Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 131–140 of 286

131

إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

When his Lord said to him, "Submit", he said "I have submitted [in Islam] to the Lord of the worlds."

﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

مُوقِعُ هاتِهِ الآياتِ مِن سَوابِقِها مُوقِعُ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ وإذِ ابْتَلى إلى هَنا عَلِمَ أنَّ صاحِبَ هاتِهِ الفَضائِلِ لا يَعْدِلُ عَنْ دِينِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ إلّا سَفِيهُ العَقْلِ أفِنَ الرَّأْيِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ عَلى سَوابِقِها بِالفاءِ وإنَّما عَدَلَ مِنَ الفاءِ إلى الواوِ لِيَكُونَ مَدْلُولُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ في تَكْمِيلِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وفي أنَّ هَذا الحُكْمَ حَقِيقٌ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ لا مِن خُصُوصِ ما حَكى عَنْهُ في الآياتِ السّالِفَةِ وفي التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ حادُوا عَنِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ مُتَضَمِّنًا لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، والدَّلالَةُ عَنِ التَّفْرِيعِ لا تَفُوتُ لِأنَّ وُقُوعَ الجُمْلَةِ بَعْدَ سَوابِقِها مُتَضَمِّنَةٌ هَذا المَعْنى دَلِيلٌ عَلى أنَّها نَتِيجَةٌ لِما تَقَدَّمَ كَما تَقُولُ أحْسَنَ فُلانٌ تَدْبِيرَ المُهِمِّ وهو رَجُلٌ حَكِيمٌ ولا تَحْتاجُ إلى أنْ تَقُولَ فَهو رَجُلٌ حَكِيمٌ.

والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، واسْتِعْمالُهُ في الإنْكارِ قَدْ يَكُونُ مَعَ جَوازِ إرادَةِ قَصْدِ الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ كِنايَةً، وقَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ جَوازِ إرادَةِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ مَجازًا في الإنْكارِ ويَكُونُ مَعْناهُ مَعْنى النَّفْيِ، والأظْهَرُ أنَّهُ هُنا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ العِلْمِ بِفَضْلِها ووُضُوحِها أمْرٌ مُنْكَرٌ مُسْتَبْعَدٌ.

ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنْكِرِ المُسْتَبْعَدِ أنْ يَسْألَ عَنْ فاعِلِهِ اسْتُعْمِلَ الِاسْتِفْهامُ في مَلْزُومِهِ وهو الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُئِلَ عَنْ هَذا المَعْرَضِ لَكانَ السُّؤالُ وجِيهًا، والِاسْتِثْناءُ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ النَّفْيِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ كِنائِيَّيْنِ، أوْ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ وهُما الإنْكارُ.

والِاسْتِفْهامُ لا يَجِيءُ فِيهِ ما قالُوا في اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ

صفحة ٧٢٥

فِي حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أوْ في مَجازَيْهِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنى الكِنائِيِّ بِطَرِيقِ العَقْلِ بِخِلافِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَوْضُوعِ لَهُما الحَقِيقِيُّ وعَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ إذِ الَّذِينَ رَأوْا ذَلِكَ مَنَعُوا بِعِلَّةِ أنَّ قَصْدَ الدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى الآخَرِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ فَإذا دَلَّ عَلى مَعْنى تَمَّتْ دَلالَتُهُ وأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَجازِيَّيْنِ دَلالَةٌ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ فَتَقْضِي أنَّهُ نُقِلَ مِن مَدْلُولِهِ الحَقِيقِيِّ إلى مَدْلُولٍ مَجازِيٍّ وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ، وقَدْ أبْطَلْنا ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ، أمّا المَعْنى الكِنائِيِّ فالدَّلالَةُ عَلَيْهِ عَقْلِيَّةٌ سَواءٌ بَقِيَ اللَّفْظُ دالًّا عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أمْ تَعَطَّلَتْ دَلالَتُهُ عَلَيْهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اسْتِعْمالَ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى الإنْكارِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما تَكَرَّرَ في كُلِّ كِنايَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيها …

Al-Baqara 2:131Listen in Qur'an →
132

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِۦمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allah has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."

﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

لِما كانَ مِن شَأْنِ أهْلِ الحَقِّ والحِكْمَةِ أنْ يَكُونُوا حَرِيصِينَ عَلى صَلاحِ أنْفُسِهِمْ وصَلاحِ أُمَّتِهِمْ كانَ مِن مُكَمِّلاتِ ذَلِكَ أنْ يَحْرِصُوا عَلى دَوامِ الحَقِّ في النّاسِ مُتَّبَعًا مَشْهُورًا فَكانَ مِن سُنَنِهِمُ التَّوْصِيَةُ لِمَن يَظُنُّونَهم خَلَفًا عَنْهم في النّاسِ بِأنْ لا يَحِيدُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ولا يُفَرِّطُوا فِيما حَصَلَ لَهم مِنهُ، فَإنَّ حُصُولَهُ بِمُجاهَدَةِ نُفُوسٍ ومُرُورِ أزْمانٍ فَكانَ لِذَلِكَ أمْرًا نَفِيسًا يَجْدُرُ أنْ يَحْتَفِظَ بِهِ.

