمّا القِتالُ لا قِتالَ لَدَيْكُمُ ولَكِنَّ سَيْرًا في عِراضِ المِواكِبِ

يُرِيدُ: فَلا قِتالَ، وقالَ الشَّيْخُ كَمالُ الدِّينِ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ المَوْسُومِ بِـ ”نِهايَةِ التَّأْمِيلِ في أسْرارِ التَّنْزِيلِ“: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ في قَوْلِهِمْ لِما حُذِفَ: يُقالُ: حُذِفَتِ الفاءُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“، ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ. فَلَمّا بَطَلَ هَذا تَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ. ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، ومِن نَظْمِ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا حَرْفًا يَقْتَضِي جَوابًا لَهُ أنْ يَكْتَفُوا عَنْ جَوابِهِ حَتّى يَذْكُرُوا حَرْفًا آخَرَ يَقْتَضِي جَوابًا، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لَهُما جَوابًا واحِدًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فَقَوْلُهُ: فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، ولَيْسَ ”أفَلَمْ“ جَوابَ ”أمّا“، بَلِ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: أأهْمَلْتُكم، فَلَمْ أتْلُ عَلَيْكم آياتِي. انْتَهى ما نُقِلَ عَنْ هَذا الرَّجُلِ وهو كَلامُ أدِيبٍ لا كَلامَ نَحْوِيٍّ. أمّا قَوْلُهُ: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ، فَيَكْفِي في بُطْلانِ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّهُ اعْتِراضٌ عَلى جَمِيعِ النُّحاةِ؛ لِأنَّهُ ما مِن نَحْوِيٍّ إلّا خَرَّجَ الآيَةَ عَلى إضْمارٍ، فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ، وقالُوا: هَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عَنْهُ، فالقَوْلُ بِخِلافِهِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ، فَلا التِفاتَ إلَيْهِ. وأمّا ما اعْتَرَضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ [الجاثية: ٣١] وأنَّهم قَدَّرُوهُ فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“ ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ - فَدَلَّ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّقْدِيرِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هَذِهِ الفاءُ الَّتِي بَعْدَ الهَمْزَةِ في ”أفَلَمْ“ لَيْسَتْ فاءَ ”فَيُقالُ“ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“ حَتّى يُقالَ: حُذِفَ ”فَيُقالُ“ وبَقِيَتِ الفاءُ، بَلِ الفاءُ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“، و”يُقالُ“ بَعْدَها مَحْذُوفٌ. …

Aal-i-Imraan 3:107Listen in Qur'an →
108

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعَٰلَمِينَ

These are the verses of Allah. We recite them to you, [O Muhammad], in truth; and Allah wants no injustice to the worlds.

﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِأحْكامِ مَن تَبْيَضُّ وُجُوهُهم وتَسْوَدُّ. وابْتُدِئَ بِالَّذِينِ اسْوَدَّتْ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِن حالِهِمْ، ولِمُجاوَرَةِ قَوْلِهِ: وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ولِلِابْتِداءِ بِالمُؤْمِنِينَ والِاخْتِتامِ بِحُكْمِهِمْ. فَيَكُونُ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ شَيْئًا يَسُرُّ الطَّبْعَ، ويَشْرَحُ الصَّدْرَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”أمّا“ في أوَّلِ البَقَرَةِ وأنَّها حَرْفُ شَرْطٍ يَقْتَضِي جَوابًا؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، والخَبَرُ هُنا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ ؟ كَما حُذِفَ القَوْلُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم. ولَمّا حُذِفَ الخَبَرُ حُذِفَتِ الفاءُ، وإنْ كانَ حَذْفُها في غَيْرِ هَذا لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎فَأمّا القِتالُ لا قِتالَ لَدَيْكُمُ ولَكِنَّ سَيْرًا في عِراضِ المِواكِبِ

