Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 271–280 of 286

271

إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

﴿إنْ تَبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكم ونُكَفِّرْ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] إذْ أشْعَرَ تَعْمِيمَ ﴿مِن نَفَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] بِحالِ الصَّدَقاتِ الخَفِيَّةِ، فَيَتَساءَلُ السّامِعُ في نَفْسِهِ هَلْ إبْداءُ الصَّدَقاتِ يُعَدُّ رِياءً وقَدْ سَمِعَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]

صفحة ٦٧

ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] قَدْ كانَ قَوْلًا فَصْلًا في اعْتِبارِ نِيّاتِ المُتَصَدِّقِينَ وأحْوالِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنها وما يُخْفُونَهُ مِن صَدَقاتِهِمْ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ يَدْفَعُ تَوَهُّمًا مِن شَأْنِهِ تَعْطِيلُ الصَّدَقاتِ والنَّفَقاتِ، وهو أنْ يُمْسِكَ المَرْءُ عَنْها إذا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن ظُهُورِها فَيَخْشى أنْ يُصِيبَهُ الرِّياءُ.

والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ”الصَّدَقاتِ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ومَحْمَلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ الصَّدَقاتِ فَرْضَها ونَفْلَها، وهو المُناسِبُ لِمَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ ذِكْرِ أنْواعِ النَّفَقاتِ.

وجاءَ الشَّرْطُ بِـ ”إنْ“ في الصَّدَقَتَيْنِ لِأنَّها أصْلُ أدَواتِ الشَّرْطِ، ولا مُقْتَضًى لِلْعُدُولِ عَنِ الأصْلِ، إذْ كِلْتا الصَّدَقَتَيْنِ مُرْضٍ لِلَّهِ تَعالى، وتَفْضِيلُ صَدَقَةِ السِّرِّ قَدْ وفى بِهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ .

وقَوْلُهُ: ”فَنِعِمّا“ أصْلُهُ فَنِعْمَ ما، فَأُدْغِمَ المِثْلانِ وكُسِرَتْ عَيْنُ (نِعْمَ) لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، و(ما) في مِثْلِهِ نَكِرَةٌ تامَّةٌ أيْ مُتَوَغِّلَةٌ في الإبْهامِ لا يُقْصَدُ وصْفُها بِما يُخَصِّصُها، فَتَمامُها مِن حَيْثُ عَدَمِ إتْباعِها بِوَصْفٍ لا مِن حَيْثُ إنَّها واضِحَةُ المَعْنى، ولِذَلِكَ تُفَسَّرُ بِـ (شَيْءٍ) ولَمّا كانَتْ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ التَّمْيِيزِ لِضَمِيرِ (نِعْمَ) المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ، فالقَصْدُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى القَصْدِ إلى عَدَمِ التَّمْيِيزِ حَتّى إنَّ المُتَكَلِّمَ - إذا مَيَّزَ - لا يُمَيِّزُ إلّا بِمِثْلِ المُمَيَّزِ.

وقَوْلُهُ (هي) مَخْصُوصٌ بِالمَدْحِ أيِ الصَّدَقاتُ. وقَدْ عَلِمَ السّامِعُ أنَّها الصَّدَقاتُ المُبْداةُ، بِقَرِينَةِ فِعْلِ الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفْسِيرُ المَعْنى فَنِعِمّا إبْداؤُها.

وقَرَأ ورَشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ ”فَنِعِمّا“ - بِكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مِن (نِعْمَ) مَعَ مِيمِ (ما) وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ النُّونِ واخْتِلاسِ حَرَكَةِ العَيْنِ بَيْنَ الكَسْرِ والسُّكُونِ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ مَعَ بَقاءِ تَشْدِيدِ المِيمِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ أيْضًا عَنْ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو وأبِي بَكْرٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ تَفْضِيلٌ لِصَدَقَةِ السِّرِّ لِأنَّ فِيها إبْقاءً عَلى ماءِ وجْهِ الفَقِيرِ، حَيْثُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُ المُعْطِي، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَدَّ مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ بِظِلِّهِ: «ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ

صفحة ٦٨

شِمالُهُ ما أنْفَقَتْ يَمِينُهُ» يَعْنِي مَعَ شِدَّةِ القُرْبِ بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ، لِأنَّ …

