Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 286

71

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.' " They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾

عَطَفَتِ الفاءُ جُمْلَةَ فَذَبَحُوها عَلى مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ وهو فَوَجَدُوها أوْ فَظَفِرُوا بِها أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ الِاقْتِصارِيِّ ولَمّا نابَ المَعْطُوفُ في المَوْقِعِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ صَحَّ أنْ نَقُولَ الفاءُ فِيهِ لِلْفَصِيحَةِ لِأنَّها وقَعَتْ مَوْقِعَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ فِيها فاءٌ لِلْفَصِيحَةِ ولَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ فاءَ الفَصِيحَةِ ما أفْصَحَتْ عَنْ مُقَدَّرٍ مُطْلَقًا كَما تَقَدَّمَ وقَوْلُهُ وما كادُوا يَفْعَلُونَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِذِكْرِ حالٍ مِن سُوءِ تَلَقِّيهِمُ الشَّرِيعَةَ تارَةً بِالإعْراضِ والتَّفْرِيطِ، وتارَةً بِكَثْرَةِ التَّوَقُّفِ والإفْراطِ وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأُصُولِ التَّفَقُّهِ في الشَّرِيعَةِ، والأخْذُ بِالأوْصافِ المُؤَثِّرَةِ في مَعْنى التَّشْرِيعِ دُونَ الأوْصافِ الطَّرْدِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَوْ ذَبَحُوا أيَّةَ بَقَرَةٍ لَأجْزَأتْهم ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِمْ إلى الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ رافِعٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: لَوِ اعْتَرَضُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها لَكَفَتْهم ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» وفي سَنَدِهِ عُبادَةُ بْنُ مَنصُورٍ وهو ضَعِيفٌ، «وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَنْهى أصْحابَهُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤالِ وقالَ فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ» «وبَيَّنَ لِلَّذِي سَألَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ ما يَفْعَلُهُ في شَأْنِها فَقالَ

صفحة ٥٥٧

السّائِلُ: فَضالَّةُ الغَنَمِ - قالَ - هي لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ، قالَ السّائِلُ: فَضالَّةُ الإبِلِ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: ما لَكَ ولَها مَعَها حِذاؤُها وسِقاؤُها تَشْرَبُ الماءَ وتَرْعى الشَّجَرَ حَتّى يَأْتِيَها رَبُّها» .

وجُمْلَةُ وما كادُوا يَفْعَلُونَ تَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِئْنافَ والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ أشَدُّ رَبْطًا لِلْجُمْلَةِ وذَلِكَ أصْلُ الجُمَلِ أيْ ذَبَحُوها في حالٍ تَقْرُبُ مِن حالِ مَن لا يَفْعَلُ، والمَعْنى أنَّهم ذَبَحُوها مُكْرَهِينَ أوْ كالمُكْرَهِينَ لِما أظْهَرُوا مِنَ المُماطَلَةِ وبِذَلِكَ يَكُونُ وقْتُ الذَّبْحِ ووَقْتُ الِاتِّصافِ بِمُقارَبَةِ انْتِفائِهِ وقْتًا مُتَّحِدًا اتِّحادًا عُرْفِيًّا بِحَسَبِ المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُماطَلَتَهم قارَنَتْ أوَّلَ أزْمِنَةِ الذَّبْحِ. وعَلى الِاسْتِئْنافِ يَصِحُّ اخْتِلافُ الزَّمَنَيْنِ أيْ فَذَبَحُوها عِنْدَ ذَلِكَ أيْ عِنْدِ إتْمامِ الصِّفاتِ وكانَ شَأْنُهم قَبْلَ ذَلِكَ شَأْنَ مَن لَمْ يُقارِبْ أنْ يَفْعَلَ ثُمَّ إنَّ ما كادُوا يَفْعَلُونَ يَقْتَضِي بِحَسَبِ الوَضْعِ نَفْيَ مَدْلُولِ كادَ فَإنَّ مَدْلُولَها المُقارَبَةُ. ونَفْيُ مُقارَبَةِ الفِعْلِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِ بِالأوْلى فَيُقالُ أنّى يَجْتَمِعُ ذَلِكَ مَعَ وُقُوعِ ذَبْحِها بِقَوْلِهِ فَذَبَحُوها فَأمّا عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ فَيُمْكِنُ الجَوابُ بِأنَّ نَفْيَ مُقارَبَةِ الفِعْلِ كانَ قَبْلَ الذَّبْحِ حِينَ كَرَّرُوا السُّؤالَ وأظْهَرُوا المِطالَ ثُمَّ وقَعَ الذَّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ وقَدْ أجابَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ يَعْنُونَ كَأنَّ الفِعْلَ وقَعَ فَجْأةً بَعْدَ أنْ كانُوا بِمَعْزِلٍ عَنْهُ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى جَعْلِ الواوِ اسْتِئْنافًا وقَدْ عَلِمْتُمْ بُعْدَهُ.

فالوَجْهُ القالِعُ لِلْإشْكالِ هو أنَّ أئِمَّةَ العَرَبِيَّةِ قَدِ اخْتَلَفُوا في مَفادِ ”كادَ“ المَنفِيَّةِ في نَحْوِ ”ما كادَ …

Al-Baqara 2:71Listen in Qur'an →
72

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

And [recall] when you slew a man and disputed over it, but Allah was to bring out that which you were concealing.

﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكُمُ آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

تَصْدِيرُهُ بِإذْ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ ما سَبَقَ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ والألْطافِ ومُقابَلَتِهِمْ إيّاها بِالكُفْرانِ والِاسْتِخْفافِ يُومِئُ إلى أنَّ هَذِهِ قِصَّةٌ غَيْرُ قِصَّةِ الذَّبْحِ ولَكِنَّها حَدَثَتْ عَقِبَ الأمْرِ بِالذَّبْحِ

صفحة ٥٦٠

لِإظْهارِ شَيْءٍ مِن حِكْمَةِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي أظْهَرُوا اسْتِنْكارَهُ عِنْدَ سَماعِهِ إذْ قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا وفي ذَلِكَ إظْهارُ مُعْجِزَةٍ لِمُوسى. وقَدْ قِيلَ إنَّ ما حُكِيَ في هَذِهِ الآيَةِ هو أوَّلُ القِصَّةِ وإنَّ ما تَقَدَّمَ هو آخِرُها وذَكَرُوا لِلتَّقْدِيمِ نُكْتَةً تَقَدَّمَ القَوْلُ في بَيانِها وتَوْهِينِها.