والإيصاءُ أمْرٌ أوْ نَهْيٌ يَتَعَلَّقُ بِصَلاحِ المُخاطَبِ خُصُوصًا أوْ عُمُومًا، وفي فَوْتِهِ ضُرٌّ، فالوَصِيَّةُ أبْلَغُ مِن مُطْلَقِ أمْرٍ ونَهْيٍ فَلا تُطْلَقُ إلّا في حَيْثُ يَخافُ الفَواتَ إمّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوصِي ولِذَلِكَ كَثُرَ الإيصاءُ عِنْدَ تَوَقُّعِ المَوْتِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] وفي حَدِيثِ العِرْباضِ «وعَظَنا رَسُولُ اللَّهِ مَوْعِظَةً وجِلَتْ مِنها القُلُوبُ وذَرَفَتْ مِنها العُيُونُ فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ كَأنَّها مَوْعِظَةُ مُودِعٍ فَأوْصِنا» الحَدِيثَ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُوصى كالوَصِيَّةِ عِنْدَ السَّفَرِ في «حَدِيثِ مُعاذٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْيَمَنِ كانَ آخِرَ ما أوْصانِي رَسُولُ اللَّهِ حِينَ وضَعَتْ رِجْلِي في الغَرْزِ أنْ قالَ حَسِّنْ خُلُقَكَ لِلنّاسِ»، «وجاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ لَهُ أوْصِنِي قالَ ”لا تَغْضَبْ“»

صفحة ٧٢٨

فَوَصِيَّةُ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إمّا عِنْدَ المَوْتِ كَما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ الآتِيَةُ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ وإمّا في مَظانِّ خَشْيَةُ الفَواتِ.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ عَلى المِلَّةِ أوْ عَلى الكَلِمَةِ أيْ قَوْلُهُ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] فَإنْ كانَ بِالمِلَّةِ فالمَعْنى أنَّهُ أوْصى أنْ يُلازِمُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مَعَهُ في حَياتِهِ، وإنْ كانَ الثّانِي فالمَعْنى أنَّهُ أوْصى بِهَذا الكَلامِ الَّذِي هو شِعارٌ جامِعٌ لِمَعانِي ما في المِلَّةِ.

وبَنُو إبْراهِيمَ ثَمانِيَةٌ: إسْماعِيلُ وهو أكْبَرُ بَنِيهِ وأُمُّهُ هاجَرُ، وإسْحاقُ وأمُّهُ سارَّةُ وهو ثانِي بَنِيهِ، ومَدْيانُ، ومَدانُ، وزَمْرانُ، ويِقْشانُ، وبِشْباقُ، وشُوحُ، وهَؤُلاءِ أُمُّهم قَطُورَةُ الَّتِي تَزَوَّجَها إبْراهِيمُ بَعْدَ مَوْتِ سارَّةَ، ولَيْسَ لِغَيْرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ خَبَرٌ مُفَصَّلٌ في التَّوْراةِ سِوى أنَّ ظاهِرَ التَّوْراةِ أنَّ مَدْيانَ هو جَدُّ أُمَّةِ مَدْيَنَ أصْحابِ الأيْكَةِ وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا خَرَجَ خائِفًا مِن مِصْرَ نَزَلَ أرْضَ مَدْيانَ وأنْ يَثْرُونَ أوْ رَعُوئِيلَ هو شُعَيْبٌ كانَ كاهِنَ أهْلِ مَدْيَنَ. وأمّا يَعْقُوبُ فَهو ابْنُ إسْحاقَ مِن زَوْجِهِ رُفْقَةَ الأرامِيَّةِ تَزَوَّجَها سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ في حَياةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ فَكانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ رَجُلًا ولُقِّبَ بِإسْرائِيلَ وهو جَدُّ جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ وماتَ يَعْقُوبُ بِأرْضِ مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وثَمانِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ ودُفِنَ بِمَغارَةِ المَكْفُلِيَّةِ بِأرْضِ كَنْعانَ بَلَدِ الخَلِيلِ حَيْثُ دُفِنَ جَدُّهُ وأبُوهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وعَطْفُ يَعْقُوبَ عَلى إبْراهِيمَ هُنا إدْماجٌ مَقْصُودٌ بِهِ تَذْكِيرُ …

Al-Baqara 2:132Listen in Qur'an →
133

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God. And we are Muslims [in submission] to Him."

صفحة ٧٣٠

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

تَفْصِيلٌ لِوَصِيَّةِ يَعْقُوبَ بِأنَّهُ أمَرَ أبْناءَهُ أنْ يَكُونُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ وهي نَظِيرُ ما وصّى بِهِ إبْراهِيمُ بَنِيهِ فَأجْمَلَ هُنا اعْتِمادًا عَلى ما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ سابِقًا ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وهَذا تَنْوِيهٌ بِالحَنِيفِيَّةِ الَّتِي هي أساسُ الإسْلامِ، وتَمْهِيدٌ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] وإبْطالٌ لِزَعْمِهِمْ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وأنَّهُ أوْصى بِها بَنِيهِ فَلَزِمَتْ ذُرِّيَّتَهُ فَلا يُحَوَّلُونَ عَنْها.

وقَدْ ذُكِرَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا ذَلِكَ قالَهُ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ بِدُونِ سَنَدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٤٠] الآيَةَ فَلِذَلِكَ جِيءَ هُنا بِتَفْصِيلِ وصِيَّةِ يَعْقُوبَ إبْطالًا لِدَعاوِي اليَهُودِ ونَقْضًا لِمُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَما أنْبَأ بِهِ الإنْكارُ في قَوْلِهِ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ إلَخْ.