Al-Baqara 2:271Listen in Qur'an →
272

۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

Not upon you, [O Muhammad], is [responsibility for] their guidance, but Allah guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the countenance of Allah. And whatever you spend of good - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ مُعْتَرَضٌ بِهِ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ ومُناسَبَتُهُ هُنا أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ يَلُوحُ مِن خِلالِها أصْنافٌ مِنَ النّاسِ، مِنهُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ، ومِنهُمُ الَّذِينَ يُبْطِلُونَ صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى، ومِنهُمُ الَّذِينَ يَتَيَمَّمُونَ الخَبِيثَ مِنهُ يُنْفِقُونَ، ومِنهم مَن يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ الفَقْرَ ويَأْمُرُهم بِالفَحْشاءِ، وكانَ وُجُودُ هَذِهِ الفِرَقِ مِمّا يَثْقُلُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَعَقَّبَ اللَّهُ ذَلِكَ بِتَسْكِينِ نَفْسِ رَسُولِهِ والتَّهْوِينِ عَلَيْهِ بِأنْ لَيْسَ عَلَيْهِ هُداهم ولَكِنْ عَلَيْهِ البَلاغُ، فالهُدى هُنا بِمَعْنى الإلْجاءِ لِحُصُولِ الهُدى في قُلُوبِهِمْ، وأمّا الهُدى بِمَعْنى التَّبْلِيغِ والإرْشادِ فَهو عَلى النَّبِيءِ، ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى جَمِيعِ مَن بَقِيَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن عَدَمِ الهُدى وأشَدُّهُمُ المُشْرِكُونَ والمُنافِقُونَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ناسٍ مَعْرُوفِينَ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِأسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أُمٌّ كافِرَةٌ وجَدٌّ كافِرٌ فَأرادَتْ أسْماءُ - عامَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ - أنْ تُواسِيَهُما بِمالٍ، وأنَّهُ أرادَ بَعْضُ الأنْصارِ الصَّدَقَةَ عَلى قَرابَتِهِمْ وأصْهارِهِمْ في بَنِي النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ، فَنَهى

صفحة ٧٠

النَّبِيءُ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنِ الصَّدَقَةِ عَلى الكُفّارِ، إلْجاءً لِأُولَئِكَ الكُفّارِ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآياتِ، أيْ هُدى الكُفّارِ إلى الإسْلامِ، أيْ فَرَخِّصْ لِلْمُسْلِمِينَ الصَّدَقَةَ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ.

فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ لِلْمُخاطَبِ، فَيَكُونُ نُزُولُ الآيَةِ لِذَلِكَ السَّبَبِ ناشِئًا عَنْ نُزُولِ آياتِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ والصَّدَقَةِ، فَتَكُونُ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ سَبَبَ السَّبَبِ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

والمَعْنى أنْ لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَهْدِيَهم بِأكْثَرَ مِنَ الدَّعْوَةِ والإرْشادِ، دُونَ هُداهم بِالفِعْلِ أوِ الإلْجاءِ، إذْ لا هادِيَ لِمَن يُضْلِلُ اللَّهُ، ولَيْسَ مِثْلُ هَذا بِمُيَسَّرٍ لِلْهُدى.

والخِطابُ في ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في مُعادِ ضَمِيرِ (هُداهم) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن يَسْمَعُ عَلى الوَجْهِ الآتِي في الضَّمِيرِ إذا اعْتَبَرْنا ما ذَكَرُوهُ في سَبَبِ النُّزُولِ، أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ أيُّها المُتَرَدِّدُ في إعْطاءِ قَرِيبِكَ.

و(عَلى) في قَوْلِهِ: (عَلَيْكَ) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيْ طَلَبِ فِعْلٍ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ. والمَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ بِواجِبٍ عَلى الرَّسُولِ، فَلا يَحْزَنُ عَلى عَدَمِ حُصُولِ هُداهم لِأنَّهُ أدّى واجِبَ التَّبْلِيغِ، أوِ المَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ بِواجِبٍ عَلَيْكم أيُّها المُعالِجِينَ لِإسْلامِهِمْ بِالحِرْمانِ مِنَ الإنْفاقِ حَتّى تَسْعَوْا إلى هُداهم بِطُرُقِ الإلْجاءِ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ وهو ”عَلَيْكَ“ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ”هُداهم“ إذا أُجْرِيَ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي مِن أنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ الَّذِي حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ وكانَ ذَلِكَ في الإثْباتِ بَيِّنًا لا غُبارَ عَلَيْهِ نَحْوَ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] وقَوْلِهِ ﴿لَها …

Al-Baqara 2:272Listen in Qur'an →
273

لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًۭا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًۭا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ

[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allah, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allah is Knowing of it.

صفحة ٧٤

﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ .

”لِلْفُقَراءِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُنْفِقُونَ“ الأخِيرَةِ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ يُؤْذِنُ بِتَعْلِيقِ مَعْناهُ بِنَظائِرِهِ المُقَدَّمَةِ، فَما مِن نَفَقَةٍ ذُكِرَتْ آنِفًا إلّا وهي لِلْفُقَراءِ لِأنَّ الجُمَلَ قَدْ عَضَّدَ بَعْضُها بَعْضًا.

و﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ أيْ: حُبِسُوا وأُرْصِدُوا، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ هُنا الجِهادُ، فَإنْ كانَ نُزُولُها في قَوْمٍ جُرِحُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَصارُوا زَمْنى فَـ (في) لِلسَّبَبِيَّةِ. والضَّرْبُ في الأرْضِ المَشْيُ لِلْجِهادِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: في سَبِيلِ اللَّهِ والمَعْنى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِمْ لِعَجْزِهِمُ الحاصِلِ بِالجِهادِ، وإنْ كانُوا قَوْمًا بِصَدَدِ القِتالِ يَحْتاجُونَ لِلْمَعُونَةِ، فَـ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِمْ أهْلَ الصُّفَّةِ، وهم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ بِمَكَّةَ وجاءُوا دارَ الهِجْرَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ زِراعَةً ولا تِجارَةً، فَمَعْنى أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ: عِيقُوا عَنْ أعْمالِهِمْ لِأجْلِ سَبِيلِ اللَّهِ وهو الهِجْرَةُ، فَـ (في) لِلتَّعْلِيلِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ أهْلَ الصُّفَّةِ كانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سِرِّيَّةٍ يَبْعَثُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِ فَسَبِيلُ اللَّهِ هو الجِهادُ، ومَعْنى ﴿أُحْصِرُوا﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ أُرْصِدُوا، و(في) باقِيَةٌ عَلى التَّعْلِيلِ.

والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ أنَّهم عاجِزُونَ عَنِ التِّجارَةِ لِقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ، والضَّرْبُ في الأرْضِ كِنايَةٌ عَنِ التَّجَرِ؛ لِأنَّ شَأْنَ التّاجِرِ أنْ يُسافِرَ لِيَبْتاعَ ويَبِيعَ، فَهو يَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلَيْهِ أوْ دابَّتِهِ.

صفحة ٧٥

وجُمْلَةُ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا وأنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”أُحْصِرُوا“ .

وقَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ حالٌ مِنَ الفُقَراءِ، أيِ الجاهِلُ بِحالِهِمْ مِنَ الفَقْرِ يَظُنُّهم أغْنِياءَ، و”مِن“ لِلِابْتِداءِ لِأنَّ التَّعَفُّفَ مَبْدَأُ هَذا الإحْسانِ.

والتَّعَفُّفُ تَكَلُّفُ العَفافِ وهو النَّزاهَةُ عَمًّا لا يَلِيقُ، وفي البُخارِيِّ بابُ الِاسْتِعْفافِ عَنِ المَسْألَةِ، أخْرَجَ فِيهِ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ: «أنَّ الأنْصارَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهم، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطاهم، حَتّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ فَقالَ: ما يَكُونُ عِنْدِي مَن خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكم، ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ» .

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ (يَحْسِبُهم) بِكَسْرِ السِّينِ وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ.

ومَعْنى ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ بِعَلامَةِ الحاجَةِ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، ولَيْسَ لِلرَّسُولِ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ (تَعْرِفُهم) هو الَّذِي تَصَدّى لِتَطَلُّعِ أحْوالِ الفُقَراءِ، فَهو المُقابِلُ لِلْجاهِلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ .

والجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ: يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِماذا تَصِلُ إلَيْهِمْ صَدَقاتُ المُسْلِمِينَ إذا كانَ فَقْرُهم خَفِيًّا، وكَيْفَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فَأُحِيلَ ذَلِكَ عَلى …

Al-Baqara 2:273Listen in Qur'an →
274

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Those who spend their wealth [in Allah 's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تُفِيدُ تَعْمِيمَ أحْوالِ فَضائِلِ الإنْفاقِ، بَعْدَ أنْ خُصِّصَ الكَلامُ بِالإنْفاقِ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، فاسْمُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.

وأُدْخِلَ الفاءُ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَسَبُّبِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ عَلى الإنْفاقِ لِأنَّ المُبْتَدَأ لَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى صِلَةٍ مَقْصُودٍ مِنها التَّعْمِيمُ والتَّعْلِيلُ والإيماءُ إلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ وهي (يُنْفِقُونَ) - صَحَّ إدْخالُ الفاءِ في خَبَرِهِ كَما تَدْخُلُ في جَوابِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ أصْلَ الفاءِ الدَّلالَةُ عَلى التَّسَبُّبِ وما أُدْخِلَتْ في جَوابِ الشَّرْطِ إلّا لِذَلِكَ، والسِّرُّ: الخَفاءُ، والعَلانِيَةُ: الجَهْرُ والظُّهُورُ، وذُكِرَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الأجْرِ.

