Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 286

61

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍۢ وَٰحِدٍۢ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًۭا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allah [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allah and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾

هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها بِأُسْلُوبٍ واحِدٍ. وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ جارٍ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ وما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ قَبْلَها هو مِن تَعْدادِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مَحْضَةً أوْ مَخْلُوطَةً بِسُوءِ شُكْرِهِمْ وبِتَرَتُّبِ النِّعْمَةِ عَلى ذَلِكَ الصَّنِيعِ بِالعَفْوِ ونَحْوِهِ كَما تَقَدَّمَ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ نِعْمَةً أيْضًا. ولِلْمُفَسِّرِينَ حَيْرَةٌ في الإشارَةِ إلَيْها فَيُؤْخَذُ مِن كَلامِ الفَخْرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ هو كالإجابَةِ لِما طَلَبُوهُ، يَعْنِي والإجابَةُ إنْعامٌ. ولَوْ كانَ مُعَلَّقًا عَلى دُخُولِ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ إعْطاءَهم ما سَألُوهُ لَمْ يَثْبُتْ وُقُوعُهُ.

ويُؤْخَذُ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ الَّذِي صَدَّرَ الفَخْرُ بِنَقْلِهِ ووَجَّهَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ أنَّ سُؤالَهم تَعْوِيضَ المَنِّ والسَّلْوى بِالبَقْلِ ونَحْوِهِ مَعْصِيَةٌ لِما فِيهِ مِن كَراهَةِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ إذْ عَبَّرُوا عَنْ تَناوُلِها

صفحة ٥٢١

بِالصَّبْرِ، والصَّبْرُ هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى الأمْرِ المَكْرُوهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ فَيَكُونُ مَحَلُّ النِّعْمَةِ هو الصَّفْحَ عَنْ هَذا الذَّنْبِ والتَّنازُعَ مَعَهم إلى الإجابَةِ بِقَوْلِهِ: اهْبِطُوا، ولا يَخْفى أنَّ هَذا بَعِيدٌ إذْ لَيْسَ في قَوْلِهِ اهْبِطُوا إنْعامٌ عَلَيْهِمْ ولا في سُؤالِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَصَوْا لِأنَّ طَلَبَ الِانْتِقالِ مِن نِعْمَةٍ لِغَيْرِها لِغَرَضٍ مَعْرُوفٍ لا يُعَدُّ مَعْصِيَةً كَما بَيَّنَهُ الفَخْرُ. فالَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّها انْتِقالٌ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ المُعْقَبَةِ بِنِعَمٍ أُخْرى إلى بَيانِ سُوءِ اخْتِيارِهِمْ في شَهَواتِهِمْ والِاخْتِيارُ دَلِيلُ عَقْلِ اللَّبِيبِ، وإنْ كانَ يَخْتارُ مُباحًا، مَعَ ما في صِيغَةِ طَلَبِهِمْ مِنَ الجَفاءِ وقِلَّةِ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ومَعَ المُنْعِمِ إذْ قالُوا لَنْ نَصْبِرَ فَعَبَّرُوا عَنْ تَناوُلِ المَنِّ والسَّلْوى بِالصَّبْرِ المُسْتَلْزِمِ الكَراهِيَةَ، وأتَوْا بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”لَنْ“ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ مِن أنَّهم لا يَتَناوَلُونَ المَنَّ والسَّلْوى مِنَ الآنَ فَإنَّ (لَنْ) تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ النَّفْيِ لِأزْمِنَةِ فِعْلِ نَصْبِرُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها وهو مَعْنى التَّأبِيدِ وفي ذَلِكَ إلْجاءٌ لِمُوسى أنْ يُبادِرَ بِالسُّؤالِ يَظُنُّونَ أنَّهم أيْأسُوهُ مِن قَبُولِ المَنِّ والسَّلْوى بَعْدَ ذَلِكَ الحِينِ، فَكانَ جَوابُ اللَّهِ لَهم في هَذِهِ الطَّلِبَةِ أنْ قَطَعَ عِنايَتَهُ بِهِمْ وأهْمَلَهم ووَكَلَهم إلى نُفُوسِهِمْ ولَمْ يُرِهِمْ ما عَوَّدَهم مِن إنْزالِ الطَّعامِ وتَفْجِيرِ العُيُونِ بَعْدَ فَلْقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ، بَلْ قالَ لَهُمُ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ فَأمَرَهم بِالسَّعْيِ لِأنْفُسِهِمْ وكَفى بِذَلِكَ تَأْدِيبًا وتَوْبِيخًا، قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن جَهْلِ المُرِيدِ أنْ يُسِيءَ الأدَبَ فَتُؤَخَّرَ العُقُوبَةُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَوْ كانَ في هَذا إساءَةٌ لَعُوقِبْتُ فَقَدْ يُقْطَعُ المَدَدُ عَنْهُ …

Al-Baqara 2:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muhammad] - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

تَوَسَّطَتْ هاتِهِ الآيَةُ بَيْنَ آياتِ ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وبِما قابَلُوا بِهِ تِلْكَ النِّعَمَ مِنَ الكُفْرانِ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ فَجاءَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَها لِمُناسَبَةٍ يُدْرِكُها كُلُّ بَلِيغٍ وهي أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ سُوءِ مُقابَلَتِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى قَدْ جَرَّتْ عَلَيْهِمْ ضَرْبَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ورُجُوعَهم بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ ولَمّا كانَ الإنْحاءُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْزِعَهم إلى طَلَبِ الخَلاصِ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَتْرُكِ اللَّهُ تَعالى عادَتَهُ مَعَ خَلْقِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ بِهِمْ وإرادَتِهِ صَلاحَ حالِهِمْ فَبَيَّنَ لَهم في هاتِهِ الآيَةِ أنَّ بابَ اللَّهِ مَفْتُوحٌ لَهم وأنَّ اللُّجْءَ إلَيْهِ أمْرٌ هَيِّنٌ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَعْمَلُوا الصّالِحاتِ ومِن بَدِيعِ البَلاغَةِ أنْ قَرَنَ مَعَهم في ذَلِكَ ذِكْرَ بَقِيَّةٍ مِنَ الأُمَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِوَحْشَةِ اليَهُودِ مِنَ القَوارِعِ السّابِقَةِ في الآياتِ الماضِيَةِ وإنْصافًا لِلصّالِحِينَ مِنهم، واعْتِرافًا بِفَضْلِهِمْ، وتَبْشِيرًا لِصالِحِي الأُمَمِ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا مِثْلَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ عِيسى وامْتَثَلُوا لِأنْبِيائِهِمْ، ومِثْلَ الحَوارِيِّينَ، والمَوْجُودِينَ في زَمَنِ نُزُولِ الآيَةِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وصُهَيْبٍ، فَقَدْ وفَّتِ الآيَةُ حَقَّ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّرْغِيبِ والبِشارَةِ، وراعَتِ المُناسَبَتَيْنِ لِلْآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مُناسَبَةَ اقْتِرانِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ، ومُناسَبَةَ ذِكْرِ الضِّدِّ بَعْدَ الكَلامِ عَلى ضِدِّهِ.

