Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 91–100 of 286

91

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And when it is said to them, "Believe in what Allah has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allah before, if you are [indeed] believers?"

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] المَعْطُوفِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ اعْتِبارُهُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] عَلى المَعْرُوفِ في اعْتِبارِ العَطْفِ عَلى ما هو مَعْطُوفٌ وهَذا كُلُّهُ مِن عَطْفِ حِكاياتِ أحْوالِهِمْ في مَعاذِيرِهِمْ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ فَإذا دُعُوا قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، وإذا سَمِعُوا الكِتابَ أعْرَضُوا عَنْهُ بَعْدَ أنْ كانُوا مُنْتَظِرِيهِ حَسَدًا أنْ نَزَلَ عَلى رَجُلٍ مِن غَيْرِهِمْ، وإذا وُعِظُوا وأُنْذِرُوا ودُعُوا إلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ وبِأنَّهُ أنْزَلَهُ اللَّهُ وأنْ يَنْظُرُوا في دَلائِلِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أعْرَضُوا وقالُوا ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيْ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِنا مُوسى، وهَذا هو مَجْمَعُ ضَلالاتِهِمْ ومَنبَعُ عِنادِهِمْ فَلِذَلِكَ تَصَدّى القُرْآنُ لِتَطْوِيلِ المُحاجَّةِ فِيهِ بِما هُنا وما بَعْدَهُ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ الآتِي ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآياتِ.

صفحة ٦٠٧

وقَوْلُهم ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أرادُوا بِهِ الِاعْتِذارَ وتَعِلَّةَ أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم لَمّا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلِمُوا أنَّهم إنِ امْتَنَعُوا امْتِناعًا مُجَرَّدًا عُدَّتْ عَلَيْهِمْ شَناعَةُ الِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ بِما يُدَّعى أنَّهُ أنْزَلَهُ اللَّهُ فَقالُوا في مَعْذِرَتِهِمْ ولِإرْضاءِ أنْفُسِهِمْ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أيْ أنَّ فَضِيلَةَ الِانْتِسابِ لِلْإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ قَدْ حَصَلَتْ لَهم أيْ فَنَحْنُ نَكْتَفِي بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وزادُوا إذْ تَمَسَّكُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَرْفُضُوهُ. وهَذا وجْهُ التَّعْبِيرِ في الحِكايَةِ عَنْهم بِلَفْظِ المُضارِعِ نُؤْمِنُ أيْ نَدُومُ عَلى الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وقَدْ عَرَّضُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِغَيْرِهِ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِنُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا في جَوابِ مَن قالَ لَهم ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقَدْ عُلِمَ أنَّ مُرادَ القائِلِ الإيمانُ بِالقُرْآنِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ فَقَطْ لِأنَّهم يَرَوْنَ الإيمانَ بِغَيْرِهِ مُقْتَضِيًا الكُفْرَ بِهِ فَها هُنا مُسْتَفادٌ مِن مَجْمُوعِ جُمْلَتَيْ آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ وجَوابِها بِقَوْلِهِمْ ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ جِيءَ بِالمُضارِعِ مُحاكاةً لِقَوْلِهِمْ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وتَصْرِيحًا بِما لَوَّحُوا إلَيْهِ ورَدًّا عَلَيْهِمْ أيْ يَدُومُونَ عَلى الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ويَكْفُرُونَ كَذَلِكَ بِما وراءَهُ فَهم يَرَوْنَ أنَّ الإيمانَ بِهِ مُقْتَضٍ لِلْكُفْرِ بِغَيْرِهِ عَلى أنَّ لِلْمُضارِعِ تَأْثِيرًا في مَعْنى التَّعَجُّبِ والغَرابَةِ. وفي قَرْنِهِ بِواوِ الحالِ إشْعارٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ وزادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ والوَراءُ في الأصْلِ اسْمُ مَكانٍ لِلْجِهَةِ الَّتِي خَلْفَ الشَّيْءِ وهو عَرِيقٌ في الظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَ أصْلُهُ مَصْدَرًا. جُعِلَ الوَراءُ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ الغائِبِ لِأنَّهُ لا يُبْصِرُهُ الشَّخْصُ واسْتُعْمِلَ أيْضًا مَجازًا عَنِ المُجاوِزِ …

Al-Baqara 2:91Listen in Qur'an →
92

۞ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ

And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.

صفحة ٦٠٩

﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] والقَصْدُ مِنهُ تَعْلِيمُ الِانْتِقالِ في المُجادَلَةِ مَعَهم إلى ما يَزِيدُ إبْطالَ دَعْواهُمُ - الإيمانَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاصَّةً - وذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ أكْذَبَهم في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] كَما بَيَّنّا، تَرَقّى إلى ذِكْرِ أحْوالِهِمْ في مُقابَلَتِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِما جاءَهم بِهِ فَإنَّهم مَعَ ذَلِكَ قَدْ قابَلُوا دَعْوَتَهُ بِالعِصْيانِ قَوْلًا وفِعْلًا، فَإذا كانُوا أعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِمَعْذِرَةِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ فَلِماذا قابَلُوا دَعْوَةَ أنْبِيائِهِمْ بَعْدَ مُوسى بِالقَتْلِ ؟ ! ولِماذا قابَلُوا دَعْوَةَ مُوسى بِما قابَلُوا. فَهَذا وجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ الآياتِ هُنا وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ نَظائِرُها فِيما مَضى فَإنَّ ذِكْرَها هُنا في مَحاجَّةٍ أُخْرى وغَرَضٍ جَدِيدٍ، وقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِثْلَ تَأْلِيفٍ في عِلْمٍ يُحالُ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَلْ هو جامِعُ مَواعِظَ وتَذْكِيراتٍ وقَوارِعَ ومُجادَلاتٍ نَزَلَتْ في أوْقاتٍ كَثِيرَةٍ وأحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلِذَلِكَ تَتَكَرَّرُ فِيهِ الأغْراضُ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ذِكْرَها حِينَئِذٍ عِنْدَ سَبَبِ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ.