ولَيْسَ فِيما رَأيْتُ مِن كُتُبِ اليَهُودِ ما يُشِيرُ إلى هَذِهِ القِصَّةِ فَلَعَلَّها مِمّا أُدْمِجَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمْ تَتَعَرَّضِ السُّورَةُ لِذِكْرِها لِأنَّها كانَتْ مُعْجِزَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ تَكُنْ تَشْرِيعًا بَعْدَهُ.

وأشارَ قَوْلُهُ قَتَلْتُمْ إلى وُقُوعِ قَتْلٍ فِيهِمْ وهي طَرِيقَةُ القُرْآنِ في إسْنادِ أفْعالِ البَعْضِ إلى الجَمِيعِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ قَتَلَتْ بَنُو فُلانٍ فُلانًا قالَ النّابِغَةُ يَذْكُرُ بَنِي حُنٍّ.

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً أبا جابِرٍ واسْتَنْكَحُوا أُمَّ جابِرِ

وذَلِكَ أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ قَتَلُوا ابْنَ عَمِّهِمُ الوَحِيدَ لِيَرِثُوا عَمَّهم وطَرَحُوهُ في مَحِلَّةِ قَوْمٍ وجاءُوا مُوسى يُطالِبُونَ بِدَمِ ابْنِ عَمِّهِمْ بُهْتانًا وأنْكَرَ المُتَّهَمُونَ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَضْرِبَ القَتِيلَ بِبَعْضِ تِلْكَ البَقَرَةِ فَيَنْطِقَ ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، والنَّفْسُ الواحِدُ مِنَ النّاسِ لِأنَّهُ صاحِبُ نَفْسٍ أيْ رُوحٍ وتَنَفُّسٍ وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَّنَفُّسِ وفي الحَدِيثِ ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ، ولِإشْعارِها بِمَعْنى التَّنَفُّسِ اخْتُلِفَ في جَوازِ إطْلاقِ النَّفْسِ عَلى اللَّهِ وإضافَتِها إلى اللَّهِ فَقِيلَ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ كَلامِ عِيسى ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ولِقَوْلِهِ في الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «وإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي» وقِيلَ لا يَجُوزُ إلّا لِلْمُشاكَلَةِ كَما في الآيَةِ والحَدِيثِ القُدُسِيِّ والظّاهِرُ الجَوازُ ولا عِبْرَةَ بِأصْلِ مَأْخَذِ الكَلِمَةِ مِنَ التَّنَفُّسِ فالنَّفْسُ الذّاتُ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النحل: ١١١] وتُطْلَقُ النَّفْسُ عَلى رُوحِ الإنْسانِ وإدْراكِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] وقَوْلُ العَرَبِ: قُلْتُ في نَفْسِي أيْ في تَفَكُّرِي دُونَ قَوْلٍ لَفْظِيٍّ، ومِنهُ إطْلاقُ العُلَماءِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ عَلى المَعانِي الَّتِي في عَقْلِ المُتَكَلِّمِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِاللَّفْظِ. وادّارَأْتُمُ افْتِعالٌ، وادّارَأْتُمْ أصْلُهُ تَدارَأْتُمْ تَفاعُلٌ مِنَ الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ لِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَدْفَعُ الجِنايَةَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمّا أُرِيدَ إدْغامُ التّاءِ في الدّالِ عَلى قاعِدَةِ تاءِ الِافْتِعالِ مَعَ الدّالِ والذّالِ جُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَيْسِيرِ التَّسْكِينِ لِلْإدْغامِ.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنِ ادّارَأْتُمْ أيْ تَدارَأْتُمْ في حالِ أنَّ اللَّهَ سَيُخْرِجُ ما كَتَمْتُمُوهُ فاسْمُ الفاعِلِ …

Al-Baqara 2:72Listen in Qur'an →
73

فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

So, We said, "Strike the slain man with part of it." Thus does Allah bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكُمُ آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

تَصْدِيرُهُ بِإذْ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ ما سَبَقَ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ والألْطافِ ومُقابَلَتِهِمْ إيّاها بِالكُفْرانِ والِاسْتِخْفافِ يُومِئُ إلى أنَّ هَذِهِ قِصَّةٌ غَيْرُ قِصَّةِ الذَّبْحِ ولَكِنَّها حَدَثَتْ عَقِبَ الأمْرِ بِالذَّبْحِ

صفحة ٥٦٠

لِإظْهارِ شَيْءٍ مِن حِكْمَةِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي أظْهَرُوا اسْتِنْكارَهُ عِنْدَ سَماعِهِ إذْ قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا وفي ذَلِكَ إظْهارُ مُعْجِزَةٍ لِمُوسى. وقَدْ قِيلَ إنَّ ما حُكِيَ في هَذِهِ الآيَةِ هو أوَّلُ القِصَّةِ وإنَّ ما تَقَدَّمَ هو آخِرُها وذَكَرُوا لِلتَّقْدِيمِ نُكْتَةً تَقَدَّمَ القَوْلُ في بَيانِها وتَوْهِينِها.

ولَيْسَ فِيما رَأيْتُ مِن كُتُبِ اليَهُودِ ما يُشِيرُ إلى هَذِهِ القِصَّةِ فَلَعَلَّها مِمّا أُدْمِجَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمْ تَتَعَرَّضِ السُّورَةُ لِذِكْرِها لِأنَّها كانَتْ مُعْجِزَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ تَكُنْ تَشْرِيعًا بَعْدَهُ.

وأشارَ قَوْلُهُ قَتَلْتُمْ إلى وُقُوعِ قَتْلٍ فِيهِمْ وهي طَرِيقَةُ القُرْآنِ في إسْنادِ أفْعالِ البَعْضِ إلى الجَمِيعِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ قَتَلَتْ بَنُو فُلانٍ فُلانًا قالَ النّابِغَةُ يَذْكُرُ بَنِي حُنٍّ.