فَمَجِيءُ (إنَّ) هُنا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وتَحْقِيقِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ ما سَبَقَ مِنَ المَذَمّاتِ شامِلٌ لِجَمِيعِ اليَهُودِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَتَوَهَّمُ أنَّ سَلَفَ الأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ كانُوا مِثْلَهم في الضَّلالِ. ولَقَدْ عَجِبَ بَعْضُ الأصْحابِ لَمّا ذَكَرْتُ لَهم أنِّي حِينَ حَلَلْتُ في رُومَةَ تَبَرَّكْتُ بِزِيارَةِ

صفحة ٥٣٢

قَبْرِ القِدِّيسِ بُطْرُسَ تَوَهُّمًا مِنهم بِكَوْنِ قَبْرِهِ في كَنِيسَةِ رُومَةَ فَبَيَّنْتُ لَهم أنَّهُ أحَدُ الحَوارِيِّينَ أصْحابِ المَسِيحِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وابْتُدِئَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ لِيَكُونُوا في مُقَدِّمَةِ ذِكْرِ الفاضِلِينَ فَلا يُذْكَرُ أهْلُ الخَيْرِ إلّا ويُذْكَرُونَ مَعَهم، ومِن مُراعاةِ هَذا المَقْصِدِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٦٢] أيِ الَّذِينَ هادُوا ﴿والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٢] الآيَةَ، ولِأنَّهُمُ القُدْوَةُ لِغَيْرِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِالنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا لَقَبٌ لِلْأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ في عُرْفِ القُرْآنِ.

﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هم بَنُو إسْرائِيلَ وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِمْ وإنَّما نَذْكُرُ هُنا وجْهَ وصْفِهِمْ بِالَّذِينَ هادُوا، ومَعْنى هادُوا كانُوا يَهُودًا أوْ دانُوا بِدِينِ اليَهُودِ.

وأصْلُ اسْمِ يَهُودَ مَنقُولٌ في …

Al-Baqara 2:62Listen in Qur'an →
63

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

تَذْكِيرٌ بِقِصَّةٍ أُخْرى أرى اللَّهَ تَعالى أسْلافَهم فِيها بَطْشَهُ ورَحْمَتَهُ فَلَمْ يَرْتَدِعُوا ولَمْ يَشْكُرُوا وهي أنَّ أخْذَ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَعْمَلُوا بِالشَّرِيعَةِ وذَلِكَ حِينَما تَجَلّى اللَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الطُّورِ تَجَلِّيًا خاصًّا لِلْجَبَلِ فَتَزَعْزَعَ الجَبَلُ وتَزَلْزَلَ وارْتَجَفَ وأحاطَ بِهِ دُخّانٌ وضَبابٌ ورُعُودٌ وبَرْقٌ كَما ورَدَ في صِفَةِ ذَلِكَ في الفَصْلِ التّاسِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ وفي الفَصْلِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ فَلَعَلَّ الجَبَلَ مِن شِدَّةِ الزَّلازِلِ مِمّا ظَهَرَ حَوْلَهُ مِنَ الأسْحِبَةِ والدُّخانِ والرُّعُودِ صارَ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحابَةٌ، ولِذَلِكَ وُصِفَ في آيَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ ”﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]“ نَتَقَهُ زَعْزَعَهُ ونَقَضَهُ حَتّى يُخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ يَهْتَزُّ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمُ اسْتَطارَهُ إذا أزْعَجَهُ فاضْطَرَبَ فَأعْطَوُا العَهْدَ وامْتَثَلُوا لِجَمِيعِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقالُوا كُلُّ ما تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ نَفْعَلُهُ فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى فَلْيُؤْمِنُوا بِكَ إلى الأبَدِ ولَيْسَ في كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ ولا في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قَلَعَ الطُّورَ مِن مَوْضِعِهِ ورَفَعَهُ فَوْقَهم وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ في أخْبارٍ ضِعافٍ فَلِذَلِكَ لَمْ نَعْتَمِدْهُ في التَّفْسِيرِ.

وضَمائِرُ الخِطابِ لِتَحْمِيلِ الخَلَفِ تَبِعاتِ السَّلَفِ

صفحة ٥٤٢

كَيْلا يَقَعُوا في مِثْلِها ولِيَسْتَغْفِرُوا لِأسْلافِهِمْ عَنْها. والمِيثاقُ في هاتِهِ الآيَةِ كالعَهْدِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مُرادٌ بِهِ الشَّرِيعَةُ ووَعَدَهم بِالعَمَلِ بِها وقَدْ سَمَّتْهُ كُتُبُهم عَهْدًا كَما قَدَّمْنا وهو إلى الآنِ كَذَلِكَ في كُتُبِهِمْ. وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرَسُولِنا ﷺ .