يُرِيدُ: فَلا قِتالَ، وقالَ الشَّيْخُ كَمالُ الدِّينِ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ المَوْسُومِ بِـ ”نِهايَةِ التَّأْمِيلِ في أسْرارِ التَّنْزِيلِ“: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ في قَوْلِهِمْ لِما حُذِفَ: يُقالُ: حُذِفَتِ الفاءُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“، ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ. فَلَمّا بَطَلَ هَذا تَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ. ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، ومِن نَظْمِ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا حَرْفًا يَقْتَضِي جَوابًا لَهُ أنْ يَكْتَفُوا عَنْ جَوابِهِ حَتّى يَذْكُرُوا حَرْفًا آخَرَ يَقْتَضِي جَوابًا، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لَهُما جَوابًا واحِدًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فَقَوْلُهُ: فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، ولَيْسَ ”أفَلَمْ“ جَوابَ ”أمّا“، بَلِ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: أأهْمَلْتُكم، فَلَمْ أتْلُ عَلَيْكم آياتِي. انْتَهى ما نُقِلَ عَنْ هَذا الرَّجُلِ وهو كَلامُ أدِيبٍ لا كَلامَ نَحْوِيٍّ. أمّا قَوْلُهُ: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ، فَيَكْفِي في بُطْلانِ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّهُ اعْتِراضٌ عَلى جَمِيعِ النُّحاةِ؛ لِأنَّهُ ما مِن نَحْوِيٍّ إلّا خَرَّجَ الآيَةَ عَلى إضْمارٍ، فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ، وقالُوا: هَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عَنْهُ، فالقَوْلُ بِخِلافِهِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ، فَلا التِفاتَ إلَيْهِ. وأمّا ما اعْتَرَضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ [الجاثية: ٣١] وأنَّهم قَدَّرُوهُ فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“ ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ - فَدَلَّ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّقْدِيرِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هَذِهِ الفاءُ الَّتِي بَعْدَ الهَمْزَةِ في ”أفَلَمْ“ لَيْسَتْ فاءَ ”فَيُقالُ“ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“ حَتّى يُقالَ: حُذِفَ ”فَيُقالُ“ وبَقِيَتِ الفاءُ، بَلِ الفاءُ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“، و”يُقالُ“ بَعْدَها مَحْذُوفٌ. …

Aal-i-Imraan 3:108Listen in Qur'an →
109

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allah will [all] matters be returned.

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] الإشارَةُ بِتِلْكَ قِيلَ: إلى القُرْآنِ كُلُّهُ. وقِيلَ: إلى ما أُنْزِلَ مِنَ الآياتِ في أمْرِ الأوْسِ والخَزْرَجِ واليَهُودِ الَّذِينَ مَكَرُوا بِهِمْ، والتَّقَدُّمُ إلَيْهِمْ بِتَجَنُّبِ الِافْتِراقِ. وكَشَفَ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ حالِهِمْ وحالِ أعْدائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقِيلَ: تِلْكَ بِمَعْنى هَذِهِ، لَمّا انْقَضَتْ صارَتْ كَأنَّها بَعُدَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ الوارِدَةُ في الوَعْدِ والوَعِيدِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ المُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ الكُفّارَ وتَنْعِيمَ المُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَتْلُوها“ بِالنُّونِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ؛ لِما في إسْنادِ التِّلاوَةِ لِلْمُعَظَّمِ ذاتُهُ مِنَ الفَخامَةِ والشَّرَفِ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ بِالياءِ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ”نَتْلُوها“ في هَذِهِ القِراءَةِ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، لِيَتَّحِدَ الضَّمِيرُ. ولَيْسَ فِيهِ التِفاتٌ؛ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ غائِبٌ عادَ عَلى اسْمٍ غائِبٍ. ومَعْنى التِّلاوَةِ: القِراءَةُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذِ التّالِي هو جِبْرِيلُ لَمّا أمَرَهُ بِالتِّلاوَةِ كانَ كَأنَّهُ هو التّالِي تَعالى. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى يَتْلُوها: يُنَزِّلُها مُتَوالِيَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وجَوَّزُوا في قِراءَةِ أبِي نَهِيكٍ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى جِبْرِيلَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ بِهِ.

ومَعْنى بِالحَقِّ أيْ بِإخْبارِ الصِّدْقِ. وقِيلَ: المَعْنى مُتَضَمِّنَةُ الأفاعِيلَ الَّتِي هي أنْفُسُها حَقٌّ مِن كَرامَةِ قَوْمٍ وتَعْذِيبِ آخَرِينَ. وتِلْكَ مُبْتَدَأٌ أوْ آياتُ اللَّهِ خَبَرُهُ، ونَتْلُوها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. قالُوا: والعامِلُ فِيها اسْمُ الإشارَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ آياتُ اللَّهِ بَدَلًا، والخَبَرُ نَتْلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ المَذْكُورَةُ حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ. انْتَهى. فَعَلى هَذا الَّذِي قَدَّرَهُ يَكُونُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ بِهَذا التَّقْدِيرِ يَتِمُّ مَعْنى الآيَةِ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ؛ إذِ الكَلامُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ تامٌّ بِنَفْسِهِ. والباءُ في ”بِالحَقِّ“ باءُ المُصاحَبَةِ، فَهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ والعَدْلِ مِن جَزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِما يَسْتَوْجِبانِهِ. انْتَهى. فَدَسَّ في قَوْلِهِ بِما يَسْتَوْجِبانِهِ دَسِيسَةً اعْتِزالِيَّةً. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ، وإذا لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ لِأحَدٍ. فَما وقَعَ مِنهُ تَعالى مِن تَنْعِيمِ قَوْمٍ وتَعْذِيبٍ آخَرَيْنِ لَيْسَ مِن بابِ الظُّلْمِ، والظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. رَوى أبُو ذَرٍّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ قالَ: «يا عِبادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلى نَفْسِي وجَعَلْتُهُ بَيْنَكم مُحَرَّمًا، فَلا تَظالَمُوا» . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أيْضًا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا ما …

