Muslim99Muslim99
← Tafsir library

1. Al-Faatiha

The Opening · Meccan · 7 ayahs

سُورَةُ ٱلْفَاتِحَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–7 of 7

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

صفحة ١٣٧

البَسْمَلَةُ اسْمٌ لِكَلِمَةِ ”باسِمِ اللَّهِ، صِيغَ هَذا الِاسْمُ عَلى مادَّةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِن حُرُوفِ الكَلِمَتَيْنِ (باسْمِ) و(اللَّهِ) عَلى طَرِيقَةٍ تُسَمّى النَّحْتُ، وهو صَوْغُ فِعْلِ مُضِيٍّ عَلى زِنَةِ فَعْلَلَ مُؤَلَّفَةٍ مادَّتُهُ مِن حُرُوفِ جُمْلَةٍ أوْ حُرُوفِ مُرَكَّبٍ إضافِيٍّ، مِمّا يَنْطِقُ بِهِ النّاسُ اخْتِصارًا عَنْ ذِكْرِ الجُمْلَةِ كُلِّها لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ لِكَثْرَةِ دَوَرانِ ذَلِكَ عَلى الألْسِنَةِ.

وقَدِ اسْتَعْمَلَ العَرَبُ النَّحْتَ في النَّسَبِ إلى الجُمْلَةِ أوِ المُرَكَّبِ إذا كانَ في النَّسَبِ إلى صَدْرِ ذَلِكَ أوْ إلى عَجُزِهِ التِباسٌ، كَما قالُوا في النِّسْبَةِ إلى عَبْدِ شَمْسٍ“ عَبْشَمِيٌّ ”خَشْيَةَ الِالتِباسِ بِالنَّسَبِ إلى عَبْدٍ أوْ إلى شَمْسٍ، وفي النِّسْبَةِ إلى عَبْدِ الدّارِ“ عَبْدَرِيٌّ ”كَذَلِكَ وإلى حَضْرَمَوْتَ“ حَضْرَمِيٌّ ”قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ الإضافَةِ أيِ النَّسَبِ إلى المُضافِ مِنَ الأسْماءِ: وقَدْ يَجْعَلُونَ لِلنَّسَبِ في الإضافَةِ اسْمًا بِمَنزِلَةِ جَعْفَرِيٍّ ويَجْعَلُونَ فِيهِ مِن حُرُوفِ الأوَّلِ والآخِرِ ولا يُخْرِجُونَهُ مِن حُرُوفِهِما لِيُعْرَفَ اهـ، فَجاءَ مَن خَلْفَهم مِن مُوَلَّدِيِ العَرَبِ واسْتَعْمَلُوا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ في حِكايَةِ الجُمَلِ الَّتِي يَكْثُرُ دَوَرانُها في الألْسِنَةِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ، وذَلِكَ مِن صَدْرِ الإسْلامِ فَصارَتِ الطَّرِيقَةُ عَرَبِيَّةً.

قالَ الرّاعِي:

قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا

أيْ لَمْ يَتْرُكُوا قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ

لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلى غَداةَ لَقِيتُها ∗∗∗ ألا حَبَّذا ذاكَ الحَبِيبُ المُبَسْمِلُ

أيْ قالَتْ بِسْمِ اللَّهِ فَرَقًا مِنهُ، فَأصْلُ بَسْمَلَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أطْلَقَهُ المُوَلَّدُونَ عَلى قَوْلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، اكْتِفاءً واعْتِمادًا عَلى الشُّهْرَةِ وإنْ كانَ هَذا المَنحُوتُ خَلِيًّا مِنَ الحاءِ والرّاءِ اللَّذَيْنِ هُما مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَشاعَ قَوْلُهم: بَسْمَلَ، في مَعْنى قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، واشْتُقَّ مِن فَعْلِ بَسْمَلَ مَصْدَرٌ هو البَسْمَلَةُ كَما اشْتُقَّ مِن هَلَّلَ مَصْدَرٌ هو الهَيْلَلَةُ وهو مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ لِفَعْلَلَ.

واشْتُقَّ مِنهُ اسْمُ فاعِلٍ في بَيْتِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ ولَمْ يُسْمَعِ اشْتِقاقُ اسْمِ مَفْعُولٍ. ورَأيْتُ في شَرْحِ ابْنِ هارُونَ التُّونُسِيِّ عَلى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ في بابِ الأذانِ عَنِ المُطَرِّزِ

صفحة ١٣٨

فِي كِتابِ“ اليَواقِيتِ ”: الأفْعالُ الَّتِي نُحِتَتْ مِن أسْمائِها سَبْعَةٌ: بَسْمَلَ في بِسْمِ اللَّهِ، وسَبْحَلَ في“ سُبْحانَ اللَّهِ ”، وحَيْعَلَ في“ حَيَّ عَلى الصَّلاةِ ”، وحَوْقَلَ في“ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ”، وحَمْدَلَ في“ الحَمْدُ لِلَّهِ ”، وهَلَّلَ في“ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ”، وجَيْعَلَ إذا قالَ“ جُعِلْتُ فِداكَ ”، وزادَ الطَّيْقَلَةَ في“ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ، والدَّمْعَزَةَ في ”أدامَ اللَّهُ عِزَّكَ“ .

ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ قائِلًا بِأنَّها آيَةٌ مِن أوائِلِ جَمِيعِ السُّوَرِ غَيْرَ بَراءَةَ أوْ بَعْضِ السُّوَرِ تَعَيَّنَ عَلى المُفَسِّرِ أنْ يُفَسِّرَ مَعْناها وحُكْمَها ومَوْقِعَها عِنْدَ مَن عَدُّوها آيَةً مِن بَعْضِ السُّوَرِ.

ويَنْحَصِرُ الكَلامُ عَلَيْها في ثَلاثَةِ مَباحِثَ: الأوَّلُ في بَيانِ أهِيَ آيَةٌ مِن أوائِلِ السُّوَرِ أمْ لا. الثّانِي في حُكْمِ الِابْتِداءِ بِها عِنْدَ القِراءَةِ. الثّالِثُ في تَفْسِيرِ مَعْناها …

Al-Faatiha 1:1Listen in Qur'an →
2

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[All] praise is [due] to Allah, Lord of the worlds -

صفحة ١٥٢

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾

الشَّأْنُ في الخِطابِ بِأمْرٍ مُهِمٍّ لَمْ يَسْبِقْ لِلْمُخاطَبِ بِهِ خِطابٌ مِن نَوْعِهِ أنْ يُسْتَأْنَسَ لَهُ قَبْلَ إلْقاءِ المَقْصُودِ وأنْ يُهَيَّأ لِتَلَقِّيهِ، وأنْ يُشَوَّقَ إلى سَماعِ ذَلِكَ وتُراضُ نَفْسُهُ عَلى الِاهْتِمامِ بِالعَمَلِ بِهِ لِيَسْتَعِدَّ لِلتَّلَقِّي بِالتَّخَلِّي عَنْ كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ عائِقًا عَنِ الِانْتِفاعِ بِالهُدى مِن عِنادٍ ومُكابَرَةٍ أوِ امْتِلاءِ العَقْلِ بِالأوْهامِ الضّالَّةِ، فَإنَّ النَّفْسَ لا تَكادُ تَنْتَفِعُ بِالعِظاتِ والنُّذُرِ، ولا تُشْرِقُ فِيها الحِكْمَةُ وصِحَّةُ النَّظَرِ ما بَقِيَ يُخالِجُها العِنادُ والبُهْتانُ، وتُخامِرُ رُشْدَها نَزَغاتُ الشَّيْطانِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ أُولى سُوَرِ الكِتابِ المَجِيدِ بِتَوْقِيفِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى قُرّاءَ كِتابِهِ وفاتِحِي مُصْحَفِهِ إلى أُصُولِ هَذِهِ التَّزْكِيَةِ النَّفْسِيَّةِ بِما لَقَّنَهم أنْ يَبْتَدِئُوا بِالمُناجاةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها سُورَةُ الفاتِحَةِ مِن قَوْلِهِ ”إيّاكَ نَعْبُدُ“ إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَإنَّها تَضَمَّنَتْ أُصُولًا عَظِيمَةً: أوَّلُها التَّخْلِيَةُ عَنِ التَّعْطِيلِ والشِّرْكِ بِما تَضَمَّنَهُ ”إيّاكَ نَعْبُدُ“ . الثّانِي التَّخَلِّي عَنْ خَواطِرِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالتَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ تِجاهَ عَظَمَتِهِ بِما تَضَمَّنَهُ ”وإيّاكَ نَسْتَعِينُ“ . الثّالِثُ الرَّغْبَةُ في التَّحَلِّي بِالرُّشْدِ والِاهْتِداءِ بِما تَضَمَّنَهُ ”اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ“ . الرّابِعُ الرَّغْبَةُ في التَّحَلِّي بِالأُسْوَةِ الحَسَنَةِ بِما تَضَمَّنَهُ ”صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمَتْ عَلَيْهِمْ“ . الخامِسُ التَّهَمُّمُ بِالسَّلامَةِ مِنَ الضَّلالِ الصَّرِيحِ بِما تَضَمَّنَهُ ”غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ“ . السّادِسُ التَّهَمُّمُ بِسَلامَةِ تَفْكِيرِهِمْ مِنَ الِاخْتِلاطِ بِشُبُهاتِ الباطِلِ المُمَوَّهِ بِصُورَةِ الحَقِّ وهو المُسَمّى بِالضَّلالِ لِأنَّ الضَّلالَ خَطَأُ الطَّرِيقِ المَقْصُودِ بِما تَضَمَّنَهُ ولا الضّالِّينَ وأنْتَ إذا افْتَقَدْتَ أُصُولَ نَجاحِ المُرْشِدِ في إرْشادِهِ والمُسْتَرْشِدِ في تَلَقِّيهِ عَلى كَثْرَتِها وتَفارِيعِها وجَدْتَها عاكِفَةً حَوْلَ هَذِهِ الأرْكانِ السِّتَّةِ، فَكُنْ في اسْتِقْصائِها لَبِيبًا. وعَسى أنْ أزِيدَكَ مِن تَفْصِيلِها قَرِيبًا.