والطُّورُ عَلَمٌ عَلى جَبَلٍ بِبَرِّيَّةِ سِينا، ويُقالُ إنَّ الطُّورَ اسْمُ جِنْسٍ لِلْجِبالِ في لُغَةِ الكَنْعانِيِّينَ نُقِلَ إلى العَرَبِيَّةِ وأنْشَدُوا قَوْلَ العَجّاجِ:

دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرْ تَقَضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَرْ

فَإذا صَحَّ ذَلِكَ فَإطْلاقُهُ عَلى هَذا الجَبَلِ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ في العِبْرِيَّةِ لِأنَّهم وجَدُوا الكَنْعانِيِّينَ يَذْكُرُونَهُ فَيَقُولُونَ الطُّورَ يَعْنُونَ الجَبَلَ كَلِمَةٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهم أنْ عَرَفُوها فَحَسِبُوها عَلَمًا لَهُ فَسَمَّوْهُ الطُّورَ. وقَوْلُهُ ”﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾“ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قائِلِينَ لَهم خُذُوا، وذَلِكَ هو الَّذِي أُخِذَ المِيثاقُ عَلَيْهِ. والأخْذُ مَجازٌ عَنِ التَّلَقِّي والتَّفَهُّمِ. والقُوَّةُ مَجازٌ في الإيعاءِ وإتْقانِ التَّلَقِّي والعَزِيمَةِ عَلى العَمَلِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ مَجازًا عَنِ الِامْتِثالِ أيِ اذْكُرُوهُ عِنْدَ عَزْمِكم عَلى الأعْمالِ حَتّى تَكُونَ أعْمالُكم جارِيَةً عَلى وفْقِ ما فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالذِّكْرِ التَّفَهُّمُ بِدَلِيلِ حَرْفِ في المُؤْذِنِ بِالظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ أيِ اسْتِنْباطِ الفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ. والمُرادُ بِما آتاهم ما أوْحاهُ إلى مُوسى وهو الكَلِماتُ العَشْرُ الَّتِي هي …

Al-Baqara 2:63Listen in Qur'an →
64

ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have been among the losers.

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

تَذْكِيرٌ بِقِصَّةٍ أُخْرى أرى اللَّهَ تَعالى أسْلافَهم فِيها بَطْشَهُ ورَحْمَتَهُ فَلَمْ يَرْتَدِعُوا ولَمْ يَشْكُرُوا وهي أنَّ أخْذَ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَعْمَلُوا بِالشَّرِيعَةِ وذَلِكَ حِينَما تَجَلّى اللَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الطُّورِ تَجَلِّيًا خاصًّا لِلْجَبَلِ فَتَزَعْزَعَ الجَبَلُ وتَزَلْزَلَ وارْتَجَفَ وأحاطَ بِهِ دُخّانٌ وضَبابٌ ورُعُودٌ وبَرْقٌ كَما ورَدَ في صِفَةِ ذَلِكَ في الفَصْلِ التّاسِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ وفي الفَصْلِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ فَلَعَلَّ الجَبَلَ مِن شِدَّةِ الزَّلازِلِ مِمّا ظَهَرَ حَوْلَهُ مِنَ الأسْحِبَةِ والدُّخانِ والرُّعُودِ صارَ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحابَةٌ، ولِذَلِكَ وُصِفَ في آيَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ ”﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]“ نَتَقَهُ زَعْزَعَهُ ونَقَضَهُ حَتّى يُخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ يَهْتَزُّ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمُ اسْتَطارَهُ إذا أزْعَجَهُ فاضْطَرَبَ فَأعْطَوُا العَهْدَ وامْتَثَلُوا لِجَمِيعِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقالُوا كُلُّ ما تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ نَفْعَلُهُ فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى فَلْيُؤْمِنُوا بِكَ إلى الأبَدِ ولَيْسَ في كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ ولا في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قَلَعَ الطُّورَ مِن مَوْضِعِهِ ورَفَعَهُ فَوْقَهم وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ في أخْبارٍ ضِعافٍ فَلِذَلِكَ لَمْ نَعْتَمِدْهُ في التَّفْسِيرِ.

وضَمائِرُ الخِطابِ لِتَحْمِيلِ الخَلَفِ تَبِعاتِ السَّلَفِ

صفحة ٥٤٢

كَيْلا يَقَعُوا في مِثْلِها ولِيَسْتَغْفِرُوا لِأسْلافِهِمْ عَنْها. والمِيثاقُ في هاتِهِ الآيَةِ كالعَهْدِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مُرادٌ بِهِ الشَّرِيعَةُ ووَعَدَهم بِالعَمَلِ بِها وقَدْ سَمَّتْهُ كُتُبُهم عَهْدًا كَما قَدَّمْنا وهو إلى الآنِ كَذَلِكَ في كُتُبِهِمْ. وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرَسُولِنا ﷺ .

والطُّورُ عَلَمٌ عَلى جَبَلٍ بِبَرِّيَّةِ سِينا، ويُقالُ إنَّ الطُّورَ اسْمُ جِنْسٍ لِلْجِبالِ في لُغَةِ الكَنْعانِيِّينَ نُقِلَ إلى العَرَبِيَّةِ وأنْشَدُوا قَوْلَ العَجّاجِ:

دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرْ تَقَضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَرْ

فَإذا صَحَّ ذَلِكَ فَإطْلاقُهُ عَلى هَذا الجَبَلِ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ في العِبْرِيَّةِ لِأنَّهم وجَدُوا الكَنْعانِيِّينَ يَذْكُرُونَهُ فَيَقُولُونَ الطُّورَ يَعْنُونَ الجَبَلَ كَلِمَةٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهم أنْ عَرَفُوها فَحَسِبُوها عَلَمًا لَهُ فَسَمَّوْهُ الطُّورَ. وقَوْلُهُ ”﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾“ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قائِلِينَ لَهم خُذُوا، وذَلِكَ هو الَّذِي أُخِذَ المِيثاقُ عَلَيْهِ. والأخْذُ مَجازٌ عَنِ التَّلَقِّي والتَّفَهُّمِ. والقُوَّةُ مَجازٌ في الإيعاءِ وإتْقانِ التَّلَقِّي والعَزِيمَةِ عَلى العَمَلِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ مَجازًا عَنِ الِامْتِثالِ أيِ اذْكُرُوهُ عِنْدَ عَزْمِكم عَلى الأعْمالِ حَتّى تَكُونَ أعْمالُكم جارِيَةً عَلى وفْقِ ما فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالذِّكْرِ التَّفَهُّمُ بِدَلِيلِ حَرْفِ في المُؤْذِنِ بِالظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ أيِ اسْتِنْباطِ الفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ. والمُرادُ بِما آتاهم ما أوْحاهُ إلى مُوسى وهو الكَلِماتُ العَشْرُ الَّتِي هي …