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً أبا جابِرٍ واسْتَنْكَحُوا أُمَّ جابِرِ

وذَلِكَ أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ قَتَلُوا ابْنَ عَمِّهِمُ الوَحِيدَ لِيَرِثُوا عَمَّهم وطَرَحُوهُ في مَحِلَّةِ قَوْمٍ وجاءُوا مُوسى يُطالِبُونَ بِدَمِ ابْنِ عَمِّهِمْ بُهْتانًا وأنْكَرَ المُتَّهَمُونَ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَضْرِبَ القَتِيلَ بِبَعْضِ تِلْكَ البَقَرَةِ فَيَنْطِقَ ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، والنَّفْسُ الواحِدُ مِنَ النّاسِ لِأنَّهُ صاحِبُ نَفْسٍ أيْ رُوحٍ وتَنَفُّسٍ وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَّنَفُّسِ وفي الحَدِيثِ ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ، ولِإشْعارِها بِمَعْنى التَّنَفُّسِ اخْتُلِفَ في جَوازِ إطْلاقِ النَّفْسِ عَلى اللَّهِ وإضافَتِها إلى اللَّهِ فَقِيلَ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ كَلامِ عِيسى ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ولِقَوْلِهِ في الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «وإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي» وقِيلَ لا يَجُوزُ إلّا لِلْمُشاكَلَةِ كَما في الآيَةِ والحَدِيثِ القُدُسِيِّ والظّاهِرُ الجَوازُ ولا عِبْرَةَ بِأصْلِ مَأْخَذِ الكَلِمَةِ مِنَ التَّنَفُّسِ فالنَّفْسُ الذّاتُ قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النحل: ١١١] وتُطْلَقُ النَّفْسُ عَلى رُوحِ الإنْسانِ وإدْراكِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] وقَوْلُ العَرَبِ: قُلْتُ في نَفْسِي أيْ في تَفَكُّرِي دُونَ قَوْلٍ لَفْظِيٍّ، ومِنهُ إطْلاقُ العُلَماءِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ عَلى المَعانِي الَّتِي في عَقْلِ المُتَكَلِّمِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِاللَّفْظِ. وادّارَأْتُمُ افْتِعالٌ، وادّارَأْتُمْ أصْلُهُ تَدارَأْتُمْ تَفاعُلٌ مِنَ الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ لِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَدْفَعُ الجِنايَةَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمّا أُرِيدَ إدْغامُ التّاءِ في الدّالِ عَلى قاعِدَةِ تاءِ الِافْتِعالِ مَعَ الدّالِ والذّالِ جُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِتَيْسِيرِ التَّسْكِينِ لِلْإدْغامِ.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنِ ادّارَأْتُمْ أيْ تَدارَأْتُمْ في حالِ أنَّ اللَّهَ سَيُخْرِجُ ما كَتَمْتُمُوهُ فاسْمُ الفاعِلِ …

Al-Baqara 2:73Listen in Qur'an →
74

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allah. And Allah is not unaware of what you do.

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهْيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

ثُمَّ هُنا لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ الَّذِي تَتَهَيَّأُ لَهُ إذا عَطَفْتَ الجُمَلَ أيْ ومَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ تَلِنْ قُلُوبُكم ولَمْ تَنْفَعْكُمُ الآياتُ فَقَسَتْ قُلُوبُكم وكانَ مِنَ البَعِيدِ قَسْوَتُها. وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] زِيادَةُ تَعْجِيبٍ مِن طُرُقِ القَساوَةِ لِلْقَلْبِ بَعْدَ تَكَرُّرِ جَمِيعِ الآياتِ السّابِقَةِ المُشارِ إلى مَجْمُوعِها بِذَلِكَ عَلى حَدِّ قَوْلِ القَطامِيِّ:

أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا

أيْ كَيْفَ أكْفُرُ نِعْمَتَكَ أيْ لا أكْفُرُها مَعَ إنْجائِكَ لِي مِنَ المَوْتِ إلَخْ. ووَجْهُ اسْتِعْمالِ (بَعْدَ) في هَذا المَعْنى أنَّها مَجازٌ في مَعْنى (مَعَ) لِأنَّ شَأْنَ المُسَبَّبِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ السَّبَبِ ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَقْصِدُ التَّنْبِيهَ عَلى تَأخُّرِهِ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ وأُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ مَعَهُ إثْباتًا أوْ نَفْيًا عَبَّرَ بِ (بَعْدَ) عَنْ مَعْنى (مَعَ) مَعَ الإشارَةِ إلى التَّأخُّرِ الرُّتْبِيِّ.

والقَسْوَةُ والقَساوَةُ تُوصَفُ بِها الأجْسامُ وتُوصَفُ بِها النُّفُوسُ المُعَبَّرُ عَنْها بِالقُلُوبِ فالمَعْنى الجامِعُ لِلْوَصْفَيْنِ هو عَدَمُ قَبُولِ التَّحَوُّلِ عَنِ الحالَةِ المَوْجُودَةِ إلى حالَةٍ تُخالِفُها.

