Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 286

81

بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةًۭ وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Yes, whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

صفحة ٥٧٩

﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

قِيلَ الواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةٍ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] فَتَكُونُ حالًا مِثْلَها أيْ كَيْفَ تَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وهو يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ويَقُولُونَ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ.

والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الواوَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ يَكْتُبُونَ إلَخْ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ ووَجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ قَوْلَهم لَنْ تَمَسَّنا النّارُ دَلَّ عَلى اعْتِقادٍ مُقَرَّرٍ في نُفُوسِهِمْ يُشِيعُونَهُ بَيْنَ النّاسِ بِألْسِنَتِهِمْ قَدْ أنْبَأ بِغُرُورٍ عَظِيمٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى تِلْكَ الجَرِيمَةِ وغَيْرِها إذْ هم قَدْ آمَنُوا مِنَ المُؤاخَذَةِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً تُعادِلُ أيّامَ عِبادَةِ العِجْلِ أوْ أيّامًا عَنْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِنَ العالَمِ يَوْمًا وإنَّ ذَلِكَ عَذابٌ مَكْتُوبٌ عَلى جَمِيعِهِمْ فَهم لا يَتَوَقَّوْنَ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي لِأجْلِ ذَلِكَ فَبِالعَطْفِ عَلى أخْبارِهِمْ حَصَلَتْ فائِدَةُ الإخْبارِ عَنْ عَقِيدَةٍ مِن ضَلالاتِهِمْ.

ولِمَوْقِعِ هَذا العَطْفِ حَصَلَتْ فائِدَةُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ إذْ يَعْجَبُ السّامِعُ مِن جُرْأتِهِمْ عَلى هَذا الإجْرامِ.

وقَوْلُهُ وقالُوا أرادَ بِهِ أنَّهم قالُوهُ عَنِ اعْتِقادٍ لِأنَّ الأصْلَ الصِّدْقُ في القَوْلِ حَتّى تَقُومَ القَرِينَةُ عَلى أنَّهُ قَوْلٌ عَلى خِلافِ الِاعْتِقادِ كَما في قَوْلِهِ ﴿قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] ولِأجْلِ أنَّ أصْلَ القَوْلِ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ الِاعْتِقادِ ساغَ اسْتِعْمالُ القَوْلِ في مَعْنى الظَّنِّ والِاعْتِقادِ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: قالَ مالِكٌ، وفي نَحْوِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ”عَلامَ تَقُولُ الرُّمْحَ يُثْقِلُ عاتِقِي“ . والمَسُّ حَقِيقَتُهُ اتِّصالُ اليَدِ بِجِرْمٍ مِنَ الأجْرامِ وكَذَلِكَ اللَّمْسُ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ [الأنعام: ٤٩] وعَبَّرَ عَنْ نَفْيِهِمْ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْيِيدِ النَّفْيِ تَأْكِيدًا لِانْتِفاءِ العَذابِ عَنْهم بَعْدَ تَأْكِيدٍ، ولِدِلالَةِ لَنْ عَلى اسْتِغْراقِ الأزْمانِ تَأتّى الِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأزْمِنَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ عَلى وجْهِ التَّفْرِيعِ فَهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

والوَصْفُ بِمَعْدُودَةٍ مُؤْذِنٌ بِالقِلَّةِ لِأنَّ المُرادَ بِالمَعْدُودِ الَّذِي يَعُدُّهُ النّاسُ إذا رَأوْهُ أوْ تَحَدَّثُوا عَنْهُ، وقَدْ شاعَ في العُرْفِ والعَوائِدِ

صفحة ٥٨٠

أنَّ النّاسَ لا يَعْمِدُونَ إلى عَدِّ الأشْياءِ الكَثِيرَةِ دَفْعًا لِلْمَلَلِ أوْ لِأجْلِ الشُّغْلِ سَواءٌ عَرَفُوا الحِسابَ أمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ لِأنَّ المُرادَ العَدُّ بِالعَيْنِ واللِّسانِ لا العَدُّ بِجَمْعِ الحِساباتِ إذْ لَيْسَ مَقْصُودًا هُنا.

وتَأْنِيثُ (مَعْدُودَةً) وهو صِفَةُ (أيّامًا) مُراعًى فِيهِ تَأْوِيلُ الجَمْعِ بِالجَماعَةِ وهي طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ ولِذَلِكَ كَثُرَ في صِفَةِ الجَمْعِ إذا أنَّثُوها أنْ يَأْتُوا بِها بِصِيغَةِ الإفْرادِ إلّا إذا أرادُوا تَأْوِيلَ الجَمْعِ بِالجَماعاتِ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] …

Al-Baqara 2:81Listen in Qur'an →
82

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

صفحة ٥٧٩

﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

قِيلَ الواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةٍ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] فَتَكُونُ حالًا مِثْلَها أيْ كَيْفَ تَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وهو يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ويَقُولُونَ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ.

والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الواوَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ يَكْتُبُونَ إلَخْ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ ووَجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ قَوْلَهم لَنْ تَمَسَّنا النّارُ دَلَّ عَلى اعْتِقادٍ مُقَرَّرٍ في نُفُوسِهِمْ يُشِيعُونَهُ بَيْنَ النّاسِ بِألْسِنَتِهِمْ قَدْ أنْبَأ بِغُرُورٍ عَظِيمٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى تِلْكَ الجَرِيمَةِ وغَيْرِها إذْ هم قَدْ آمَنُوا مِنَ المُؤاخَذَةِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً تُعادِلُ أيّامَ عِبادَةِ العِجْلِ أوْ أيّامًا عَنْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِنَ العالَمِ يَوْمًا وإنَّ ذَلِكَ عَذابٌ مَكْتُوبٌ عَلى جَمِيعِهِمْ فَهم لا يَتَوَقَّوْنَ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي لِأجْلِ ذَلِكَ فَبِالعَطْفِ عَلى أخْبارِهِمْ حَصَلَتْ فائِدَةُ الإخْبارِ عَنْ عَقِيدَةٍ مِن ضَلالاتِهِمْ.

