Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 286

51

وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him, while you were wrongdoers.

﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةِ عَفْوِ اللَّهِ عَنْ جُرْمِهِمُ العَظِيمِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ وذَلِكَ مِمّا فَعَلَهُ سَلَفُهم، فَإسْنادُ تِلْكَ الأفْعالِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ فَإنَّ العَفْوَ عَنِ الآباءِ مِنَّةٌ عَلَيْهِمْ وعَلى أبْنائِهِمْ يَجِبُ عَلى الأبْناءِ الشُّكْرُ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] ووَقَعَ في الكَشّافِ وتَفْسِيرِ البَغَوِيِّ وتَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ أنَّ اللَّهَ وعَدَ مُوسى أنْ يُؤْتِيَهُ الشَّرِيعَةَ بَعْدَ أنْ عادَ بَنُو إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وهَذا وهْمٌ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ

صفحة ٤٩٧

يَعُودُوا إلى مِصْرَ البَتَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ كَيْفَ والآياتُ صَرِيحَةٌ في أنَّ نُزُولَ الشَّرِيعَةِ كانَ بِطُورِ سِينا وأنَّ خُرُوجَهم كانَ لِيُعْطِيَهُمُ اللَّهُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهم وقَدْ أشارَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الدُّخانِ إلى التَّرَدُّدِ فِيهِ ولا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ هو المَقْصُودُ وأمّا ما ذُكِرَ قَبْلَهُ فَهو تَمْهِيدٌ وتَأْسِيسٌ لِبِنائِهِ وتَهْوِيلٌ لِذَلِكَ الجُرْمِ إظْهارًا لِسِعَةِ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى وحِلْمِهِ عَنْهم. وتَوْسِيطُ التَّذْكِيرِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ السَّيِّئَةِ بَيْنَ ذِكْرِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ مُراعاةٌ لِتَرْتِيبِ حُصُولِها في الوُجُودِ لِيَحْصُلَ غَرَضانِ غَرَضُ التَّذْكِيرِ وغَرَضُ عَرْضِ تارِيخِ الشَّرِيعَةِ.

والمُرادُ مِنَ المُواعَدَةِ هُنا أمْرُ اللَّهِ مُوسى أنْ يَنْقَطِعَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً لِمُناجاةِ اللَّهِ تَعالى وإطْلاقِ الوَعْدِ عَلى هَذا الأمْرِ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِمُوسى ووَعْدٌ لَهُ بِكَلامِ اللَّهِ وبِإعْطاءِ الشَّرِيعَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ وواعَدْنا بِألِفٍ بَعْدَ الواوِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ المُقْتَضِيَةِ حُصُولَ الوَعْدِ مِن جانِبَيْنِ؛ الواعِدُ والمَوْعُودُ والمُفاعَلَةُ عَلى غَيْرِ بابِها لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ عَلى حَدِّ سافَرَ وعافاهُ اللَّهُ، وعالَجَ المَرِيضَ وقاتَلَهُ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَجازًا في التَّحْقِيقِ لِأنَّ المُفاعَلَةَ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ الفِعْلِ مِن فاعِلَيْنِ فَإذا أُخْرِجَتْ عَنْ بابِها بَقِيَ التَّكَرُّرُ فَقَطْ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِلْفاعِلِ ثُمَّ أُرِيدَ مِنَ التَّكَرُّرِ لازِمُهُ وهو المُبالَغَةُ والتَّحَقُّقُ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.

والأشْهَرُ أنَّ المُواعَدَةَ لَمّا كانَ غالِبُ أحْوالِها حُصُولَ الوَعْدِ مِنَ الجانِبَيْنِ شاعَ اسْتِعْمالُ صِيغَتِها في مُطْلَقِ الوَعْدِ وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُها أيْضًا في خُصُوصِ التَّواعُدِ بِالمُلاقاةِ كَما وقَعَ في حَدِيثِ الهِجْرَةِ وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:

فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ أوِ الرُّبا بَيْنَهُما أسْهَلا

واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِأنَّ المُناجاةَ والتَّكَلُّمَ يَقْتَضِي القُرْبَ فَهو بِمَنزِلَةِ اللِّقاءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ولِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المَوْعُودِ بِهِ لِظُهُورِهِ مِن صِيغَةِ المُواعَدَةِ. وقِيلَ المُفاعَلَةُ عَلى بابِها بِتَقْدِيرِ أنَّ اللَّهَ وعَدَ مُوسى أنْ يُعْطِيَهُ الشَّرِيعَةَ وأمَرَهُ بِالحُضُورِ لِلْمُناجاةِ فَوَعَدَ مُوسى رَبَّهُ أنْ يَمْتَثِلَ لِذَلِكَ، فَكانَ …

Al-Baqara 2:51Listen in Qur'an →
52

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةِ عَفْوِ اللَّهِ عَنْ جُرْمِهِمُ العَظِيمِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ وذَلِكَ مِمّا فَعَلَهُ سَلَفُهم، فَإسْنادُ تِلْكَ الأفْعالِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ فَإنَّ العَفْوَ عَنِ الآباءِ مِنَّةٌ عَلَيْهِمْ وعَلى أبْنائِهِمْ يَجِبُ عَلى الأبْناءِ الشُّكْرُ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] ووَقَعَ في الكَشّافِ وتَفْسِيرِ البَغَوِيِّ وتَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ أنَّ اللَّهَ وعَدَ مُوسى أنْ يُؤْتِيَهُ الشَّرِيعَةَ بَعْدَ أنْ عادَ بَنُو إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وهَذا وهْمٌ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ

صفحة ٤٩٧

يَعُودُوا إلى مِصْرَ البَتَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ كَيْفَ والآياتُ صَرِيحَةٌ في أنَّ نُزُولَ الشَّرِيعَةِ كانَ بِطُورِ سِينا وأنَّ خُرُوجَهم كانَ لِيُعْطِيَهُمُ اللَّهُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهم وقَدْ أشارَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الدُّخانِ إلى التَّرَدُّدِ فِيهِ ولا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ هو المَقْصُودُ وأمّا ما ذُكِرَ قَبْلَهُ فَهو تَمْهِيدٌ وتَأْسِيسٌ لِبِنائِهِ وتَهْوِيلٌ لِذَلِكَ الجُرْمِ إظْهارًا لِسِعَةِ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى وحِلْمِهِ عَنْهم. وتَوْسِيطُ التَّذْكِيرِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ السَّيِّئَةِ بَيْنَ ذِكْرِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ مُراعاةٌ لِتَرْتِيبِ حُصُولِها في الوُجُودِ لِيَحْصُلَ غَرَضانِ غَرَضُ التَّذْكِيرِ وغَرَضُ عَرْضِ تارِيخِ الشَّرِيعَةِ.