و”أمْ“ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ”كُنْتُمْ شُهَداءَ“ عَلى جُمْلَةِ ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ فَإنَّ أمْ مِن حُرُوفِ العَطْفِ كَيْفَما وقَعَتْ، وهي هُنا مُنْقَطِعَةٌ لِلِانْتِقالِ مِنَ الخَبَرِ عَنْ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إلى مُجادَلَةِ مَنِ اعْتَقَدُوا خِلافَ ذَلِكَ الخَبَرِ، ولَمّا كانَتْ أمْ يُلازِمُها الِاسْتِفْهامُ كَما مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] إلَخْ فالِاسْتِفْهامُ هُنا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ لِظُهُورِ أنَّ عَدَمَ شُهُودِهِمُ احْتِضارَ يَعْقُوبَ مُحَقَّقٌ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ مَجازٌ: ومَحْمَلُهُ عَلى الإنْكارِ لِأنَّهُ أشْهَرُ مَحامِلِ الِاسْتِفْهامِ المَجازِيِّ، ولِأنَّ مِثْلَ هَذا المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَأْلُوفٌ في الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ الِاسْتِفْهامِ إنْكارِيًّا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ الواقِعُ فِيهِ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمَظِنَّةِ حالِ مَن يَدَّعِي خِلافَ الواقِعِ حَتّى يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، خِلافًا لِمَن جَوَّزَ كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، تَوَهَّمُوا أنَّ الإنْكارَ يُساوِي النَّفْيَ مُساواةً تامَّةً وغَفَلُوا عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وبَيْنَ النَّفْيِ المُجَرَّدِ فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ مَجازًا بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ وهو يَسْتَلْزِمُ النَّفْيُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ، ومِنَ العَجِيبِ وُقُوعُ الزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الغَفْلَةِ. فَتَعِينَ أنَّ المُخاطَبَ اليَهُودَ وأنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى اعْتِقادٍ اعْتَقَدُوهُ يُعْلَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ

صفحة ٧٣١

وسَوابِقِهِ وهو ادِّعاؤُهم أنَّ يَعْقُوبَ ماتَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وأوْصى بِها فَلَزِمَتْ ذُرِّيَّتَهُ، فَكانَ مَوْقِعَ الإنْكارِ عَلى اليَهُودِ واضِحًا وهو أنَّهُمُ ادَّعُوا ما لا قِبَلَ لَهم بِعِلْمِهِ إذْ لَمْ يَشْهَدُوا كَما سَيَأْتِي، فالمَعْنى ما كُنْتُمْ شُهَداءَ احْتِضارَ يَعْقُوبَ. ثُمَّ أكْمَلَ القِصَّةَ تَعْلِيمًا وتَفْصِيلًا واسْتِقْصاءً في الحُجَّةِ بِأنْ ذَكَرَ ما قالَهُ يَعْقُوبُ حِينَ اخْتِصارِهِ …

Al-Baqara 2:133Listen in Qur'an →
134

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

صفحة ٧٣٥

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عُقِّبَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ تِلْكَ الآياتِ تَضَمَّنَتِ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ والتَّنْوِيهَ بِشَأْنِهِمْ والتَّعْرِيضَ بِمَن لَمْ يَقْتَفِ آثارَهم مِن ذُرِّيَّتِهِمْ وكَأنَّ ذَلِكَ قَدْ يَنْتَحِلُ مِنهُ المَغْرُورُونَ عُذْرًا لِأنْفُسِهِمْ فَيَقُولُونَ نَحْنُ وإنْ قَصَّرْنا فَإنَّ لَنا مِن فَضْلِ آبائِنا مَسْلَكًا لِنَجاتِنا، فَذُكِرَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِإفادَةِ أنَّ الجَزاءَ بِالأعْمالِ لا بِالِاتِّكالِ.

والإشارَةُ بِتِلْكَ عائِدَةٌ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ بِاعْتِبارِ أنَّهم جَماعَةٌ وبِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنْهم بِاسْمٍ مُؤَنَّثٍ لَفْظُهُ وهو أُمَّةٌ.

والأُمَّةُ تَقَدَّمَ بَيانُها آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقَوْلُهُ قَدْ خَلَتْ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ ومَعْنى خَلَتْ مَضَتْ، وأصْلُ الخَلاءِ الفَراغُ فَأصْلُ مَعْنى خَلَتْ خَلا مِنها المَكانُ فَأسْنَدَ الخُلُوَّ إلى أصْحابِ المَكانِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِنُكْتَةِ المُبالَغَةِ، والخَبَرُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ انْتِفاعِ غَيْرِهِمْ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ وإلّا فَإنَّ كَوْنَها خَلَتْ مِمّا لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ، ولِذا فَقَوْلُهُ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ الآيَةَ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ”قَدْ خَلَتْ“ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ.

والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى اليَهُودِ أيْ لا يَنْفَعُكم صَلاحُ آبائِكم إذا كُنْتُمْ غَيْرَ مُتَّبِعِينَ طَرِيقَتَهم، فَقَوْلُهُ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ إذْ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، والمُرادُ بِما كَسَبَتْ وبِما كَسَبْتُمْ ثَوابُ الأعْمالِ بِدَلِيلِ التَّعْبِيرِ فِيهِ بَلَها ولَكم، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الكَلامَ مِن نَوْعِ الِاحْتِباكِ والتَّقْرِيرِ لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْكم ما كَسَبْتُمْ أيْ إثْمُهُ. ومِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها انْتَزَعَ الأشْعَرِيُّ التَّعْبِيرَ عَنْ فِعْلِ العَبْدِ بِالكَسْبِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدَيْنِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِما في لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ لِقَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ أيْ ما كَسَبَتِ الأُمَّةُ لا يَتَجاوَزُها إلى غَيْرِها وما كَسَبْتُمْ لا يَتَجاوَزُكم، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ فَإنَّهم لِغُرُورِهِمْ يَزْعُمُونَ أنَّ ما كانَ لِأسْلافِهِمْ مِنَ الفَضائِلِ يُزِيلُ ما ارْتَكَبُوهُ هم مِنَ المَعاصِي أوْ يَحْمِلُهُ عَنْهم أسْلافُهم.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ وهو مِن تَمامِ التَّفْصِيلِ

صفحة ٧٣٦

لِمَعْنى خَلَتْ، فَإنْ جَعَلْتَ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ خاصًّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ولا تُسْألُونَ﴾ إلَخْ تَكْمِيلٌ لِلْأقْسامِ أيْ وعَلى كُلِّ ما عَمِلَ مِنَ الإثْمِ ولِذا عَبَّرَ هُنالِكَ بِالكَسْبِ المُتَعارَفِ في الِادِّخارِ والتَّنافُسِ وعَبَّرَ هُنا بِالعَمَلِ.