صفحة ٧٨

وقَوْلُهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] إذْ هو تَهْدِيدٌ لِمانِعِي الصَّدَقاتِ بِإسْلامِ النّاسِ إيّاهم عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ، وهَذا بِشارَةٌ لِلْمُنْفِقِينَ بِطِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا فَلا يَخافُونَ اعْتِداءَ المُعْتَدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أكْسَبَهم مَحَبَّةَ النّاسِ إيّاهم، ولا تَحِلُّ بِهِمُ المَصائِبُ المُحْزِنَةُ إلّا ما لا يَسْلَمُ مِنهُ أحَدٌ مِمّا هو مُعْتادٌ في إبّانِهِ.

أمّا انْتِفاءُ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم في الآخِرَةِ فَقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .

ورُفِعَ (خَوْفٌ) في نَفْيِ الجِنْسِ؛ إذْ لا يُتَوَهَّمُ في الفَرْدِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ المَعانِي الَّتِي هي أجْناسٌ مَحْضَةٌ لا أفْرادَ لَها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ومِنهُ ما في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: «لا حَرٌّ ولا قَرٌّ، ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَةٌ» .

Al-Baqara 2:274Listen in Qur'an →
275

ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Those who consume interest cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allah has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allah. But whoever returns to [dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

نَظَمَ القُرْآنُ أهَمَّ أصُولِ حِفْظِ مالِ الأُمَّةِ في سِلْكِ هاتِهِ الآياتِ، فَبَعْدَ أنِ ابْتَدَأ بِأعْظَمِ تِلْكَ الأُصُولِ وهو تَأْسِيسُ مالٍ لِلْأُمَّةِ بِهِ قِوامُ أمْرِها، يُؤْخَذُ مِن أهْلِ الأمْوالِ أخْذًا عَدْلًا مِمّا كانَ فَضْلًا عَنِ الغِنى فَفَرَضَهُ عَلى النّاسِ، يُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ فَيُرَدُّ عَلى فُقَرائِهِمْ، سَواءٌ في ذَلِكَ ما كانَ مَفْرُوضًا وهو الزَّكاةُ، أوْ تَطَوُّعًا وهو الصَّدَقَةُ، فَأطْنَبَ في الحَثِّ عَلَيْهِ، والتَّرْغِيبِ في ثَوابِهِ، والتَّحْذِيرِ في إمْساكِهِ، ما كانَ فِيهِ مَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، عَطَفَ الكَلامَ إلى إبْطالِ وسِيلَةٍ كانَتْ مِن أسْبابِ ابْتِزازِ الأغْنِياءِ أمْوالَ المُحْتاجِينَ إلَيْهِمْ

صفحة ٧٩

وهِيَ المُعامَلَةُ بِالرِّبا الَّذِي لَقَّبَهُ النَّبِيءُ ﷺ رِبا الجاهِلِيَّةِ، وهو أنْ يُعْطِيَ المَدِينُ مالًا لِدائِنِهِ زائِدًا عَلى قَدْرِ الدَّيْنِ لِأجْلِ الِانْتِظارِ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ ولَمْ يَدْفَعْ زادَ في الدَّيْنِ، يَقُولُونَ: إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ شائِعًا في الجاهِلِيَّةِ، كَذا قالَ الفُقَهاءُ، والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ الرِّبا عَلى المَدِينِ مِن وقْتِ إسْلامِهِ، وكُلَّما طَلَبَ النَّظْرَةَ أعْطى رِبًا آخَرَ، ورُبَّما تَسامَحَ بَعْضُهم في ذَلِكَ، وكانَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مُشْتَهِرًا بِالمُراباةِ في الجاهِلِيَّةِ، وجاءَ في خُطْبَةِ الوَداعِ: «ألا وإنَّ رِبا الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وإنَّ أوَّلَ رِبًا أبْدَأُ بِهِ رِبا عَمِّي عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ» .

وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ اسْتِئْنافٌ. وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يَقُومُونَ﴾ إلى آخِرِهِ.

والأكْلُ في الحَقِيقَةِ ابْتِلاعُ الطَّعامِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ وأخْذِهِ بِحِرْصٍ وأصْلُهُ تَمْثِيلٌ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فَقالُوا: أكَلَ مالَ النّاسِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠] ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨] ولا يَخْتَصُّ بِأخْذِ الباطِلِ. فَفي القُرْآنِ ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] .

