فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ
So they defeated them by permission of Allah, and David killed Goliath, and Allah gave him the kingship and prophethood and taught him from that which He willed. And if it were not for Allah checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allah is full of bounty to the worlds.
﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾
ذَيَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ، كُلَّ الوَقائِعِ العَجِيبَةِ، الَّتِي أشارَتْ بِها الآياتُ السّالِفَةُ: لِتَدْفَعَ عَنِ السّامِعِ المُتَبَصِّرِ ما يُخامِرُهُ مِن تَطَلُّبِ الحِكْمَةِ في حَدَثانِ هَذِهِ الوَقائِعِ وأمْثالِها في هَذا العالَمِ ولِكَوْنِ مَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةً مَن عِبَرِ الأكْوانِ، وحِكْمَةً مِن حِكَمِ التّارِيخِ، ونُظُمِ العُمْرانِ الَّتِي لَمْ يَهْتَدِ إلَيْها أحَدٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَبْلَ إدْراكِ ما في مَطاوِيها، عُطِفَتْ عَلى العِبَرِ الماضِيَةِ كَما عُطِفَ قَوْلُهُ (﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]) وما بَعْدَهُ مِن رُءُوسِ الآيِ. وعُدِلَ عَنِ التَّعارُفِ في أمْثالِها مِن تَرْكِ العَطْفِ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ﴾) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ دَفْعُ بِصِيغَةِ المُجَرَّدِ.
والدِّفاعُ مَصْدَرُ دافَعَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في دَفْعٍ لا لِلْمُفاعَلَةِ، كَقَوْلِ مُوسى جابِرٍ الحَنَفِيِّ:
لا أشْتَهِي يا قَوْمُ إلّا كارِهًـا بابَ الأمِيرِ ولا دِفاعَ الحاجِبِ
وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ: كَما هو في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] أيْ يَدْفَعُ لِأنَّ الَّذِي يَدْفَعُ حَقِيقَةً هو الَّذِي يُباشِرُ الدَّفْعَ في مُتَعارَفِ النّاسِ وإنَّما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ الَّذِي قَدَّرَهُ وقَدَّرَ أسْبابَهُ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فَجُعِلَ سَبَبُ الدِّفاعِ بَعْضَهم وهو مِن بابِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] . وأصْلُ مَعْنى الدَّفْعِ الضَّرْبُ بِاليَدِ لِلْإقْصاءِ عَنِ المَرامِ. قالَ:
فَدَفَعْتُها فَتَدافَعَتْ وهو ذَبٌّ عَنْ مَصْلَحَةِ الدّافِعِ ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَوْلا وُقُوعُ دَفْعِ بَعْضِ النّاسِ بَعْضًا آخَرَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيداعِهِ قُوَّةَ الدَّفْعِ وبَواعِثَهُ في الدّافِعِ، لَفَسَدَتِ الأرْضُ: أيْ مَن عَلى الأرْضِ، واخْتَلَّ
صفحة ٥٠١
نِظامُ ما عَلَيْها: ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ المَوْجُوداتِ الَّتِي عَلى الأرْضِ مِن أجْناسٍ، وأنْواعٍ، وأصْنافٍ، خَلَقَها قابِلَةً لِلِاضْمِحْلالِ، وأوْدَعَ في أفْرادِها سُنَنًا دَلَّتْ عَلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ بَقاؤُها إلى أمَدٍ أرادَهُ، ولِذَلِكَ نَجِدُ قانُونَ الخَلَفِيَّةِ مُنْبَثًّا في جَمِيعِ أنْواعِ المَوْجُوداتِ فَما مِن نَوْعٍ إلّا وفي أفْرادِهِ قُوَّةُ إيجادِ أمْثالِها لِتَكُونَ تِلْكَ الأمْثالُ أخْلافًا عَنِ الأفْرادِ عِنْدَ اضْمِحْلالِها، وهَذِهِ القُوَّةُ هي المُعَبَّرُ عَنْها بِالتَّناسُلِ في الحَيَوانِ، والبَذْرِ في النَّبْتِ، والنَّضْحِ في المَعادِنِ، والتَّوَلُّدِ في العَناصِرِ الكِيماوِيَّةِ. ووُجُودُ هَذِهِ القُوَّةِ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ أوَّلُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ مُوجِدَها قَدْ أرادَ بَقاءَ الأنْواعِ، كَما أرادَ اضْمِحْلالَ الأفْرادِ عِنْدَ آجالٍ مُعَيَّنَةٍ، لِاخْتِلالِ أوِ انْعِدامِ صَلاحِيَّتِها، ونَعْلَمُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ خالِقُ هَذِهِ الأكْوانِ لا يُحِبُّ فَسادَها، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] . ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى كَما أوْدَعَ في جَمِيعِ الكائِناتِ إدْراكاتٍ تَنْساقُ بِها، بِدُونِ تَأمُّلٍ أوْ بِتَأمُّلٍ، إلى ما فِيهِ صَلاحُها وبَقاؤُها، كانْسِياقِ الوَلِيدِ …