وإنَّما نَفى السُّؤالَ عَنِ العَمَلِ لِأنَّهُ أقَلُّ أنْواعِ المُؤاخَذَةِ بِالجَرِيمَةِ فَإنَّ المَرْءَ يُؤْخَذُ بِجَرِيمَتِهِ فَيُسْألُ عَنْها ويُعاقَبُ وقَدْ يُسْألُ المَرْءُ عَنْ جَرِيمَةِ غَيْرِهِ ولا يُعاقَبُ كَما يُلامُ عَلى القَوْمِ فِعْلُ بَعْضِهِمْ ما لا يَلِيقُ وهو شائِعٌ عِنْدَ العَرَبِ قالَ زُهَيْرٌ:

لَعَمْرِي لَنِعْمَ الحَيُّ جَرَّ عَلَيْهِمْ بِما لا يُواتِيهِمْ حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَمِ فَنَفْيُ …

Al-Baqara 2:134Listen in Qur'an →
135

وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟ ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِۦمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."

﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَمَّهم بِالعُدُولِ عَنْ تَلَقِّي الإسْلامِ الَّذِي شَمِلَ خِصالَ الحَنِيفِيَّةِ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إعْراضِهِمْ ومِقْدارَ غُرُورِهِمْ بِأنَّهم حَصَرُوا الهُدى في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ أيْ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم حَصَرَ الهُدى في دِينِهِ.

ووَجْهُ الحَصْرِ حاصِلٌ مِن جَزْمِ ”تَهْتَدُوا“ في جَوابِ الأمْرِ فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ فَيُفِيدُ مَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا لا يَراهُ اليَهُودُ مُهْتَدِيًا ومَن لَمْ يَكُنْ نَصْرانِيًّا لا يَراهُ النَّصارى مُهْتَدِيًا أيْ نَفَوُا الهُدى عَنْ مُتَّبِعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ وهَذا غايَةُ غُرُورِهِمْ.

والواوُ في قالُوا عائِدَةٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ مَساقِ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وقَوْلِهِ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤] و”أوْ“ في قَوْلِهِ أوْ نَصارى تَقْسِيمٌ بَعْدَ الجَمْعِ لِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلًّا إلى مَن قالَهُ، وجَزَمَ ”تَهْتَدُوا“ في جَوابِ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِمَعْنى الشَّرْطِ لِيُفِيدَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ أنَّكم إنْ كُنْتُمْ عَلى غَيْرِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ فَلَسْتُمْ بِمُهْتَدِينَ.

* * *

صفحة ٧٣٧

﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ جُرِّدَتْ جُمْلَةُ ”قُلْ“ مِنَ العاطِفِ لِوُقُوعِها في مَقامِ الحِوارِ مُجاوَبَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ أيْ بَلْ لا اهْتِداءَ إلّا بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَإنَّها لَمّا جاءَ بِها الإسْلامُ أبْطَلَ ما كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأدْيانِ.

وانْتَصَبَ ”مِلَّةَ“ بِإضْمارِ تَتَبُّعٍ لِدَلالَةِ المَقامِ لِأنَّ كُونُوا هُودًا بِمَعْنى اتَّبِعُوا اليَهُودِيَّةَ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَطْفًا عَلى هُودًا والتَّقْدِيرُ بَلْ نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ «كَقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ لَمّا وفَدَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِيُسْلِمَ: إنِّي مِن دِينٍ أوْ مِن أهْلِ دِينٍ يَعْنِي النَّصْرانِيَّةَ»، والحَنِيفُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَنَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو المَيْلُ في الرَّجُلِ قالَتْ أُمُّ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فِيما تُرَقِّصُهُ بِهِ:

واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ ما كانَ في فِتْيانِكم مِن مِثْلِهِ والمُرادُ المَيْلُ في المَذْهَبِ أنَّ الَّذِي بِهِ حَنَفٌ يَمِيلُ في مَشْيِهِ عَنِ الطَّرِيقِ المُعْتادِ. وإنَّما كانَ هَذا مَدْحًا لِلْمِلَّةِ لِأنَّ النّاسَ يَوْمَ ظُهُورِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ كانُوا في ضَلالَةٍ عَمْياءَ فَجاءَ دِينُ إبْراهِيمَ مائِلًا عَنْهم فَلُقِّبَ بِالحَنِيفِ ثُمَّ صارَ الحَنِيفُ لَقَبَ مَدْحٍ بِالغَلَبَةِ.

والوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ (حَنِيفًا) حالًا مِن إبْراهِيمَ وهَذا مِن مَواضِعِ الِاتِّفاقِ عَلى صِحَّةِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ حالًا لِمِلَّةٍ إلّا أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ إلّا أنْ تُؤَوَّلَ مِلَّةٌ بَدِينٍ عَلى حَدِّ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ أيْ إحْسانِهِ أوْ تَشْبِيهِ فَعِيلٍ إلَخْ بِمَعْنى فاعِلٍ، بِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ الإسْلامِيَّ مِن إسْلامِ إبْراهِيمَ. وقَوْلُهُ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ جُمْلَةٌ هي حالَةٌ ثانِيَةٌ مِن إبْراهِيمَ وهو احْتِراسٌ لِئَلّا يَغْتَرَّ المُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ أيْ …

Al-Baqara 2:135Listen in Qur'an →
136

قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Say, [O believers], "We have believed in Allah and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

صفحة ٧٣٨

﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيئُونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ قُلْ بَلْ مِلَّةَ لِتَفْصِيلِ كَيْفِيَّةِ هاتِهِ المِلَّةِ بَعْدَ أنْ أجْمَلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] والأمْرُ بِالقَوْلِ أمْرٌ بِما يَتَضَمَّنُهُ إذْ لا اعْتِدادَ بِالقَوْلِ إلّا لِأنَّهُ يُطابِقُ الِاعْتِقادَ، إذِ النِّسْبَةُ إنَّما وُضِعَتْ لِلصِّدْقِ لا لِلْكَذِبِ، والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِهَذا القَوْلِ الإعْلانُ بِهِ والدَّعْوَةُ إلَيْهِ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الفَضِيلَةِ الظّاهِرَةِ بِحُصُولِ فَضِيلَةِ سائِرِ الأدْيانِ لِأهْلِ هاتِهِ المِلَّةِ ولِما فِيهِ مِنِ الإنْصافِ وسَلامَةِ الطَّوِيَّةِ، لِيَرْغَبَ في ذَلِكَ الرّاغِبُونَ ويَكْمَدَ عِنْدَ سَماعِهِ المُعانِدُونَ ولِيَكُونَ هَذا كالِاحْتِراسِ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] أيْ نَحْنُ لا نَطْعَنُ في شَرِيعَةِ مُوسى وشَرِيعَةِ عِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيئُونَ ولا نُكَذِّبُهم ولَكُنّا مُسْلِمُونَ لِلَّهِ بِدِينِ الإسْلامِ الَّذِي بَقِيَ عَلى أساسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ وكانَ تَفْصِيلًا لَها وكَمالًا لِمُرادِ اللَّهِ مِنها حِينَ أرادَ اللَّهُ إكْمالَها فَكانَتِ الشَّرائِعُ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَ إبْراهِيمَ كَمُنْعَرِجاتِ الطَّرِيقِ سُلِكَ بِالأُمَمِ فِيها لِمَصالِحٍ ناسَبَتْ أحْوالَهم وعُصُورَهم بَعْدَ إبْراهِيمَ كَما يُسْلَكُ بِمَن أتْعَبَهُ المَسِيرُ طَرِيقٌ مُنْعَرِجٌ لِيَهْدَأ مَن رَكَّزَ السَّيّارَةَ في المَحَجَّةِ فَيَحُطَّ رَحْلَهُ ويَنامَ ثُمَّ يُرْجَعُ بِهِ بَعْدَ حِينٍ إلى الجادَّةِ، ومِن مُناسَباتِ هَذا المَعْنى أنِ ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ واخْتُتِمَ بِقَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ووُسِّطَ ذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيئِينَ بَيْنَ ذَلِكَ.

وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِيَشْمَلَ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُولُوا ذَلِكَ. وجَعْلُهُ بَدَلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ قُلْ بَلْ مِلَّةَ النَّبِيءُ وأُمَّتُهُ.

وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في الكَلامَيْنِ اللَّذَيْنِ لِلنَّبِيءِ فِيهِما مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِمُباشَرَةِ الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ لِإرْشادِهِمْ وزَجْرِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥] إلَخْ وقَوْلِهِ الآتِي ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩] وجَمْعُ الضَّمِيرِ في الكَلامِ الَّذِي لِلْأُمَّةِ فِيهِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِمَضْمُونِ المَأْمُورِ بِهِ في سِياقِ التَّعْلِيمِ أعْنِي قَوْلَهُ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ فِيما تَضَمَّنَتْهُ عُلُومُ الرِّسالَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَخْلُ واحِدٌ مِن هاتِهِ الكَلاماتِ عَنِ الإيذانِ بِشُمُولِ الأُمَّةِ مَعَ النَّبِيءِ، أمّا هُنا فَظاهِرٌ بِجَمْعِ الضَّمائِرِ كُلِّها، وأمّا

صفحة ٧٣٩

فِي قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ﴾ [البقرة: ١٣٥] إلَخْ فَلِكَوْنِهِ جَوابًا مُوالِيًا لِقَوْلِهِمْ كُونُوا هُودًا بِضَمِيرِ الجَمْعِ فَعُلِمَ أنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِلِسانِ الجَمِيعِ، وأمّا في قَوْلِهِ الآتِي ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ [البقرة: ١٣٩] فَلِأنَّهُ بَعْدَ أنْ أفْرَدَ قُلْ جَمَعَ الضَّمائِرَ في (أتُحاجُّونَنا ورَبُّنا ولَنا وأعْمالُنا ونَحْنُ و مُخْلِصُونَ) فانْظُرْ بَدائِعَ النَّظْمِ في هاتِهِ الآياتِ …

Al-Baqara 2:136Listen in Qur'an →
137

فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍۢ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allah will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وقَوْلِهِ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ ودُخُولُ الفاءِ في الِاعْتِراضِ وارِدٌ في الكَلامِ كَثِيرًا وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] والمُرادُ مِنَ القَوْلِ أنْ يَكُونَ إعْلانًا أيْ أعْلِنُوا دِينَكم واجْهَرُوا بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ فَإنِ اتَّبَعَكُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] فَإيمانُهُمُ اهْتِداءٌ ولَيْسُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى هُدًى خِلافًا لِزَعْمِهِمْ أنَّهم عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] فَدَلَّ مَفْهُومُ الشَّرْطِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى هُدًى ما دامُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِالإسْلامِ.