ولِمَوْقِعِ هَذا العَطْفِ حَصَلَتْ فائِدَةُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ إذْ يَعْجَبُ السّامِعُ مِن جُرْأتِهِمْ عَلى هَذا الإجْرامِ.

وقَوْلُهُ وقالُوا أرادَ بِهِ أنَّهم قالُوهُ عَنِ اعْتِقادٍ لِأنَّ الأصْلَ الصِّدْقُ في القَوْلِ حَتّى تَقُومَ القَرِينَةُ عَلى أنَّهُ قَوْلٌ عَلى خِلافِ الِاعْتِقادِ كَما في قَوْلِهِ ﴿قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] ولِأجْلِ أنَّ أصْلَ القَوْلِ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ الِاعْتِقادِ ساغَ اسْتِعْمالُ القَوْلِ في مَعْنى الظَّنِّ والِاعْتِقادِ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: قالَ مالِكٌ، وفي نَحْوِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ”عَلامَ تَقُولُ الرُّمْحَ يُثْقِلُ عاتِقِي“ . والمَسُّ حَقِيقَتُهُ اتِّصالُ اليَدِ بِجِرْمٍ مِنَ الأجْرامِ وكَذَلِكَ اللَّمْسُ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ [الأنعام: ٤٩] وعَبَّرَ عَنْ نَفْيِهِمْ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْيِيدِ النَّفْيِ تَأْكِيدًا لِانْتِفاءِ العَذابِ عَنْهم بَعْدَ تَأْكِيدٍ، ولِدِلالَةِ لَنْ عَلى اسْتِغْراقِ الأزْمانِ تَأتّى الِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأزْمِنَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ عَلى وجْهِ التَّفْرِيعِ فَهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

والوَصْفُ بِمَعْدُودَةٍ مُؤْذِنٌ بِالقِلَّةِ لِأنَّ المُرادَ بِالمَعْدُودِ الَّذِي يَعُدُّهُ النّاسُ إذا رَأوْهُ أوْ تَحَدَّثُوا عَنْهُ، وقَدْ شاعَ في العُرْفِ والعَوائِدِ

صفحة ٥٨٠

أنَّ النّاسَ لا يَعْمِدُونَ إلى عَدِّ الأشْياءِ الكَثِيرَةِ دَفْعًا لِلْمَلَلِ أوْ لِأجْلِ الشُّغْلِ سَواءٌ عَرَفُوا الحِسابَ أمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ لِأنَّ المُرادَ العَدُّ بِالعَيْنِ واللِّسانِ لا العَدُّ بِجَمْعِ الحِساباتِ إذْ لَيْسَ مَقْصُودًا هُنا.

وتَأْنِيثُ (مَعْدُودَةً) وهو صِفَةُ (أيّامًا) مُراعًى فِيهِ تَأْوِيلُ الجَمْعِ بِالجَماعَةِ وهي طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ ولِذَلِكَ كَثُرَ في صِفَةِ الجَمْعِ إذا أنَّثُوها أنْ يَأْتُوا بِها بِصِيغَةِ الإفْرادِ إلّا إذا أرادُوا تَأْوِيلَ الجَمْعِ بِالجَماعاتِ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] …

Al-Baqara 2:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ

And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allah; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakah." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.

صفحة ٥٨٢

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أُعِيدَ ذِكْرُ أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِطْرادِ المُتَفَنَّنِ فِيهِ فَأُعِيدَ الأُسْلُوبُ القَدِيمُ وهو العَطْفُ بِإعادَةِ لَفْظِ إذْ في أوَّلِ القَصَصِ.

وأظْهَرَ هُنا لَفْظَ بَنِي إسْرائِيلَ وعَدَلَ عَنِ الأُسْلُوبِ السّابِقِ الواقِعِ فِيهِ التَّعْبِيرُ بِضَمِيرِ الخِطابِ المُرادِ بِهِ سَلَفُ المُخاطَبِينَ وخَلَفُهم لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما أنَّ هَذا رُجُوعٌ إلى مُجادَلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَوْقِيفِهِمْ عَلى مَساوِيهِمْ فَهو افْتِتاحٌ ثانٍ جَرى عَلى أُسْلُوبِ الِافْتِتاحِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمُ﴾ [البقرة: ٤٠] الآيَةَ. ثانِيهِما أنَّ ما سَيُذْكَرُ هُنا لَمّا كانَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي اتَّصَفَ بِها السَّلَفُ والخَلَفُ وكانَ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِنهُ إثْباتَ سُوءِ صَنِيعِ المَوْجُودِينَ في زَمَنِ القُرْآنِ تَعَيَّنَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ سَلَفِهِمْ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ لِيَتَأتّى تَوْجِيهُ الخِطابِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى المُخاطَبِينَ حَتّى لا يُظَنَّ أنَّهُ مِنَ الخِطابِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ أسْلافُهم عَلى وِزانِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] أوْ عَلى وِزانِ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٩٢] وقَوْلُهُ ﴿مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أُرِيدَ بِهِ أسْلافَهم لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أعْطَوُا المِيثاقَ لِمُوسى عَلى امْتِثالِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ التَّوْراةِ كَما قَدَّمْناهُ أوِ المُرادُ بِلَفْظِ بَنِي إسْرائِيلَ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ والمُرادُ بِالخِطابِ في تَوَلَّيْتُمْ خُصُوصُ ”مَن بَعْدَهم“ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا فَلَيْسَ في الكَلامِ التِفاتٌ ما وهو أوْلى مِن جَعْلِ ما صَدَّقَ بَنِي إسْرائِيلَ هو ما صَدَّقَ ضَمِيرَ تَوَلَّيْتُمْ وأنَّ الكَلامَ التِفاتٌ.