والمُرادُ مِنَ المُواعَدَةِ هُنا أمْرُ اللَّهِ مُوسى أنْ يَنْقَطِعَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً لِمُناجاةِ اللَّهِ تَعالى وإطْلاقِ الوَعْدِ عَلى هَذا الأمْرِ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِمُوسى ووَعْدٌ لَهُ بِكَلامِ اللَّهِ وبِإعْطاءِ الشَّرِيعَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ وواعَدْنا بِألِفٍ بَعْدَ الواوِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ المُقْتَضِيَةِ حُصُولَ الوَعْدِ مِن جانِبَيْنِ؛ الواعِدُ والمَوْعُودُ والمُفاعَلَةُ عَلى غَيْرِ بابِها لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ عَلى حَدِّ سافَرَ وعافاهُ اللَّهُ، وعالَجَ المَرِيضَ وقاتَلَهُ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَجازًا في التَّحْقِيقِ لِأنَّ المُفاعَلَةَ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ الفِعْلِ مِن فاعِلَيْنِ فَإذا أُخْرِجَتْ عَنْ بابِها بَقِيَ التَّكَرُّرُ فَقَطْ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِلْفاعِلِ ثُمَّ أُرِيدَ مِنَ التَّكَرُّرِ لازِمُهُ وهو المُبالَغَةُ والتَّحَقُّقُ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.

والأشْهَرُ أنَّ المُواعَدَةَ لَمّا كانَ غالِبُ أحْوالِها حُصُولَ الوَعْدِ مِنَ الجانِبَيْنِ شاعَ اسْتِعْمالُ صِيغَتِها في مُطْلَقِ الوَعْدِ وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُها أيْضًا في خُصُوصِ التَّواعُدِ بِالمُلاقاةِ كَما وقَعَ في حَدِيثِ الهِجْرَةِ وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:

فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ أوِ الرُّبا بَيْنَهُما أسْهَلا

واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِأنَّ المُناجاةَ والتَّكَلُّمَ يَقْتَضِي القُرْبَ فَهو بِمَنزِلَةِ اللِّقاءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ولِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المَوْعُودِ بِهِ لِظُهُورِهِ مِن صِيغَةِ المُواعَدَةِ. وقِيلَ المُفاعَلَةُ عَلى بابِها بِتَقْدِيرِ أنَّ اللَّهَ وعَدَ مُوسى أنْ يُعْطِيَهُ الشَّرِيعَةَ وأمَرَهُ بِالحُضُورِ لِلْمُناجاةِ فَوَعَدَ مُوسى رَبَّهُ أنْ يَمْتَثِلَ لِذَلِكَ، فَكانَ …

Al-Baqara 2:52Listen in Qur'an →
53

وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion that perhaps you would be guided.

﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ نُزُولِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بِها صَلاحُ أُمُورِهِمْ وانْتِظامُ حَياتِهِمْ وتَأْلِيفُ جَماعَتِهِمْ مَعَ الإشارَةِ إلى تَمامِ النِّعْمَةِ وهم يَعُدُّونَها شِعارَ مَجْدِهِمْ وشَرَفِهِمْ لِسِعَةِ الشَّرِيعَةِ المُنَزَّلَةِ لَهم حَتّى كانَتْ كِتابًا فَكانُوا بِهِ أهْلَ كِتابٍ أيْ أهْلَ عِلْمِ تَشْرِيعٍ. والمُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوْراةُ الَّتِي أُوتِيَها مُوسى فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ويُعْتَبَرُ مَعَها ما أُلْحِقَ بِها عَلى نَحْوِ ما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ذَلِكَ الكِتابُ

صفحة ٥٠٢

والفَرْقانُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فُعْلانُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفَرْقِ وهو الفَصْلُ اسْتُعِيرَ لِتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ فَهو وصْفٌ لُغَوِيٌّ لِلتَّفْرِقَةِ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلى كِتابِ الشَّرِيعَةِ وعَلى المُعْجِزَةِ وعَلى نَصْرِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ وعَلى الحُجَّةِ القائِمَةِ عَلى الحَقِّ وعَلى ذَلِكَ جاءَتْ آياتُ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] فَلَعَلَّهُ أرادَ المُعْجِزاتِ لِأنَّ هارُونَ لَمْ يُؤْتَ وحْيًا وقالَ ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يَعْنِي يَوْمَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] عَطْفًا عَلى نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا المُعْجِزَةُ أوِ الحُجَّةُ لِئَلّا يَلْزَمَ عَطْفُ الصِّفَةِ عَلى مَوْصُوفِها إنْ أُرِيدَ بِالفُرْقانِ الكِتابُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصِّفَةُ لا يَجُوزُ أنْ تَتْبَعَ مَوْصُوفَها بِالعَطْفِ ومِن نَظَرِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ فَقَدَّسَها

لِأنَّ ذَلِكَ مِن عَطْفِ بَعْضِ الصِّفاتِ عَلى بَعْضٍ لا مِن عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ.

وقَوْلُهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ هو مَحَلُّ المِنَّةِ لِأنَّ إتْيانَ الشَّرِيعَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِاهْتِدائِهِمْ وكانَ قاصِرًا عَلى عَمَلِ مُوسى بِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ. والقَوْلُ في لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ كالقَوْلِ في لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ السّابِقِ.

Al-Baqara 2:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of repentance, the Merciful.

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ هَذِهِ نِعْمَةٌ أُخْرى وهي نِعْمَةُ نَسْخِ تَكْلِيفٍ شَدِيدٍ عَلَيْهِمْ كانَ قَدْ جُعِلَ جابِرًا لِما اقْتَرَفُوهُ مِن إثْمِ عِبادَةِ الوَثَنِ؛ فَحَصَلَ العَفْوُ عَنْهم بِدُونِ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ فَتَمَّتِ المِنَّةُ وبِهَذا صَحَّ جَعْلُ هَذِهِ مِنَّةً مُسْتَقِلَّةً بَعْدَ المِنَّةِ المُتَضَمِّنِ لَها قَوْلُهُ تَعالى ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لِأنَّ العَفْوَ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ في الآخِرَةِ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ العُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن حَدٍّ ونَحْوِهِ وهو حِينَئِذٍ مِنَّةٌ إذْ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ لِلذَّنْبِ عِقابَيْنِ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ كَما كانَ المُذْنِبُ النَّفْسَ والبَدَنَ ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ

صفحة ٥٠٣

جَعَلَ الحُدُودَ جَوابِرَ في الإسْلامِ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَلَمّا عَفا اللَّهُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم فَقَدْ تَفَضَّلَ بِإسْقاطِ العُقُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هي أثَرُ الذَّنْبِ. ولَمّا نَسَخَ تَكْلِيفَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ فَقَدْ تَفَضَّلَ بِذَلِكَ فَصارَتْ مِنَّتانِ.

فَقَوْلُ مُوسى لِقَوْمِهِ ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ تَشْرِيعُ حُكْمٍ لا يَكُونُ مِثْلُهُ إلّا عَنْ وحْيٍ لا عَنِ اجْتِهادٍ. وإنْ جازَ الِاجْتِهادُ لِلْأنْبِياءِ فَإنَّ هَذا حُكْمٌ مُخالِفٌ لِقاعِدَةِ حِفْظِ النُّفُوسِ الَّتِي قِيلَ قَدِ اتَّفَقَ عَلَيْها شَرائِعُ اللَّهِ؛ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَلَّفَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ قَتْلًا حَقِيقَةً إمّا بِأنْ يَقْتُلَ كُلٌّ مَن عَبَدَ العِجْلَ نَفْسَهُ فَيَكُونُ المُرادُ بِالأنْفُسِ الأرْواحَ الَّتِي في الأجْسامِ فالفاعِلُ والمَفْعُولُ واحِدٌ عَلى هَذا وإنَّما اخْتَلَفا بِالِاعْتِبارِ كَقَوْلِهِ ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم وقَوْلِ ابْنِ أُذَيْنَةَ: وإذا وجَدْتَ لَها وساوِسَ سَلْوَةً شَفَعَ الفُؤادُ إلى الضَّمِيرِ فَسَلَّها. وإمّا بِأنْ يَقْتُلَ مَن لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ عابِدِيهِ، وكَلامُ التَّوْراةِ في هَذا الغَرَضِ في غايَةِ الإبْهامِ وظاهِرُهُ أنَّ مُوسى أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَأْمُرَ اللّاوِيِّينَ الَّذِينَ هم مِن سِبْطِ لاوِي الَّذِي مِنهُ مُوسى وهارُونُ أنْ يَقْتُلُوا مَن عَبَدَ العِجْلَ بِالسَّيْفِ وأنَّهم فَعَلُوا وقَتَلُوا ثَلاثَةَ آلافِ نَفْسٍ ثُمَّ اسْتَشْفَعَ لَهم مُوسى فَغَفَرَ اللَّهُ لَهم أيْ فَيَكُونُ حُكْمُ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ مَنسُوخًا بَعْدَ العَمَلِ بِهِ ويَكُونُ المَعْنى فَلْيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، فالأنْفُسُ مُرادٌ بِها الأشْخاصُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أيْ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ وقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] أيْ لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ وقَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] فالفاعِلُ والمَفْعُولُ مُتَغايِرانِ.

ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الأمْرَ بِقَتْلِ النَّفْسِ هُنا عَلى مَعْنى القَتْلِ المَجازِيِّ وهو التَّذْيِيلُ والقَهْرُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ

فِي أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ

وقَوْلِهِ خَمْرٌ مُقَتَّلَةٌ أوْ مَقْتُولَةٌ، أيْ مُذَلَّلَةٌ سُورَتُها بِالماءِ. قالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرٍ:

إنَّ الَّتِي ناوَلْتَنِي فَرَدَدْتُها ∗∗∗ قُتِلَتْ …

Al-Baqara 2:54Listen in Qur'an →
55

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allah outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى نَشَأتْ بَعْدَ عِقابٍ عَلى جَفاءِ طَبْعِ فَمَحَلُّ المِنَّةِ والنِّعْمَةِ هو قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وتَأْسِيسٌ لِبِنائِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] الآيَةَ. والقائِلُونَ هم أسْلافُ المُخاطَبِينَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِمُوسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾

صفحة ٥٠٦

والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ مِنهم بَعْدَ العَفْوِ عَنْ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما هو ظاهِرُ تَرْتِيبِ الآياتِ رَوى ذَلِكَ البَغَوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ سَألُوهُ عِنْدَ مُناجاتِهِ وإنَّ السّائِلِينَ هُمُ السَبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ وهُمُ المُعَبَّرُ عَنْهم في التَّوْراةِ بِالكَهَنَةِ وبِشُيُوخِ بَنِي إسْرائِيلَ وقِيلَ سَألَ ذَلِكَ جَمْعٌ مِن عامَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ نَحْوَ العَشَرَةِ الآلافِ وهَذانِ القَوْلانِ حَكاهُما في الكَشّافِ ولَيْسَ في التَّوْراةِ ما هو صَرِيحٌ لِتَرْجِيحِ أحَدِ القَوْلَيْنِ ولا ما هو صَرِيحٌ في وُقُوعِ هَذا السُّؤالِ ولَكِنْ ظاهِرُ ما في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ مِنها ما يُشِيرُ إلى أنَّ هَذا الِاقْتِراحَ قَدْ صَدَرَ وأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الأوَّلِ لِمُوسى لِأنَّها لَمّا حَكَتْ تَذْكِيرَ مُوسى في مُخاطَبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرَتْ ما يُغايِرُ كَيْفِيَّةَ المُناجاةِ الأُولى إذْ قالَ فَلَمّا سَمِعْتُمُ الصَّوْتَ مِن وسَطِ الظَّلامِ والجَبَلُ يَشْتَعِلُ بِالنّارِ تَقَدَّمَ إلَيَّ جَمِيعُ رُؤَساءِ أسْباطِكم وشُيُوخِكم وقُلْتُمْ هو ذا الرَّبُّ إلَهُنا قَدْ أرانا مَجْدَهُ وعَظَمَتَهُ وسَمِعْنا صَوْتَهُ مِن وسَطِ النّارِ. . . . . . إنَّ عِنْدَما نَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إلَهَنا أيْضًا نَمُوتُ. . . . . . . تَقَدَّمْ أنْتَ واسْمَعْ كُلَّ ما يَقُولُ لَكَ الرَّبُّ إلَهُنا وكَلِّمْنا بِكُلِّ ما يُكَلِّمُكَ بِهِ الرَّبُّ إلْخَ فَهَذا يُؤْذِنُ أنَّ هُنالِكَ تَرَقُّبًا كانَ مِنهم لِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهم أصابَهم ما بَلَغَ بِهِمْ مَبْلَغَ المَوْتِ، وبَعْدُ فالقُرْآنُ حُجَّةٌ عَلى غَيْرِهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشَّهْرِ الثّالِثِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ.

ومَعْنى لا نُؤْمِنُ لَكَ يَحْتَمِلُ أنَّهم تَوَقَّعُوا الكُفْرَ إنْ لَمْ يَرَوُا اللَّهَ تَعالى أيْ أنَّهم يَرْتَدُّونَ في المُسْتَقْبَلِ عَنْ إيمانِهِمُ الَّذِي اتَّصَفُوا بِهِ مِن قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا الإيمانَ الكامِلَ الَّذِي دَلِيلُهُ المُشاهَدَةُ أيْ أنَّ أحَدَ هَذَيْنِ الإيمانَيْنِ يَنْتَفِي إنْ لَمْ يَرَوُا اللَّهَ جَهْرَةً لِأنَّ لَنْ لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ قالَ سِيبَوَيْهِ لا لِنَفْيِ يَفْعَلُ ولَنْ لِنَفْيِ سَيَفْعَلُ وكَما أنَّ قَوْلَكَ سَيَقُومُ لا يَقْتَضِي أنَّهُ الآنَ غَيْرُ قائِمٍ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَفَرُوا حِينَ قَوْلِهِمْ هَذا ولَكِنَّها دالَّةٌ عَلى عَجْرَفَتِهِمْ وقِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ وما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ حَتّى رامُوا أنْ يَرَوُا اللَّهَ جَهْرَةً وإنْ لَمْ يَرَوْهُ دَخَلَهُمُ الشَّكُّ في صِدْقِ مُوسى وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ إنْ كانَ كَذا فَأنا كافِرٌ. ولَيْسَ في القُرْآنِ ولا في غَيْرِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَنْ كُفْرٍ.

وإنَّما عَدّى نُؤْمِنُ بِاللّامِ …

Al-Baqara 2:55Listen in Qur'an →
56

ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى نَشَأتْ بَعْدَ عِقابٍ عَلى جَفاءِ طَبْعِ فَمَحَلُّ المِنَّةِ والنِّعْمَةِ هو قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وتَأْسِيسٌ لِبِنائِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] الآيَةَ. والقائِلُونَ هم أسْلافُ المُخاطَبِينَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِمُوسى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾

صفحة ٥٠٦

والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ مِنهم بَعْدَ العَفْوِ عَنْ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما هو ظاهِرُ تَرْتِيبِ الآياتِ رَوى ذَلِكَ البَغَوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ سَألُوهُ عِنْدَ مُناجاتِهِ وإنَّ السّائِلِينَ هُمُ السَبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِلْمِيقاتِ وهُمُ المُعَبَّرُ عَنْهم في التَّوْراةِ بِالكَهَنَةِ وبِشُيُوخِ بَنِي إسْرائِيلَ وقِيلَ سَألَ ذَلِكَ جَمْعٌ مِن عامَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ نَحْوَ العَشَرَةِ الآلافِ وهَذانِ القَوْلانِ حَكاهُما في الكَشّافِ ولَيْسَ في التَّوْراةِ ما هو صَرِيحٌ لِتَرْجِيحِ أحَدِ القَوْلَيْنِ ولا ما هو صَرِيحٌ في وُقُوعِ هَذا السُّؤالِ ولَكِنْ ظاهِرُ ما في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ مِنها ما يُشِيرُ إلى أنَّ هَذا الِاقْتِراحَ قَدْ صَدَرَ وأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الأوَّلِ لِمُوسى لِأنَّها لَمّا حَكَتْ تَذْكِيرَ مُوسى في مُخاطَبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرَتْ ما يُغايِرُ كَيْفِيَّةَ المُناجاةِ الأُولى إذْ قالَ فَلَمّا سَمِعْتُمُ الصَّوْتَ مِن وسَطِ الظَّلامِ والجَبَلُ يَشْتَعِلُ بِالنّارِ تَقَدَّمَ إلَيَّ جَمِيعُ رُؤَساءِ أسْباطِكم وشُيُوخِكم وقُلْتُمْ هو ذا الرَّبُّ إلَهُنا قَدْ أرانا مَجْدَهُ وعَظَمَتَهُ وسَمِعْنا صَوْتَهُ مِن وسَطِ النّارِ. . . . . . إنَّ عِنْدَما نَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إلَهَنا أيْضًا نَمُوتُ. . . . . . . تَقَدَّمْ أنْتَ واسْمَعْ كُلَّ ما يَقُولُ لَكَ الرَّبُّ إلَهُنا وكَلِّمْنا بِكُلِّ ما يُكَلِّمُكَ بِهِ الرَّبُّ إلْخَ فَهَذا يُؤْذِنُ أنَّ هُنالِكَ تَرَقُّبًا كانَ مِنهم لِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهم أصابَهم ما بَلَغَ بِهِمْ مَبْلَغَ المَوْتِ، وبَعْدُ فالقُرْآنُ حُجَّةٌ عَلى غَيْرِهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ في الشَّهْرِ الثّالِثِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ.