Al-Baqara 2:64Listen in Qur'an →
65

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ هَذِهِ مِن جُمْلَةِ الأخْبارِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى تَذْكِيرًا لِلْيَهُودِ بِما أتاهُ سَلَفُهم مِنَ الِاسْتِخْفافِ بِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى وبِما عُرِضَ في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ الزَّواجِرِ والرَّحْمَةِ والتَّوْبَةِ وإنَّما خالَفَ في حِكايَةِ هاتِهِ القِصَّةِ أُسْلُوبَ حِكايَةِ ما تَقَدَّمَها وما تَلاها مِن ذِكْرِ (إذِ) المُؤْذِنَةِ بِزَمَنِ القِصَّةِ والمُشْعِرَةِ بِتَحَقُّقِ وُقُوعِها إلى قَوْلِهِ هُنا ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ لِمَعْنًى بَدِيعٍ هو مِن وُجُوهِ إعْجازِ القُرْآنِ وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ المُشارَ إلَيْها بِهَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ مِنَ القَصَصِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها كُتُبُ التَّوْراةِ مِثْلَ القَصَصِ الأُخْرى المَأْتِيِّ في حِكايَتِها بِكَلِمَةِ إذْ لِأنَّها مُتَواتِرَةٌ عِنْدَهم بَلْ هَذِهِ القِصَّةُ وقَعَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ غَيْرَ مَسْطُورَةٍ في الأسْفارِ القَدِيمَةِ وكانَتْ مَعْرُوفَةً لِعُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلَيْها وتِلْكَ مُعْجِزَةٌ غَيْبِيَّةٌ وأوْحى إلَيْهِ في لَفْظِها ما يُؤْذِنُ بِأنَّ العِلْمَ بِها أخْفى مِنَ العِلْمِ بِالقَصَصِ الأُخْرى فَأسْنَدَ الأمْرَ فِيها لِعِلْمِهِمْ إذْ قالَ ”﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾“ والِاعْتِداءُ وزْنُهُ افْتِعالٌ مِنَ العَدُوِّ وهو تَجاوُزُ حَدِّ السَّيْرِ والحَدِّ والغايَةِ. وغَلَبَ إطْلاقُ الِاعْتِداءِ عَلى مُخالَفَةِ الحَقِّ وظُلْمِ النّاسِ والمُرادُ هُنا اعْتِداءُ الأمْرِ الشَّرْعِيِّ لِأنَّ الأمْرَ الشَّرْعِيَّ يُشَبَّهُ بِالحَدِّ في أنَّهُ يُؤْخَذُ بِما شَمِلَهُ ولا يُؤْخَذُ بِما وراءَهُ. والِاعْتِداءُ الواقِعُ مِنهم هو اعْتِداءُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم مِن عَهْدِ مُوسى بِأنْ يُحافِظُوا عَلى حُكْمِ السَّبْتِ وعَدَمِ الِاكْتِسابِ فِيهِ لِيَتَفَرَّغُوا فِيهِ لِلْعِبادَةِ بِقَلْبٍ خالِصٍ مِنَ الشُّغْلِ بِالدُّنْيا، فَكانَتْ طائِفَةٌ مِن سُكّانِ أيْلَةَ عَلى البَحْرِ رَأوْا

صفحة ٥٤٤

تَكاثُرَ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ بِالشّاطِئِ لِأنَّها إذا لَمْ تَرَ سُفُنَ الصَّيّادِينَ وشِباكَهم أمِنَتْ فَتَقَدَّمَتْ إلى الشّاطِئِ تَفْتَحُ أفْواهَها في الماءِ لِابْتِلاعِ ما يَكُونُ عَلى الشَّواطِئِ مِن آثارِ الطَّعامِ ومِن صَغِيرِ الحِيتانِ وغَيْرِها. فَقالُوا لَوْ حَفَرْنا لَها حِياضًا وشَرَعْنا إلَيْها جَداوِلَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَتُمْسِكُ الحِياضُ الحُوتَ إلى يَوْمِ الأحَدِ فَنَصْطادُها وفَعَلُوا ذَلِكَ فَغَضِبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ لِهَذا الحِرْصِ عَلى الرِّزْقِ أوْ لِأنَّهم يَشْغَلُونَ بِالَهم يَوْمَ السَّبْتَ بِالفِكْرِ فِيما تَحَصَّلَ لَهم أوْ لِأنَّهم تَحَيَّلُوا عَلى اعْتِياضِ العَمَلِ في السَّبْتِ، وهَذا الَّذِي أحْسَبُهُ لِما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الِاسْتِخْفافِ واعْتِقادِهِمْ أنَّهم عَلِمُوا ما لَمْ تَهْتَدِ إلَيْهِ شَرِيعَتُهم فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ذَكَرَهُ هُنا.

فَقَوْلُهُ في السَّبْتِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في لِلظَّرْفِيَّةِ. والسَّبْتُ مَصْدَرُ سَبَتَ اليَهُودِيُّ مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ بِمَعْنى احْتَرَمَ السَّبْتَ وعَظَّمَهُ. والمَعْنى اعْتَدَوْا في حالِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ أوْ في زَمَنِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في لِلْعِلَّةِ أيِ اعْتَدَوُا اعْتِداءً لِأجْلِ ما أوْجَبَهُ احْتِرامُ السَّبْتِ مِن قَطْعِ العَمَلِ. ولَعَلَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ فِيهِ لِيَكُونَ أمْنًا لِلدَّوابِّ.

ويَجُوزُ أنْ …

Al-Baqara 2:65Listen in Qur'an →
66

فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allah.

﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ هَذِهِ مِن جُمْلَةِ الأخْبارِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى تَذْكِيرًا لِلْيَهُودِ بِما أتاهُ سَلَفُهم مِنَ الِاسْتِخْفافِ بِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى وبِما عُرِضَ في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ الزَّواجِرِ والرَّحْمَةِ والتَّوْبَةِ وإنَّما خالَفَ في حِكايَةِ هاتِهِ القِصَّةِ أُسْلُوبَ حِكايَةِ ما تَقَدَّمَها وما تَلاها مِن ذِكْرِ (إذِ) المُؤْذِنَةِ بِزَمَنِ القِصَّةِ والمُشْعِرَةِ بِتَحَقُّقِ وُقُوعِها إلى قَوْلِهِ هُنا ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ لِمَعْنًى بَدِيعٍ هو مِن وُجُوهِ إعْجازِ القُرْآنِ وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ المُشارَ إلَيْها بِهَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ مِنَ القَصَصِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها كُتُبُ التَّوْراةِ مِثْلَ القَصَصِ الأُخْرى المَأْتِيِّ في حِكايَتِها بِكَلِمَةِ إذْ لِأنَّها مُتَواتِرَةٌ عِنْدَهم بَلْ هَذِهِ القِصَّةُ وقَعَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ غَيْرَ مَسْطُورَةٍ في الأسْفارِ القَدِيمَةِ وكانَتْ مَعْرُوفَةً لِعُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلَيْها وتِلْكَ مُعْجِزَةٌ غَيْبِيَّةٌ وأوْحى إلَيْهِ في لَفْظِها ما يُؤْذِنُ بِأنَّ العِلْمَ بِها أخْفى مِنَ العِلْمِ بِالقَصَصِ الأُخْرى فَأسْنَدَ الأمْرَ فِيها لِعِلْمِهِمْ إذْ قالَ ”﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾“ والِاعْتِداءُ وزْنُهُ افْتِعالٌ مِنَ العَدُوِّ وهو تَجاوُزُ حَدِّ السَّيْرِ والحَدِّ والغايَةِ. وغَلَبَ إطْلاقُ الِاعْتِداءِ عَلى مُخالَفَةِ الحَقِّ وظُلْمِ النّاسِ والمُرادُ هُنا اعْتِداءُ الأمْرِ الشَّرْعِيِّ لِأنَّ الأمْرَ الشَّرْعِيَّ يُشَبَّهُ بِالحَدِّ في أنَّهُ يُؤْخَذُ بِما شَمِلَهُ ولا يُؤْخَذُ بِما وراءَهُ. والِاعْتِداءُ الواقِعُ مِنهم هو اعْتِداءُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم مِن عَهْدِ مُوسى بِأنْ يُحافِظُوا عَلى حُكْمِ السَّبْتِ وعَدَمِ الِاكْتِسابِ فِيهِ لِيَتَفَرَّغُوا فِيهِ لِلْعِبادَةِ بِقَلْبٍ خالِصٍ مِنَ الشُّغْلِ بِالدُّنْيا، فَكانَتْ طائِفَةٌ مِن سُكّانِ أيْلَةَ عَلى البَحْرِ رَأوْا

صفحة ٥٤٤

تَكاثُرَ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ بِالشّاطِئِ لِأنَّها إذا لَمْ تَرَ سُفُنَ الصَّيّادِينَ وشِباكَهم أمِنَتْ فَتَقَدَّمَتْ إلى الشّاطِئِ تَفْتَحُ أفْواهَها في الماءِ لِابْتِلاعِ ما يَكُونُ عَلى الشَّواطِئِ مِن آثارِ الطَّعامِ ومِن صَغِيرِ الحِيتانِ وغَيْرِها. فَقالُوا لَوْ حَفَرْنا لَها حِياضًا وشَرَعْنا إلَيْها جَداوِلَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَتُمْسِكُ الحِياضُ الحُوتَ إلى يَوْمِ الأحَدِ فَنَصْطادُها وفَعَلُوا ذَلِكَ فَغَضِبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ لِهَذا الحِرْصِ عَلى الرِّزْقِ أوْ لِأنَّهم يَشْغَلُونَ بِالَهم يَوْمَ السَّبْتَ بِالفِكْرِ فِيما تَحَصَّلَ لَهم أوْ لِأنَّهم تَحَيَّلُوا عَلى اعْتِياضِ العَمَلِ في السَّبْتِ، وهَذا الَّذِي أحْسَبُهُ لِما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الِاسْتِخْفافِ واعْتِقادِهِمْ أنَّهم عَلِمُوا ما لَمْ تَهْتَدِ إلَيْهِ شَرِيعَتُهم فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ذَكَرَهُ هُنا.

فَقَوْلُهُ في السَّبْتِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في لِلظَّرْفِيَّةِ. والسَّبْتُ مَصْدَرُ سَبَتَ اليَهُودِيُّ مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ بِمَعْنى احْتَرَمَ السَّبْتَ وعَظَّمَهُ. والمَعْنى اعْتَدَوْا في حالِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ أوْ في زَمَنِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في لِلْعِلَّةِ أيِ اعْتَدَوُا اعْتِداءً لِأجْلِ ما أوْجَبَهُ احْتِرامُ السَّبْتِ مِن قَطْعِ العَمَلِ. ولَعَلَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ فِيهِ لِيَكُونَ أمْنًا لِلدَّوابِّ.

ويَجُوزُ أنْ …

Al-Baqara 2:66Listen in Qur'an →
67

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًۭا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allah commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allah from being among the ignorant."

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾

تَعَرَّضَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقِصَّةٍ مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ ظَهَرَ فِيها مِن قِلَّةِ التَّوْقِيرِ لِنَبِيِّهِمْ ومِنَ الإعْناتِ في المَسْألَةِ والإلْحاحِ فِيها إمّا لِلتَّفَصِّي مِنَ الِامْتِثالِ وإمّا لِبُعْدِ أفْهامِهِمْ عَنْ مَقْصِدِ الشّارِعِ ورَوْمِهِمُ التَّوْقِيفَ عَلى ما لا قَصْدَ إلَيْهِ.

قِيلَ إنَّ أوَّلَ هَذِهِ القِصَّةِ هو المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] الآياتِ وإنَّ قَوْلَ مُوسى إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ناشِيءٌ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ المَذْكُورَةِ، وإنَّ قَوْلَ مُوسى قُدِّمَ هُنا لِأنَّ خِطابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم قَدْ نَشَأ عَنْهُ ضَرْبٌ مِن مَذامِّهِمْ في تَلَقِّي التَّشْرِيعِ وهو الِاسْتِخْفافُ بِالأمْرِ - حِينَ ظَنُّوهُ هُزُؤًا - والإعْناتُ في المَسْألَةِ فَأُرِيدَ مِن تَقْدِيمِ جُزْءِ القِصَّةِ تَعَدُّدُ تَقْرِيعِهِمْ هَكَذا ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ والمُوَجِّهُونَ لِكَلامِهِ، ولا يَخْفى أنَّ ما وجَّهُوا بِهِ تَقْدِيمَ جُزْءِ القِصَّةِ لا يَقْتَضِي إلّا تَفْكِيكَ القِصَّةِ إلى قِصَّتَيْنِ تُعَنْوَنُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما بِقَوْلِهِ وإذْ مَعَ بَقاءِ التَّرْتِيبِ، عَلى أنِ المَذامَّ قَدْ تُعْرَفُ بِحِكايَتِها والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِنَحْوِ قَوْلِهِ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ وقَوْلِهِ وما كادُوا يَفْعَلُونَ فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُما قِصَّتانِ أشارَتِ الأُولى وهي المَحْكِيَّةُ هُنا إلى أمْرِ مُوسى إيّاهم بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وهَذِهِ هي القِصَّةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها التَّوْراةُ في السِّفْرِ الرّابِعِ وهو سِفْرُ التَّشْرِيعِ الثّانِي (تَثْنِيَةٌ) في الإصْحاحِ ٢١ أنَّهُ إذا وُجِدَ قَتِيلٌ لا يُعْلَمُ قاتِلُهُ فَإنَّ أقْرَبَ القُرى إلى مَوْقِعِ القَتِيلِ

