قوله تعالى: {بِحَبْلٍ} : الحَبْلُ في الأصل هو السبَبُ، وكلُّ ما وصلك إلى شيء فهو حَبْل، وأَصلُه في الأجرام واستعمالُه في المعاني من باب المجاز، ويجوزُ أن يكونَ حينئذٍ من باب الاستعارة، ويجوز أن يكونَ من بابِ التمثيل، ومن كلامِ الأنصار رضي الله عنهم: «يا رسول الله إنَّ بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها» يَعْنُون العهود والحِلْف. قال الأعشى:
1371 - وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلةً ... أَخَذَتْ من الأخرى إليكَ حِبالَها
يعني العهودَ، قيل: والسببُ فيه أنَّ الرجلَ كان إذا سافرَ خافَ فيأخذُ من القبيلةِ عهداً إلى أخرى، ويُعْطَى سهماً أو حبلاً يكونُ معه كالعلامةِ، فَسُمِّي العهدُ حبلاً لذلك، وهذا معنىً غيرُ طائلٍ، بل سُمِّي العهدُ حبلاً للتوصُّلِ به إلى الغرض. وقال آخر:
1372 - ما زِلْتُ معتصِماً بحبلٍ منكُم ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمرادُ بالحبل هنا القرآنُ، وفي الحديثِ الطويل: «هو حَبْلُ الله المتين» .
وقوله: «جميعاً» حالٌ من فاعل «اعتصموا» ، و «بحبل الله» متعلِّقٌ به. قوله: «ولا تَفَرَّقوا» قرأه البزي بتشديد التاء وصلاً، وقد تقدَّم توجيهُه في البقرة عند قولِه: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ} [البقرة: 267] ، والباقوُن بتخفيفها على الحَذْفِ.
وقوله: {نِعْمَةَ الله} مصدرٌ مضاف لفاعله إذ هو المُنْعِم، و «عليكم» يجوز أَنْ يكونَ متعلقاً بنفس «نعمة» لأنَّ هذه المادَة تتعدَّى ب «على» [نحو:] {للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37] ويجوز أَن يكونَ متعلقاً بمحذوف على أنه حال من «نعمة» فيتعلَّقُ بمحذوفٍِ أي: مستقرة وكائنة عليكم.
قوله: {إِذْ كُنْتُمْ} «إذ» منصوبةٌ بنعمة ظرفاً لها، ويجوزُ أَنْ يكون متعلقاً بالاستقرارِ الذي تضمَّنه «عليكم» إذا قلنا: إنَّ «عليكم» حالٌ من النعمة، وأمَّا إذا عَلَّقْنا «عليكم» بنعمة تَعَيَّن الوجُه الأول. وجَوَّز الحوفي أن يكونَ منصوباً باذكروا، يعني مفعولاً به لا أنه ظرفٌ له لفسادِ المعنى، إذ «اذكروا» مستقبلٌ، و «إذ» ماضٍ.
قوله: {فَأَصْبَحْتُمْ} أصبحَ من أخواتِ «كان» فإذا كانَتْ ناقصة كانت مثلَ «كان» في رفعِ الاسمِ ونَصْبِ الخبر، وإذا كانَتْ تامةً رفَعَتْ فاعلاً واستغنَتْ به، فإن وجد منصوب بعدها فهي حال، وتكون تامة إذا كانت بمعنى دخل في الصباح تقول: «أصبحَ زيد» أي دخل في الصباح، ومثلُها في ذلك «أمسى» ، قال تعالى: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] وقوله: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137] وفي أمثالهم: «إذا سَمِعْتُ بسُرى القَيْن فاعلَمْ أنَّه مُصبح» لأنَّ القَيْنَ وهو الحَدَّاد ربما قَلّت صناعته في أحياءِ العرب فيقول: أنا غداً مسافرٌ ليأتوه الناس بحوائجهم فيقيمُ ويتركُ السفر، فأخرجُوه مَثَلا لمن يقول/ قولاً ويخالفه، فالمعنى أنه مقيم في الصباح، وتكون بمعنى «صار» عملاً ومعنى كقوله:
1373 - فَأَصْبحوا كأنَّهم ورقٌ جَفْ ... فَ فَأَلْوَتْ به الصَّبا والدَّبُورُ
أي: صاروا. «إخواناً» خبرُها، وجَوَّزوا فيها هنا أن تكون على بابِها من دلالتِها على اتِّصاف الموصوفِ بالصفة في وقت الصباح، وأن تكون بمعنى صار، وأن تكون التامة، أي: دخلتم في الصباح، فإذا كانت ناقصةً على بابها فالأظهرُ أن يكونَ «إخواناً» خبرَها.
و «بنعمته» متعلِّقٌ ب «إخْواناً» ، لِما فيه مِنْ معنى الفعلِ أي: تآخيتم بنعمتِه، والباءُ للسببيةِ. وجَوَّز الشيخُ أَنْ يتعلَّق بأصبحتم، وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف، وجوَّز غيرُه أَنْ يَتَعلَّق بمحذوف على أنه حال من فاعل «أصبحتم» أي: فأصبحتم إخواناً ملتبسين بنعمته، أو حال من «إخواناً» لأنه في الأصل صفةٌ له. وجَوَّزوا أَنْ يكونَ «بنعمته» هو الخبرَ، و «إخواناً» حالٌ، والباءُ بمعنى الظرفية، وإذا كانت بمعنى «صار» جَرَى فيها ما تقدَّم من جميع هذه …