وفِي الكَشّافِ أنَّ تَكْرِيرَ حَدِيثِ رَفْعِ الطُّورِ هُنا لِما نِيطَ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما في الآيَةِ السّابِقَةِ مَعْنًى في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ الآيَةَ وهي نُكْتَةٌ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ.

وقالَ البَيْضاوِيُّ إنَّ تَكْرِيرَ القِصَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ طَرِيقَتَهم مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرِيقَةُ أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى وهي نُكْتَةٌ في الدَّرَجَةِ الأُولى، وهَذا إلْزامٌ لَهم بِعَمَلِ أسْلافِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ الفَرْعَ يَتْبَعُ أصْلَهُ، والوَلَدَ نُسْخَةٌ مِن أبِيهِ وهو احْتِجاجٌ خِطابِيٌّ.

والقَوْلُ في هاتِهِ الآياتِ كالقَوْلِ في سابِقَتِها وكَذَلِكَ القَوْلُ في البَيِّناتِ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ ”واسْمَعُوا“ مُرادٌ بِهِ الِامْتِثالُ فَهو كِنايَةٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ كَلامِي أيْ لا يَمْتَثِلُ أمْرِي إذْ لَيْسَ الأمْرُ هُنا بِالسَّماعِ بِمَعْنى الإصْغاءِ إلى التَّوْراةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ يَتَضَمَّنُهُ ابْتِداءٌ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الأخْذِ بِالقُوَّةِ الِاهْتِمامُ بِهِ، وأوَّلُ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ هو سَماعُهُ

صفحة ٦١٠

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ لا يَشْتَمِلُ الِامْتِثالَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”واسْمَعُوا“ دالًّا عَلى مَعْنًى جَدِيدٍ ولَيْسَ تَأْكِيدًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ تَأْكِيدًا لِمَدْلُولِ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ بِأنْ يَكُونَ الأخْذُ بِقُوَّةٍ شامِلًا لِنِيَّةِ الِامْتِثالِ وتَكُونَ نُكْتَةُ التَّأْكِيدِ حِينَئِذٍ هي الإشْعارَ بِأنَّهم مَظِنَّةُ الإهْمالِ والإخْلالِ حَتّى أكَّدَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ قَبْلَ تَبَيُّنِ عَدَمِ امْتِثالِهِمْ فِيما يَأْتِي، فَفي هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُولى ”واذْكُرُوا ما فِيهِ“ .

واعْلَمْ …

Al-Baqara 2:92Listen in Qur'an →
93

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."

صفحة ٦٠٩

﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] والقَصْدُ مِنهُ تَعْلِيمُ الِانْتِقالِ في المُجادَلَةِ مَعَهم إلى ما يَزِيدُ إبْطالَ دَعْواهُمُ - الإيمانَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاصَّةً - وذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ أكْذَبَهم في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] كَما بَيَّنّا، تَرَقّى إلى ذِكْرِ أحْوالِهِمْ في مُقابَلَتِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِما جاءَهم بِهِ فَإنَّهم مَعَ ذَلِكَ قَدْ قابَلُوا دَعْوَتَهُ بِالعِصْيانِ قَوْلًا وفِعْلًا، فَإذا كانُوا أعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِمَعْذِرَةِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ فَلِماذا قابَلُوا دَعْوَةَ أنْبِيائِهِمْ بَعْدَ مُوسى بِالقَتْلِ ؟ ! ولِماذا قابَلُوا دَعْوَةَ مُوسى بِما قابَلُوا. فَهَذا وجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ الآياتِ هُنا وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ نَظائِرُها فِيما مَضى فَإنَّ ذِكْرَها هُنا في مَحاجَّةٍ أُخْرى وغَرَضٍ جَدِيدٍ، وقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِثْلَ تَأْلِيفٍ في عِلْمٍ يُحالُ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَلْ هو جامِعُ مَواعِظَ وتَذْكِيراتٍ وقَوارِعَ ومُجادَلاتٍ نَزَلَتْ في أوْقاتٍ كَثِيرَةٍ وأحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلِذَلِكَ تَتَكَرَّرُ فِيهِ الأغْراضُ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ذِكْرَها حِينَئِذٍ عِنْدَ سَبَبِ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ.

وفِي الكَشّافِ أنَّ تَكْرِيرَ حَدِيثِ رَفْعِ الطُّورِ هُنا لِما نِيطَ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما في الآيَةِ السّابِقَةِ مَعْنًى في قَوْلِهِ ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ الآيَةَ وهي نُكْتَةٌ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ.

وقالَ البَيْضاوِيُّ إنَّ تَكْرِيرَ القِصَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ طَرِيقَتَهم مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرِيقَةُ أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى وهي نُكْتَةٌ في الدَّرَجَةِ الأُولى، وهَذا إلْزامٌ لَهم بِعَمَلِ أسْلافِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ الفَرْعَ يَتْبَعُ أصْلَهُ، والوَلَدَ نُسْخَةٌ مِن أبِيهِ وهو احْتِجاجٌ خِطابِيٌّ.

