قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ
He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.' " They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.
﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾
عَطَفَتِ الفاءُ جُمْلَةَ فَذَبَحُوها عَلى مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ وهو فَوَجَدُوها أوْ فَظَفِرُوا بِها أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ الِاقْتِصارِيِّ ولَمّا نابَ المَعْطُوفُ في المَوْقِعِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ صَحَّ أنْ نَقُولَ الفاءُ فِيهِ لِلْفَصِيحَةِ لِأنَّها وقَعَتْ مَوْقِعَ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ فِيها فاءٌ لِلْفَصِيحَةِ ولَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ فاءَ الفَصِيحَةِ ما أفْصَحَتْ عَنْ مُقَدَّرٍ مُطْلَقًا كَما تَقَدَّمَ وقَوْلُهُ وما كادُوا يَفْعَلُونَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِذِكْرِ حالٍ مِن سُوءِ تَلَقِّيهِمُ الشَّرِيعَةَ تارَةً بِالإعْراضِ والتَّفْرِيطِ، وتارَةً بِكَثْرَةِ التَّوَقُّفِ والإفْراطِ وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأُصُولِ التَّفَقُّهِ في الشَّرِيعَةِ، والأخْذُ بِالأوْصافِ المُؤَثِّرَةِ في مَعْنى التَّشْرِيعِ دُونَ الأوْصافِ الطَّرْدِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَوْ ذَبَحُوا أيَّةَ بَقَرَةٍ لَأجْزَأتْهم ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِمْ إلى الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ رافِعٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: لَوِ اعْتَرَضُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها لَكَفَتْهم ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» وفي سَنَدِهِ عُبادَةُ بْنُ مَنصُورٍ وهو ضَعِيفٌ، «وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَنْهى أصْحابَهُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤالِ وقالَ فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ» «وبَيَّنَ لِلَّذِي سَألَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ ما يَفْعَلُهُ في شَأْنِها فَقالَ
صفحة ٥٥٧
السّائِلُ: فَضالَّةُ الغَنَمِ - قالَ - هي لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ، قالَ السّائِلُ: فَضالَّةُ الإبِلِ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: ما لَكَ ولَها مَعَها حِذاؤُها وسِقاؤُها تَشْرَبُ الماءَ وتَرْعى الشَّجَرَ حَتّى يَأْتِيَها رَبُّها» .
وجُمْلَةُ وما كادُوا يَفْعَلُونَ تَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِئْنافَ والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ أشَدُّ رَبْطًا لِلْجُمْلَةِ وذَلِكَ أصْلُ الجُمَلِ أيْ ذَبَحُوها في حالٍ تَقْرُبُ مِن حالِ مَن لا يَفْعَلُ، والمَعْنى أنَّهم ذَبَحُوها مُكْرَهِينَ أوْ كالمُكْرَهِينَ لِما أظْهَرُوا مِنَ المُماطَلَةِ وبِذَلِكَ يَكُونُ وقْتُ الذَّبْحِ ووَقْتُ الِاتِّصافِ بِمُقارَبَةِ انْتِفائِهِ وقْتًا مُتَّحِدًا اتِّحادًا عُرْفِيًّا بِحَسَبِ المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُماطَلَتَهم قارَنَتْ أوَّلَ أزْمِنَةِ الذَّبْحِ. وعَلى الِاسْتِئْنافِ يَصِحُّ اخْتِلافُ الزَّمَنَيْنِ أيْ فَذَبَحُوها عِنْدَ ذَلِكَ أيْ عِنْدِ إتْمامِ الصِّفاتِ وكانَ شَأْنُهم قَبْلَ ذَلِكَ شَأْنَ مَن لَمْ يُقارِبْ أنْ يَفْعَلَ ثُمَّ إنَّ ما كادُوا يَفْعَلُونَ يَقْتَضِي بِحَسَبِ الوَضْعِ نَفْيَ مَدْلُولِ كادَ فَإنَّ مَدْلُولَها المُقارَبَةُ. ونَفْيُ مُقارَبَةِ الفِعْلِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِ بِالأوْلى فَيُقالُ أنّى يَجْتَمِعُ ذَلِكَ مَعَ وُقُوعِ ذَبْحِها بِقَوْلِهِ فَذَبَحُوها فَأمّا عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ فَيُمْكِنُ الجَوابُ بِأنَّ نَفْيَ مُقارَبَةِ الفِعْلِ كانَ قَبْلَ الذَّبْحِ حِينَ كَرَّرُوا السُّؤالَ وأظْهَرُوا المِطالَ ثُمَّ وقَعَ الذَّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ وقَدْ أجابَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ يَعْنُونَ كَأنَّ الفِعْلَ وقَعَ فَجْأةً بَعْدَ أنْ كانُوا بِمَعْزِلٍ عَنْهُ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى جَعْلِ الواوِ اسْتِئْنافًا وقَدْ عَلِمْتُمْ بُعْدَهُ.
فالوَجْهُ القالِعُ لِلْإشْكالِ هو أنَّ أئِمَّةَ العَرَبِيَّةِ قَدِ اخْتَلَفُوا في مَفادِ ”كادَ“ المَنفِيَّةِ في نَحْوِ ”ما كادَ …