ومَعْنى لا نُؤْمِنُ لَكَ يَحْتَمِلُ أنَّهم تَوَقَّعُوا الكُفْرَ إنْ لَمْ يَرَوُا اللَّهَ تَعالى أيْ أنَّهم يَرْتَدُّونَ في المُسْتَقْبَلِ عَنْ إيمانِهِمُ الَّذِي اتَّصَفُوا بِهِ مِن قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا الإيمانَ الكامِلَ الَّذِي دَلِيلُهُ المُشاهَدَةُ أيْ أنَّ أحَدَ هَذَيْنِ الإيمانَيْنِ يَنْتَفِي إنْ لَمْ يَرَوُا اللَّهَ جَهْرَةً لِأنَّ لَنْ لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ قالَ سِيبَوَيْهِ لا لِنَفْيِ يَفْعَلُ ولَنْ لِنَفْيِ سَيَفْعَلُ وكَما أنَّ قَوْلَكَ سَيَقُومُ لا يَقْتَضِي أنَّهُ الآنَ غَيْرُ قائِمٍ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَفَرُوا حِينَ قَوْلِهِمْ هَذا ولَكِنَّها دالَّةٌ عَلى عَجْرَفَتِهِمْ وقِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ وما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ حَتّى رامُوا أنْ يَرَوُا اللَّهَ جَهْرَةً وإنْ لَمْ يَرَوْهُ دَخَلَهُمُ الشَّكُّ في صِدْقِ مُوسى وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ إنْ كانَ كَذا فَأنا كافِرٌ. ولَيْسَ في القُرْآنِ ولا في غَيْرِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَنْ كُفْرٍ.

وإنَّما عَدّى نُؤْمِنُ بِاللّامِ …

Al-Baqara 2:56Listen in Qur'an →
57

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.

صفحة ٥٠٩

﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ عَطْفُ ﴿وظَلَّلْنا﴾ عَلى ﴿بَعَثْناكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] وتَعْقِيبُ ذِكْرِ الوَحْشَةِ بِذِكْرِ جائِزَةٍ شَأْنُ الرَّحِيمِ في تَرْبِيَةِ عَبْدِهِ، والظّاهِرُ أنَّ تَظْلِيلَ الغَمامِ ونُزُولَ المَنِّ والسَّلْوى كانَ قَبْلَ سُؤالِهِمْ رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً لِأنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ نُزُولَ المَنِّ والسَّلْوى حِينَ دُخُولِهِمْ في بَرِّيَّةِ سِينَ بَيْنَ إيلِيمَ وسِينا في اليَوْمِ الثّانِيَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الثّانِي مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ حِينَ اشْتاقُوا أكْلَ الخُبْزِ واللَّحْمِ لِأنَّهم في رِحْلَتِهِمْ ما كانُوا يَطْبُخُونَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَقْتاتُونَ مِن ألْبانِ مَواشِيهِمُ الَّتِي أخْرَجُوها مَعَهم ومِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ. وأمّا تَظْلِيلُهم بِالغَمامِ فالظّاهِرُ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ أنْ سَألُوا رُؤْيَةَ اللَّهِ لِأنَّ تَظْلِيلَ الغَمامِ وقَعَ بَعْدَ أنْ نَصَبَ لَهم مُوسى خَيْمَةَ الِاجْتِماعِ مَحَلَّ القَرابِينِ ومَحَلَّ مُناجاةِ مُوسى وقِبْلَةَ الدّاعِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَرِّيَّةِ سِينا فَلَمّا تَمَّتِ الخَيْمَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ غَطَّتْ سَحابَةٌ خَيْمَةَ الشَّهادَةِ ومَتى ارْتَفَعَتِ السَّحابَةُ عَنِ الخَيْمَةِ فَذَلِكَ إذْنٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالرَّحِيلِ فَإذا حَلَّتِ السَّحابَةُ حَلُّوا إلَخْ. كَذا تَقُولُ كُتُبُهم.

فَلَمّا سَألَ بَنُو إسْرائِيلَ الخُبْزَ واللَّحْمَ كانَ المَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في الصَّباحِ والسَّلْوى تَسْقُطُ عَلَيْهِمْ في المَساءِ بِمِقْدارِ ما يَكْفِي جَمِيعَهم لِيَوْمِهِ أوْ لَيْلَتِهِ إلّا يَوْمَ الجُمْعَةِ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنهُما ضِعْفُ الكِمِّيَّةِ لِأنَّ في السَّبْتِ انْقِطاعَ النُّزُولِ.