Aal-i-Imraan 3:109Listen in Qur'an →
110

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allah. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وقَدْ قالَ لَهم بَعْضُ اليَهُودِ: دِينُنا خَيْرٌ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ، ونَحْنُ خَيْرٌ وأفْضَلُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها مِن تَمامِ الخِطابِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وتَوالَتْ بَعْدَ هَذا مُخاطَباتُ المُؤْمِنِينَ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، وكانَ قَدِ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ لِذِكْرِ مَن يَبْيَضُّ وجْهُهُ ويَسْوَدُّ، وشَيْءٍ مِن أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ إلى الخِطابِ الأوَّلِ، فَقالَ تَعالى: ”﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ تَحْرِيضًا بِهَذا الإخْبارِ عَلى الِانْقِيادِ والطَّواعِيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ هو لِمَن وقَعَ الخِطابُ لَهُ أوَّلًا وهم: أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَكُونُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ”أُمَّةٍ“ إلى أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وهي أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فالصَّحابَةُ هم خَيْرُها.

وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ بِأنَّهم خَيْرُ الأُمَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ كَوْنُهم ﴿شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقَوْلُهُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ» . الحَدِيثُ. وقَوْلُهُ: «نَحْنُ نُكَمِّلُ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةٍ نَحْنُ آخِرُها وخَيْرُها» .

وظاهِرُ كانَ هُنا أنَّها النّاقِصَةُ، و”﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ هو الخَبَرُ. ولا يُرادُ بِها هُنا الدَّلالَةُ عَلى مُضِيِّ الزَّمانِ وانْقِطاعِ النِّسْبَةِ نَحْوِ قَوْلِكَ: كانَ زَيْدٌ قائِمًا، بَلِ المُرادُ دَوامُ النِّسْبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] وكَوْنُ كانَ تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ ومُرادِفُهُ، لَمْ يَزَلْ قَوْلًا مَرْجُوحًا، بَلِ الأصَحُّ أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ تَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ، ثُمَّ قَدْ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يُرادُ الِانْقِطاعُ. وقِيلَ: كانَ هُنا بِمَعْنى صارَ، أيْ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. وقِيلَ: كانَ هُنا تامَّةٌ، (وخَيْرُ أُمَّةٍ) حالٌ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها زائِدَةٌ؛ لِأنَّ الزّائِدَةَ لا تَكُونُ أوَّلَ كَلامٍ، ولا عَمَلَ لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ عِبارَةً عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ في زَمَنٍ ماضٍ عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمٍ سابِقٍ، ولا عَلى انْقِطاعٍ طارِئٍ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٦] .

ومِنهُ قَوْلُهُ: ”﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ كَأنَّهُ قِيلَ: وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. انْتَهى كَلامُهُ. فَقَوْلُهُ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلى عَدَمٍ سابِقٍ، هَذا إذا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنى صارَ، فَإذا كانَتْ بِمَعْنى صارَ دَلَّتْ عَلى عَدَمٍ سابِقٍ. فَإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا، بِمَعْنى صارَ، دَلَّتْ عَلى أنَّهُ انْتَقَلَ مِن حالَةِ الجَهْلِ إلى حالَةِ العِلْمِ. وقَوْلُهُ: ولا عَلى انْقِطاعٍ طارِئٍ، قَدْ ذَكَرْنا قَبْلُ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ، يَدُلُّ لَفْظُ المُضِيِّ مِنها عَلى الِانْقِطاعِ، ثُمَّ قَدْ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يَكُونُ انْقِطاعٌ. وفَرْقٌ بَيْنَ الدَّلالَةِ والِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: هَذا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى العُمُومِ ؟ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يُرادُ العُمُومُ، بَلِ المُرادُ الخُصُوصُ. وقَوْلُهُ: كَأنَّهُ قالَ: وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، هَذا يُعارِضُ …

Aal-i-Imraan 3:110Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.