صفحة ٧٤١

وجاءَ الشَّرْطُ هُنا بِحَرْفِ إنِ المُفِيدَةِ لِلشَّكِّ في حُصُولِ شَرْطِها إيذانًا بِأنَّ إيمانَهم غَيْرُ مَرْجُوٍّ.

والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ لِلْمُلابَسَةِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ إيمانًا مُماثِلًا لِإيمانِكم، فالمُماثَلَةُ بِمَعْنى المُساواةِ في العَقِيدَةِ والمُشابَهَةِ فِيها بِاعْتِبارِ أصْحابِ العَقِيدَةِ ولَيْسَتْ مُشابَهَةٌ مُعْتَبِرًا فِيها تَعَدُّدُ الأدْيانِ لِأنَّ ذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ السِّياقُ، وقِيلَ: لَفْظُ مِثْلِ زائِدٌ، وقِيلَ: الباءُ لِلْآلَةِ والِاسْتِعانَةِ، وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، وكُلُّها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ.

وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا طالِبِي هُدًى ولا حَقٍّ إذْ لا أبْيَنَ مِن دَعْوَتِكم إيّاهم ولا إنْصافَ أظْهَرُ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ.

والشِّقاقُ شِدَّةُ المُخالَفَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ وهو الفَلْقُ وتَفْرِيقُ الجِسْمِ، وجِيءَ بِفي لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الشِّقاقِ مِنهم حَتّى كَأنَّهُ ظَرْفٌ مُحِيطٌ بِهِمْ، والإتْيانُ ”بِإنْ“ هُنا مَعَ أنَّ تَوَلِّيَهم هو المَظْنُونُ بِهِمْ لِمُجَرَّدِ المُشاكَلَةِ لِقَوْلِهِ فَإنْ آمَنُوا وفَرَّعَ قَوْلَهُ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ إعْلامَهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ في شِقاقٍ مَعَ ما هو مَعْرُوفٌ مِن كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ أنْصارِهِمْ مِمّا قَدْ يَتَحَرَّجُ لَهُ السّامِعُ فَوَعَدَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ يَكْفِيهِ شَرَّهُمُ الحاصِلَ مِن تَوَلِّيهِمْ. والسِّينُ حَرْفٌ يَمْحَضُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ فَهو مُخْتَصٌّ بِالدُّخُولِ عَلى المُضارِعِ وهو كَحَرْفِ سَوْفَ، والأصَحُّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما في سِوى زَمانِ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ إنَّ سَوْفَ أوْسَعُ مَدًى واشْتُهِرَ هَذا عِنْدَ الجَماهِيرِ فَصارُوا يَقُولُونَ سَوَّفَهُ إذا ماطَلَ الوَفاءَ بِالآخَرِ، وأحْسَبُ أنَّهُ لا مَحِيصَ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السِّينِ وسَوْفَ في الِاسْتِقْبالِ لِيَكُونَ لِمَوْقِعِ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ في الكَلامِ البَلِيغِ خُصُوصِيَّةٌ ثُمَّ إنَّ كِلَيْهِما إذا جاءَ في سِياقِ الوَعْدِ أفادَ تَخْفِيفَ الوَعْدِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] فالسِّينُ هُنا لِتَحْقِيقِ وعْدِ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِأنَّهُ يَكْفِيهِ سُوءَ شِقاقِهِمْ.

ومَعْنى كِفايَتِهِمْ: كِفايَةُ شَرِّهِمْ وشِقاقِهِمْ فَإنَّهم كانُوا أهْلَ تَعَصُّبٍ لِدِينِهِمْ وكانُوا مُعْتَضِدِينَ بِأتْباعٍ وأنْصارٍ وخاصَّةً …

Al-Baqara 2:137Listen in Qur'an →
138

صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةًۭ ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ

[And say, "Ours is] the religion of Allah. And who is better than Allah in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."

﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾

هَذا مُتَّصِلٌ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما بَيْنَها اعْتِراضٌ كَما عَلِمْتَ والمَعْنى آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلُ إيمانًا صِبْغَةَ اللَّهِ.

وصِبْغَةُ بِكَسْرِ الصّادِ أصْلُها صِبْغٌ بِدُونِ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُصْبَغُ بِهِ بِزِنَةِ فِعْلٍ الدّالِّ عَلى مَعْنى المَفْعُولِ مِثْلَ ذِبْحٍ وقِشْرٍ وكِسْرٍ وفِلْقٍ. واتِّصالُهُ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِإرادَةِ الوَحْدَةِ مِثْلَ تَأْنِيثِ قِشْرَةٍ وكَسْرَةٍ وفِلْقَةٍ.

