قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما بَلَغَتْهُ مُعاداتُهم مِنَ الشِّدَّةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مُعاداتَهم بَلَغَتْ مِنَ الشِّدَّةِ أمْرًا عَظِيمًا حَتّى لَوْ أنْفَقَ ما في الأرْضِ كُلِّهِ؛ لِإزالَتِها ولِلتَّأْلِيفِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ \ ٦٣] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْصارَ ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النّارِ إلّا أنْ يَمُوتُوا مَعَ أنَّهم كانُوا أهْلَ فَتْرَةِ، واللَّهِ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
وَيَقُولُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٥]، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذِهِ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ ”طه“: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] . والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ.
والَّذِي يَظْهَرُ في الجَوابِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّهُ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَبْقَ عُذْرٌ لِأحَدٍ، فَكُلُّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ إلّا أنْ يَمُوتَ.
كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ الآيَةَ [هود: ١٧]، وما أجابَ بِهِ بَعْضُهم مِن أنَّ عِنْدَهم بَقِيَّةً مِن إنْذارِ الرُّسُلِ الماضِينَ، تَلْزَمُهم بِها الحُجَّةُ فَهو جَوابٌ باطِلٌ، لِأنَّ نُصُوصَ القُرْآنِ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ [السجدة: ٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٩] .
وَقَوْلِهِ تَعالى. ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ [سبإ: ٤٤] .