وإنَّ الَّذِي لَقَّنَ أهْلَ القُرْآنِ ما فِيهِ جِماعُ طَرائِقِ الرُّشْدِ بِوَجْهٍ لا يُحِيطُ بِهِ غَيْرُ عَلّامِ الغُيُوبِ، لَمْ يُهْمِلْ إرْشادَهم إلى التَّحَلِّي بِزِينَةِ الفَضائِلِ وهي أنْ يُقَدِّرُوا النِّعْمَةَ حَقَّ قَدْرِها بِشُكْرِ المُنْعِمِ بِها فَأراهم كَيْفَ يُتَوِّجُونَ مُناجاتِهِمْ بِحَمْدِ واهِبِ العَقْلِ ومانِحِ التَّوْفِيقِ. ولِذَلِكَ كانَ افْتِتاحُ كُلِّ كَلامٍ مُهِمٍّ بِالتَّحْمِيدِ سُنَّةَ الكِتابِ المَجِيدِ.

صفحة ١٥٣

فَسُورَةُ الفاتِحَةِ بِما تَقَرَّرَ مُنَزَّلَةٌ مِنَ القُرْآنِ مَنزِلَةَ الدِّيباجَةِ لِلْكِتابِ أوِ المُقَدِّمَةِ لِلْخُطْبَةِ، وهَذا الأُسْلُوبُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ في صِناعَةِ الأدَبِ العَرَبِيِّ وهو أعْوَنُ لِلْفَهْمِ وأدْعى لِلْوَعْيِ.

وقَدْ رَسَمَ أُسْلُوبَ الفاتِحَةِ لِلْمُنْشِئِينَ ثَلاثَ قَواعِدَ لِلْمُقَدِّمَةِ:

القاعِدَةُ الأوْلى: إيجازُ المُقَدِّمَةِ لِئَلّا تَمَلَّ نُفُوسُ السّامِعِينَ بِطُولِ انْتِظارِ المَقْصُودِ وهو ظاهِرٌ في الفاتِحَةِ، ولِيَكُونَ سُنَّةً لِلْخُطَباءِ فَلا يُطِيلُوا المُقَدِّمَةَ كَيْ لا يُنْسَبُوا إلى العَيِّ، فَإنَّهُ بِمِقْدارِ ما تُطالُ المُقَدِّمَةُ يَقْصُرُ …

Al-Faatiha 1:2Listen in Qur'an →
3

ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

وصْفانِ مُشْتَقّانِ مِن رَحِمَ، وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ الرَّحْمانَ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ نُقِلَ إلى العَرَبِيَّةِ قالَ وأصْلُهُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ أيْ فَأُبْدِلَتْ خاؤُهُ حاءً مُهْمَلَةً عِنْدَ أكْثَرِ العَرَبِ كَشَأْنِ التَّغْيِيرِ في التَّعْرِيبِ وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ جَرِيرٍ يُخاطِبُ الأخْطَلَ:

أوَ تَتْرُكَنَّ إلى القِسِّيسِ هِجْرَتَكم ومَسْحَكم صُلْبَكم رَخَمانِ قُرْبانا

الرِّوايَةُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ ولَمْ يَأْتِ المُبَرِّدُ بِحُجَّةٍ عَلى ما زَعَمَهُ، ولِمَ لا يَكُونُ الرَّحْمَنُ عَرَبِيًّا كَما كانَ عِبْرانِيًّا فَإنَّ العَرَبِيَّةَ والعِبْرانِيَّةَ أُخْتانِ ورُبَّما كانَتِ العَرَبِيَّةُ الأصْلِيَّةُ أقْدَمُ مِنَ العِبْرانِيَّةِ ولَعَلَّ الَّذِي جَرَّأهُ عَلى ادِّعاءِ أنَّ الرَّحْمانَ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ ما حَكاهُ القُرْآنُ عَنِ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] ويَقْتَضِي أنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ هَذا الِاسْمَ لِلَّهِ تَعالى كَما سَيَأْتِي. وبَعْضُ عَرَبِ اليَمَنِ يَقُولُونَ رَخِمَ رُخْمَةً بِالمُعْجَمَةِ.

واسْمُ الرَّحْمَةِ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِرِقَّةِ الخاطِرِ وانْعِطافِهِ نَحْوَ حَيٍّ بِحَيْثُ تَحْمِلُ مَنِ اتَّصَفَ بِها عَلى الرِّفْقِ بِالمَرْحُومِ والإحْسانِ إلَيْهِ ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْهُ وإعانَتِهِ عَلى المَشاقِّ.

فَهِيَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ النَّفْسانِيَّةِ لِأنَّها انْفِعالٌ، ولِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ انْدِفاعٌ يَحْمِلُ صاحِبَها عَلى أفْعالٍ وُجُودِيَّةٍ بِقَدْرِ اسْتِطاعَتِهِ وعَلى قَدْرِ قُوَّةِ انْفِعالِهِ. فَأصْلُ الرَّحْمَةِ مِن مَقُولَةِ الِانْفِعالِ وآثارُها مِن مَقُولَةِ الفِعْلِ، فَإذا وُصِفَ مَوْصُوفٌ بِالرَّحْمَةِ كانَ مَعْناهُ حُصُولُ الِانْفِعالِ المَذْكُورِ في نَفْسِهِ، وإذا أخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ رَحِمَ غَيْرَهُ فَهو عَلى مَعْنى صَدَرَ عَنْهُ أثَرٌ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ؛ إذْ لا تَكُونُ تَعْدِيَةُ فِعْلِ رَحِمَ إلى المَرْحُومِ إلّا عَلى هَذا المَعْنى فَلَيْسَ لِماهِيَّةِ الرَّحْمَةِ جُزْئِيّاتٌ وُجُودِيَّةٌ ولَكِنَّها جُزْئِيّاتٌ مِن آثارِها.

فَوَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ في اللُّغاتِ ناشِئٌ عَلى مِقْدارِ عَقائِدِ أهْلِها فِيما يَجُوزُ عَلى اللَّهِ ويَسْتَحِيلُ، وكانَ أكْثَرُ الأُمَمِ مُجَسِّمَةٌ ثُمَّ يَجِيءُ ذَلِكَ

صفحة ١٧٠

فِي لِسانِ الشَّرائِعِ تَعْبِيرًا عَنِ المَعانِي العالِيَةِ بِأقْصى ما تَسْمَحُ بِهِ اللُّغاتُ مَعَ اعْتِقادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ أعْراضِ المَخْلُوقاتِ بِالدَّلِيلِ العامِّ عَلى التَّنْزِيهِ وهو مَضْمُونُ قَوْلِ القُرْآنِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فَأهْلُ الإيمانِ إذا سَمِعُوا أوْ أطْلَقُوا وصْفَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لا يَفْهَمُونَ مِنهُ حُصُولَ ذَلِكَ الِانْفِعالِ المَلْحُوظِ في حَقِيقَةِ الرَّحْمَةِ في مُتَعارَفِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِسُطُوعِ أدِلَّةِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الأعْراضِ، بَلْ إنَّهُ يُرادُ بِهَذا الوَصْفِ في جانِبِ اللَّهِ تَعالى إثْباتُ الغَرَضِ الأسْمى مِن حَقِيقَةِ الرَّحْمَةِ وهو صُدُورُ آثارِ الرَّحْمَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللُّطْفِ والإحْسانِ والإعانَةِ؛ لِأنَّ ما عَدا ذَلِكَ مِنَ القُيُودِ المَلْحُوظَةِ في مُسَمّى الرَّحْمَةِ في مُتَعارَفِ النّاسِ لا أهَمِّيَّةَ لَهُ لَوْلا أنَّهُ لا يُمْكِنُ بِدُونِهِ حُصُولُ آثارِهِ فِيهِمْ. ألا تَرى أنَّ المَرْءَ قَدْ يَرْحَمُ أحَدًا ولا يَمْلِكُ لَهُ نَفْعًا لِعَجْزٍ أوْ نَحْوِهِ.

وقَدْ أشارَ إلى ما قُلْناهُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في …

Al-Faatiha 1:3Listen in Qur'an →
4

مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ

Sovereign of the Day of Recompense.

﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

إتْباعُ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِهَذا لَيْسَ لِمُجَرَّدِ سَرْدِ صِفاتٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى، بَلْ هو مِمّا أثارَتْهُ الأوْصافُ المُتَقَدِّمَةُ، فَإنَّهُ لَمّا وُصِفَ تَعالى بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ رِفْقِهِ تَعالى بِالمَرْبُوبِينَ في سائِرِ أكْوانِهِمْ، ثُمَّ التَّنْبِيهِ بِأنَّ تَصَرُّفَهُ تَعالى في الأكْوانِ والأطْوارِ تَصَرُّفُ رَحْمَةٍ عِنْدَ المُعْتَبِرِ، وكانَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ

صفحة ١٧٤

التَّصَرُّفاتِ تَصَرُّفاتُ الأمْرِ والنَّهْيِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّشْرِيعِ الرّاجِعِ إلى حِفْظِ مَصالِحِ النّاسِ عامَّةً وخاصَّةً، وكانَ مُعْظَمُ تِلْكَ التَّشْرِيعاتِ مُشْتَمِلًا عَلى إخْراجِ المُكَلَّفِ عَنْ داعِيَةِ الهَوى الَّذِي يُلائِمُهُ اتِّباعُهُ وفي نَزْعِهِ عَنْهُ إرْغامٌ لَهُ ومَشَقَّةٌ، خِيفَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأوْصافُ المُتَقَدِّمَةُ في فاتِحَةِ الكِتابِ مُخَفِّفًا عَنِ المُكَلَّفِينَ عِبْءَ العِصْيانِ لِما أُمِرُوا بِهِ ومُثِيرًا لِأطْماعِهِمْ في العَفْوِ عَنِ اسْتِخْفافِهِمْ بِذَلِكَ وأنْ يَمْتَلِكَهُمُ الطَّمَعُ فَيَعْتَمِدُوا عَلى ما عَلِمُوا مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ المُؤَكَّدَةِ فَلا يَخْشَوْا غائِلَةَ الإعْراضِ عَنِ التَّكالِيفِ، لِذَلِكَ كانَ مِن مُقْتَضى المَقامِ تَعْقِيبُهُ بِذِكْرِ أنَّهُ صاحِبُ الحُكْمِ في يَوْمِ الجَزاءِ يَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الفِعْلِ سَبَبٌ في الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ لِحِفْظِ مَصالِحِ العالَمِ، وأُحِيطَ ذَلِكَ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وجُعِلَ مِصْداقُ ذَلِكَ الجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ. ولِذَلِكَ اخْتِيرَ هُنا وصْفُ مَلِكِ أوْ مالِكِ مُضافًا إلى يَوْمِ الدِّينِ.

فَأمّا مَلِكٌ فَهو مُؤْذِنٌ بِإقامَةِ العَدْلِ وعَدَمِ الهَوادَةِ فِيهِ لِأنَّ شَأْنَ المَلِكِ أنْ يُدَبِّرَ صَلاحَ الرَّعِيَّةِ ويَذُبَّ عَنْهم، ولِذَلِكَ أقامَ النّاسُ المُلُوكَ عَلَيْهِمْ. ولَوْ قِيلَ رَبُّ يَوْمِ الدِّينِ لَكانَ فِيهِ مَطْمَعٌ لِلْمُفْسِدِينَ يَجِدُونَ مِن شَأْنِ الرَّبِّ رَحْمَةً وصَفْحًا، وأمّا مالِكٌ فَمِثْلُ تِلْكَ في إشْعارِهِ بِإقامَةِ الجَزاءِ عَلى أوْفَقِ كَيْفِيّاتِهِ بِالأفْعالِ المُجْزى عَلَيْها.

فَإنْ قُلْتَ: فَإذا كانَ إجْراءُ الأوْصافِ السّابِقَةِ مُؤْذِنًا بِأنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى فِينا رَحْمَةٌ فَقَدْ كَفى ذَلِكَ في الحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ والِانْتِهاءِ إذِ المَرْءُ لا يُخالِفُ ما هو رَحْمَةٌ بِهِ فَلا جَرَمَ أنْ يَنْساقَ إلى الشَّرِيعَةِ بِاخْتِيارِهِ. قُلْتُ: المُخاطَبُونَ مَراتِبٌ مِنهم مَن لا يَهْتَدِي لِفَهْمِ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ تَعْقِيبِ تِلْكَ الأوْصافِ بِهَذا الوَصْفِ، ومِنهم مَن يَهْتَدِي لِفَهْمِ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يَظُنُّ أنَّ في فِعْلِ المُلائِمِ لَهُ رَحْمَةً بِهِ أيْضًا فَرُبَّما آثَرَ الرَّحْمَةَ المُلائِمَةَ عَلى الرَّحْمَةِ المُنافِرَةِ وإنْ كانَتْ مُفِيدَةً لَهُ، ورُبَّما تَأوَّلَ الرَّحْمَةَ بِأنَّها رَحْمَةٌ لِلْعُمُومِ وأنَّهُ إنَّما يَنالُهُ مِنها حَظٌّ ضَعِيفٌ فَآثَرَ رَحْمَةَ حَظِّهِ الخاصِّ بِهِ عَلى رَحْمَةِ حَظِّهِ التّابِعِ لِلْعامَّةِ.

ورُبَّما تَأوَّلَ أنَّ الرَّحْمَةَ في تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ أغْلَبِيٌّ لا مُطَّرِدٌ وأنَّ وصْفَهُ تَعالى بِالرَّحْمانِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ التَّشْرِيعِ مِن تَكْوِينٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ، ورُبَّما ظَنَّ أنَّ الرَّحْمَةَ في المَآلِ فَآثَرَ عاجِلَ ما يُلائِمُهُ. ورُبَّما عَلِمَ جَمِيعَ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التَّكالِيفُ مِنَ المَصالِحِ …

Al-Faatiha 1:4Listen in Qur'an →
5

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

It is You we worship and You we ask for help.

﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إذا أتَمَّ الحامِدُ حَمْدَ رَبِّهِ يَأْخُذُ في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ بِإظْهارِ الإخْلاصِ لَهُ انْتِقالًا مِنَ الإفْصاحِ عَنْ حَقِّ الرَّبِّ إلى إظْهارِ مُراعاةِ ما يَقْتَضِيهِ حَقُّهُ تَعالى عَلى عَبْدِهِ مِن إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ فَهَذا الكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.

ومُفاتَحَةُ العُظَماءِ بِالتَّمْجِيدِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِمْ قَبْلَ أنْ يُخاطَبُوا طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ.