وسَواءٌ كانَتِ القَساوَةُ مَوْضُوعَةً لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ الحِسِّيِّ والقَلْبِيِّ وهو احْتِمالٌ ضَعِيفٌ، أمْ كانَتْ مَوْضُوعَةً لِلْأجْسامِ حَقِيقَةً واسْتُعْمِلَتْ في القُلُوبِ مَجازًا وهو الصَّحِيحُ، فَقَدْ شاعَ هَذا

صفحة ٥٦٣

المَجازُ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ وصارَ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى القَرِينَةِ فَآلَ اللَّفْظُ إلى الدَّلالَةِ عَلى القَدْرِ المُشْتَرِكِ بِالِاسْتِعْمالِ لا بِأصْلِ الوَضْعِ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ العَطْفُ في قَوْلِهِ ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ كَما سَيَأْتِي. وقَوْلُهُ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ تَشْبِيهُ فَرْعٍ بِالفاءِ لِإرادَةِ ظُهُورِ التَّشْبِيهِ بَعْدَ حِكايَةِ الحالَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِقَسَتْ لِأنَّ القَسْوَةَ هي وجْهُ الشَّبَهِ ولِأنَّ أشْهَرَ الأشْياءِ في هَذا الوَصْفِ هو الحَجْزُ فَإذا ذُكِرَتِ القَسْوَةُ فَقَدْ تَهَيَّأ التَّشْبِيهُ بِالحَجَرِ ولِذا عَطَفَ بِالفاءِ؛ أيْ إذا عَلِمْتَ أنَّها قاسِيَةٌ فَشَبَّهَها بِالحِجارَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ يَصِفُ الحَجِيجَ:

عَلَيْهِنَّ شَعَثٌ عامِدُونَ لِرَبِّهِمْ ∗∗∗ فَهُنَّ كَأطْرافِ الحَنِيِّ خَواشِعُ

وقَدْ كانَتْ صَلابَةُ الحَجَرِ أعْرَفَ لِلنّاسِ وأشْهَرَ لِأنَّها مَحْسُوسَةٌ فَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِها. وهَذا الأُسْلُوبُ يُسَمّى عِنْدِي تَهْيِئَةَ التَّشْبِيهِ وهو مِن مَحاسِنِهِ، وإذا تَتَبَّعْتَ أسالِيبَ التَّشْبِيهِ في كَلامِهِمْ تَجِدُها عَلى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لا يُهَيَّأُ فِيهِ التَّشْبِيهُ وهو الغالِبُ وضَرْبٌ يُهَيَّأُ فِيهِ كَما هُنا والعَطْفُ بِالفاءِ في مِثْلِهِ حَسَنٌ جِدًّا وأمّا أنْ يَأْتِيَ المُتَكَلِّمُ بِما لا يُناسِبُ التَّشْبِيهَ فَذَلِكَ عِنْدِي يُعَدُّ مَذْمُومًا وقَدْ رَأيْتُ بَيْتًا جَمَعَ تَهْيِئَةَ التَّشْبِيهِ والبُعْدَ عَنْهُ وهو قَوْلُ ابْنِ نَباتَةَ:

فِي الرِّيقِ سُكْرٌ وفي الأصْداغِ تَجْعِيدُ ∗∗∗ هَذا المُدامُ وهاتِيكَ العَناقِيدُ

فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ السُّكْرَ تَهَيَّأ التَّشْبِيهُ بِالخَمْرِ ولَكِنَّ …

Al-Baqara 2:74Listen in Qur'an →
75

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allah and then distort the Torah after they had understood it while they were knowing?

﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾

هَذا اعْتِراضٌ اسْتِطْرادِيٌّ بَيْنَ القِصَّةِ الماضِيَةِ والقِصَّةِ الَّتِي أوَّلُها ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] فَجَمِيعُ الجُمَلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذْنا﴾ [البقرة: ٨٣] داخِلَةٌ في هَذا الِاسْتِطْرادِ. والفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أوِ التَّعْجِيبِيِّ عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾ [البقرة: ٧٤] أوْ عَلى مَجْمُوعِ الجُمَلِ السّابِقَةِ لِأنَّ جَمِيعَها مِمّا يَقْتَضِي اليَأْسَ مِن إيمانِهِمْ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَلا تَطْمَعُوا أنْ يُؤْمِنُوا لَكم أوْ فاعْجَبُوا مِن طَمَعِكم وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ مَوْقِعِ الِاسْتِفْهامِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ في مِثْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] والطَّمَعُ تَرَقُّبُ حُصُولِ شَيْءٍ مَحْبُوبٍ وهو يُرادِفُ الرَّجاءَ وهو ضِدُّ اليَأْسِ، والطَّمَعُ يَتَعَدّى بِفي حُذِفَتْ هُنا قَبْلَ أنْ

صفحة ٥٦٧

فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ يُنْهى عَنِ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ أوْ يُعْجَبَ بِهِ والنَّبِيءُ والمُسْلِمُونَ مَأْمُورُونَ بِدَعْوَةِ أُولَئِكَ إلى الإيمانِ دائِمًا وهَلْ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ارْتِباطٌ بِمَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ الَّذِي اسْتَحالَتْهُ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ.

قُلْتُ: إنَّما نُهِينا عَنِ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ لا عَنْ دُعائِهِمْ لِلْإيمانِ لِأنَّنا نَدْعُوهم لِلْإيمانِ وإنْ كُنّا آيِسِينَ مِنهُ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا عِنْدَ إجْراءِ أحْكامِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ وفي الآخِرَةِ أيْضًا ولِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى الحَقِّ قَدْ تُصادِفُ نَفْسًا نَيِّرَةً فَتَنْفَعُها فَإنَّ اسْتِبْعادَ إيمانِهِمْ حُكْمٌ عَلى غالِبِهِمْ وجَمْهَرَتِهِمْ أمّا الدَّعْوَةُ فَإنَّها تَقَعُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنهم والمَسْألَةُ أخَصُّ مِن تِلْكَ المَسْألَةِ لِأنَّ مَسْألَةَ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ مَفْرُوضَةٌ فِيما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ وُقُوعِهِ وتِلْكَ قَدْ كُنّا أجَبْنا لَكم فِيها جَوابًا واضِحًا وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى وإنْ عَلِمَ عَدَمِ إيمانِ مِثْلِ أبِي جَهْلٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُطْلِعْنا عَلى ما عَلِمَهُ فِيهِ. والأوامِرُ الشَّرْعِيَّةُ لَمْ تَجِئْ بِتَخْصِيصِ أحَدٍ بِدَعْوَةٍ حَتّى يُقالَ كَيْفَ أُمِرَ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَدْ أظْهَرَتْ نَفْيَ الطَّماعِيَةِ في إيمانِ مَن كانَ دَأْبُهم هَذِهِ الأحْوالَ فالجَوابُ عَنْها يَرْجِعُ إلى الجَوابِ الأعَمِّ وهو أنَّ الدُّعاءَ لِأجْلِ إقامَةِ الحُجَّةِ وهو الجَوابُ الأعَمُّ لِأصْحابِنا في مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ وُقُوعِهِ عَلى أنَّ بَعْضَ أحْوالِهِمْ قَدْ تَتَغَيَّرُ فَيَكُونُ لِلطَّماعِيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ حَظٌّ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لَكم لِتَضْمِينِ يُؤْمِنُوا مَعْنى يُقِرُّوا وكَأنَّ فِيهِ تَلْمِيحًا إلى أنَّ إيمانَهم بِصِدْقِ الرَّسُولِ حاصِلٌ ولَكِنَّهم يُكابِرُونَ ويَجْحَدُونَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] الآيَةَ فَما أبْدَعَ نَسْجَ القُرْآنِ. ويَجُوزُ حَمْلُ اللّامِ عَلى التَّعْلِيلِ وجَعْلُ يُؤْمِنُوا مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهم …

Al-Baqara 2:75Listen in Qur'an →
76

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allah has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?

صفحة ٥٦٩

﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾

الأظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لَقُوا عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ عَلى نَسَقِ الضَّمائِرِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٧٥] وما بَعْدَهُ، وأنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ بِقالُوا عائِدٌ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ فَرِيقٍ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ نِفاقًا أوْ تَفادِيًا مَن مُرِّ المُقارَعَةِ والمُحاجَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ آمَنّا وذَلِكَ كَثِيرٌ في ضَمائِرِ الأُمَمِ والقَبائِلِ ونَحْوِها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] لِأنَّ ضَمِيرَ طَلَّقْتُمْ لِلْمُطَلِّقِينَ وضَمِيرَ تَعَضُلُوا لِلْأوْلِياءِ لِأنَّ الجَمِيعَ راجِعٌ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي جِهَةُ المُخاطَبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ لِاشْتِمالِهِمْ عَلى الصِّنْفَيْنِ، ومِنهُ أنْ تَقُولَ لَأِنْ نَزَلْتَ بِبَنِي فُلانٍ لَيُكْرِمُنَّكَ وإنَّما يُكْرِمُكَ سادَتُهم وكُرَماؤُهم ويَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بَعْضُهم عائِدٌ إلى الجَمِيعِ أيْ بَعْضُ الجَمِيعِ إلى بَعْضٍ آخَرَ ومَعْلُومٌ أنَّ القائِلَ مَن لَمْ يُنافِقْ لِمَن نافَقَ، ثُمَّ تَلْتَئِمُ الضَّمائِرُ بَعْدَ ذَلِكَ في يَعْلَمُونَ ويُسِرُّونَ ويُعْلِنُونَ بِلا كُلْفَةٍ وإلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ ويُرَجِّحُها عِنْدِي أنَّ فِيها الِاقْتِصارَ عَلى تَأْوِيلِ ما بِهِ الحاجَةُ والتَّأْوِيلُ عِنْدَ وُجُودِ دَلِيلِهِ بِجَنْبِهِ وهو آمَنّا.

وجُمْلَةُ إذا لَقُوا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] عَلى أنَّها حالٌ مِثْلَها مِن أحْوالِ اليَهُودِ وقَدْ قُصِدَ مِنها تَقْيِيدُ النَّهْيِ أوِ التَّعْجِيبِ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم آخَرُ إذا لَقُوا. وقَوْلُهُ ﴿وإذا خَلا بَعْضُهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى إذا لَقُوا وهو المَقْصُودُ مِنَ الحالِيَّةِ أيْ والحالُ أنَّهم يَحْصُلُ مِنهم مَجْمُوعُ هَذا لِأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِمْ آمَنّا لا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّعَجُّبِ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ؛ فَضَمِيرُ (بَعْضُهم) راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ لَقُوا وهم عُمُومُ اليَهُودِ. ونُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِقالُوا آمَنّا مِثْلَها في نَظِيرِهِ السّابِقِ في أوائِلِ السُّورَةِ.

وقَوْلُهُ أتُحَدِّثُونَهُمُ اسْتِفْهامٌ لِلْإنْكارِ أوِ التَّقْرِيرِ أوِ التَّوْبِيخِ بِقَرِينَةِ أنَّ المَقامَ دَلَّ عَلى أنَّهم جَرى بَيْنَهم حَدِيثٌ في ما يَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ فاضِحًا لِأحْوالِ أسْلافِهِمْ ومَثالِبِ سِيرَتِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ.

والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما فِيهِ فَضِيحَةُ أحْوالِهِمْ وذِكْرُ

صفحة ٥٧٠

ما لا يَعْلَمُهُ إلّا خاصَّتُهم ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ خَلَصَ لِلنَّبِيءِ مِن بَعْضِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ مِن أتْباعِهِمْ وأنَّ نِفاقَهم كانَ قَدْ بَلَغَ بِهِمْ إلى أنْ أخْبَرُوا المُسْلِمِينَ بِبَعْضِ قَصَصِ قَوْمِهِمْ سَتْرًا لِكُفْرِهِمُ الباطِنِ فَوَبَّخُوهم عَلى ذَلِكَ تَوْبِيخَ إنْكارٍ أيْ كَيْفَ يَبْلُغُ بِكُمُ النِّفاقُ إلى هَذا وأنَّ في بَعْضِ إظْهارِ المَوَدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ كِفايَةً عَلى حَدِّ قَوْلِ المَثَلِ الَّذِي حَكاهُ بَشّارٌ بِقَوْلِهِ:

واسْعَدْ بِما قالَ في الحُلْمِ ابْنُ ذِي يَزَنْ يَلْهُو الكِرامُ ولا …

Al-Baqara 2:76Listen in Qur'an →
77

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

But do they not know that Allah knows what they conceal and what they declare?