صفحة ٥٤٧

يَخْرُجُ شُيُوخُها ويُخْرِجُونَ عِجْلَةً مِنَ البَقَرِ لَمْ يُحْرَثْ عَلَيْها ولَمْ تَنْجُرْ بِالنِّيرِ فَيَأْتُونَ بِها إلى وادٍ دائِمٍ السَّيَلانِ لَمْ يُحْرَثْ ولَمْ يُزْرَعْ ويَقْطَعُونَ عُنُقَها هُنالِكَ ويَتَقَدَّمُ الكَهَنَةُ مَن بَنِي لاوِي فَيَغْسِلُ شُيُوخُ تِلْكَ القَرْيَةِ أيْدِيَهم عَلى العِجْلَةِ في الوادِي ويَقُولُونَ لِمَ تَسْفِكْ أيْدِينا هَذا الدَّمَ ولَمْ تُبْصِرْ أعْيُنُنا سافِكَهُ فَيَغْفِرُ لَهُمُ الدَّمُ اهـ. هَكَذا ذُكِرَتِ القِصَّةُ بِإجْمالٍ أضاعَ المَقْصُودَ وأبْهَمَ الغَرَضَ مِن هَذا الذَّبْحِ أهْوَ إضاعَةُ ذَلِكَ الدَّمِ باطِلًا أمْ هو عِنْدَ تَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ المُتَّهَمِ بِالقَتْلِ وكَيْفَما كانَ فَهَذِهِ بَقَرَةٌ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ كُلِّ قَتْلِ نَفْسٍ جُهِلَ قاتِلُها وهي المُشارُ إلَيْها هُنا، ثُمَّ كانَ ما حَدَثَ مِن قَتْلِ القَتِيلِ الَّذِي قَتَلَهُ أبْناءُ عَمِّهِ وجاءُوا مُظْهِرِينَ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ وكانَتْ تِلْكَ النّازِلَةُ نَزَلَتْ في يَوْمِ ذَبْحِ البَقَرَةِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِأنْ يَضْرِبُوا القَتِيلَ بِبَعْضِ تِلْكَ البَقَرَةِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُذْبَحَ عِنْدَ جَهْلِ قاتِلِ نَفْسٍ.

وبِذَلِكَ يَظْهَرُ وجْهُ ذَكَرِهِما قِصَّتَيْنِ وقَدْ أجْمَلَ القُرْآنُ ذِكْرَ القِصَّتَيْنِ لِأنَّ مَوْضِعَ التَّذْكِيرِ والعِبْرَةِ مِنهُما هو ما حَدَثَ في خِلالِهِما لا تَفْصِيلُ الوَقائِعِ فَكانَتِ القِصَّةُ الأوْلى تَشْرِيعًا سَبَقَ ذِكْرُهُ لِما قارَنَهُ مِن تَلَقِّيهِمُ الأمْرَ بِكَثْرَةِ السُّؤالِ الدّالِّ عَلى ضَعْفِ الفَهْمِ لِلشَّرِيعَةِ وعَلى تَطَلُّبِ …

Al-Baqara 2:67Listen in Qur'an →
68

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا فَارِضٌۭ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allah] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾

جِيءَ في مُراجَعَتِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ بِالطَّرِيقَةِ المَأْلُوفَةِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ وهي طَرِيقَةُ حَذْفِ العاطِفِ بَيْنَ أفْعالِ القَوْلِ وقَدْ بَيَّنّاها لَكم في قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ.

ومَعْنى ”ادْعُ لَنا“ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنهُ الدُّعاءُ الَّذِي هو طَلَبٌ بِخُضُوعٍ وحِرْصٍ عَلى إجابَةِ المَطْلُوبِ فَيَكُونُ في الكَلامِ رَغْبَتُهم في حُصُولِ البَيانِ لِتَحْصِيلِ المَنفَعَةِ المَرْجُوَّةِ مِن ذَبْحِ بَقَرَةٍ مُسْتَوْفِيَةٍ لِلصِّفاتِ المَطْلُوبَةِ في القَرابِينِ المُخْتَلِفَةِ المَقاصِدِ، بَنَوْهُ عَلى ما ألْفَوْهُ مِنَ الأُمَمِ عَبَدَةِ الأوْثانِ مِنَ اشْتِراطِ صِفاتٍ وشُرُوطٍ في القَرابِينِ المُقَرِّبَةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَقْصُودِ مِنَ الذَّبِيحَةِ ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا مُطْلَقَ السُّؤالِ فَعَبَّرُوا عَنْهُ بِالدُّعاءِ لِأنَّهُ طَلَبٌ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى.

ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا مِنَ الدُّعاءِ النِّداءَ الجَهِيرَ بِناءً عَلى وهْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ بِعِيدُ المَكانِ، فَسائِلُهُ يَجْهَرُ بِصَوْتِهِ. وقَدْ نُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنِ الجَهْرِ بِالدُّعاءِ في صَدْرِ الإسْلامِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ”لَنا“ لامُ الأجَلِ أيِ ادْعُ