رَوى

صفحة ١٧٨

أبُو الفَرَجِ الأصْفَهانِيُّ عَنْ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ النُّعْمانِ فَنادَمْتُهُ وأكَلْتُ مَعَهُ فَبَيْنا أنا عَلى ذَلِكَ مَعَهُ في قُبَّةٍ إذا رَجُلٌ يَرْتَجِزُ حَوْلَها:

أصُمَّ أمْ يَسْمَعُ رَبُّ القُبَّهْ يا أوْهَبُ النّاسِ لِعِيسٍ صُلْبَهْ

ضَرّابَةٍ بِالمِشْغَرِ الأذِبَّهْ

ذاتِ هِبابٍ في يَدَيْها خُلْبَهْ

فِي لاحِبٍ كَأنَّهُ الأطِبَّهْ

فَقالَ النُّعْمانُ: ألَيْسَ بِأبِي أُمامَةَ ؟ كُنْيَةُ النّابِغَةِ قالُوا: بَلى، قالَ: فَأذِنُوا لَهُ فَدَخَلَ.

والِانْتِقالُ مِن أُسْلُوبِ الحَدِيثِ بِطَرِيقِ الغائِبِ المُبْتَدَأِ مِن قَوْلِهِ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ إلى قَوْلِهِ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، إلى أُسْلُوبِ طَرِيقِ الخِطابِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ إيّاكَ نَعْبُدُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَنٌّ بَدِيعٌ مِن فُنُونِ نَظْمِ الكَلامِ البَلِيغِ عِنْدَ العَرَبِ، وهو المُسَمّى في عِلْمِ الأدَبِ العَرَبِيِّ والبَلاغَةِ التِفاتًا. وفي ضابِطِ أُسْلُوبِ الِالتِفاتِ رَأْيانِ لِأئِمَّةِ عِلْمِ البَلاغَةِ: أحَدُهُما رَأْيُ مَن عَدا السَّكّاكِيِّ مِن أئِمَّةِ البَلاغَةِ وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ بَعْدَ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذاتٍ بِأحَدِ طُرُقٍ ثَلاثَةٍ مِن تَكَلُّمٍ أوْ غَيْبَةٍ أوْ خِطابٍ يَنْتَقِلُ في كَلامِهِ ذَلِكَ فَيُعَبِّرُ عَنْ تِلْكَ الذّاتِ بِطَرِيقٍ آخَرَ مِن تِلْكَ الثَّلاثَةِ، وخالَفَهُمُ السَّكّاكِيُّ فَجَعَلَ مُسَمّى الِالتِفاتِ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذاتٍ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ التَّكَلُّمِ أوِ الخِطابِ أوِ الغَيْبَةِ عادِلًا عَنْ أحَدِهِما الَّذِي هو الحَقِيقُ بِالتَّعْبِيرِ في ذَلِكَ الكَلامِ إلى طَرِيقٍ آخَرَ مِنها.

ويَظْهَرُ أثَرُ الخِلافِ بَيْنَ الجُمْهُورِ والسَّكّاكِيِّ في المُحَسِّنِ الَّذِي يُسَمّى بِالتَّجْرِيدِ في عِلْمِ البَدِيعِ مِثْلَ قَوْلِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ في طالِعِ قَصِيدَتِهِ:

طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ

مُخاطِبًا نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ، فَهَذا لَيْسَ بِالتِفاتٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الِالتِفاتِ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ، فَتَسْمِيَةُ الِالتِفاتِ التِفاتًا عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ بِاعْتِبارِ أنَّ عُدُولَ المُتَكَلِّمِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ إلى طَرِيقٍ آخَرَ يُشْبِهُ حالَةَ النّاظِرِ إلى شَيْءٍ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْهُ، وأمّا تَسْمِيَتُهُ التِفاتًا عَلى رَأْيِ السَّكّاكِيِّ فَتَجْرِي عَلى اعْتِبارِ الغالِبِ مِن صُوَرِ الِالتِفاتِ دُونَ صُورَةِ التَّجْرِيدِ، ولَعَلَّ السَّكّاكِيَّ التَزَمَ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لِأنَّها تَقَرَّرَتْ مِن قَبْلِهِ فَتابَعَ هو الجُمْهُورَ في هَذا الِاسْمِ. ومِمّا يَجِبُ

صفحة ١٧٩

التَّنَبُّهُ لَهُ أنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ مُعْتَبَرٌ مِن قَبِيلِ الغائِبِ عَلى كِلا الرَّأْيَيْنِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾“ التِفاتًا عَلى كِلا الرَّأْيَيْنِ لِأنَّ ما سَبَقَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ”﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾“ تَعْبِيرٌ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ وهو اسْمُ الجَلالَةِ وصِفاتُهُ. ولِأهْلِ البَلاغَةِ عِنايَةٌ بِالِالتِفاتِ لِأنَّ فِيهِ تَجْدِيدَ أُسْلُوبِ التَّعْبِيرِ …