والقَوْلُ في هاتِهِ الآياتِ كالقَوْلِ في سابِقَتِها وكَذَلِكَ القَوْلُ في البَيِّناتِ. إلّا أنَّ قَوْلَهُ ”واسْمَعُوا“ مُرادٌ بِهِ الِامْتِثالُ فَهو كِنايَةٌ كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا يَسْمَعُ كَلامِي أيْ لا يَمْتَثِلُ أمْرِي إذْ لَيْسَ الأمْرُ هُنا بِالسَّماعِ بِمَعْنى الإصْغاءِ إلى التَّوْراةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ يَتَضَمَّنُهُ ابْتِداءٌ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الأخْذِ بِالقُوَّةِ الِاهْتِمامُ بِهِ، وأوَّلُ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ هو سَماعُهُ

صفحة ٦١٠

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ لا يَشْتَمِلُ الِامْتِثالَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”واسْمَعُوا“ دالًّا عَلى مَعْنًى جَدِيدٍ ولَيْسَ تَأْكِيدًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ تَأْكِيدًا لِمَدْلُولِ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ بِأنْ يَكُونَ الأخْذُ بِقُوَّةٍ شامِلًا لِنِيَّةِ الِامْتِثالِ وتَكُونَ نُكْتَةُ التَّأْكِيدِ حِينَئِذٍ هي الإشْعارَ بِأنَّهم مَظِنَّةُ الإهْمالِ والإخْلالِ حَتّى أكَّدَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ قَبْلَ تَبَيُّنِ عَدَمِ امْتِثالِهِمْ فِيما يَأْتِي، فَفي هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُولى ”واذْكُرُوا ما فِيهِ“ .

واعْلَمْ …

Al-Baqara 2:93Listen in Qur'an →
94

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If the home of the Hereafter with Allah is for you alone and not the [other] people, then wish for death, if you should be truthful.

﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

إبْطالٌ لِدَعْوى قارَّةٍ في نُفُوسِهِمُ اقْتَضاها قَوْلُهم ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١] الَّذِي أرادُوا بِهِ الِاعْتِذارَ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِعُذْرِ أنَّهم مُتَصَلِّبُونَ في التَّمَسُّكِ بِالتَّوْراةِ لا يَعْدُونَها وأنَّهم بِذَلِكَ اسْتَحَقُّوا مَحَبَّةَ اللَّهِ إيّاهم وتَكُونُ الآخِرَةُ لَهم، فَلَمّا أُبْطِلَتْ دَعْوى إيمانِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِإلْزامِهِمُ الكَذِبَ في دَعْواهم بِسَنَدِ ما أتاهُ سَلَفُهم وهم جُدُودُهم مِنَ الفَظائِعِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ والخُرُوجِ عَنْ أوامِرِ التَّوْراةِ بِالإشْراكِ بِاللَّهِ تَعالى بِعِبادَةِ العِجْلِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ ما في عَقائِدِهِمْ مِن أنَّهم أهْلُ الِانْفِرادِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ ما دامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِالتَّوْراةِ، وأنَّ مَن خالَفَها لا يَكُونُ لَهُ حَظٌّ في الآخِرَةِ، وارْتَكَبَ في إبْطالِ اعْتِقادِهِمْ هَذا طَرِيقَةَ الإحالَةِ عَلى ما عَقَدُوا عَلَيْهِ اعْتِقادَهم مِنَ الثِّقَةِ بِحُسْنِ المَصِيرِ، أوْ عَلى شَكِّهِمْ في ذَلِكَ، فَإذا ثَبَتَ لَدَيْهِمْ شَكُّهم في ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ إيمانَهم

صفحة ٦١٤

بِالتَّوْراةِ غَيْرُ ثابِتٍ عَلى حَقِّهِ وذَلِكَ أشَدُّ ما يَفُتُّ في أعَضادِهِمْ ويُسْقَطُ في أيْدِيهِمْ لِأنَّ تَرَقُّبَ الحَظِّ الأُخْرَوِيِّ أهُمُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُعْتَقِدُ المُتَدَيِّنُ فَإنَّ تِلْكَ هي الحَياةُ الدّائِمَةُ والنَّعِيمُ المُقِيمُ.

وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ رَدٌّ لِدَعْوى أُخْرى صَدَرَتْ مِنَ اليَهُودِ تَدُلُّ عَلى أنَّهم يَجْعَلُونَ الجَنَّةَ خاصَّةً بِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] وإلى هَذا مالَ القُرْطُبِيُّ والبَيْضاوِيُّ وعَلَيْهِ فَيَكُونُ ذِكْرُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بَيِّنًا لِمُجَرَّدِ المُناسَبَةِ في رَدِّ مُعْتَقَدٍ لَهم باطِلٍ أيْضًا لا في خُصُوصِ الغَرَضِ المَسُوقِ فِيهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ بِناءً عَلى أنَّ الآياتِ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُتَناسِبَةً تَمامَ المُناسَبَةِ ونَحْنُ لا نُساعِدُ عَلى ذَلِكَ فَعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ هاتِهِ الآيَةِ هُنا نَزَلَتْ مَعَ سَوابِقِها لِلرَّدِّ عَلى أقْوالِهِمُ المُتَفَرِّقَةِ المَحْكِيَّةِ في آياتٍ أُخْرى، وإنَّما اتَّصَلَتْ مَعَ الآياتِ الرّاجِعَةِ إلى رَدِّ دَعْواهُمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لِلْمُناسَبَةِ بِجَمْعِ رَدِّ جَمِيعِ دَعاوِيهِمْ ولَكِنْ فِيما ذَكَرْناهُ غُنْيَةٌ. وأيًّا ما كانَ فَهَذِهِ الآيَةُ تَحَدَّتِ اليَهُودَ كَما تَحَدّى القُرْآنُ مُشْرِكِي العَرَبِ بِقَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .

وإنَّما فُصِلَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ عَمّا قَبْلَها لِاخْتِلافِ السِّياقِ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلْقاءُ حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ والآياتِ السّابِقَةِ تَفْظِيعٌ لِأحْوالِهِمْ، وإنْ كانَ في كُلٍّ مِن ذَلِكَ احْتِجاجٌ لَكِنَّ الِانْتِقالَ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ كانَ مُحَسَّنًا لِلْفَصْلِ دُونَ العَطْفِ لا سِيَّما مَعَ افْتِتاحِ الِاحْتِجاجِ بِقُلْ.