فالصِّبْغَةُ الصِّبْغُ المُعَيَّنُ المَحَضَّرُ لِأنْ يُصْبَغَ بِهِ. وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نائِبٌ عَنْ عامِلِهِ أيْ صَبَغْنا صِبْغَةَ اللَّهِ كَما انْتَصَبَ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] بِتَقْدِيرِ وعْدَهُمُ النَّصْرَ. أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ مِلَّةَ إبْراهِيمَ أيِ المِلَّةَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ شِعارَنا كالصِّبْغَةِ عِنْدَ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مَنصُوبًا وصَفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ آمَنّا بِاللَّهِ والتَّقْدِيرُ آمَنّا إيمانًا صِبْغَةَ اللَّهِ، وهَذا هو الوَجْهُ المُلائِمُ لِإطْلاقِ صِبْغَةَ عَلى وجْهِ المُشاكَلَةِ، وما ادَّعاهُ صاحِبُ الكَشّافِ مِن أنَّهُ يُفْضِي إلى تَفْكِيكِ النَّظْمِ تَهْوِيلٌ لا يُعْبَأُ بِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ لِأنَّ التِئامَ المَعانِي والسِّياقِ يَدْفَعُ التَّفَكُّكَ، وهَلِ الِاعْتِراضُ والمُتَعَلِّقاتُ إلّا مِن قَبِيلِ الفَصْلِ يَتَفَكَّكُ بِها الألْفاظُ ولا تُؤَثِّرُ تَفَكُّكًا في المَعانِي، وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ تَبَعًا لِسِيبَوَيْهَ مَصْدَرًا مُبَيِّنًا لِلْحالَةِ مِثْلَ الجِلْسَةِ والمِشْيَةِ وجَعَلُوا نَصْبَهُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِنَفْسِهِ أيْ لِشَيْءٍ هو عَيْنُهُ أيْ أنَّ مَفْهُومَ المُؤَكَّدِ بِالفَتْحِ والتَّأْكِيدِ مُتَّحِدانِ فَيَكُونُ مُؤَكِّدًا لَآمَنّا لِأنَّ الإيمانَ والصِّبْغَةَ مُتَلازِمانِ عَلى حَدِّ انْتِصابِ وعْدَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وهي قَوْلُهُ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] . ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] وفِيهِ تَكْلِفانِ لا يَخْفَيانِ.

والصِّبْغَةُ هُنا اسْمٌ لِلْماءِ الَّذِي يَغْتَسِلُ بِهِ اليَهُودُ عُنْوانًا عَلى التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ والأصْلُ فِيها عِنْدَهُمُ الِاغْتِسالُ الَّذِي جاءَ فَرْضَهُ في التَّوْراةِ عَلى الكاهِنِ إذا أرادَ تَقْدِيمَ قُرْبانَ كَفّارَةٍ

صفحة ٧٤٣

عَنِ الخَطِيئَةِ عَنْ نَفْسِهِ أوْ عَنْ أهْلِ بَيْتِهِ، والِاغْتِسالُ الَّذِي يَغْتَسِلُهُ الكاهِنُ أيْضًا في عِيدِ الكَفّارَةِ عَنْ خَطايا بَنِي إسْرائِيلَ في كُلِّ عامٍ، وعِنْدَ النَّصارى الصِّبْغَةُ أصْلُها التَّطَهُّرُ في نَهْرِ الأُرْدُنِ وهو اغْتِسالٌ سَنَّهُ النَّبِيءُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا لِمَن يَتُوبُ مِنَ الذُّنُوبِ فَكانَ يَحْيى يَعِظُ بَعْضَ النّاسِ بِالتَّوْبَةِ فَإذا تابُوا أتَوْهُ فَيَأْمُرُهم بِأنْ يَغْتَسِلُوا في نَهْرِ الأُرْدُنِ رَمَزًا لِلتَّطَهُّرِ الرُّوحانِيِّ وكانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ مَعْمُوذِيتَ بِذالٍ مُعْجَمَةٍ وبِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ في آخِرِهِ ويَقُولُونَ أيْضًا مَمْعُوذِيتا بِألْفٍ بَعْدِ التّاءِ وهي كَلِمَةٌ مِنَ اللُّغَةِ الآرامِيَّةِ مَعْناها الطَّهارَةُ، وقَدْ …

Al-Baqara 2:138Listen in Qur'an →
139

قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ

Say, [O Muhammad], "Do you argue with us about Allah while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."

﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ عَنْ قَوْلِهِ ”﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]“ كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ، وتُحاجُّونَنا خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُ جَوابُ كَلامِهُمُ السّابِقُ ولِدَلِيلِ قَوْلِهِ الآتِي ﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٤٠] والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى المُحاجَّةُ في اللَّهِ الجِدالُ في شُئُونِهِ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ إذْ لا مُحاجَّةَ في الذّاتِ بِما هي ذاتٌ والمُرادُ الشَّأْنُ الَّذِي حَمَلَ أهْلَ الكِتابِ عَلى المُحاجَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ فِيهِ وهو ما تَضَمَّنَتْهُ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أنَّ اللَّهَ نَسَخَ شَرِيعَةَ اليَهُودِ والنَّصارى وأنَّهُ فَضَّلَهُ وفَضَّلَ أُمَّتَهُ، ومُحاجَّتَهم راجِعَةٌ إلى الحَسَدِ واعْتِقادِ اخْتِصاصِهِمْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرامَتِهِ.

صفحة ٧٤٦

فَلِذَلِكَ كانَ لِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ مُوقِعٌ في تَأْيِيدِ الإنْكارِ أيْ بَلَغَتْ بِكُمُ الوَقاحَةُ إلى أنْ تُحاجُّونا في إبْطالِ دَعْوَةِ الإسْلامِ بِلا دَلِيلٍ سِوى زَعْمِكم أنَّ اللَّهَ اخْتَصَّكم بِالفَضِيلَةِ مَعَ أنَّ اللَّهَ رَبُّنا كَما هو رَبُّكم فَلِماذا لا يَمُنُّ عَلَيْنا بِما مَنَّ بِهِ عَلَيْكم.

فَجُمْلَةُ وهو رَبُّنا حالِيَّةٌ أيْ كَيْفَ تُحاجُّونَنا في هاتِهِ الحالَةِ المَعْرُوفَةِ الَّتِي لا تَقْبَلُ الشَّكَّ، وبِهَذِهِ الجُمْلَةِ حَصَلَ بَيانٌ لِمَوْضُوعِ المُحاجَّةِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم وهي عَطْفٌ عَلى الحالِ ارْتِقاءً في إبْطالِ مُجادَلَتِهِمْ بَعْدَ بَيانِ أنَّ المَرْبُوبِيَّةَ تُؤَهِّلُ لِإنْعامِهِ كَما أهَّلَتْهم، ارْتَقى فَجَعَلَ مَرْجِعَ رِضى اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ أعْمالَهم فَإذا كانَ قَدْ أكْرَمَكم لِأجْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَلَعَلَّهُ أكْرَمَنا لِأجْلِ صالِحاتِ أعْمالِنا فَتَعالَوْا فانْظُرُوا أعْمالَكم وانْظُرُوا أعْمالَنا تَجِدُوا حالَنا أقْرَبَ إلى الصَّلاحِ مِنكم.