Al-Faatiha 1:5Listen in Qur'an →
6

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

Guide us to the straight path -

صفحة ١٨٧

﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ تَهَيَّأ لِأصْحابِ هَذِهِ المُناجاةِ أنْ يَسْعَوْا إلى طَلَبِ حُظُوظِهِمُ الشَّرِيفَةِ مِنَ الهِدايَةِ بَعْدَ أنْ حَمِدُوا اللَّهَ ووَصَفُوهُ بِصِفاتِ الجَلالَةِ ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] الَّذِي هو واسِطَةٌ جامِعٌ بَيْنَ تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ وهي حَظُّ العَبْدِ بِأنَّهُ عابِدٌ ومُسْتَعِينٌ وأنَّهُ قاصِرٌ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ واسِطَةً بَيْنَ الثَّناءِ وبَيْنَ الطَّلَبِ، حَتّى إذا ظَنُّوا بِرَبِّهِمُ الإقْبالَ عَلَيْهِمْ ورَجَوْا مِن فَضْلِهِ، أفْضَوْا إلى سُؤْلِ حَظِّهِمْ فَقالُوا ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فَهو حَظُّ الطّالِبِينَ خاصَّةً لِما يَنْفَعُهم في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ، فَهَذا هو التَّوْجِيهُ المُناسِبُ لِكَوْنِ الفاتِحَةِ بِمَنزِلَةِ الدِّيباجَةِ لِلْكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ هُدًى لِلنّاسِ ورَحْمَةً فَتَتَنَزَّلُ هاتِهِ الجُمْلَةُ مِمّا قَبْلَها مَنزِلَةَ المَقْصِدِ مِنَ الدِّيباجَةِ، أوِ المَوْضُوعِ مِنَ الخُطْبَةِ، أوِ التَّخَلُّصِ مِنَ القَصِيدَةِ، ولِاخْتِلافِ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مَعَها بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ فُصِلَتْ هَذِهِ عَنْهُنَّ، وهَذا أوْلى في التَّوْجِيهِ مِن جَعْلِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ.

والهِدايَةُ الدَّلالَةُ بِتَلَطُّفٍ ولِذَلِكَ خُصَّتْ بِالدَّلالَةِ لِما فِيهِ خَيْرُ المَدْلُولِ لِأنَّ التَّلَطُّفَ يُناسِبُ مَن أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ، وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِنَفْسِهِ لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى الإرْشادِ، ويَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي وهو المُهْدى إلَيْهِ بِإلى وبِاللّامِ، والِاسْتِعْمالانِ وارِدانِ، تَقُولُ: هَدَيْتُهُ إلى كَذا عَلى مَعْنى أوْصَلْتُهُ إلى مَعْرِفَتِهِ، وهَدَيْتُهُ لِكَذا عَلى مَعْنى أرْشَدْتُهُ لِأجْلِ كَذا ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَدْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِنَفْسِهِ كَما هُنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عَرَفَ، قِيلَ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وأمّا غَيْرُهم فَلا يُعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ وقَدْ جَعَلُوا تَعْدِيَتَهُ بِنَفْسِهِ مِنَ التَّوَسُّعِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالحَذْفِ والإيصالِ.

وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَ المُتَعَدِّي وغَيْرِهِ أنَّ المُتَعَدِّيَ يُسْتَعْمَلُ في الهِدايَةِ لِمَن كانَ في الطَّرِيقِ ونَحْوِهِ لِيَزْدادَ هُدًى، ومَصْدَرُهُ حِينَئِذٍ الهِدايَةُ، وأمّا هَداهُ إلى كَذا أوْ لِكَذا فَيُسْتَعْمَلُ لِمَن لَمْ يَكُنْ سائِرًا في الطَّرِيقِ ومَصْدَرُهُ هُدًى، وكَأنَّ صاحِبَ هَذا القَوْلِ نَظَرَ إلى أنَّ المُتَعَدِّيَ بِالحَرْفِ إنَّما عُدِّيَ لِتَقْوِيَتِهِ، والتَّقْوِيَةُ إمّا أنْ يَقْصِدَ بِها تَقْوِيَةَ العامِلِ لِضَعْفِهِ في العَمَلِ بِالفَرْعِيَّةِ أوِ التَّأْخِيرِ، وإمّا أنْ يَقْصِدَ بِها تَقْوِيَةَ مَعْناهُ، والحَقُّ أنَّ هَذا إنْ تَمَّ فَهو أغْلَبِيٌّ عَلى أنَّهُ تَخْصِيصٌ مِنَ الِاسْتِعْمالِ فَلا يَقْتَضِي كَوْنُ الفِعْلِ مُخْتَلِفَ المَعْنى؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا تَخْتَلِفُ مَعانِيهِ بِاعْتِبارِ كَيْفِيَّةِ تَعْدِيَتِهِ إلّا إذا ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ،

صفحة ١٨٨

عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الهُدى والهِدايَةِ اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ هو الهَدْيُ. والَّذِي أراهُ أنَّ التَّعْدِيَةَ والقُصُورَ لَيْسا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُصْنَعُ بِاليَدِ أوْ يَصْطَلِحُ عَلَيْها أحَدٌ، بَلْ هي جارِيَةٌ عَلى مَعْنى الحَدَثِ المَدْلُولِ لِلْفِعْلِ فَإنْ كانَ الحَدَثُ يَتَقَوَّمُ …

Al-Faatiha 1:6Listen in Qur'an →
7

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have evoked [Your] anger or of those who are astray.