والكَلامُ في ”لَكم“ مُشْعِرٌ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ نَعِيمُها و”لَكم“ خَبَرُ ”كانَتْ“ قُدِّمَ لِلْحَصْرِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ كَتَقْدِيمِهِ في قَوْلِ الكُمَيْتِ يَمْدَحُ هِشامَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ حِينَ عَفا عَنْهُ مِن …

Al-Baqara 2:94Listen in Qur'an →
95

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

But they will never wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

إبْطالٌ لِدَعْوى قارَّةٍ في نُفُوسِهِمُ اقْتَضاها قَوْلُهم ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١] الَّذِي أرادُوا بِهِ الِاعْتِذارَ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِعُذْرِ أنَّهم مُتَصَلِّبُونَ في التَّمَسُّكِ بِالتَّوْراةِ لا يَعْدُونَها وأنَّهم بِذَلِكَ اسْتَحَقُّوا مَحَبَّةَ اللَّهِ إيّاهم وتَكُونُ الآخِرَةُ لَهم، فَلَمّا أُبْطِلَتْ دَعْوى إيمانِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِإلْزامِهِمُ الكَذِبَ في دَعْواهم بِسَنَدِ ما أتاهُ سَلَفُهم وهم جُدُودُهم مِنَ الفَظائِعِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ والخُرُوجِ عَنْ أوامِرِ التَّوْراةِ بِالإشْراكِ بِاللَّهِ تَعالى بِعِبادَةِ العِجْلِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ ما في عَقائِدِهِمْ مِن أنَّهم أهْلُ الِانْفِرادِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ ما دامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِالتَّوْراةِ، وأنَّ مَن خالَفَها لا يَكُونُ لَهُ حَظٌّ في الآخِرَةِ، وارْتَكَبَ في إبْطالِ اعْتِقادِهِمْ هَذا طَرِيقَةَ الإحالَةِ عَلى ما عَقَدُوا عَلَيْهِ اعْتِقادَهم مِنَ الثِّقَةِ بِحُسْنِ المَصِيرِ، أوْ عَلى شَكِّهِمْ في ذَلِكَ، فَإذا ثَبَتَ لَدَيْهِمْ شَكُّهم في ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ إيمانَهم

صفحة ٦١٤

بِالتَّوْراةِ غَيْرُ ثابِتٍ عَلى حَقِّهِ وذَلِكَ أشَدُّ ما يَفُتُّ في أعَضادِهِمْ ويُسْقَطُ في أيْدِيهِمْ لِأنَّ تَرَقُّبَ الحَظِّ الأُخْرَوِيِّ أهُمُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُعْتَقِدُ المُتَدَيِّنُ فَإنَّ تِلْكَ هي الحَياةُ الدّائِمَةُ والنَّعِيمُ المُقِيمُ.

وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ رَدٌّ لِدَعْوى أُخْرى صَدَرَتْ مِنَ اليَهُودِ تَدُلُّ عَلى أنَّهم يَجْعَلُونَ الجَنَّةَ خاصَّةً بِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] وإلى هَذا مالَ القُرْطُبِيُّ والبَيْضاوِيُّ وعَلَيْهِ فَيَكُونُ ذِكْرُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بَيِّنًا لِمُجَرَّدِ المُناسَبَةِ في رَدِّ مُعْتَقَدٍ لَهم باطِلٍ أيْضًا لا في خُصُوصِ الغَرَضِ المَسُوقِ فِيهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ بِناءً عَلى أنَّ الآياتِ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُتَناسِبَةً تَمامَ المُناسَبَةِ ونَحْنُ لا نُساعِدُ عَلى ذَلِكَ فَعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ هاتِهِ الآيَةِ هُنا نَزَلَتْ مَعَ سَوابِقِها لِلرَّدِّ عَلى أقْوالِهِمُ المُتَفَرِّقَةِ المَحْكِيَّةِ في آياتٍ أُخْرى، وإنَّما اتَّصَلَتْ مَعَ الآياتِ الرّاجِعَةِ إلى رَدِّ دَعْواهُمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لِلْمُناسَبَةِ بِجَمْعِ رَدِّ جَمِيعِ دَعاوِيهِمْ ولَكِنْ فِيما ذَكَرْناهُ غُنْيَةٌ. وأيًّا ما كانَ فَهَذِهِ الآيَةُ تَحَدَّتِ اليَهُودَ كَما تَحَدّى القُرْآنُ مُشْرِكِي العَرَبِ بِقَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .

وإنَّما فُصِلَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ عَمّا قَبْلَها لِاخْتِلافِ السِّياقِ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلْقاءُ حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ والآياتِ السّابِقَةِ تَفْظِيعٌ لِأحْوالِهِمْ، وإنْ كانَ في كُلٍّ مِن ذَلِكَ احْتِجاجٌ لَكِنَّ الِانْتِقالَ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ كانَ مُحَسَّنًا لِلْفَصْلِ دُونَ العَطْفِ لا سِيَّما مَعَ افْتِتاحِ الِاحْتِجاجِ بِقُلْ.

والكَلامُ في ”لَكم“ مُشْعِرٌ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ نَعِيمُها و”لَكم“ خَبَرُ ”كانَتْ“ قُدِّمَ لِلْحَصْرِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ كَتَقْدِيمِهِ في قَوْلِ الكُمَيْتِ يَمْدَحُ هِشامَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ حِينَ عَفا عَنْهُ مِن …

Al-Baqara 2:95Listen in Qur'an →
96

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍۢ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍۢ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allah. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allah is Seeing of what they do.