والرِّبا: اسْمٌ عَلى وزْنِ فِعَلٍ بِكَسْرِ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ، لَعَلَّهم خَفَّفُوهُ مِنَ الرِّباءِ - بِالمَدِّ - فَصَيَّرُوهُ اسْمَ مَصْدَرٍ لِفِعْلِ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو رَبْوًا بِسُكُونِ الباءِ عَلى القِياسِ كَما في الصِّحاحِ وبِضَمِّ الرّاءِ والباءِ كَعُلُوٍّ، ورِباءٌ بِكَسْرِ الرّاءِ وبِالمَدِّ مِثْلُ الرِّماءِ: إذا زادَ. قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقالَ: ﴿اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحج: ٥] ولِكَوْنِهِ مِن ذَواتِ الواوِ ثُنِّيَ عَلى رَبَوانِ، وكُتِبَ بِالألِفِ، وكَتَبَهُ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ بِالياءِ نَظَرًا لِجَوازِ الإمالَةِ فِيهِ لِمَكانِ كَسْرَةِ الرّاءِ، ثُمَّ ثَنَّوْهُ بِالياءِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ أيْضًا، قالَ الزَّجّاجُ: ما رَأيْتُ خَطَأً أشْنَعَ مِن هَذا، ألا يَكْفِيهِمُ الخَطَأُ في الخَطِّ حَتّى أخْطَأُوا في التَّثْنِيَةِ كَيْفَ وهَمَ يَقُرَءُونَ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ﴾ [الروم: ٣٩] …

Al-Baqara 2:275Listen in Qur'an →
276

يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ

Allah destroys interest and gives increase for charities. And Allah does not like every sinning disbeliever.

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ الرِّبا في الدُّنْيا بَعْدَ أنْ بُيِّنَتْ عاقِبَتُهُ في الآخِرَةِ، فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِتَوَقُّعِ سُؤالِ مَن يَسْألُ عَنْ حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَنْتَهُونَ بِمَوْعِظَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ اسْتِطْرادٌ لِبَيانِ عاقِبَةِ الصَّدَقَةِ في الدُّنْيا أيْضًا بِبَيانِ أنَّ المُتَصَدِّقَ يَفُوزُ بِالخَيْرِ في الدّارَيْنِ كَما باءَ المُرابِي بِالشَّرِّ فِيهِما، فَهَذا وعْدٌ ووَعِيدٌ دُنْيَوِيّانِ.

والمَحْقُ هو كالمَحْوِ: بِمَعْنى إزالَةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ مُحاقٌ القَمَرِ ذَهابُ نُورِهِ لَيْلَةَ السِّرارِ، ومَعْنى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أنَّهُ يُتْلِفُ ما حَصَلَ مِنهُ في الدُّنْيا، ويُرْبِي الصَّدَقاتِ أيْ يُضاعِفُ ثَوابَها لِأنَّ الصَّدَقَةَ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ إلّا بِمَعْنى زِيادَةِ ثَوابِها، وقَدْ جاءَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طِيبًا تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ فَيُرْبِيها لَهُ كَما يُرْبِي أحَدُكم فَلُوَّهُ» ولَمّا جُعِلَ المَحْقُ بِالرِّبا وجُعِلَ الإرْباءُ بِالصَّدَقاتِ كانَتِ المُقابَلَةُ مُؤْذِنَةً بِحَذْفِ مُقابِلَيْنِ آخَرَيْنِ، والمَعْنى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُعاقِبُ عَلَيْهِ، ويُرْبِي الصَّدَقاتِ ويُبارِكُ لِصاحِبِها، عَلى طَرِيقَةِ الِاحْتِباكِ.

وجُمْلَةُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أحْكامِ الرِّبا، ولَمّا كانَ شَأْنُ الِاعْتِراضِ ألّا يَخْلُوَ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِياقِ الكَلامِ، كانَ الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ جَمِيعَ الكافِرِينَ مُؤْذِنًا بِأنَّ الرِّبا مِن شِعارِ أهْلِ الكُفْرِ، وأنَّهُمُ الَّذِينَ اسْتَباحُوهُ فَقالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، فَكانَ هَذا تَعْرِيضًا بِأنَّ المُرابِيَ مُتَّسِمٌ بِخِلالِ أهْلِ الشِّرْكِ.

ومُفادُ التَّرْكِيبِ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ أحَدًا مِنَ الكافِرِينَ الآثِمِينَ لِأنَّ (كُلَّ) مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَهي مَوْضُوعَةٌ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ ما تُضافُ إلَيْهِ ولَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِلدَّلالَةِ عَلى

صفحة ٩٢

صُبْرَةٍ مَجْمُوعَةٍ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ هي مَوْضُوعَةٌ لِلْكُلِّ الجَمِيعِيِّ، وأمّا الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ فَلا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ (كُلُّ) إلّا مَجازًا، فَإذا أُضِيفَتْ (كُلُّ) إلى اسْمٍ اسْتَغْرَقَتْ جَمِيعَ أفْرادِهِ، سَواءٌ ذَلِكَ في الإثْباتِ وفي النَّفْيِ، فَإذا دَخَلَ النَّفْيُ عَلى (كُلُّ) كانَ المَعْنى عُمُومَ النَّفْيِ لِسائِرِ الأفْرادِ؛ لِأنَّ النَّفْيَ كَيْفِيَّةٌ تَعَرِضُ لِلْجُمْلَةِ فالأصْلُ فِيهِ أنْ يَبْقى مَدْلُولُ الجُمْلَةِ كَما هو، إلّا أنَّهُ يَتَكَيَّفُ بِالسَّلْبِ عِوَضًا عَنْ تَكَيُّفِهِ بِالإيجابِ، فَإذا قُلْتَ كُلُّ الدِّيارِ ما دَخَلْتُهُ، أوْ: لَمْ أدْخُلْ كُلَّ دارٍ، أوْ: كُلَّ دارٍ لَمْ أدْخُلْ، أفادَ ذَلِكَ نَفْيَ دُخُولِكَ أيَّةَ دارٍ مِنَ الدِّيارِ، كَما أنَّ مُفادَهُ في حالَةِ الإثْباتِ ثُبُوتُ دُخُولِكَ كُلَّ دارٍ، ولِذَلِكَ كانَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ لِلَفْظِ (كُلُّ) سَواءٌ في المَعْنى في قَوْلِ أبِي النَّجْمِ:

قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ

كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَوْ نَصَبَ لَكانَ أوْلى، لِأنَّ النَّصْبَ لا يُفْسِدْ مَعْنًى ولا يُخِلُّ بِمِيزانٍ، ولا تَخْرُجُ (كُلُّ) عَنْ إفادَةِ العُمُومِ إلّا إذا اسْتَعْمَلَها المُتَكَلِّمُ في خَبَرٍ يُرِيدُ بِهِ إبْطالَ …

Al-Baqara 2:276Listen in Qur'an →
277

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakah will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

صفحة ٩٣

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِمُقابَلَةِ الذَّمِّ بِالمَدْحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرَتِها قَرِيبًا، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِأنَّ الصِّفاتِ المُقابِلَةَ لَهاتِهِ الصِّفاتِ صِفاتُ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، والمُناسَبَةُ تَزْدادُ ظُهُورًا لِقَوْلِهِ: ”وآتَوُا الزَّكاةَ“ .

Al-Baqara 2:277Listen in Qur'an →
278

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

O you who have believed, fear Allah and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إفْضاءٌ إلى التَّشْرِيعِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ أمامَهُ مِنَ المَوْعِظَةِ ما هَيَّأ النُّفُوسَ إلَيْهِ، فَإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو تَشْرِيعٌ وقَعَ في سِياقِ الرَّدِّ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِتَشْرِيعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ ولِذا احْتِيجَ إلى هَذا التَّشْرِيعِ الصَّرِيحِ المَقْصُودِ، وما تَقَدَّمَ كُلُّهُ وصْفٌ لِحالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وما بَقِيَ مِنهُ في صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ.

وأُمِرُوا بِتَقْوى اللَّهِ قَبْلَ الأمْرِ بِتَرْكِ الرِّبا لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ هي أصْلُ الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ، ولِأنَّ تَرْكَ الرِّبا مِن جُمْلَتِها، فَهو كالأمْرِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.

ومَعْنى ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ الآيَةَ اتْرُكُوا ما بَقِيَ في ذِمَمِ الَّذِينَ عامَلْتُمُوهم بِالرِّبا، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَكانَ الَّذِي سَلَفَ قَبْضُهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ مَعْفُوًّا عَنْهُ وما لَمْ يُقْبَضْ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ.

صفحة ٩٤

قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِثَقِيفٍ - أهْلِ الطّائِفِ - إذْ دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وبَعْدَ حِصارِ الطّائِفِ عَلى صُلْحٍ وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ - الَّذِي أوْلاهُ النَّبِيءُ ﷺ مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ - بِسَبَبِ أنَّهم كانَتْ لَهم مُعامَلاتٌ بِالرِّبا مَعَ قُرَيْشٍ، فاشْتَرَطَتْ ثَقِيفٌ قَبْلَ النُّزُولِ عَلى الإسْلامِ أنَّ كُلَّ رِبًا لَهم عَلى النّاسِ يَأْخُذُونَهُ، وكُلَّ رِبًا عَلَيْهِمْ فَهو مَوْضُوعٌ، وقَبِلَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ شَرْطَهم، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ خِطابًا لَهم، وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِإسْلامٍ، فَقالُوا: لا يَدَيْ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا، فَلا يُنافِي قَوْلَهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذْ مَعْناهُ: يا أيُّها الَّذِينَ دَخَلُوا في الإيمانِ، وانْدَفَعَتْ إشْكالاتٌ عَرَضَتْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِالشَّرْطِ فَقَدِ انْتَقَضَ الصُّلْحُ بَيْنَنا، فاعْلَمُوا أنَّ الحَرْبَ عادَتْ جَذَعَةً، فَهَذا كَقَوْلِهِ: ”﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]“ وتَنْكِيرُ ”حَرْبٍ“ لِقَصْدِ تَعْظِيمِ أمْرِها، ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ عَدَلَ عَنْ إضافَةِ الحَرْبِ إلى اللَّهِ وجِيءَ عِوَضًا عَنْها بِمَن، ونُسِبَتْ إلى اللَّهِ، لِأنَّها بِإذْنِهِ عَلى سَبِيلِ مَجازِ الإسْنادِ، وإلى رَسُولِهِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ والمُباشِرُ، وهَذا هو الظّاهِرُ، فَإذا صَحَّ ما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها فَهو مِن تَجْوِيزِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في الأحْكامِ، إذْ قَبِلَ مِن ثَقِيفٍ النُّزُولَ عَلى اقْتِضاءِ ما لَهم مِنَ الرِّبا عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأى الصُّلْحَ مَعَ ثَقِيفٍ عَلى دُخُولِهِمْ في …