صفحة ١٩٢

﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإنَّما جاءَ نَظْمُ الآيَةِ بِأُسْلُوبِ الإبْدالِ أوِ البَيانِ دُونَ أنْ يُقالَ: اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ المُسْتَقِيمَ، لِفائِدَتَيْنِ: الأُولى: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الطَّلَبِ ابْتِداءً هو كَوْنُ المُهْدى إلَيْهِ وسِيلَةً لِلنَّجاةِ واضِحَةً سَمْحَةً سَهْلَةً، وأمّا كَوْنُها سَبِيلَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأمْرٌ زائِدٌ لِبَيانِ فَضْلِهِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ ما في أُسْلُوبِ الإبْدالِ مِنَ الإجْمالِ المُعَقَّبِ بِالتَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنَ مَعْنى الصِّراطِ لِلْمَطْلُوبِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لُقِّنُوا هَذا الدُّعاءَ فَيَكُونُ لَهُ مِنَ الفائِدَةِ مِثْلُ ما لِلتَّوْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، وأيْضًا لِما في هَذا الأُسْلُوبِ مِن تَقْرِيرِ حَقِيقَةِ هَذا الصِّراطِ وتَحْقِيقِ مَفْهُومِهِ في نُفُوسِهِمْ فَيَحْصُلُ مَفْهُومُهُ مَرَّتَيْنِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الفائِدَةِ ما يَحْصُلُ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ واعْتِبارِ البَدَلِيَّةِ مُساوٍ لِاعْتِبارِهِ عَطْفَ بَيانٍ لا مَزِيَّةَ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ خِلافًا لِمَن حاوَلَ التَّفاضُلَ بَيْنَهُما، إذِ التَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ عَطْفَ البَيانِ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنَ البَدَلِ وهو البَدَلُ المُطابِقُ وهو الَّذِي لَمْ يُفْصِحْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ عَلى تَفْرِقَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ بَيْنَهُما ولا شاهِدًا يُعَيِّنُ المَصِيرَ إلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ.

قالَ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ ما فائِدَةُ البَدَلِ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ لِما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ اهـ فَأفْهَمَ كَلامُهُ أنَّ فائِدَةَ الإبْدالِ أمْرانِ يَرْجِعانِ إلى التَّوْكِيدِ وهُما ما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ أيْ تَكْرارِ لَفْظِ البَدَلِ ولَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ وعَنى بِالتَّكْرِيرِ ما يُفِيدُهُ البَدَلُ عِنْدَ النُّحاةِ مِن تَكْرِيرِ العامِلِ، وهو الَّذِي مَهَّدَ لَهُ في صَدْرِ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ كَأنَّهُ قِيلَ: اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ، وسَمّاهُ تَكْرِيرًا لِأنَّهُ إعادَةٌ لِلَّفْظِ بِعَيْنِهِ، بِخِلافِ إعادَةِ لَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ فَإنَّهُ إعادَةٌ لَهُ بِما يَتَّحِدُ مَعَ ما صَدَقَهُ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالتَّكْرِيرِ وبِالتَّثْنِيَةِ، ومُرادُهُ أنَّ مِثْلَ هَذا البَدَلِ وهو الَّذِي فِيهِ إعادَةُ لَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ يُفِيدُ فائِدَةَ البَدَلِ وفائِدَةَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لا يَتَأتّى عَلى وجْهٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ البُلَغاءِ إلّا بِهَذا الصَّوْغِ البَدِيعِ.

وإنَّ إعادَةَ الِاسْمِ في البَدَلِ أوِ البَيانِ لِيُبْنى عَلَيْهِ ما يُرادُ تَعَلُّقُهُ بِالِاسْمِ الأوَّلِ أُسْلُوبٌ بَهِيجٌ مِنَ الكَلامِ البَلِيغِ لِإشْعارِ إعادَةِ اللَّفْظِ بِأنَّ مَدْلُولَهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ وأنَّهُ حَبِيبٌ إلى النَّفْسِ، ومِثْلُهُ تَكْرِيرُ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] فَإنَّ إعادَةَ فِعْلِ (مَرُّوا) وفِعْلِ (أغْوَيْناهم) وتَعْلِيقِ المُتَعَلِّقِ بِالفِعْلِ المُعادِ دُونَ الفِعْلِ الأوَّلِ تَجِدُ لَهُ مِنَ الرَّوْعَةِ والبَهْجَةِ ما لا تَجِدُهُ لِتَعْلِيقِهِ بِالفِعْلِ الأوَّلِ

صفحة ١٩٣

دُونَ إعادَةٍ، ولَيْسَتِ الإعادَةُ في مِثْلِهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهُ قَدْ زِيدَ عَلَيْهِ ما تَعَلَّقَ بِهِ. قالَ …

Al-Faatiha 1:7Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.