والمَنُّ مادَّةٌ صَمْغِيَّةٌ جَوِّيَّةٌ يَنْزِلُ عَلى شَجَرِ البادِيَةِ شِبْهُ الدَّقِيقِ المَبْلُولِ، فِيهِ حَلاوَةٌ إلى الحُمُوضَةِ ولَوْنُهُ إلى الصُّفْرَةِ ويَكْثُرُ بِوادِي تِرْكِسْتانَ، وقَدْ يَنْزِلُ بِقِلَّةٍ غَيْرِها ولَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ قَبْلُ في بَرِّيَّةِ سِينا. وقَدْ وصَفَتْهُ التَّوْراةُ بِأنَّهُ دَقِيقٌ مِثْلَ القُشُورِ يَسْقُطُ نَدًى كالجَلِيدِ عَلى الأرْضِ وهو مِثْلُ بِزْرِ الكُزْبَرَةِ أبْيَضُ وطَعْمُهُ كَرُقاقٍ بِعَسَلٍ، وسَمَّتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ مَنًّا، وقَدْ أُمِرُوا أنْ لا يُبْقُوا مِنهُ لِلصَّباحِ لِأنَّهُ يَتَوَلَّدُ فِيهِ دُودٌ، وأنْ يَلْتَقِطُوهُ قَبْلَ أنْ تَحْمى الشَّمْسُ لِأنَّها تُذِيبُهُ فَكانُوا إذا التَقَطُوهُ طَحَنُوهُ بِالرَّحا أوْ دَقُّوهُ بِالهاوُنِ وطَبَخُوهُ في القُدُورِ وعَمِلُوهُ مِلّاتٍ وكانَ طَعْمُهُ كَطَعْمِ قَطائِفَ بِزَيْتٍ وأنَّهم أكَلُوهُ أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى جاءُوا إلى طَرَفِ أرْضِ كَنْعانَ؛ يُرِيدُ إلى حَبْرُونَ.

صفحة ٥١٠

وأمّا السَّلْوى فَهي اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدَتُهُ سَلْواةٌ وقِيلَ لا واحِدَ لَهُ وقِيلَ واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ وهو طائِرٌ بَرِّيٌّ لَذِيذُ اللَّحْمِ سَهْلُ الصَّيْدِ كانَتْ تَسُوقُهُ لَهم رِيحُ الجَنُوبِ كُلَّ مَساءٍ فَيُمْسِكُونَهُ قَبْضًا ويُسَمّى هَذا الطّائِرُ أيْضًا السُّمانى بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً بَعْدَها ألِفٌ فَنُونٌ مَقْصُورٌ كَحُبارى. وهو أيْضًا اسْمٌ يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، وقِيلَ هو الجَمْعُ وأمّا المُفْرَدُ فَهو سُماناةٌ.

وقَوْلُهُ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِأنَّ المُخاطَبِينَ حِينَ نُزُولِ القُرْآنِ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ …

Al-Baqara 2:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًۭا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

And [recall] when We said, "Enter this city and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly and say, 'Relieve us of our burdens.' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ يُغْفَرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى مُكِّنُوا مِنها فَما أحْسَنُوا قَبُولَها ولا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَحُرِمُوا مِنها إلى حِينٍ وعُوقِبَ الَّذِينَ كانُوا السَّبَبَ في عَدَمِ قَبُولِها.

وفِي التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِبَذْلِ النِّعْمَةِ لَهم لِأنَّ النِّعْمَةَ نِعْمَةٌ وإنْ لَمْ يَقْبَلْها المُنْعَمُ عَلَيْهِ، وإثارَةٌ لِحَسْرَتِهِمْ عَلى ما فاتَ أسْلافَهم وما لَقُوهُ مِن جَرّاءِ إعْجابِهِمْ بِآرائِهِمْ، ومَوْعِظَةٌ لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ الأوَّلُونَ فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهم كُلَّما صَدَفُوا عَنْ قَدْرِ حَقِّ النِّعَمِ نالَتْهُمُ المَصائِبُ.

قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. ولِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِما عَنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ اخْتُصِرَ فِيها الكَلامُ اخْتِصارًا تَرَكَ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ فِيها حَيارى. فَسَلَكُوا طَرائِقَ في انْتِزاعِ تَفْصِيلِ المَعْنى مِن مُجْمَلِها فَما أتَوْا عَلى شَيْءٍ مُقْنِعٍ، وكُنْتَ تَجِدُ أقْوالَهم هُنا إذا التَأمَ

صفحة ٥١٣

بَعْضُها بِنَظْمِ الآيَةِ لا يَلْتَئِمُ بَعْضُهُ الآخَرُ، ورُبَّما خالَفَ جَمِيعُها ما وقَعَ في آياتٍ أُخَرَ.