صفحة ٦١٧

﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عَدَمَ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ لَيْسَ عَلى الوَجْهِ المُعْتادِ عِنْدَ البَشَرِ مِن كَراهَةِ المَوْتِ ما دامَ المَرْءُ بِعافِيَةٍ؛ بَلْ هم تَجاوَزُوا ذَلِكَ إلى كَوْنِهِمْ أحْرَصَ مِن سائِرِ البَشَرِ عَلى الحَياةِ، حَتّى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ بَعْثًا ولا نُشُورًا ولا نَعِيمًا فَنَعِيمُهم عِنْدَهم هو نَعِيمُ الدُّنْيا وإلى أنْ تَمَنَّوْا أنْ يُعَمَّرُوا أقْصى أمَدِ التَّعْمِيرِ مَعَ ما يَعْتَرِي صاحِبَ هَذا العُمُرِ مِن سُوءِ الحالَةِ ورَذالَةِ العَيْشِ.

فَلِما في هَذِهِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها أُخِّرَتْ عَنْها، ولِما فِيها مِنَ الزِّيادَةِ في وصْفِهِمْ بِالأحْرَصِيَّةِ المُتَجاوِزَةِ الحَدَّ عُطِفَ عَلَيْهِ ولَمْ يُفْصَلْ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لَفُصِلَ كَما يُفْصَلُ التَّأْكِيدُ عَنِ المُؤَكَّدِ.

وقَوْلُهُ ”ولَتَجِدَنَّهم“ مِنَ الوِجْدانِ القَلْبِيِّ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ. والمُرادُ مِنَ النّاسِ في الظّاهِرِ جَمِيعُ النّاسِ أيْ جَمِيعُ البَشَرِ، فَهم أحْرَصُهم عَلى الحَياةِ فَإنَّ الحِرْصَ عَلى الحَياةِ غَرِيزَةٌ في النّاسِ إلّا أنَّ النّاسَ فِيهِ مُتَفاوِتُونَ قُوَّةً وكَيْفِيَّةً وأسْبابًا قالَ أبُو الطَّيِّبِ:

أرى كُلَّنا يَهْوى الحَياةَ بِسَعْيِهِ حَرِيصًا عَلَيْها مُسْتَهامًا بِها

صَبّا فَحُبُّ الجَبانِ النَّفْسَ

أوْرَدَهُ التُّقى وحُبُّ الشُّجاعِ

النَّفْسَ أوْرَدَهُ الحَرْبا

ونَكَّرَ الحَياةَ قَصْدًا لِلتَّنْوِيعِ أيْ كَيْفَما كانَتْ تِلْكَ الحَياةُ، وتَقُولُ يَهُودُ تُونُسَ ما مَعْناهُ: الحَياةُ وكَفى.

وقَوْلُهُ ”ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا“ عَطْفٌ عَلى النّاسِ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ تُقَدَّرُ مَعَهُ مِنَ التَّفْضِيلِيَّةِ لا مَحالَةَ، فَإذا عَطَفَ عَلَيْهِ جازَ إظْهارُها ويَتَعَيَّنُ الإظْهارُ إذا كانَ المُفَضَّلُ مِن غَيْرِ نَوْعِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِأنَّ الإضافَةَ حِينَئِذٍ تَمْتَنِعُ كَما هُنا، فَإنَّ اليَهُودَ مِنَ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا.

وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ أنَّ إضافَتَهُ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا“ - عَلى قَوْلِهِ - عَطْفًا بِالحَمْلِ عَلى المَعْنى أوْ بِتَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ”أحْرَصْ“ . هو مُتَعَلِّقٌ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا وإلَيْهِ مالَ في الكَشّافِ.

صفحة ٦١٨

وقَوْلُهُ ”﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾“ بَيانٌ لِأحْرَصِيَّتِهِمْ عَلى الحَياةِ وتَحْقِيقٌ لِعُمُومِ النَّوْعِيَّةِ في الحَياةِ المُنَكَّرَةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ الحِرْصَ لا يَبْلُغُ بِهِمْ مَبْلَغَ الطَّمَعِ في الحَياةِ البالِغَةِ لِمُدَّةِ ألْفِ سَنَةٍ فَإنَّها مَعَ تَعَذُّرِها لَوْ تَمَّتْ لَهم كانَتْ حَياةَ خَسْفٍ وأرْذَلَ عَيْشٍ، يُظَنُّ بِهِمْ أنْ لا يَبْلُغَ حُبُّهُمُ الحَياةَ إلى تَمَنِّيها، وقَدْ قالَ الحَرِيرِيُّ:

والمَوْتُ خَيْرٌ لِلْفَتى ∗∗∗ مِن عَيْشِهِ عَيْشَ البَهِيمَةِ

فَجِيءَ بِهاتِهِ الجُمْلَةِ لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ الحِرْصَ يَشْمَلُ حَتّى هاتِهِ الحَياةَ الذَّمِيمَةَ، ولِما في هاتِهِ الجُمْلَةِ مِنَ البَيانِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها فُصِلَتْ عَنْها. والوُدُّ: المَحَبَّةُ، ولَوْ لِلتَّمَنِّي وهو حِكايَةٌ لِلَفْظِ الَّذِي يَوَدُّونَ بِهِ، والمَجِيءُ فِيهِ …

Al-Baqara 2:96Listen in Qur'an →
97

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought the Qur'an down upon your heart, [O Muhammad], by permission of Allah, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."

صفحة ٦١٧

﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عَدَمَ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ لَيْسَ عَلى الوَجْهِ المُعْتادِ عِنْدَ البَشَرِ مِن كَراهَةِ المَوْتِ ما دامَ المَرْءُ بِعافِيَةٍ؛ بَلْ هم تَجاوَزُوا ذَلِكَ إلى كَوْنِهِمْ أحْرَصَ مِن سائِرِ البَشَرِ عَلى الحَياةِ، حَتّى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ بَعْثًا ولا نُشُورًا ولا نَعِيمًا فَنَعِيمُهم عِنْدَهم هو نَعِيمُ الدُّنْيا وإلى أنْ تَمَنَّوْا أنْ يُعَمَّرُوا أقْصى أمَدِ التَّعْمِيرِ مَعَ ما يَعْتَرِي صاحِبَ هَذا العُمُرِ مِن سُوءِ الحالَةِ ورَذالَةِ العَيْشِ.