وقَوْلُهُ ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ ومَجِيءُ الخَبَرِ لِلْأمْرِ أبْلَغُ مِن صِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ لِعَلاقَةِ مُشابَهَةِ الأمْرِ المَوْثُوقِ بِامْتِثالِهِ بِالشَّيْءِ الحاصِلِ حَتّى إنَّهُ يُخْبِرُ عَنْهُ. وجُمْلَةُ لا تَعْبُدُونَ مَبْدَأُ بَيانٍ لِلْمِيثاقِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ وعُطِفَ ما بَعْدَها عَلَيْها لِيَكُونَ مُشارِكًا لَها في مَعْنى البَيانِيَّةِ سَواءٌ قَدَّرْتَ (أنْ) أوْ لَمْ تُقَدِّرْها أوْ قَدَّرْتَ قَوْلًا مَحْذُوفًا.

وقَوْلُهُ ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ هو مِمّا أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِهِ وهو أمْرٌ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهُما ﴿بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وأصْلُهُ وإحْسانًا بِالوالِدَيْنِ، والمَصْدَرُ بَدَلٌ

صفحة ٥٨٣

مِن فِعْلِهِ والتَّقْدِيرُ وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. ولا يُرِيبُكم أنَّهُ مَعْمُولُ مَصْدَرٍ وهو لا يَتَقَدَّمُ عَلى عامِلِهِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ لِأنَّ تِلْكَ دَعْوى واهِيَةٌ دَعاهم إلَيْها أنَّ المَصْدَرَ في مَعْنى أنْ والفِعْلِ فَهو في قُوَّةِ الصِّلَةِ ومَعْمُولُ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها مَعَ أنَّ (أنْ) والفِعْلَ هي الَّتِي تَكُونُ في مَعْنى المَصْدَرِ لا العَكْسُ. والعَجَبُ مِنَ ابْنِ جِنِّي كَيْفَ تابَعَهم في شَرْحِهِ لِلْحَماسَةِ عَلى هَذا عِنْدَ قَوْلِ الحَماسِيِّ: …

Al-Baqara 2:83Listen in Qur'an →
84

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed each other's blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.

صفحة ٥٨٥

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [البقرة: ٨٥]

تَفَنَّنَ الخِطابُ هُنا فَجاءَ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَ الآيَةِ السّابِقَةِ إذْ عَبَّرَ هُنا عَنْ جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ حِينَ نُزُولِ القِراءاتِ هُمُ المَقْصُودُونَ مِن هَذِهِ المَوْعِظَةِ أوْ عَلى طَرِيقِ تَنْزِيلِ الخَلَفِ مَنزِلَةَ السَّلَفِ، كَما تَقَدَّمَ لِأنَّ الدّاعِيَ لِلْإظْهارِ عِنْدَ الِانْتِقالِ مِنَ الِاسْتِطْرادِ إلى بَقِيَّةِ المَقْصُودِ في الآيَةِ السّابِقَةِ قَدْ أخَذَ ما يَقْتَضِيهِ فَعادَ أُسْلُوبُ الخِطابِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ.

والقَوْلُ في ﴿لا تَسْفِكُونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] والسَّفْكُ الصَّبُّ وإضافَةُ الدِّماءِ إلى ضَمِيرِ فاعِلِ ”تَسْفِكُونَ“ اقْتَضَتْ أنَّ مَفْعُولَ ”تَسْفِكُونَ“ هو دِماءُ السّافِكِينَ ولَيْسَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَسْفِكَ الإنْسانُ دَمَ نَفْسِهِ أوْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِن دارِهِ لِأنَّ مِثْلَ هَذا مِمّا يَزَعُ المَرْءَ عَنْهُ وازِعُهُ الطَّبِيعِيُّ؛ فَلَيْسَ مِن شَأْنِ الشَّرِيعَةِ الِاهْتِمامُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. وإنَّما المُرادُ أنْ لا يَسْفِكَ أحَدٌ دَمَ غَيْرِهِ ولا يُخْرِجَ غَيْرَهُ مِن دارِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أيْ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. فَوَجْهُ إضافَةِ الدِّماءِ إلى ضَمِيرِ السّافِكِينَ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ المُتَعَلِّقَةَ بِالأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ يَكُونُ مَدْلُولُ الضَّمائِرِ فِيها مَجْمُوعَ النّاسِ، فَإذا تَعَلَّقَتْ أحْكامٌ بِتِلْكَ الضَّمائِرِ مِن إسْنادٍ أوْ مَفْعُولِيَّةٍ أوْ إضافَةٍ أُرْجِعَ كُلٌّ إلى ما يُناسِبُهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْزِيعِ وهَذا كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ ونُكْتَتُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ المُغايَرَةَ في حُقُوقِ أفْرادِ الأُمَّةِ مُغايَرَةٌ صُورِيَّةٌ وأنَّها راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ وهو المَصْلَحَةُ الجامِعَةُ أوِ المَفْسَدَةُ الجامِعَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ الحَماسِيِّ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ الذُّهْلِيِّ:

قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي ∗∗∗ فَلَئِنْ عَفَوْتُ لَأعْفُوَنَّ جَلَلاوَلَئِنْ سَطَوْتُ لَأُوهِنَنَّ عَظْمِي يُرِيدُ أنَّ سَهْمَهُ إذا أصابَ قَوْمَهُ فَقَدْ أضَرَّ بِنَفْسِهِ وإلى هَذا الوَجْهِ أشارَ ابْنُ عَطِيَّةَ وسَمّاهُ اللَّفَّ في القَوْلِ. أيِ الإجْمالُ المُرادُ بِهِ التَّوْزِيعُ، وذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّهُ مِن تَشْبِيهِ الغَيْرِ بِالنَّفْسِ لِشِدَّةِ اتِّصالِ الغَيْرِ بِالنَّفْسِ في الأصْلِ أوِ الدِّينِ فَإذا قَتَلَ المُتَّصِلَ بِهِ نَسَبًا أوْ دِينًا

صفحة ٥٨٦

فَكَأنَّما قَتَلَ نَفْسَهُ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ ومَبْناهُ عَلى المَجازِ في الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ دِماءَكم وأنْفُسَكم وقِيلَ إنَّ المَعْنى لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم بِالتَّسَبُّبِ في قَتْلِ الغَيْرِ فَيُقْتَصُّ مِنكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم بِالجِنايَةِ عَلى الغَيْرِ فَتُنْفَوْا مِن دِيارِكم، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى المَجازِ التَّبَعِيِّ في تَسْفِكُونَ وتُخْرِجُونَ بِعَلاقَةِ التَّسَبُّبِ.

وأشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى وصِيَّتَيْنِ مِنَ …

Al-Baqara 2:84Listen in Qur'an →
85

ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allah is not unaware of what you do.

﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهْوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

الواوُ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ﴾ فَهو مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ مِمّا نُكِثَ فِيهِ العَهْدُ وهو

صفحة ٥٩٠

وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ في ذِكْرِ ما أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا أنَّهُ لَمّا رَجَعَ إلى إخْراجِ النّاسِ مِن دِيارِهِمْ كانَ في جُمْلَةِ المَنهِيّاتِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ لِلْحالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا﴾ أيْ تُخْرِجُونَهم والحالُ إنْ أسَرْتُمُوهم تَفْدُونَهم. وكَيْفَما قَدَّرْتَ فَقَوْلُهُ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ يَأْتُوكم إمّا حالٌ مِن مَعْطُوفٍ وإمّا حالٌ مَن حالٍ إذْ لَيْسَ فِداءُ الأسِيرِ بِمَذْمُومٍ لِذاتِهِ ولَكِنَّ ذَمَّهُ بِاعْتِبارِ ما قارَنَهُ مَن سَبَبِ الفِداءِ فَمَحَلُّ التَّوْبِيخِ هو مَجْمُوعُ المُفاداةِ مَعَ كَوْنِ الإخْراجِ مُحَرَّمًا وبَعْدَ أنْ قَتَلُوهم وأخْرَجُوهم، فَجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ تُفادُوهم وصُدِّرَتْ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلِاهْتِمامِ بِها وإظْهارِ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ لَدَيْهِمْ ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِقِلَّةِ جَدْواهُ إذْ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وفي قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ تَشْنِيعٌ وتَبْلِيدٌ لَهم تَوَهَّمُوا القُرْبَةَ فِيما هو مِن آثارِ المَعْصِيَةِ أيْ كَيْفَ تَرْتَكِبُونَ الجِنايَةَ وتَزْعُمُونَ أنَّكم تَتَقَرَّبُونَ بِالفِداءِ؛ وإنَّما الفِداءُ المَشْرُوعُ هو فِداءُ الأسْرى مِن أيْدِي الأعْداءِ لا مِن أيْدِيكم فَهَلّا تَرَكْتُمْ مُوجِبَ الفِداءِ ؟ وعِنْدِي أنَّ في الآيَةِ دِلالَةً عَلى تَرْجِيحِ قَوْلِ إمامِ الحَرَمَيْنِ في أنَّ الخارِجَ مِنَ المَغْصُوبِ لَيْسَ آتِيًا بِواجِبٍ ولا بِحَرامٍ ولَكِنَّهُ انْقَطَعَ عَنْهُ تَكْلِيفُ النَّهْيِ وأنَّ القُرْبَةَ لا تَكُونُ قُرْبَةً إلّا إذا كانَتْ غَيْرَ ناشِئَةٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ.

والأُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ جَمْعُ أسِيرٍ حَمْلًا لَهُ عَلى كَسْلانَ كَما حَمَلُوا كَسْلانَ عَلى أسِيرٍ فَقالُوا كَسْلى هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ قِياسَ جَمْعِهِ أسْرى كَقَتْلى. وقِيلَ هو جَمْعٌ نادِرٌ ولَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى حَمْلٍ، كَما قالُوا قُدامى جَمْعُ قَدِيمٍ. وقِيلَ هو جَمْعُ جَمْعٍ فالأسِيرُ يُجْمَعُ عَلى أسْرى ثُمَّ يُجْمَعُ أسْرى عَلى أُسارى وهو أظْهَرُ.

والأسِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أسَرَهُ إذا أوْثَقَهُ، وهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ فَإنَّ الإسارَ هو السَّيْرُ مِنَ الجِلْدِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ المَسْجُونُ والمَوْثُوقُ وكانُوا يُوثِقُونَ المَغْلُوبِينَ في الحَرْبِ بِسُيُورٍ مِنِ الجِلْدِ، قالَ النّابِغَةُ: لَمْ يَبْقَ غَيْرُ طَرِيدٍ غَيْرِ مُنْفَلِتٍ أوْ مُوثَقٍ في حِبالِ القَدِّ مَسْلُوبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ أُسارى وقَرَأهُ حَمْزَةُ (أسْرى) . وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ تُفادُوهم بِصِيغَةِ …

Al-Baqara 2:85Listen in Qur'an →
86

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.

﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهْوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

الواوُ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ﴾ فَهو مِن جُمْلَةِ ما وقَعَ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ مِمّا نُكِثَ فِيهِ العَهْدُ وهو

صفحة ٥٩٠

وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ في ذِكْرِ ما أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا أنَّهُ لَمّا رَجَعَ إلى إخْراجِ النّاسِ مِن دِيارِهِمْ كانَ في جُمْلَةِ المَنهِيّاتِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ لِلْحالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا﴾ أيْ تُخْرِجُونَهم والحالُ إنْ أسَرْتُمُوهم تَفْدُونَهم. وكَيْفَما قَدَّرْتَ فَقَوْلُهُ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ يَأْتُوكم إمّا حالٌ مِن مَعْطُوفٍ وإمّا حالٌ مَن حالٍ إذْ لَيْسَ فِداءُ الأسِيرِ بِمَذْمُومٍ لِذاتِهِ ولَكِنَّ ذَمَّهُ بِاعْتِبارِ ما قارَنَهُ مَن سَبَبِ الفِداءِ فَمَحَلُّ التَّوْبِيخِ هو مَجْمُوعُ المُفاداةِ مَعَ كَوْنِ الإخْراجِ مُحَرَّمًا وبَعْدَ أنْ قَتَلُوهم وأخْرَجُوهم، فَجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ تُفادُوهم وصُدِّرَتْ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلِاهْتِمامِ بِها وإظْهارِ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ لَدَيْهِمْ ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِقِلَّةِ جَدْواهُ إذْ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وفي قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ تَشْنِيعٌ وتَبْلِيدٌ لَهم تَوَهَّمُوا القُرْبَةَ فِيما هو مِن آثارِ المَعْصِيَةِ أيْ كَيْفَ تَرْتَكِبُونَ الجِنايَةَ وتَزْعُمُونَ أنَّكم تَتَقَرَّبُونَ بِالفِداءِ؛ وإنَّما الفِداءُ المَشْرُوعُ هو فِداءُ الأسْرى مِن أيْدِي الأعْداءِ لا مِن أيْدِيكم فَهَلّا تَرَكْتُمْ مُوجِبَ الفِداءِ ؟ وعِنْدِي أنَّ في الآيَةِ دِلالَةً عَلى تَرْجِيحِ قَوْلِ إمامِ الحَرَمَيْنِ في أنَّ الخارِجَ مِنَ المَغْصُوبِ لَيْسَ آتِيًا بِواجِبٍ ولا بِحَرامٍ ولَكِنَّهُ انْقَطَعَ عَنْهُ تَكْلِيفُ النَّهْيِ وأنَّ القُرْبَةَ لا تَكُونُ قُرْبَةً إلّا إذا كانَتْ غَيْرَ ناشِئَةٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ.

والأُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ جَمْعُ أسِيرٍ حَمْلًا لَهُ عَلى كَسْلانَ كَما حَمَلُوا كَسْلانَ عَلى أسِيرٍ فَقالُوا كَسْلى هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ قِياسَ جَمْعِهِ أسْرى كَقَتْلى. وقِيلَ هو جَمْعٌ نادِرٌ ولَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى حَمْلٍ، كَما قالُوا قُدامى جَمْعُ قَدِيمٍ. وقِيلَ هو جَمْعُ جَمْعٍ فالأسِيرُ يُجْمَعُ عَلى أسْرى ثُمَّ يُجْمَعُ أسْرى عَلى أُسارى وهو أظْهَرُ.

والأسِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن أسَرَهُ إذا أوْثَقَهُ، وهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ فَإنَّ الإسارَ هو السَّيْرُ مِنَ الجِلْدِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ المَسْجُونُ والمَوْثُوقُ وكانُوا يُوثِقُونَ المَغْلُوبِينَ في الحَرْبِ بِسُيُورٍ مِنِ الجِلْدِ، قالَ النّابِغَةُ: لَمْ يَبْقَ غَيْرُ طَرِيدٍ غَيْرِ مُنْفَلِتٍ أوْ مُوثَقٍ في حِبالِ القَدِّ مَسْلُوبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ أُسارى وقَرَأهُ حَمْزَةُ (أسْرى) . وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ تُفادُوهم بِصِيغَةِ …

Al-Baqara 2:86Listen in Qur'an →
87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ

And We did certainly give Moses the Torah and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾

انْتِقالٌ مِنَ الإنْحاءِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في فِعالِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما قابَلُوهُ بِهِ مِنِ العِصْيانِ والتَّبَرُّمِ والتَّعَلُّلِ في قَبُولِ الشَّرِيعَةِ وبِما خالَفُوا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ بَعْدَ مَوْتِهِ إلى قُرْبِ مَجِيءِ الإسْلامِ إلى الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ مُقابَلَتِهِمْ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ أتَوْا بَعْدَ مُوسى مِثْلَ يُوشَعَ وإلْياسَ وأرْمِياءَ وداوُدَ مُؤَيِّدِينَ لِشَرِيعَتِهِ ومُفَسِّرِينَ وباعِثِينَ لِلْأُمَّةِ عَلى تَجْدِيدِ العَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ مَعَ تَعَدُّدِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ واخْتِلافِ مَشارِبِهِمْ في الدَّعْوَةِ لِذَلِكَ المَقْصِدِ مَن لِينٍ وشِدَّةٍ، ومِن رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ، ثُمَّ جاءَ عِيسى مُؤَيِّدًا وناسِخًا ومُبَشِّرًا فَكانَتْ مُقابَلَتُهم لِأُولَئِكَ كُلِّهِمْ بِالإعْراضِ والِاسْتِكْبارِ وسُوءِ الصَّنِيعِ. وتِلْكَ أمارَةٌ عَلى أنَّهم إنَّما يُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ لِأجْلِ مُخالَفَةِ الحَقِّ أهْواءَهم وإلّا فَكَيْفَ لَمْ يَجِدُوا في خِلالِ هاتِهِ العُصُورِ ومِن بَيْنِ تِلْكَ المَشارِبِ ما يُوافِقُ الحَقَّ ويَتَمَحَّضُ لِلنُّصْحِ.