صفحة ٥٤٩

عَنّا، وجَزْمُ (يُبَيِّنْ) في جَوابِ ادْعُ لِتَنْزِيلِ المُسَبَّبِ مَنزِلَةَ السَّبَبِ أيْ إنْ تَدْعُهُ يَسْمَعْ فَيُبَيِّنُ وقَدْ تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ (ما هي) حَكى سُؤالَهم بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالسُّؤالِ بِما في كَلامِ العَرَبِ وهو السُّؤالُ عَنِ الصِّفَةِ لِأنَّ ما يُسْألُ بِها عَنِ الصِّفَةِ كَما يَقُولُ مَن يَسْمَعُ النّاسَ يَذْكُرُونَ حاتِمًا أوِ الأحْنَفَ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُما رَجُلانِ ولَمْ يَعْلَمْ صِفَتَيْهِما ما حاتِمٌ ؟ أوْ ما الأحْنَفُ ؟ فَيُقالُ كَرِيمٌ أوْ حَلِيمٌ ولَيْسَ (ما) مَوْضُوعَةً لِلسُّؤالِ عَنِ الجِنْسِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الواقِفِينَ عَلى كَلامِ الكَشّافِ فَتَكَلَّفُوا لِتَوْجِيهِهِ حَيْثُ إنَّ جِنْسَ البَقَرَةِ مَعْلُومٌ بِأنَّهم نَزَّلُوا هاتِهِ البَقَرَةَ المَأْمُورَ بِذَبْحِها مَنزِلَةَ فَرْدٍ مِن جِنْسٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ لِغَرابَةِ حِكْمَةِ الأمْرِ بِذَبْحِها وظَنُّوا أنَّ المَوْقِعَ هُنا لِلسُّؤالِ بِأيْ أوْ كَيْفَ وهو وهْمٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ واعْتَضَدَ لَهُ بِكَلامِ المِفْتاحِ إذْ جَعَلَ الجِنْسَ والصِّفَةَ قِسْمَيْنِ لِلسُّؤالِ بِما.

والحَقُّ أنَّ المَقامَ هُنا لِلسُّؤالِ بِما لِأنَّ أيًّا إنَّما يُسْألُ بِها عَنْ مُمَيِّزِ الشَّيْءِ عَنْ أفْرادٍ مِن نَوْعِهِ التَبَسَتْ بِهِ وعَلامَةُ ذَلِكَ ذِكْرُ المُضافِ إلَيْهِ مَعَ أيِّ نَحْوَ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ وأيُّ البَقَرَتَيْنِ أعْجَبَتْكَ ولَيْسَ لَنا هُنا بَقَراتٌ مُعَيَّناتٌ يُرادُ تَمْيِيزُ إحْداها.

وقَوْلُهُ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ أكَّدَ مَقُولَ مُوسى ومَقُولَ اللَّهِ تَعالى بِإنَّ لِمُحاكاةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ مُوسى مِنَ الِاهْتِمامِ بِحِكايَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى فَأكَّدَهُ بِإنَّ، وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مَدْلُولُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى مِن تَحْقِيقِ إرادَتِهِ ذَلِكَ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِما بَدا مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَنَصُّلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّأْكِيدُ الَّذِي في كَلامِ مُوسى لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قالَ لِمُوسى ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اتِّهامِهِمُ السّابِقِ في قَوْلِهِمْ (﴿أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٦٧]) جَوابًا …

Al-Baqara 2:68Listen in Qur'an →
69

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ صَفْرَآءُ فَاقِعٌۭ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.' "

صفحة ٥٥٣

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنَها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾

سَألُوا بِما عَنْ ماهِيَّةِ اللَّوْنِ وجِنْسِهِ لِأنَّهُ ثانِي شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ أغْراضُ الرّاغِبِينَ في الحَيَوانِ. والقَوْلُ في جَزْمِ يُبَيِّنُ وفي تَأْكِيدِ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ كالقَوْلِ في الَّذِي تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها احْتِيجَ إلى تَأْكِيدِ الصُّفْرَةِ بِالفُقُوعِ وهو شِدَّةُ الصُّفْرَةِ لِأنَّ صُفْرَةَ البَقَرِ تُقَرِّبُ مِنَ الحُمْرَةِ غالِبًا فَأكَّدَهُ بِفاقِعٍ والفُقُوعُ خاصٌّ بِالصُّفْرَةِ، كَما اخْتَصَّ الأحْمَرُ بِقانٍ والأسْوَدُ بِحالِكٍ، والأبْيَضُ بَيْقَقٌ، والأخْضَرُ بِمُدْهامٍّ، والأوْرَقُ بِخُطْبانِيٍّ نِسْبَةً إلى الخُطْبانِ بِضَمِّ الخاءِ وهو نَبْتٌ كالهِلْيُونِ، والأُرْمَكُ وهو الَّذِي لَوْنُهُ لَوْنُ الرَّمادِ بِرَدّانِيٍّ بَراءٍ في أوَّلِهِ، والرَّدّانُ الزَّعْفَرانُ كَذا في الطِّيبِيِّ ووَقَعَ في الكَشّافِ والطِّيبِيِّ بِألِفٍ بَعْدَ الدّالِ ووَقَعَ في القامُوسِ أنَّهُ بِوَزْنِ صاحِبٍ وضَبْطِ الرّاءِ في نُسْخَةٍ مِنَ الكَشّافِ ونُسْخَةٍ مِن حاشِيَةِ القُطْبِ عَلَيْهِ ونُسْخَةٍ مِن حاشِيَةِ الهَمْدانِيِّ عَلَيْهِ بِشَكْلِ ضَمَّةٍ عَلى الرّاءِ وهو مُخالِفٌ لِما في القامُوسِ.

والنُّصُوعُ يَعُمُّ جَمِيعَ الألْوانِ وهو خُلُوصُ اللَّوْنِ مِن أنْ يُخالِطَهُ لَوْنٌ آخَرُ.

ولَوْنُها إمّا فاعِلٌ بِ (فاقِعٌ) أوْ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وإضافَتُهُ لِضَمِيرِ البَقَرَةِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ اللَّوْنُ الأصْفَرُ فَكانَ وصْفُهُ بِفاقِعٍ وصْفًا حَقِيقِيًّا ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ صَفْراءُ فاقِعَةٌ إلى صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها لِيَحْصُلَ وصْفُها بِالفُقُوعِ مَرَّتَيْنِ إذْ وصَفَ اللَّوْنَ بِالفُقُوعِ، ثُمَّ لَمّا كانَ اللَّوْنُ مُضافًا لِضَمِيرِ الصَّفْراءِ كانَ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ جارِيًا عَلى سَبَبَيْهِ عَلى نَحْوِ ما قالَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ في كَوْنِ المُسْنَدِ فِعْلًا مِن أنَّ الفِعْلَ يَسْتَنِدُ إلى الضَّمِيرِ ابْتِداءً ثُمَّ بِواسِطَةِ عَوْدِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى المُبْتَدَأِ يَسْتَنِدُ إلى المُبْتَدَأِ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ.