صفحة ٥٦٩

﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾

الأظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لَقُوا عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ عَلى نَسَقِ الضَّمائِرِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٧٥] وما بَعْدَهُ، وأنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ بِقالُوا عائِدٌ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ فَرِيقٍ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ نِفاقًا أوْ تَفادِيًا مَن مُرِّ المُقارَعَةِ والمُحاجَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ آمَنّا وذَلِكَ كَثِيرٌ في ضَمائِرِ الأُمَمِ والقَبائِلِ ونَحْوِها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] لِأنَّ ضَمِيرَ طَلَّقْتُمْ لِلْمُطَلِّقِينَ وضَمِيرَ تَعَضُلُوا لِلْأوْلِياءِ لِأنَّ الجَمِيعَ راجِعٌ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي جِهَةُ المُخاطَبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ لِاشْتِمالِهِمْ عَلى الصِّنْفَيْنِ، ومِنهُ أنْ تَقُولَ لَأِنْ نَزَلْتَ بِبَنِي فُلانٍ لَيُكْرِمُنَّكَ وإنَّما يُكْرِمُكَ سادَتُهم وكُرَماؤُهم ويَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بَعْضُهم عائِدٌ إلى الجَمِيعِ أيْ بَعْضُ الجَمِيعِ إلى بَعْضٍ آخَرَ ومَعْلُومٌ أنَّ القائِلَ مَن لَمْ يُنافِقْ لِمَن نافَقَ، ثُمَّ تَلْتَئِمُ الضَّمائِرُ بَعْدَ ذَلِكَ في يَعْلَمُونَ ويُسِرُّونَ ويُعْلِنُونَ بِلا كُلْفَةٍ وإلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ ويُرَجِّحُها عِنْدِي أنَّ فِيها الِاقْتِصارَ عَلى تَأْوِيلِ ما بِهِ الحاجَةُ والتَّأْوِيلُ عِنْدَ وُجُودِ دَلِيلِهِ بِجَنْبِهِ وهو آمَنّا.

وجُمْلَةُ إذا لَقُوا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] عَلى أنَّها حالٌ مِثْلَها مِن أحْوالِ اليَهُودِ وقَدْ قُصِدَ مِنها تَقْيِيدُ النَّهْيِ أوِ التَّعْجِيبِ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم آخَرُ إذا لَقُوا. وقَوْلُهُ ﴿وإذا خَلا بَعْضُهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى إذا لَقُوا وهو المَقْصُودُ مِنَ الحالِيَّةِ أيْ والحالُ أنَّهم يَحْصُلُ مِنهم مَجْمُوعُ هَذا لِأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِمْ آمَنّا لا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّعَجُّبِ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ؛ فَضَمِيرُ (بَعْضُهم) راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ لَقُوا وهم عُمُومُ اليَهُودِ. ونُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِقالُوا آمَنّا مِثْلَها في نَظِيرِهِ السّابِقِ في أوائِلِ السُّورَةِ.

وقَوْلُهُ أتُحَدِّثُونَهُمُ اسْتِفْهامٌ لِلْإنْكارِ أوِ التَّقْرِيرِ أوِ التَّوْبِيخِ بِقَرِينَةِ أنَّ المَقامَ دَلَّ عَلى أنَّهم جَرى بَيْنَهم حَدِيثٌ في ما يَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ فاضِحًا لِأحْوالِ أسْلافِهِمْ ومَثالِبِ سِيرَتِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ.

والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما فِيهِ فَضِيحَةُ أحْوالِهِمْ وذِكْرُ

صفحة ٥٧٠

ما لا يَعْلَمُهُ إلّا خاصَّتُهم ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ خَلَصَ لِلنَّبِيءِ مِن بَعْضِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ مِن أتْباعِهِمْ وأنَّ نِفاقَهم كانَ قَدْ بَلَغَ بِهِمْ إلى أنْ أخْبَرُوا المُسْلِمِينَ بِبَعْضِ قَصَصِ قَوْمِهِمْ سَتْرًا لِكُفْرِهِمُ الباطِنِ فَوَبَّخُوهم عَلى ذَلِكَ تَوْبِيخَ إنْكارٍ أيْ كَيْفَ يَبْلُغُ بِكُمُ النِّفاقُ إلى هَذا وأنَّ في بَعْضِ إظْهارِ المَوَدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ كِفايَةً عَلى حَدِّ قَوْلِ المَثَلِ الَّذِي حَكاهُ بَشّارٌ بِقَوْلِهِ:

واسْعَدْ بِما قالَ في الحُلْمِ ابْنُ ذِي يَزَنْ يَلْهُو الكِرامُ ولا …

Al-Baqara 2:77Listen in Qur'an →
78

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except in wishful thinking, but they are only assuming.

صفحة ٥٧٣

﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ، ومِنهم خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَقْدِيمُهُ لِلتَّشْوِيقِ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] . والمَعْنى كَيْفَ تَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم مُحَرِّفِينَ، وفَرِيقٌ جَهَلَةً وإذا انْتَفى إيمانُ أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ المَظْنُونُ بِهِمْ تَطَلُّبُ الحَقِّ المُنْجِي والِاهْتِداءُ إلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ فَكانُوا يُحَرِّفُونَ الدِّينَ ويُكابِرُونَ فِيما يَسْمَعُونَ مِن مُعْجِزَةِ القُرْآنِ في الإخْبارِ عَنْ أسْرارِ دِينِهِمْ فَكَيْفَ تَطْمَعُونَ أيْضًا في إيمانِ الفَرِيقِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ هم أبْعَدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ وألْهى عَنْ تَطَلُّبِهِ وأضَلُّ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وأجْدَرُ بِالِاقْتِداءِ بِأئِمَّتِهِمْ وعُلَمائِهِمْ فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ الماضُونَ.

وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] إلَخْ بِاعْتِبارِ كَوْنِها مُعادِلًا لَها مِن جِهَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنِها حالَةَ فَرِيقٍ مِنهم وهَذِهِ حالَةُ فَرِيقٍ آخَرَ. وأمّا قَوْلُهُ وإذا لَقُوا وقَوْلُهُ وإذا خَلا فَتِلْكَ مَعْطُوفاتٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ﴾ [البقرة: ٧٥] عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الأُولى مِن قَوْلِهِ يَسْمَعُونَ الَّذِي هو حالٌ مِن أحْوالِ اليَهُودِ وبِهَذا لا يَجِيءُ في جُمْلَةِ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ التَّخْيِيرُ المَبْنِيُّ عَلى الخِلافِ في عَطْفِ الأشْياءِ المُتَعَدِّدَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ هَلْ يُجْعَلُ الأخِيرُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ مَنِ المَعْطُوفاتِ أوْ مَعْطُوفًا عَلى المَعْمُولِ الأوَّلِ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ مَرْجِعُ العَطْفِ جِهَةً واحِدَةً وهُنا قَدِ اخْتَلَفَتِ الجِهَةُ.