وإنَّ قَوْمًا هَذا دَأْبُهم يَرِثُهُ الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ لَجَدِيرُونَ

صفحة ٥٩٣

بِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ لِيَكُونَ هَذا حُجَّةً عَلَيْهِمْ في أنَّ تَكْذِيبَهم لِلدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مُكابَرَةٌ وحَسَدٌ حَتّى تَنْقَطِعَ حُجَّتُهم إذْ لَوْ كانَتْ مُعانَدَتُهم لِلْإسْلامِ هي أُولى فِعْلاتِهِمْ لَأوْهَمُوا النّاسَ أنَّهم ما أعْرَضُوا إلّا لِما تَبَيَّنَ لَهم مِن بُطْلانٍ؛ فَكانَ هَذا مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٤١] ومُقَدِّمَةً لِلْإنْحاءِ عَلَيْهِمْ في مُقابَلَتِهِمْ لِلدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ الآتِي ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] فَقَوْلُهُ تَعالى ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمْهِيدٌ لِلْمَعْطُوفِ وهو قَوْلُهُ ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ الَّذِي هو المَبْنِيُّ عَلَيْهِ التَّعَجُّبُ في قَوْلِهِ ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ فَقَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ تَمْهِيدُ التَّمْهِيدِ وإلّا فَهو قَدْ عُلِمَ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ فَلا مُقْتَضى لِلْإعْلامِ بِهِ اسْتِقْلالًا هُنا ولَكِنَّهُ ذُكِرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ تَحْصِيلٌ لِما تَقَدَّمَ أيْ ولَقَدْ كانَ ما كانَ مِمّا تَقَدَّمَ وهو إيتاءُ مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا أيْضًا بَعْدَهُ بِالرُّسُلِ فَهو كالعِلاوَةِ أوْ كَقَوْلِ القائِلِ هَذا وقَدْ كانَ كَذا.

وقَفّى مُضاعَفُ قَفا تَقُولُ قَفَوْتُ فُلانًا إذا جِئْتُ في إثْرِهِ لِأنَّكَ حِينَئِذٍ كَأنَّكَ تَقْصِدُ جِهَةَ قَفاهُ فَهو مِنَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الجَوامِدِ مِثْلَ جَبَهَهُ. فَصارَ المُضاعَفُ قَفّاهُ بِفُلانٍ تَقْفِيَةً وذَلِكَ أنَّكَ جَعَلْتَهُ مَأْمُورًا بِأنْ يَقْفُوَ بِجَعْلٍ مِنكَ لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ أيْ جَعَلْتَهُ يَقْفُوهُ غَيْرُهُ ولِكَوْنِ المَفْعُولِ واحِدًا جَعَلُوا المَفْعُولَ الثّانِيَ عِنْدَ التَّضْعِيفِ مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلِ بِباءِ التَّعْدِيَةِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ التّابِعُ بِالمَتْبُوعِ فَقالُوا قَفّى زَيْدًا بِعَمْرٍو عِوَضَ أنْ يَقُولُوا قَفّى زَيْدًا عَمْرًا.

فَمَعْنى ﴿قَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أرْسَلْنا رُسُلًا وقَدْ حُذِفَ …

Al-Baqara 2:87Listen in Qur'an →
88

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ

And they said, "Our hearts are wrapped." But, [in fact], Allah has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.

صفحة ٥٩٩

﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾

إمّا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (اسْتَكْبَرْتُمْ) أوْ عَلى (كَذَّبْتُمْ) فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي تَفْسِيرًا لِلِاسْتِكْبارِ أيْ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِهِ عَلى كَذَّبْتُمْ مِن جُمْلَةِ تَفْصِيلِ الِاسْتِكْبارِ بِأنْ أُشِيرَ إلى أنَّ اسْتِكْبارَهم أنْواعٌ: تَكْذِيبٌ وتَقْتِيلٌ وإعْراضٌ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وإبْعادٌ لَهم عَنْ مَقامِ الحُضُورِ فَهو مِنَ الِالتِفاتِ الَّذِي نُكْتَتُهُ أنَّ ما أُجْرِيَ عَلى المُخاطَبِ مِن صِفاتِ النَّقْصِ والفَظاعَةِ قَدْ أوْجَبَ إبْعادَهُ عَنِ البالِ وإعْراضَ البالِ عَنْهُ فَيُشارُ إلى هَذا الإبْعادِ بِخِطابِهِ بِخِطابِ البُعْدِ فَهو كِنايَةٌ.

وقَدْ حَسَّنَ الِالتِفاتَ أنَّهُ مُؤْذِنٌ بِانْتِقالِ الكَلامِ إلى سُوءِ مُقابَلَتِهِمْ لِلدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وهو غَرَضٌ جَدِيدٌ فَإنَّهم لَمّا تَحَدَّثَ عَنْهم بِما هو مِن شُئُونِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ. ولَمّا أُرِيدَ الحَدِيثُ عَنْهم في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ صارَ الخِطابُ جارِيًا مَعَ المُؤْمِنِينَ وأجْرى عَلى اليَهُودِ ضَمِيرَ الغَيْبَةِ.

عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهم قُلُوبُنا غُلْفٌ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ عَلَنًا ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ أُسْلُوبَ الخِطابِ جَرى عَلى الغَيْبَةِ مِن مَبْدَأِ هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٢] . والقُلُوبُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الأذْهانِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ العَرَبِ في إطْلاقِ القَلْبِ عَلى العَقْلِ.

والغُلْفُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أغْلَفٍ وهو الشَّدِيدُ، الغِلافُ مُشْتَقٌّ مِن غَلَّفَهُ إذا جَعَلَ لَهُ غِلافًا وهو الوِعاءُ الحافِظُ لِلشَّيْءِ والسّاتِرُ لَهُ مِن وُصُولِ ما يُكْرَهُ لَهُ. وهَذا كَلامٌ كانُوا يَقُولُونَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ يَدْعُوهم لِلْإسْلامِ قَصَدُوا بِهِ التَّهَكُّمَ وقَطْعَ طَمَعِهِ في إسْلامِهِمْ وهو كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] وفي الكَلامِ تَوْجِيهٌ لِأنَّ أصْلَ الأغْلَفِ أنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا عَمّا لا يُلائِمُهُ فَإنَّ ذَلِكَ مَعْنى الغِلافِ فَهم يُخَيِّلُونَ أنَّ قُلُوبَهم مَسْتُورَةٌ عَنِ الفَهْمِ ويُرِيدُونَ أنَّها مَحْفُوظَةٌ مِن فَهْمِ الضَّلالاتِ؛ ولِذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ إنَّهُ مُؤْذِنٌ بِمَعْنى أنَّها

صفحة ٦٠٠

لا تَعِي ما تَقُولُ ولَوْ كانَ لَوَعَتْهُ وهَذانِ المَعْنَيانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَهُما لِتَوْجِيهٍ يُلاقِيهِما الرَّدُّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ لَيْسَ عَدَمُ إيمانِهِمْ لِقُصُورٍ في أفْهامِهِمْ ولا لِرَبْوِها عَنْ قَبُولِ مِثْلِ ما دُعُوا إلَيْهِ ولَكِنْ لِأنَّهم كَفَرُوا فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكَفْرِهِمْ وأبْعَدَهم عَنِ الخَيْرِ وأسْبابِهِ.

وبِهَذا حَصَلَ المَعْنَيانِ المُرادانِ لَهم مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى فَرْضِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ غُلْفٌ جَمْعَ غِلافٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ في حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ حَتّى يُقَدِّرَ أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والحَقِّ فَلا يَتَسَرَّبُ إلَيْها الباطِلُ. وقَوْلُهُ ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ وفَضْحٌ لَهم بِأنَّهم صَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ والتَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ مِن غَيْرِ التِفاتٍ لِحُجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ فَلَمّا صَمَّمُوا عَلى ذَلِكَ عاقَبَهُمُ اللَّهُ بِاللَّعْنِ والإبْعادِ عَنِ الرَّحْمَةِ …

Al-Baqara 2:88Listen in Qur'an →
89

وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

And when there came to them a Book from Allah confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allah will be upon the disbelievers.

﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] لِقَصْدِ الزِّيادَةِ في الإنْحاءِ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْبِيخِ فَإنَّهم لَوْ أعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ إعْراضًا مُجَرَّدًا عَنِ الأدِلَّةِ لَكانَ في إعْراضِهِمْ مَعْذِرَةٌ ما ولَكِنَّهم أعْرَضُوا وكَفَرُوا بِالكِتابِ الَّذِي جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم والَّذِي كانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ. فَقَوْلُهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ ”بِجاءَهم“ ولَيْسَ صِفَةً لِأنَّهُ لَيْسَ أمْرًا مُشاهَدًا مَعْلُومًا حَتّى يُوصَفَ بِهِ. وقَوْلُهُ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ وصْفُ شَأْنٍ لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالمَذَمَّةِ في هَذا الكُفْرِ والقَوْلُ في تَفْسِيرِهِ قَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] والِاسْتِفْتاحُ ظاهِرُهُ طَلَبُ الفَتْحِ أيِ النَّصْرِ قالَ تَعالى ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] وقَدْ فَسَّرُوهُ بِأنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا قاتَلُوا المُشْرِكِينَ أيْ مِن أهْلِ المَدِينَةِ اسْتَنْصَرُوا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ المَوْعُودَ بِهِ في التَّوْراةِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ يَسْتَفْتِحُونَ بِمَعْنى يَفْتَحُونَ أيْ يَعْلَمُونَ ويُخْبِرُونَ كَما يُقالُ فَتَحَ عَلى القارِئِ أيْ عَلَّمَهُ الآيَةَ الَّتِي يَنْساها فالسِّينُ والتّاءُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ زِيادَتِهِما في اسْتَعْصَمَ واسْتَصْرَخَ واسْتَعْجَبَ. والمُرادُ كانُوا يُخْبِرُونَ المُشْرِكِينَ بِأنَّ رَسُولًا سَيُبْعَثُ فَيُؤَيِّدُ المُؤْمِنِينَ ويُعاقِبُ المُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ أيْ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ أيْ لَمّا جاءَ الكِتابُ الَّذِي عَرَفُوهُ كَفَرُوا بِهِ وقَدْ عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ فَلَمّا جاءَهُمُ الكِتابُ لِيَكُونَ اللَّفْظُ أشْمَلَ فَيَشْمَلَ الكِتابَ والرَّسُولَ الَّذِي جاءَ بِهِ

صفحة ٦٠٢

فَإنَّهُ لا يَجِيءُ كِتابٌ إلّا مَعَ رَسُولٍ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ بِما المَوْصُولَةِ دُونَ مَن لِأجْلِ هَذا الشُّمُولِ ولِأنَّ الإبْهامَ يُناسِبُهُ المَوْصُولُ الَّذِي هو أعَمُّ فَإنَّ الحَقَّ أنَّ ما تَجِيءُ لِما هو أعَمُّ مِنَ العاقِلِ.