فَلِما في هَذِهِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها أُخِّرَتْ عَنْها، ولِما فِيها مِنَ الزِّيادَةِ في وصْفِهِمْ بِالأحْرَصِيَّةِ المُتَجاوِزَةِ الحَدَّ عُطِفَ عَلَيْهِ ولَمْ يُفْصَلْ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لَفُصِلَ كَما يُفْصَلُ التَّأْكِيدُ عَنِ المُؤَكَّدِ.

وقَوْلُهُ ”ولَتَجِدَنَّهم“ مِنَ الوِجْدانِ القَلْبِيِّ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ. والمُرادُ مِنَ النّاسِ في الظّاهِرِ جَمِيعُ النّاسِ أيْ جَمِيعُ البَشَرِ، فَهم أحْرَصُهم عَلى الحَياةِ فَإنَّ الحِرْصَ عَلى الحَياةِ غَرِيزَةٌ في النّاسِ إلّا أنَّ النّاسَ فِيهِ مُتَفاوِتُونَ قُوَّةً وكَيْفِيَّةً وأسْبابًا قالَ أبُو الطَّيِّبِ:

أرى كُلَّنا يَهْوى الحَياةَ بِسَعْيِهِ حَرِيصًا عَلَيْها مُسْتَهامًا بِها

صَبّا فَحُبُّ الجَبانِ النَّفْسَ

أوْرَدَهُ التُّقى وحُبُّ الشُّجاعِ

النَّفْسَ أوْرَدَهُ الحَرْبا

ونَكَّرَ الحَياةَ قَصْدًا لِلتَّنْوِيعِ أيْ كَيْفَما كانَتْ تِلْكَ الحَياةُ، وتَقُولُ يَهُودُ تُونُسَ ما مَعْناهُ: الحَياةُ وكَفى.

وقَوْلُهُ ”ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا“ عَطْفٌ عَلى النّاسِ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ تُقَدَّرُ مَعَهُ مِنَ التَّفْضِيلِيَّةِ لا مَحالَةَ، فَإذا عَطَفَ عَلَيْهِ جازَ إظْهارُها ويَتَعَيَّنُ الإظْهارُ إذا كانَ المُفَضَّلُ مِن غَيْرِ نَوْعِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِأنَّ الإضافَةَ حِينَئِذٍ تَمْتَنِعُ كَما هُنا، فَإنَّ اليَهُودَ مِنَ النّاسِ ولَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا.

وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ أنَّ إضافَتَهُ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا“ - عَلى قَوْلِهِ - عَطْفًا بِالحَمْلِ عَلى المَعْنى أوْ بِتَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ”أحْرَصْ“ . هو مُتَعَلِّقٌ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا وإلَيْهِ مالَ في الكَشّافِ.

صفحة ٦١٨

وقَوْلُهُ ”﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾“ بَيانٌ لِأحْرَصِيَّتِهِمْ عَلى الحَياةِ وتَحْقِيقٌ لِعُمُومِ النَّوْعِيَّةِ في الحَياةِ المُنَكَّرَةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ الحِرْصَ لا يَبْلُغُ بِهِمْ مَبْلَغَ الطَّمَعِ في الحَياةِ البالِغَةِ لِمُدَّةِ ألْفِ سَنَةٍ فَإنَّها مَعَ تَعَذُّرِها لَوْ تَمَّتْ لَهم كانَتْ حَياةَ خَسْفٍ وأرْذَلَ عَيْشٍ، يُظَنُّ بِهِمْ أنْ لا يَبْلُغَ حُبُّهُمُ الحَياةَ إلى تَمَنِّيها، وقَدْ قالَ الحَرِيرِيُّ:

والمَوْتُ خَيْرٌ لِلْفَتى ∗∗∗ مِن عَيْشِهِ عَيْشَ البَهِيمَةِ

فَجِيءَ بِهاتِهِ الجُمْلَةِ لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ الحِرْصَ يَشْمَلُ حَتّى هاتِهِ الحَياةَ الذَّمِيمَةَ، ولِما في هاتِهِ الجُمْلَةِ مِنَ البَيانِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها فُصِلَتْ عَنْها. والوُدُّ: المَحَبَّةُ، ولَوْ لِلتَّمَنِّي وهو حِكايَةٌ لِلَفْظِ الَّذِي يَوَدُّونَ بِهِ، والمَجِيءُ فِيهِ …

Al-Baqara 2:97Listen in Qur'an →
98

مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّۭ لِّلْكَٰفِرِينَ

Whoever is an enemy to Allah and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allah is an enemy to the disbelievers.

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ مَوْقِعُ هاتِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الجُمَلِ قَبْلَها مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] وقَوْلِهِ ”قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم“ وقَوْلِهِ ”﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [البقرة: ٩٤]“ فَإنَّ الجَمِيعَ لِلرَّدِّ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا لِأنَّهم أظْهَرُوا بِهِ عُذْرًا عَنِ الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وهو عُذْرٌ كاذِبٌ سَتَرُوا بِهِ السَّبَبَ في الواقِعِ وهو الحَسَدُ عَلى نُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَجُلٍ مِن غَيْرِهِمْ، فَجاءَتْ هاتِهِ المُجادَلاتُ المُصَدَّرَةُ بِقُلْ لِإبْطالِ مَعْذِرَتِهِمْ وفَضْحِ مَقْصِدِهِمْ. فَأبْطَلَ أوَّلًا ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١] مِن أنَّهم إنَّما يَقْبَلُونَ ما أُنْزِلَ عَلى رُسُلِهِمْ بِأنَّهم قَدْ قابَلُوا رُسُلَهم أيْضًا بِالتَّكْذِيبِ والأذى والمَعْصِيَةِ وذَلِكَ بِقَوْلِهِ ”قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ“ وقَوْلِهِ ”قُلْ بِئْسَما“ إلَخْ