والأُمِّيُّ مَن لا يَعْرِفُ القِراءَةَ والكِتابَةَ والأظْهَرُ أنَّهُ مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ بِمَعْنى عامَّةِ النّاسِ فَهو يُرادِفُ العامِّيَّ، وقِيلَ مَنسُوبٌ إلى الأُمِّ وهي الوالِدَةُ أيْ أنَّهُ بَقِيَ عَلى الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مُدَّةَ حَضانَةِ أُمِّهِ إيّاهُ فَلَمْ يَكْتَسِبْ عِلْمًا جَدِيدًا ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الوَجْهُ في النَّسَبِ أنْ يَقُولُوا أُمَّهِيٌّ بِناءً عَلى أنَّ النَّسَبَ يَرُدُّ الكَلِماتِ إلى أُصُولِها. وقَدْ قالُوا في جَمْعِ الأُمِّ أُمَّهاتٌ فَرَدُّوا المُفْرَدَ إلى أصْلِهِ فَدَلُّوا عَلى أنَّ أصْلَ أُمٍّ أُمَّهَةٌ لِأنَّ الأسْماءَ إذا نُقِلَتْ مِن حالَةِ الِاشْتِقاقِ إلى جَعْلِها أعْلامًا قَدْ يَقَعُ فِيها تَغْيِيرٌ لِأصْلِها.

وقَدِ اشْتُهِرَ اليَهُودُ عِنْدَ العَرَبِ بِوَصْفِ أهْلِ الكِتابِ فَلِذَلِكَ قِيلَ هُنا ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ أيْ لَيْسَ جَمِيعُهم أهْلَ كِتابٍ.

ولَمْ تَكُنِ الأُمِّيَّةُ في العَرَبِ وصْفَ ذَمٍّ لَكِنَّها عِنْدَ اليَهُودِ وصْفُ ذَمٍّ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم

صفحة ٥٧٤

قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وقالَ ابْنُ صَيّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ («أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ» ) وذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ الأُمِّيَّةُ مِن قِلَّةِ المَعْرِفَةِ ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَتِ الأُمِّيَّةُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كانَ أعْلَمَ النّاسِ مَعَ كَوْنِهِ نَشَأ أُمِّيًّا قَبْلَ النُّبُوءَةِ. …

Al-Baqara 2:78Listen in Qur'an →
79

فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ

So woe to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allah," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ فَيَكُونُ ما بَعْدَها مُتَرَتِّبًا عَلى ما قَبْلَها والظّاهِرُ أنَّ ما بَعْدَها مُتَرَتِّبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] الدّالِّ عَلى وُقُوعِ تَحْرِيفٍ مِنهم عَنْ عَمْدٍ فَرُتِّبَ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِاسْتِحْقاقِهِمْ سُوءَ الحالَةِ. أوْ رُتِّبَ عَلَيْهِ إنْشاءُ اسْتِفْظاعِ حالِهِمْ، وأُعِيدَ في خِلالِ ذَلِكَ ما أُجْمِلَ في الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ إعادَةَ تَفْصِيلٍ.

ومَعْنى ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ أنَّهم يَكْتُبُونَ شَيْئًا لَمْ يَأْتِهِمْ مِن رُسُلِهِمْ بَلْ يَضَعُونَهُ ويَبْتَكِرُونَهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ لَيْسَ مُطابِقًا لِما في نَفْسِ الأمْرِ.

وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لِأنَّ هَذا القَوْلَ أُدْخِلَ في اسْتِحْقاقِهِمُ الوَيْلَ مِن كِتابَةِ الكِتابِ

صفحة ٥٧٦

بِأيْدِيهِمْ إذْ هو المَقْصُودُ. ولَيْسَ هَذا القَوْلُ مُتَراخِيًا عَنْ كِتابَتِهِمْ ما كَتَبُوهُ في الزَّمانِ بَلْ هُما مُتَقارِنانِ.

والوَيْلُ لَفْظٌ دالٌّ عَلى الشَّرِّ أوِ الهَلاكِ ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مِن لَفْظِهِ فَلِذَلِكَ قِيلَ هو اسْمُ مَصْدَرٍ، وقالَ ابْنُ جِنِّي هو مَصْدَرٌ امْتَنَعَ العَرَبُ مِنَ اسْتِعْمالِ فِعْلِهِ لِأنَّهُ لَوْ صُرِفَ لَوَجَبَ اعْتِلالُ فائِهِ وعَيْنِهِ بِأنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ إعْلالانِ أيْ فَيَكُونُ ثَقِيلًا، والوَيْلُ: البَلِيَّةُ. وهي مُؤَنَّثُ الوَيْلِ قالَ تَعالى قالُوا يا ويْلَتَنا وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

فَقالَتْ لَكَ الوَيْلاتُ إنَّكَ مُرْجِلِي

ويُسْتَعْمَلُ الوَيْلُ بِدُونِ حَرْفِ نِداءٍ كَما في الآيَةِ ويُسْتَعْمَلُ بِحَرْفِ النِّداءِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤] كَما يُقالُ يا حَسْرَتا.

فَأمّا مَوْقِعُهُ مِنَ الإعْرابِ فَإنَّهُ إذا لَمْ يُضَفْ أُعْرِبَ إعْرابَ الأسْماءِ المُبْتَدَأِ بِها وأُخْبِرَ عَنْهُ بِلامِ الجَرِّ كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلُهُ ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] قالَ الجَوْهَرِيُّ ويُنْصَبُ فَيُقالُ ويْلًا لِزَيْدٍ وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ قَبِيحًا وأوْجَبَ إذا ابْتُدِئَ بِهِ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، وأمّا إذا أُضِيفَ فَإنَّهُ يُضافُ إلى الضَّمِيرِ غالِبًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ﴾ [القصص: ٨٠] وقَوْلِهِ ﴿ويْلَكَ آمِن﴾ [الأحقاف: ١٧] فَيَكُونُ مَنصُوبًا وقَدْ يُضافُ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ فَيُعْرَبُ إعْرابَ غَيْرِ المُضافِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي بَصِيرٍ ”ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ“ .