وقَدْ ظَنَّ الطَّيِّبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ أنَّ كَلامَ صاحِبِ الكَشّافِ مُشِيرٌ إلى أنَّ إسْنادَ فاقِعٍ لِلَوْنِها مَجازٌ عَقْلِيٌّ وهو وهْمٌ إذْ لَيْسَ مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ في شَيْءٍ. وأمّا تَمْثِيلُ صاحِبِ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ جَدُّ جَدِّهِ فَهو تَنْظِيرٌ في مُجَرَّدِ إفادَةِ التَّأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَسُرُّ النّاظِرِينَ أيْ تُدْخِلُ رُؤْيَتُها عَلَيْهِمْ مَسَرَّةً في نُفُوسِهِمْ. والمَسَرَّةُ لَذَّةٌ نَفْسِيَّةٌ تَنْشَأُ عَنِ الإحْساسِ بِالمُلائِمِ أوْ عَنِ اعْتِقادِ حُصُولِهِ ومِمّا يُوجِبُها التَّعَجُّبُ مِنَ الشَّيْءِ والإعْجابُ بِهِ. وهَذا اللَّوْنُ مِن أحْسَنِ ألْوانِ البَقَرِ فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ فِعْلُ تَسُرُّ إلى ضَمِيرِ البَقَرَةِ لا إلى ضَمِيرِ اللَّوْنِ فَلا يَقْتَضِي أنَّ لَوْنَ الأصْفَرِ مِمّا يَسُرُّ النّاظِرِينَ مُطْلَقًا. والتَّعْبِيرُ بِالنّاظِرِينَ دُونَ النّاسِ ونَحْوِهِ

صفحة ٥٥٤

لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَسَرَّةَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها مِن بابِ اسْتِفادَةِ التَّعْلِيلِ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمُشْتَقِّ.

Al-Baqara 2:69Listen in Qur'an →
70

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allah wills, will be guided."

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]

القَوْلُ في ما هي كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى حَكى مُرادِفَ كَلامِهِمْ بِلُغَةِ العَرَبِ فالجَوابُ لَهم بِأنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ لِما عُلِمَ مِن أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ الأغْراضُ بِها إلّا الكَرامَةُ والنَّفاسَةُ، وإنْ كانَ المَحْكِيُّ في القُرْآنِ اخْتِصارًا لِكَلامِهِمْ فالأمْرُ ظاهِرٌ.

عَلى أنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ مُرادَهم فَأنْبَأهم بِهِ.

وجُمْلَةُ إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ إعادَتَهُمُ السُّؤالَ تُوقِعُ في نَفْسِ مُوسى تَساؤُلًا عَنْ سَبَبِ هَذا التَّكْرِيرِ في السُّؤالِ. وقَوْلُهم إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا اعْتِذارٌ عَنْ إعادَةِ السُّؤالِ، وإنَّما لَمْ يَعْتَذِرُوا في المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ واعْتَذَرُوا الآنَ لِأنَّ لِلثّالِثَةِ في التَّكْرِيرِ وقْعًا مِنَ النَّفْسِ في التَّأْكِيدِ والسَّآمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولِذَلِكَ كَثُرَ في أحْوالِ البَشَرِ وشَرائِعِهِمُ التَّوْقِيتُ بِالثَّلاثَةِ. وقَدْ جِيءَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ في خَبَرٍ لا يَشُكُّ مُوسى في صِدْقِهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ ثُمَّ يُتَوَسَّلُ بِالِاهْتِمامِ إلى إفادَةِ مَعْنى التَّفْرِيعِ والتَّعْلِيلِ فَتُفِيدُ إنَّ مَفادَ فاءِ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ وهو ما اعْتَنى الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ في دَلائِلِ الإعْجازِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِ بِشارٍ: بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في هَذِهِ السُّورَةِ وذَكَرَ فِيهِ قِصَّةً.

وقَوْلُهم ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ تَنْشِيطٌ لِمُوسى ووَعْدٌ لَهُ بِالِامْتِثالِ لِيَنْشَطَ إلى دُعاءِ رَبِّهِ بِالبَيانِ ولِتَنْدَفِعَ عَنْهُ سَآمَةُ مُراجَعَتِهِمُ الَّتِي ظَهَرَتْ بَوارِقِها في قَوْلِهِ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ولِإظْهارِ حُسْنِ المَقْصِدِ مِن كَثْرَةِ السُّؤالِ وأنْ لَيْسَ قَصْدُهُمُ الإعْناتَ. تَفادِيًا مِن غَضَبِ مُوسى عَلَيْهِمْ. والتَّعْلِيقُ بِإنْ شاءَ اللَّهُ لِلتَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ في رَدِّ الأمْرِ إلَيْهِ في طَلَبِ حُصُولِ الخَيْرِ. والقَوْلُ في وجْهِ التَّأْكِيدِ في أنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ الأوَّلِ.

صفحة ٥٥٥

والذَّلُولُ بِفَتْحِ الذّالِ فَعُولٌ مِن ذَلَّ ذِلًّا بِكَسْرِ الذّالِ في المَصْدَرِ بِمَعْنى لانَ وسَهُلَ. وأمّا الذُّلُّ بِضَمِّ الذّالِ فَهو ضِدُّ العِزِّ وهُما مَصْدَرانِ لِفِعْلٍ واحِدٍ خَصَّ الِاسْتِعْمالُ أحَدَ المَصْدَرَيْنِ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ. والمَعْنى أنَّها لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ أنْ يُحْرَثَ عَلَيْها وأنْ يُسْقى بِجَرِّها أيْ هي عِجْلَةٌ قارَبَتْ هَذا السِّنَّ وهو المُوافِقُ لِما حُدِّدَ بِهِ سِنُّها في التَّوْراةِ.

ولا ذَلُولٌ صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ. وجُمْلَةُ تُثِيرُ الأرْضَ حالٌ مِن ذَلُولٍ.

وإثارَةُ الأرْضِ حَرْثُها وقَلْبُ داخِلِ تُرابِها ظاهِرًا وظاهِرِهِ باطِنًا. أُطْلِقَ عَلى الحَرْثِ فِعْلُ الإثارَةِ تَشْبِيهًا لِانْقِلابِ أجْزاءِ الأرْضِ بِثَوْرَةِ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ إلى مَكانٍ آخَرَ كَما قالَ تَعالى فَتُثِيرُ سَحابًا أيْ تَبْعَثُهُ وتَنْقُلُهُ …

Al-Baqara 2:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.