Al-Baqara 2:278Listen in Qur'an →
279

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allah and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إفْضاءٌ إلى التَّشْرِيعِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ أمامَهُ مِنَ المَوْعِظَةِ ما هَيَّأ النُّفُوسَ إلَيْهِ، فَإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو تَشْرِيعٌ وقَعَ في سِياقِ الرَّدِّ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِتَشْرِيعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ ولِذا احْتِيجَ إلى هَذا التَّشْرِيعِ الصَّرِيحِ المَقْصُودِ، وما تَقَدَّمَ كُلُّهُ وصْفٌ لِحالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وما بَقِيَ مِنهُ في صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ.

وأُمِرُوا بِتَقْوى اللَّهِ قَبْلَ الأمْرِ بِتَرْكِ الرِّبا لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ هي أصْلُ الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ، ولِأنَّ تَرْكَ الرِّبا مِن جُمْلَتِها، فَهو كالأمْرِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.

ومَعْنى ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ الآيَةَ اتْرُكُوا ما بَقِيَ في ذِمَمِ الَّذِينَ عامَلْتُمُوهم بِالرِّبا، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَكانَ الَّذِي سَلَفَ قَبْضُهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ مَعْفُوًّا عَنْهُ وما لَمْ يُقْبَضْ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ.

صفحة ٩٤

قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِثَقِيفٍ - أهْلِ الطّائِفِ - إذْ دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وبَعْدَ حِصارِ الطّائِفِ عَلى صُلْحٍ وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ - الَّذِي أوْلاهُ النَّبِيءُ ﷺ مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ - بِسَبَبِ أنَّهم كانَتْ لَهم مُعامَلاتٌ بِالرِّبا مَعَ قُرَيْشٍ، فاشْتَرَطَتْ ثَقِيفٌ قَبْلَ النُّزُولِ عَلى الإسْلامِ أنَّ كُلَّ رِبًا لَهم عَلى النّاسِ يَأْخُذُونَهُ، وكُلَّ رِبًا عَلَيْهِمْ فَهو مَوْضُوعٌ، وقَبِلَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ شَرْطَهم، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ خِطابًا لَهم، وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِإسْلامٍ، فَقالُوا: لا يَدَيْ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا، فَلا يُنافِي قَوْلَهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذْ مَعْناهُ: يا أيُّها الَّذِينَ دَخَلُوا في الإيمانِ، وانْدَفَعَتْ إشْكالاتٌ عَرَضَتْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِالشَّرْطِ فَقَدِ انْتَقَضَ الصُّلْحُ بَيْنَنا، فاعْلَمُوا أنَّ الحَرْبَ عادَتْ جَذَعَةً، فَهَذا كَقَوْلِهِ: ”﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]“ وتَنْكِيرُ ”حَرْبٍ“ لِقَصْدِ تَعْظِيمِ أمْرِها، ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ عَدَلَ عَنْ إضافَةِ الحَرْبِ إلى اللَّهِ وجِيءَ عِوَضًا عَنْها بِمَن، ونُسِبَتْ إلى اللَّهِ، لِأنَّها بِإذْنِهِ عَلى سَبِيلِ مَجازِ الإسْنادِ، وإلى رَسُولِهِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ والمُباشِرُ، وهَذا هو الظّاهِرُ، فَإذا صَحَّ ما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها فَهو مِن تَجْوِيزِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في الأحْكامِ، إذْ قَبِلَ مِن ثَقِيفٍ النُّزُولَ عَلى اقْتِضاءِ ما لَهم مِنَ الرِّبا عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأى الصُّلْحَ مَعَ ثَقِيفٍ عَلى دُخُولِهِمْ في …

Al-Baqara 2:279Listen in Qur'an →
280

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسُرَةٍ وأنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] لِأنَّ ظاهِرَ الجَوابِ أنَّهم يَسْتَرْجِعُونَها مُعَجَّلَةً، إذِ العُقُودُ قَدْ فُسِخَتْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ حالَةً أُخْرى، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ حالَةٌ مُقَدَّرَةٌ مَفْهُومَةٌ لِأنَّ الجَزاءَ يَدُلُّ عَلى التَّسَبُّبِ، والأصْلُ حُصُولُ المَشْرُوطِ عِنْدَ الشَّرْطِ، والمَعْنى: وإنْ حَصَلَ ذُو عُسْرَةٍ، أيْ غَرِيمٌ مُعْسِرٌ.