صفحة ٦٢٠

وأبْطَلَ ثانِيًا ما تَضَمَّنَهُ مِن أنَّهم شَدِيدُو التَّمَسُّكِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ حَرِيصُونَ عَلى العَمَلِ بِهِ مُتَباعِدُونَ عَنِ البُعْدِ عَنْهُ لِقَصْدِ النَّجاةِ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [البقرة: ٩٤] وأبْطَلَ ثالِثًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ العُذْرُ هو الصّارِفُ لَهم عَنِ الإيمانِ مَعَ إثْباتِ أنَّ الصّارِفَ لَهم هو الحَسَدُ بِقَوْلِهِ هُنا﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] إلَخْ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِارْتِباطَ وُقُوعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ”نَزَّلَهُ“ عائِدًا عَلى ما أنْزَلَ اللَّهُ في الآيَةِ المُجابَةِ بِهاتِهِ الإبْطالاتِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ هَذِهِ كَما فُصِلَتْ أخَواتُها ولِأنَّها لا عَلاقَةَ لَها بِالجُمَلِ القَرِيبَةِ مِنها فَتُعْطَفُ عَلَيْها فَجاءَتْ لِذَلِكَ مُسْتَأْنَفَةً.

والعَدُوُّ المُبْغِضُ وهو مُشْتَقٌّ مِن عَدا عَلَيْهِ يَعْدُو بِمَعْنى وثَبَ، لِأنَّ المُبْغِضَ يَثِبُ عَلى المَبْغُوضِ لِيَنْتَقِمَ مِنهُ ووَزْنُهُ فَعُولٌ. وجِبْرِيلُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ لِلْمَلَكِ المُرْسَلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ لِرُسُلِهِ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ. وفِيهِ لُغاتٌ أشْهَرُها جِبْرِيلُ كَقِطْمِيرٍ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. ( وجَبْرِيلُ ( بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ وقَعَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وهَذا وزْنُ فَعْلِيلٍ لا يُوجَدُ لَهُ مِثالٌ في كَلامِ العَرَبِ قالَهُ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ. وجَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ أيْضًا وفَتْحِ الرّاءِ وبَيْنَ الرّاءِ والياءِ هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ وبَعْضِ أهْلِ نَجِدٍ وقَرَأ بِها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ. وجَبْرَئِلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ بَيْنَها وبَيْنَ اللّامِ هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ قَرَأ بِها أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وفِيهِ لُغاتٌ أُخْرى قُرِئَ بِها في الشَّواذِّ.

وهُوَ اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ: كَلِمَةُ جَبْرَ وكَلِمَةُ إيلَ. فَأمّا كَلِمَةُ جَبْرَ فَمَعْناها عِنْدَ الجُمْهُورِ نَقْلًا عَنِ العِبْرانِيَّةِ أنَّها بِمَعْنى عَبْدٍ والتَّحْقِيقُ أنَّها في العِبْرانِيَّةِ بِمَعْنى القُوَّةِ. وأمّا كَلِمَةُ إيلَ فَهي عِنْدُ الجُمْهُورِ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى.

وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ …

Al-Baqara 2:98Listen in Qur'an →
99

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍۢ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَٰسِقُونَ

And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكائِلَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ مَوْقِعُ هاتِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الجُمَلِ قَبْلَها مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] وقَوْلِهِ ”قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم“ وقَوْلِهِ ”﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [البقرة: ٩٤]“ فَإنَّ الجَمِيعَ لِلرَّدِّ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا لِأنَّهم أظْهَرُوا بِهِ عُذْرًا عَنِ الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وهو عُذْرٌ كاذِبٌ سَتَرُوا بِهِ السَّبَبَ في الواقِعِ وهو الحَسَدُ عَلى نُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَجُلٍ مِن غَيْرِهِمْ، فَجاءَتْ هاتِهِ المُجادَلاتُ المُصَدَّرَةُ بِقُلْ لِإبْطالِ مَعْذِرَتِهِمْ وفَضْحِ مَقْصِدِهِمْ. فَأبْطَلَ أوَّلًا ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١] مِن أنَّهم إنَّما يَقْبَلُونَ ما أُنْزِلَ عَلى رُسُلِهِمْ بِأنَّهم قَدْ قابَلُوا رُسُلَهم أيْضًا بِالتَّكْذِيبِ والأذى والمَعْصِيَةِ وذَلِكَ بِقَوْلِهِ ”قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ“ وقَوْلِهِ ”قُلْ بِئْسَما“ إلَخْ

صفحة ٦٢٠

وأبْطَلَ ثانِيًا ما تَضَمَّنَهُ مِن أنَّهم شَدِيدُو التَّمَسُّكِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ حَرِيصُونَ عَلى العَمَلِ بِهِ مُتَباعِدُونَ عَنِ البُعْدِ عَنْهُ لِقَصْدِ النَّجاةِ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [البقرة: ٩٤] وأبْطَلَ ثالِثًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ العُذْرُ هو الصّارِفُ لَهم عَنِ الإيمانِ مَعَ إثْباتِ أنَّ الصّارِفَ لَهم هو الحَسَدُ بِقَوْلِهِ هُنا﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] إلَخْ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِارْتِباطَ وُقُوعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ”نَزَّلَهُ“ عائِدًا عَلى ما أنْزَلَ اللَّهُ في الآيَةِ المُجابَةِ بِهاتِهِ الإبْطالاتِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ هَذِهِ كَما فُصِلَتْ أخَواتُها ولِأنَّها لا عَلاقَةَ لَها بِالجُمَلِ القَرِيبَةِ مِنها فَتُعْطَفُ عَلَيْها فَجاءَتْ لِذَلِكَ مُسْتَأْنَفَةً.