ولَمّا أشْبَهَ في إعْرابِهِ المَصادِرَ الآتِيَةَ بَدَلًا مِن أفْعالِها نَصْبًا ورَفْعًا مِثْلَ: حَمْدًا لِلَّهِ، وصَبْرٌ جَمِيلٌ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، قالَ أكْثَرُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ إنَّهُ مَصْدَرٌ أُمِيتَ فِعْلُهُ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ اسْمٌ وجَعَلَ نَصْبَهُ في حالَةِ الإضافَةِ نَصْبًا عَلى النِّداءِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَأصْلُ ويْلَهُ يا ويْلَهُ بِدَلِيلِ ظُهُورِ حَرْفِ النِّداءِ مَعَهُ في كَلامِهِمْ. ورُبَّما جَعَلُوهُ كالمَندُوبِ فَقالُوا ويْلاهُ وقَدْ أعْرَبَهُ الزَّجّاجُ …

Al-Baqara 2:79Listen in Qur'an →
80

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And they say, "Never will the Fire touch us, except for a few days." Say, "Have you taken a covenant with Allah? For Allah will never break His covenant. Or do you say about Allah that which you do not know?"

صفحة ٥٧٩

﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

قِيلَ الواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةٍ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] فَتَكُونُ حالًا مِثْلَها أيْ كَيْفَ تَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وهو يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ويَقُولُونَ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ.

والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الواوَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ يَكْتُبُونَ إلَخْ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ ووَجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ قَوْلَهم لَنْ تَمَسَّنا النّارُ دَلَّ عَلى اعْتِقادٍ مُقَرَّرٍ في نُفُوسِهِمْ يُشِيعُونَهُ بَيْنَ النّاسِ بِألْسِنَتِهِمْ قَدْ أنْبَأ بِغُرُورٍ عَظِيمٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى تِلْكَ الجَرِيمَةِ وغَيْرِها إذْ هم قَدْ آمَنُوا مِنَ المُؤاخَذَةِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً تُعادِلُ أيّامَ عِبادَةِ العِجْلِ أوْ أيّامًا عَنْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِنَ العالَمِ يَوْمًا وإنَّ ذَلِكَ عَذابٌ مَكْتُوبٌ عَلى جَمِيعِهِمْ فَهم لا يَتَوَقَّوْنَ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي لِأجْلِ ذَلِكَ فَبِالعَطْفِ عَلى أخْبارِهِمْ حَصَلَتْ فائِدَةُ الإخْبارِ عَنْ عَقِيدَةٍ مِن ضَلالاتِهِمْ.

ولِمَوْقِعِ هَذا العَطْفِ حَصَلَتْ فائِدَةُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ إذْ يَعْجَبُ السّامِعُ مِن جُرْأتِهِمْ عَلى هَذا الإجْرامِ.

وقَوْلُهُ وقالُوا أرادَ بِهِ أنَّهم قالُوهُ عَنِ اعْتِقادٍ لِأنَّ الأصْلَ الصِّدْقُ في القَوْلِ حَتّى تَقُومَ القَرِينَةُ عَلى أنَّهُ قَوْلٌ عَلى خِلافِ الِاعْتِقادِ كَما في قَوْلِهِ ﴿قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] ولِأجْلِ أنَّ أصْلَ القَوْلِ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ الِاعْتِقادِ ساغَ اسْتِعْمالُ القَوْلِ في مَعْنى الظَّنِّ والِاعْتِقادِ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: قالَ مالِكٌ، وفي نَحْوِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ”عَلامَ تَقُولُ الرُّمْحَ يُثْقِلُ عاتِقِي“ . والمَسُّ حَقِيقَتُهُ اتِّصالُ اليَدِ بِجِرْمٍ مِنَ الأجْرامِ وكَذَلِكَ اللَّمْسُ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ [الأنعام: ٤٩] وعَبَّرَ عَنْ نَفْيِهِمْ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْيِيدِ النَّفْيِ تَأْكِيدًا لِانْتِفاءِ العَذابِ عَنْهم بَعْدَ تَأْكِيدٍ، ولِدِلالَةِ لَنْ عَلى اسْتِغْراقِ الأزْمانِ تَأتّى الِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأزْمِنَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ عَلى وجْهِ التَّفْرِيعِ فَهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

والوَصْفُ بِمَعْدُودَةٍ مُؤْذِنٌ بِالقِلَّةِ لِأنَّ المُرادَ بِالمَعْدُودِ الَّذِي يَعُدُّهُ النّاسُ إذا رَأوْهُ أوْ تَحَدَّثُوا عَنْهُ، وقَدْ شاعَ في العُرْفِ والعَوائِدِ

صفحة ٥٨٠

أنَّ النّاسَ لا يَعْمِدُونَ إلى عَدِّ الأشْياءِ الكَثِيرَةِ دَفْعًا لِلْمَلَلِ أوْ لِأجْلِ الشُّغْلِ سَواءٌ عَرَفُوا الحِسابَ أمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ لِأنَّ المُرادَ العَدُّ بِالعَيْنِ واللِّسانِ لا العَدُّ بِجَمْعِ الحِساباتِ إذْ لَيْسَ مَقْصُودًا هُنا.

وتَأْنِيثُ (مَعْدُودَةً) وهو صِفَةُ (أيّامًا) مُراعًى فِيهِ تَأْوِيلُ الجَمْعِ بِالجَماعَةِ وهي طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ ولِذَلِكَ كَثُرَ في صِفَةِ الجَمْعِ إذا أنَّثُوها أنْ يَأْتُوا بِها بِصِيغَةِ الإفْرادِ إلّا إذا أرادُوا تَأْوِيلَ الجَمْعِ بِالجَماعاتِ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] …

Al-Baqara 2:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.