والَّذِي عِنْدِي مِنَ القَوْلِ في تَفْسِيرِ هاتِهِ الآيَةِ أنَّها أشارَتْ إلى قِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ تَضَمَّنَتْها كُتُبُهم وهي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا طَوَّحَتْ بِهِمُ الرِّحْلَةُ إلى بَرِّيَّةِ فارانَ نَزَلُوا بِمَدِينَةِ قادِشٍ فَأصْبَحُوا عَلى حُدُودِ أرْضِ كَنْعانَ الَّتِي هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي وعَدَها اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ وذَلِكَ في أثْناءِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ فَأرْسَلَ مُوسى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا لِيَتَجَسَّسُوا أرْضَ كَنْعانَ مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا وفِيهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالَبُ بْنُ بَفْنَةَ فَصَعِدُوا وأتَوْا إلى مَدِينَةِ حَبْرُونَ فَوَجَدُوا الأرْضَ ذاتَ خَيْراتٍ وقَطَعُوا مِن عِنَبِها ورُمّانِها وتِينِها ورَجَعُوا لِقَوْمِهِمْ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأخْبَرُوا مُوسى وهارُونَ وجَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرَوْهم ثَمَرَ الأرْضِ وأخْبَرُوهم أنَّها حَقًّا تَفِيضُ لَبَنًا وعَسَلًا غَيْرَ أنَّ أهْلَها ذَوُو عِزَّةٍ ومُدُنَها حَصِينَةٌ جِدًّا فَأمَرَ مُوسى كالِبًا فَأنْصَتَ إسْرائِيلُ إلى مُوسى وقالَ إنَّنا نَصْعَدُ ونَمْتَلِكُها وكَذَلِكَ يُوشَعُ، أمّا العَشَرَةُ الآخَرُونَ فَأشاعُوا في بَنِي إسْرائِيلَ مَذَمَّةَ الأرْضِ وأنَّها تَأْكُلُ سُكّانَها وأنَّ سُكّانَها جَبابِرَةٌ فَخافَتْ بَنُو إسْرائِيلَ مِن سُكّانِ الأرْضِ وجَبُنُوا عَنِ القِتالِ فَقامَ فِيهِمْ يُوشَعُ وكالِبٌ قائِلِينَ لا تَخافُوا مِنَ العَدُوِّ فَإنَّهم لُقْمَةٌ لَنا واللَّهُ مَعَنا، فَلَمْ يُصْغِ القَوْمُ لَهم وأوْحى اللَّهُ لِمُوسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أساءُوا الظَّنَّ بِرَبِّهِمْ وأنَّهُ مُهْلِكُهم فاسْتَشْفَعَ لَهم مُوسى فَعَفا اللَّهُ عَنْهم ولَكِنَّهُ حَرَمَهم مِنَ الدُّخُولِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فَلا يَدْخُلُ لَها أحَدٌ مِنَ الحاضِرِينَ يَوْمَئِذٍ إلّا يُوشَعُ وكالَبُ وأرْسَلَ اللَّهُ عَلى الجَواسِيسِ العَشَرَةِ المُثَبِّطِينَ وباءً أهْلَكَهم. …

Al-Baqara 2:58Listen in Qur'an →
59

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment from the sky because they were defiantly disobeying.

﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ يُغْفَرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى مُكِّنُوا مِنها فَما أحْسَنُوا قَبُولَها ولا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَحُرِمُوا مِنها إلى حِينٍ وعُوقِبَ الَّذِينَ كانُوا السَّبَبَ في عَدَمِ قَبُولِها.

وفِي التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِبَذْلِ النِّعْمَةِ لَهم لِأنَّ النِّعْمَةَ نِعْمَةٌ وإنْ لَمْ يَقْبَلْها المُنْعَمُ عَلَيْهِ، وإثارَةٌ لِحَسْرَتِهِمْ عَلى ما فاتَ أسْلافَهم وما لَقُوهُ مِن جَرّاءِ إعْجابِهِمْ بِآرائِهِمْ، ومَوْعِظَةٌ لَهم أنْ لا يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ الأوَّلُونَ فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهم كُلَّما صَدَفُوا عَنْ قَدْرِ حَقِّ النِّعَمِ نالَتْهُمُ المَصائِبُ.

قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. ولِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِما عَنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ اخْتُصِرَ فِيها الكَلامُ اخْتِصارًا تَرَكَ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ فِيها حَيارى. فَسَلَكُوا طَرائِقَ في انْتِزاعِ تَفْصِيلِ المَعْنى مِن مُجْمَلِها فَما أتَوْا عَلى شَيْءٍ مُقْنِعٍ، وكُنْتَ تَجِدُ أقْوالَهم هُنا إذا التَأمَ

صفحة ٥١٣

بَعْضُها بِنَظْمِ الآيَةِ لا يَلْتَئِمُ بَعْضُهُ الآخَرُ، ورُبَّما خالَفَ جَمِيعُها ما وقَعَ في آياتٍ أُخَرَ.

والَّذِي عِنْدِي مِنَ القَوْلِ في تَفْسِيرِ هاتِهِ الآيَةِ أنَّها أشارَتْ إلى قِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ تَضَمَّنَتْها كُتُبُهم وهي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا طَوَّحَتْ بِهِمُ الرِّحْلَةُ إلى بَرِّيَّةِ فارانَ نَزَلُوا بِمَدِينَةِ قادِشٍ فَأصْبَحُوا عَلى حُدُودِ أرْضِ كَنْعانَ الَّتِي هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي وعَدَها اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ وذَلِكَ في أثْناءِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ فَأرْسَلَ مُوسى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا لِيَتَجَسَّسُوا أرْضَ كَنْعانَ مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا وفِيهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالَبُ بْنُ بَفْنَةَ فَصَعِدُوا وأتَوْا إلى مَدِينَةِ حَبْرُونَ فَوَجَدُوا الأرْضَ ذاتَ خَيْراتٍ وقَطَعُوا مِن عِنَبِها ورُمّانِها وتِينِها ورَجَعُوا لِقَوْمِهِمْ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأخْبَرُوا مُوسى وهارُونَ وجَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرَوْهم ثَمَرَ الأرْضِ وأخْبَرُوهم أنَّها حَقًّا تَفِيضُ لَبَنًا وعَسَلًا غَيْرَ أنَّ أهْلَها ذَوُو عِزَّةٍ ومُدُنَها حَصِينَةٌ جِدًّا فَأمَرَ مُوسى كالِبًا فَأنْصَتَ إسْرائِيلُ إلى مُوسى وقالَ إنَّنا نَصْعَدُ ونَمْتَلِكُها وكَذَلِكَ يُوشَعُ، أمّا العَشَرَةُ الآخَرُونَ فَأشاعُوا في بَنِي إسْرائِيلَ مَذَمَّةَ الأرْضِ وأنَّها تَأْكُلُ سُكّانَها وأنَّ سُكّانَها جَبابِرَةٌ فَخافَتْ بَنُو إسْرائِيلَ مِن سُكّانِ الأرْضِ وجَبُنُوا عَنِ القِتالِ فَقامَ فِيهِمْ يُوشَعُ وكالِبٌ قائِلِينَ لا تَخافُوا مِنَ العَدُوِّ فَإنَّهم لُقْمَةٌ لَنا واللَّهُ مَعَنا، فَلَمْ يُصْغِ القَوْمُ لَهم وأوْحى اللَّهُ لِمُوسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أساءُوا الظَّنَّ بِرَبِّهِمْ وأنَّهُ مُهْلِكُهم فاسْتَشْفَعَ لَهم مُوسى فَعَفا اللَّهُ عَنْهم ولَكِنَّهُ حَرَمَهم مِنَ الدُّخُولِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فَلا يَدْخُلُ لَها أحَدٌ مِنَ الحاضِرِينَ يَوْمَئِذٍ إلّا يُوشَعُ وكالَبُ وأرْسَلَ اللَّهُ عَلى الجَواسِيسِ العَشَرَةِ المُثَبِّطِينَ وباءً أهْلَكَهم. …