والعَدُوُّ المُبْغِضُ وهو مُشْتَقٌّ مِن عَدا عَلَيْهِ يَعْدُو بِمَعْنى وثَبَ، لِأنَّ المُبْغِضَ يَثِبُ عَلى المَبْغُوضِ لِيَنْتَقِمَ مِنهُ ووَزْنُهُ فَعُولٌ. وجِبْرِيلُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ لِلْمَلَكِ المُرْسَلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ لِرُسُلِهِ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ. وفِيهِ لُغاتٌ أشْهَرُها جِبْرِيلُ كَقِطْمِيرٍ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. ( وجَبْرِيلُ ( بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ وقَعَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وهَذا وزْنُ فَعْلِيلٍ لا يُوجَدُ لَهُ مِثالٌ في كَلامِ العَرَبِ قالَهُ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ. وجَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ أيْضًا وفَتْحِ الرّاءِ وبَيْنَ الرّاءِ والياءِ هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ وبَعْضِ أهْلِ نَجِدٍ وقَرَأ بِها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ. وجَبْرَئِلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ بَيْنَها وبَيْنَ اللّامِ هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ قَرَأ بِها أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وفِيهِ لُغاتٌ أُخْرى قُرِئَ بِها في الشَّواذِّ.

وهُوَ اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ: كَلِمَةُ جَبْرَ وكَلِمَةُ إيلَ. فَأمّا كَلِمَةُ جَبْرَ فَمَعْناها عِنْدَ الجُمْهُورِ نَقْلًا عَنِ العِبْرانِيَّةِ أنَّها بِمَعْنى عَبْدٍ والتَّحْقِيقُ أنَّها في العِبْرانِيَّةِ بِمَعْنى القُوَّةِ. وأمّا كَلِمَةُ إيلَ فَهي عِنْدُ الجُمْهُورِ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى.

وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ …

Al-Baqara 2:99Listen in Qur'an →
100

أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.

﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لِذِكْرِ كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ فَهو مِن أحْوالِهِمْ. وهاتِهِ الجُمْلَةُ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ فَعَطَفَها عَلى ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا﴾ [البقرة: ٩٧] مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإنْشاءِ وفِيهِ زِيادَةُ إبْطالٍ لِقَوْلِهِمْ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وفي الِانْتِقالِ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ إقْبالٌ عَلَيْهِ وتَسْلِيَةٌ لَهُ عَمّا لَقِيَ مِنهم وأنَّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ لا يُكَذِّبُ بِهِ إلّا مَن لا يُؤْبَهُ بِتَكْذِيبِهِ لِكَوْنِ هَذا المُنَزَلِ دَلائِلَ واضِحَةً لا تُقَصِّرُ عَنْ إقْناعِهِمْ بِأحَقِّيَّتِها ولَكِنَّهم يُظْهِرُونَ أنْفُسَهم أنَّهم لَمْ يُوقِنُوا بِحَقِيَّتِها.

واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ فَهُنا جُمْلَةُ قَسَمٍ وجَوابُهُ حَذْفُ القَسَمِ لِدَلالَةِ اللّامِ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] عَطْفٌ عَلى ”لَقَدْ أنْزَلَنا“ فَهو جَوابٌ لِلْقَسَمِ أيْضًا.

صفحة ٦٢٥

والفاسِقُ هو الخارِجُ عَنْ شَيْءٍ. مِن فَسَقَتِ التَّمْرَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى الخارِجِ عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ لِأنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ في التَّمْرَةِ وصْفٌ مَذْمُومٌ وقَدْ شاعَ في القُرْآنِ وصْفُ اليَهُودِ بِهِ والمَعْنى ما يَكْفُرُ بِهاتِهِ الآياتِ إلّا مَن كانَ الفِسْقُ شَأْنَهُ ودَأْبَهُ لِأنَّ ذَلِكَ يُهَيِّئُهُ لِلْكُفْرِ بِمِثْلِ هَذِهِ الآياتِ فالمُرادُ بِالفاسِقِينَ المُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الكُفْرِ المُتَمَرِّدُونَ فِيهِ. والإخْبارُ وقَعَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ. والتَّوْصِيفُ وقَعَ باسِمِ الفاعِلِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ وقَوْلُهُ ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ لا عَلى خُصُوصِ الجَوابِ وقُدِّمَتِ الهَمْزَةُ مُحافَظَةً عَلى صَدارَتِها كَما هو شَأْنُها مَعَ حُرُوفِ العَطْفِ.

والقَوْلُ بِأنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ والواوَ عاطِفَةُ ما بَعْدَها عَلى المَحْذُوفِ عَلِمْتُمْ إبْطالَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ“ وتَقْدِيمُ ”كُلَّما“ تَبَعٌ لِتَقْدِيمِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] .

والنَّبْذُ إلْقاءُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِنَقْضِ العَهْدِ، شَبَّهَ إبْطالَ العَهْدِ وعَدَمَ الوَفاءِ بِهِ بِطَرْحِ شَيْءٍ كانَ مَمْسُوكًا بِاليَدِ كَما سَمَّوُا المُحافَظَةَ عَلى العَهْدِ والوَفاءَ بِهِ تَمَسُّكًا قالَ كَعْبٌ:

ولا تُمْسِكُ بِالوَعْدِ الَّذِي وعَدَتْ

. والمُرادُ بِالعَهْدِ عَهْدُ التَّوْراةِ أيْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أخْذِ العَهْدِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالعَمَلِ بِما أُمِرُوا بِهِ أخَذًا مُكَرَّرًا حَتّى سُمِّيَتِ التَّوْراةُ بِالعَهْدِ، وقَدْ تَكَرَّرَ مِنهم نَقْضُ العَهْدِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ومِن جُمْلَةِ العَهْدِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ، أنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ …

Al-Baqara 2:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.