وفِي الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى أنْ (ذُو) تُضافُ لِغَيْرِ ما يُفِيدُ شَيْئًا شَرِيفًا.

والنَّظِرَةُ - بِكَسْرِ الظّاءِ - الِانْتِظارُ.

صفحة ٩٦

والمَيْسُرَةُ بِضَمِّ السِّينِ في قِراءَةِ نافِعٍ وبِفَتْحِها في قِراءَةِ الباقِينَ اسْمٌ لِلْيُسْرِ وهو ضِدُّ العُسْرِ بِضَمِّ العَيْنِ وهي مَفْعُلَةٌ كَمَشْرُقَةٍ ومَشْرُبَةٍ ومَأْلُكَةٍ ومَقْدُرَةٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ ومَفْعَلَةٌ بِالفَتْحِ أكْثَرُ في كَلامِهِمْ.

وجُمْلَةُ ”فَنَظِرَةٌ“ جَوابُ الشَّرْطِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَنَظِرَةٌ لَهُ.

والصِّيغَةُ طَلَبٌ وهي مُحْتَمِلَةٌ لِلْوُجُوبِ والنَّدْبِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالعُسْرِ العَدَمُ أيْ نَفادُ مالِهِ كُلِّهِ فالطَّلَبُ لِلْوُجُوبِ، والمَقْصُودُ بِهِ إبْطالُ حُكْمِ بَيْعِ المُعْسِرِ واسْتِرْقاقِهِ في الدَّيْنِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وفاءٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا في الجاهِلِيَّةِ، وهو حُكْمٌ قَدِيمٌ في الأُمَمِ كانَ مِن حُكْمِ المِصْرِيِّينَ، فَفي القُرْآنِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] وكانَ في شَرِيعَةِ الرُّومانِ اسْتِرْقاقُ المَدِينِ، وأحْسَبُ أنَّ في شَرِيعَةِ التَّوْراةِ قَرِيبًا مِن هَذا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ولَمْ يَثْبُتْ، وإنْ أُرِيدَ بِالعُسْرَةِ ضِيقُ الحالِ وإضْرارُ المَدِينِ بِتَعْجِيلِ القَضاءِ فالطَّلَبُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ، وقَدْ قالَ بِهِ بَعْضُ الفُقَهاءِ، ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ والجُمْهُورِ، فَمَن لَمْ يَشَأْ لَمْ يُنْظِرْهُ ولَوْ بِبَيْعِ جَمِيعِ مالِهِ لِأنَّ هَذا حَقٌّ يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُهُ، والإنْظارُ مَعْرُوفٌ والمَعْرُوفُ لا يَجِبُ، غَيْرَ أنَّ المُتَأخِّرِينَ بِقُرْطُبَةَ كانُوا لا يَقْضُونَ عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ الدَّفْعِ، ويُؤَجِّلُونَهُ بِالِاجْتِهادِ لِئَلّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ بِتَعْجِيلِ بَيْعِ ما بِهِ الخَلاصُ.

ومَوْرِدُ الآيَةِ عَلى دُيُونِ مُعامَلاتِ الرِّبا، لَكِنَّ الجُمْهُورَ عَمَّمُوها في جَمِيعِ المُعامَلاتِ ولَمْ يَعْتَبِرُوا خُصُوصَ السَّبَبِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أبْطَلَ حُكْمَ الرِّبا صارَ رَأْسُ المالِ دَيْنًا بَحْتًا فَما عُيِّنَ لَهُ مِن طَلَبِ الإنْظارِ في الآيَةِ حُكْمٌ ثابِتٌ لِلدَّيْنِ كُلِّهِ، وخالَفَ شُرَيْحٌ فَخَصَّ الآيَةَ بِالدُّيُونِ الَّتِي كانَتْ عَلى رِبًا ثُمَّ أُبْطِلَ رِباها.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ أنَّ إسْقاطَ الدَّيْنِ عَنِ المُعْسِرِ والتَّنْفِيسَ عَلَيْهِ بِإغْنائِهِ أفْضَلُ، وجَعَلَهُ اللَّهُ صَدَقَةً لِأنَّ فِيهِ تَفْرِيجَ الكَرْبِ وإغاثَةَ المَلْهُوفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ العَشَرَةِ ”تَصَّدَّقُوا“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَتَصَدَّقُوا) فَقُلَبَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ صادًا لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتْ في الصّادِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِتَخْفِيفِ الصّادِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ.

Al-Baqara 2:280Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.