والمُرادُ بِما عَرَفُوا القُرْآنَ أيْ أنَّهم عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ المُتَحَقِّقَةِ في الخارِجِ وإنْ جَهِلُوا انْطِباقَها عَلى القُرْآنِ لِضَلالِهِمْ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ أكْثَرُهم يَعْتَقِدُ صِدْقَ القُرْآنِ وصِدْقَ الرَّسُولِ، وبَعْضُهم كانَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يَتَناسى ويَتَغافَلُ حَسَدًا قالَ تَعالى ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] ويَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ وعَرَفُوا أنَّهُ الَّذِي كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وفائِدَتُها هُنا اسْتِحْضارُ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ وهي أنَّهم كَذَّبُوا بِالكِتابِ والرَّسُولِ في حالِ تَرَقُّبِهِمْ لِمَجِيئِهِ وانْتِظارِ النَّصْرِ بِهِ وهَذا مُنْتَهى الخِذْلانِ والبُهْتانِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ بِالفاءِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ و(لَمّا) الثّانِيَةُ تَتَنازَعُ مَعَ …

Al-Baqara 2:89Listen in Qur'an →
90

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allah has revealed through [their] outrage that Allah would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾

اسْتِئْنافٌ لِذَمِّهِمْ وتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ إذْ رَضُوا لِأنْفُسِهِمُ الكُفْرَ بِالقُرْآنِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ وأعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ كُتُبُهم مِنَ الوَعْدِ بِمَجِيءِ رَسُولٍ بَعْدَ مُوسى، إرْضاءً لِداعِيَةِ الحَسَدِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ قَدِ اسْتَبْقَوْا أنْفُسَهم عَلى الحَقِّ إذْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ فَهَذا إيقاظٌ لَهم نَحْوَ مَعْرِفَةِ داعِيهِمْ إلى الكُفْرِ وإشْهارٌ لِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ.

و(بِئْسَما) مُرَكَّبٌ مِن (بِئْسَ) و(ما) الزّائِدَةِ. وفي (بِئْسَ) وضِدِّها (نِعْمَ) خِلافٌ في كَوْنِهِما فِعْلَيْنِ أوِ اسْمَيْنِ والأصَحُّ أنَّهُما فِعْلانِ وفي (ما) المُتَّصِلَةِ بِهِما مَذاهِبُ أحَدُها أنَّها مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ أيْ تُفَسَّرُ بِاسْمٍ مُعَرَّفٍ

صفحة ٦٠٤

بِلامِ التَّعْرِيفِ وغَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى صِلَةٍ احْتِرازًا عَنْ ما المَوْصُولَةِ فَقَوْلُهُ (بِئْسَما) يُفَسَّرُ بِبِئْسَ الشَّيْءِ قالَهُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ. والآخَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ قالَهُ الفَرّاءُ والفارِسِيُّ وهَذانِ هُما أوْضَحُ الوُجُوهِ فَإذا وقَعَتْ بَعْدَها ما وحْدَها كانَتْ ما مَعْرِفَةً تامَّةً نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] أيْ نِعْمَ الشَّيْءُ هي، وإنْ وقَعَتْ بَعْدَ (ما) جُمْلَةٌ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ صِلَةً كانَتْ ما مَعْرِفَةً ناقِصَةً أيْ مَوْصُولَةً نَحْوَ قَوْلِهِ هُنا ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ و(ما) فاعِلُ بِئْسَ.

وقَدْ يُذْكَرُ بَعْدَ بِئْسَ ونِعْمَ اسْمٌ يُفِيدُ تَعْيِينَ المَقْصُودِ بِالذَّمِّ أوِ المَدْحِ ويُسَمّى في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ المَخْصُوصَ وقَدْ لا يُذْكَرُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ أوْ لِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَقَوْلُهُ (أنْ يَكْفُرُوا) هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ؛ والتَّقْدِيرُ كُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أوْ خَبَرًا مَحْذُوفَ المُبْتَدَأِ أوْ بَدَلًا أوْ بَيانًا مِن (ما) وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى (اشْتَرَوْا) إمّا صِفَةٌ لِلْمَعْرِفَةِ أوْ صِلَةٌ لِلْمَوْصُولَةِ و”أنْ يَكْفُرُوا“ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وذَلِكَ عَلى وِزانِ قَوْلِكَ نِعْمَ الرَّجُلُ فُلانٌ.

والِاشْتِراءُ الِابْتِياعُ وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ مُجازٌ أُطْلِقَ فِيهِ الِاشْتِراءُ عَلى اسْتِبْقاءِ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ تَشْبِيهًا لِاسْتِبْقائِهِ بِابْتِياعِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ فَهم قَدْ آثَرُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا فَأبْقَوْا عَلَيْها بِأنْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ حَسَدًا. فَإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم مُحِقُّونَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالتَّوْراةِ وأنَّ قَوْلَهُ فِيما تَقَدَّمَ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩] بِمَعْنى جاءَهم ما عَرَفُوا صِفَتَهُ وإنْ فَرَّطُوا في تَطْبِيقِها عَلى المَوْصُوفِ. فَمَعْنى اشْتِراءِ أنْفُسِهِمْ جارٍ عَلى اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم نَجَّوْها مِنَ العَذابِ في اعْتِقادِهِمْ فَقَوْلُهُ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ بِئْسَما هو في الواقِعِ وأمّا كَوْنُهُ اشْتِراءً فَبِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ …

Al-Baqara 2:90Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.