Al-Baqara 2:59Listen in Qur'an →
60

۞ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allah, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾

تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى جَمَعَتْ ثَلاثَ نِعَمٍ وهي الرِّيُّ مِنَ العَطَشِ، وتِلْكَ نِعْمَةٌ كُبْرى أشَدُّ مِن نِعْمَةِ إعْطاءِ الطَّعامِ ولِذَلِكَ شاعَ التَّمْثِيلُ بِرِيِّ الظَّمْآنِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ. وكَوْنُ السَّقْيِ في مَظِنَّةِ عَدَمِ تَحْصِيلِهِ وتِلْكَ مُعْجِزَةٌ لِمُوسى وكَرامَةٌ لِأُمَّتِهِ لِأنَّ في ذَلِكَ فَضْلًا لَهم.

وكَوْنُ العُيُونِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لِيَسْتَقِلَّ كُلُّ سِبْطٍ بِمَشْرَبٍ فَلا يَتَدافَعُوا. وقَوْلُهُ (وإذْ) مُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرُوا وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى حادِثَةٍ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ اليَهُودِ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا نَزَلُوا في رَفِيدِيمَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى بَرِّيَّةِ سِينا وبَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن بَرِّيَّةِ سِينَ في حُدُودِ الشَّهْرِ الثّالِثِ مِنَ الخُرُوجِ عَطِشُوا ولَمْ يَكُنْ بِالمَوْضِعِ ماءٌ فَتَذَمَّرُوا عَلى مُوسى وقالُوا أتُصْعِدُنا مِن مِصْرَ لِنَمُوتَ وأوْلادُنا ومَواشِينا عَطَشًا فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ صَخْرَةً هُناكَ في حُورِيبَ فَضَرَبَ فانْفَجَرَ مِنها الماءُ. ولَمْ تَذْكُرِ التَّوْراةُ أنَّ العُيُونَ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا وذَلِكَ التَّقْسِيمُ مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ لِئَلّا يَتَزاحَمُوا مَعَ كَثْرَتِهِمْ فَيَهْلِكُوا فَهَذا مِمّا بَيَّنَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ.

صفحة ٥١٨

فَقَوْلُهُ ﴿اسْتَسْقى مُوسى﴾ صَرِيحٌ في أنَّ طالِبَ السَّقْيِ هو مُوسى وحْدَهُ، سَألَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُشارِكْهُ قَوْمُهُ في الدُّعاءِ لِتَظْهَرَ كَرامَتُهُ وحْدَهُ، كَذَلِكَ كانَ اسْتِسْقاءُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمْعَةِ عَلى المِنبَرِ لَمّا قالَ لَهُ الأعْرابِيُّ هَلَكَ الزَّرْعُ والضَّرْعُ فادْعُ اللَّهَ أنْ يَسْقِيَنا والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ.

وقَوْلُهُ لِقَوْمِهِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ مُوسى لَمْ يُصِبْهُ العَطَشُ وذَلِكَ لِأنَّهُ خَرَجَ في تِلْكَ الرِّحْلَةِ مُوقِنًا أنَّ اللَّهَ حافِظُهم ومُبْلِغُهم إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَلِذَلِكَ وقاهُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهُ جُوعٌ أوْ عَطَشٌ وكَلَلٌ وكَذَلِكَ شَأْنُ الأنْبِياءِ فَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ وِصالِ الصَّوْمِ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكم إنِّي أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» - قالَ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ أخَذَ المازِرِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ جَوازَ اسْتِسْقاءِ المُخَصَّبِ لِلْمُجْدِبِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنَلْهُ ما نالَهم مِنَ العَطَشِ ورَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأنَّهُ رَسُولُهم وهو مَعَهُمُ اهـ. وهو رَدُّ مُتَمَكِّنٍ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِاسْتِسْقاءِ المُخَصَّبِ لِلْمُجْدِبِ الأشْخاصَ وإنَّما المُرادُ اسْتِسْقاءُ أهْلِ بَلَدٍ لَمْ يَنَلْهُمُ الجَدْبُ لِأهْلِ بَلَدٍ مُجْدِبِينَ. والمَسْألَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها المازِرِيُّ مُخْتَلَفٌ فِيها عِنْدَنا واخْتارَ اللَّخْمِيُّ جَوازَ اسْتِسْقاءِ المُخَصَّبِ لِلْمُجْدِبِ لِأنَّهُ مِنَ التَّعاوُنِ عَلى البِرِّ ولِأنَّ دَعْوَةَ المُسْلِمِ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجابَةٌ وقالَ المازِرِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ السَّلَفَ لَمْ يَفْعَلُوهُ.

وعَصا مُوسى هي الَّتِي ألْقاها في مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ فَتَلَقَّفَتْ ثَعابِينَ السَّحَرَةِ وهي الَّتِي كانَتْ في يَدِ مُوسى حِينَ كَلَّمَهُ اللَّهُ في بَرِّيَّةِ سِينا قَبْلَ دُخُولِهِ مِصْرَ وقَدْ رُوِيَتْ في شَأْنِها أخْبارٌ لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ فَقِيلَ إنَّها …

Al-Baqara 2:60Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.