قالَ البَيْضاوِيُّ ”كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَنْتَحُونَهُ إفْحامًا وتَبْكِيتًا فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوءَةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلى مَن يَشاءُ فالكُلُّ فِيهِ سَواءٌ، وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَعِدِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ فَكَما أنَّ لَكم أعْمالًا رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ في إعْطائِها فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في لَنا أعْمالُنا لِلِاخْتِصاصِ أيْ لَنا أعْمالُنا لا أعْمالُكم فَلا تُحاجُّونا في أنَّكم أفْضَلُ مِنّا، وعَطَفَ“ ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ " احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ مُشارِكِينَ لِلْمُخاطَبِينَ في أعْمالِهِمْ وأنَّ لَنا أعْمالَنا يُفِيدُ اخْتِصاصَ المُتَكَلِّمِينَ بِما عَمِلُوا مَعَ الِاشْتِراكِ في أعْمالِ الآخَرِينَ وهو نَظِيرُ عَطْفِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] عَلى قَوْلِهِ ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] وهَذا كُلُّهُ مِنَ الكَلامِ المُصَنَّفِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] وجُمْلَةُ ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ عَطْفٌ آخَرَ عَلى جُمْلَةِ الحالِ وهي ارْتِقاءٌ ثالِثٌ لِإظْهارِ أنَّ المُسْلِمِينَ أحَقُّ بِإفاضَةِ الخَيْرِ فَإنَّهم وإنِ اشْتَرَكُوا مَعَ الآخَرِينَ في المَرْبُوبِيَّةِ وفي الصَّلاحِيَةِ لِصُدُورِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فالمُسْلِمُونَ قَدْ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ ومُخالِفُوهم قَدْ خَلَطُوا عِبادَةَ اللَّهِ …

Al-Baqara 2:139Listen in Qur'an →
140

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allah?" And who is more unjust than one who conceals a testimony he has from Allah? And Allah is not unaware of what you do.

صفحة ٧٤٧

﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ وهي إضْرابٌ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ وفِيها تَقْدِيرُ اسْتِفْهامٍ وهو اسْتِفْهامٌ لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ وذَلِكَ لِمَبْلَغِهِمْ مِنَ الجَهْلِ بِتارِيخِ شَرائِعِهِمْ زَعَمُوا أنَّ إبْراهِيمَ وأبْناءَهُ كانُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ أوْ عَلى النَّصْرانِيَّةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قُلْ ﴿أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ ولِدَلالَةِ آياتٍ أُخْرى عَلَيْهِ مِثْلَ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] ومِثْلَ قَوْلِهِ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] والأُمَّةُ إذا انْغَمَسَتْ في الجَهالَةِ وصارَتْ عَقائِدُها غُرُورًا ومِن دُونِ تَدَبُّرٍ اعْتَقَدَتْ ما لا يَنْتَظِمُ مَعَ الدَّلِيلِ واجْتَمَعَتْ في عَقائِدِها المُتَناقِضاتُ، وقَدْ «وجَدَ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ في الكَعْبَةِ صُورَةَ إبْراهِيمَ يَسْتَقْسِمُ بِالأزْلامِ في الكَعْبَةِ فَتَلا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] وقالَ واللَّهِ إنِ اسْتَقْسَمَ بِها قَطُّ»، وقالَ تَعالى في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] فَرَماهم بِفَقْدِ التَّعَقُّلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِياءِ الغائِبِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّ أُمْ مُتَّصِلَةً مُعادِلَةً لِقَوْلِهِ ﴿أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩] فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أمْرًا ثانِيًا لاحِقًا لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ [البقرة: ١٣٩] ولَيْسَ هَذا المَحْمَلُ بِمُتَعَيِّنٍ لِأنَّ في اعْتِبارِ الِالتِفاتِ مَناصًّا مِن ذَلِكَ.

ومَعْنى ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ التَّقْدِيرُ، وقَدْ أعْلَمَنا اللَّهُ أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] وقَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ التَّقْرِيرِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ أنَّهُ أعْلَمَهم بِأمْرٍ جَهِلَتْهُ عامَّتُهم وكَتَمَتْهُ خاصَّتُهم ولِذَلِكَ قالَ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُشِيرُ إلى خاصَّةِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ تَرَكُوا عامَّةَ أُمَّتِهِمْ مُسْتَرْسِلِينَ عَلى عَقائِدِ الخَطَأِ والغُرُورِ والضَّلالَةِ وهم ساكِتُونَ لا يُغَيِّرُونَ عَلَيْهِمْ إرْضاءً لَهم واسْتِجْلابًا لِمَحَبَّتِهِمْ وذَلِكَ أمُرُّ إذا طالَ عَلى الأُمَّةِ تَعَوَّدَتْهُ

صفحة ٧٤٨

وظَنَّتْ جَهالَتُها عَلِمًا فَلَمْ يَنْجَحْ فِيها إصْلاحٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّها تَرى المُصْلِحِينَ قَدْ أتَوْا بِما لَمْ يَأْتِ بِهِ الأوَّلُونَ فَقالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ

* * *

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

هَذا مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَحْكِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أأنْتُمْ …

Al-Baqara 2:140Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.