وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ
And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him, while you were wrongdoers.
﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةِ عَفْوِ اللَّهِ عَنْ جُرْمِهِمُ العَظِيمِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ وذَلِكَ مِمّا فَعَلَهُ سَلَفُهم، فَإسْنادُ تِلْكَ الأفْعالِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ فَإنَّ العَفْوَ عَنِ الآباءِ مِنَّةٌ عَلَيْهِمْ وعَلى أبْنائِهِمْ يَجِبُ عَلى الأبْناءِ الشُّكْرُ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] ووَقَعَ في الكَشّافِ وتَفْسِيرِ البَغَوِيِّ وتَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ أنَّ اللَّهَ وعَدَ مُوسى أنْ يُؤْتِيَهُ الشَّرِيعَةَ بَعْدَ أنْ عادَ بَنُو إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وهَذا وهْمٌ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ
صفحة ٤٩٧
يَعُودُوا إلى مِصْرَ البَتَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ كَيْفَ والآياتُ صَرِيحَةٌ في أنَّ نُزُولَ الشَّرِيعَةِ كانَ بِطُورِ سِينا وأنَّ خُرُوجَهم كانَ لِيُعْطِيَهُمُ اللَّهُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهم وقَدْ أشارَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الدُّخانِ إلى التَّرَدُّدِ فِيهِ ولا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ هو المَقْصُودُ وأمّا ما ذُكِرَ قَبْلَهُ فَهو تَمْهِيدٌ وتَأْسِيسٌ لِبِنائِهِ وتَهْوِيلٌ لِذَلِكَ الجُرْمِ إظْهارًا لِسِعَةِ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى وحِلْمِهِ عَنْهم. وتَوْسِيطُ التَّذْكِيرِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ السَّيِّئَةِ بَيْنَ ذِكْرِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ مُراعاةٌ لِتَرْتِيبِ حُصُولِها في الوُجُودِ لِيَحْصُلَ غَرَضانِ غَرَضُ التَّذْكِيرِ وغَرَضُ عَرْضِ تارِيخِ الشَّرِيعَةِ.
والمُرادُ مِنَ المُواعَدَةِ هُنا أمْرُ اللَّهِ مُوسى أنْ يَنْقَطِعَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً لِمُناجاةِ اللَّهِ تَعالى وإطْلاقِ الوَعْدِ عَلى هَذا الأمْرِ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِمُوسى ووَعْدٌ لَهُ بِكَلامِ اللَّهِ وبِإعْطاءِ الشَّرِيعَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ وواعَدْنا بِألِفٍ بَعْدَ الواوِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ المُقْتَضِيَةِ حُصُولَ الوَعْدِ مِن جانِبَيْنِ؛ الواعِدُ والمَوْعُودُ والمُفاعَلَةُ عَلى غَيْرِ بابِها لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ عَلى حَدِّ سافَرَ وعافاهُ اللَّهُ، وعالَجَ المَرِيضَ وقاتَلَهُ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَجازًا في التَّحْقِيقِ لِأنَّ المُفاعَلَةَ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ الفِعْلِ مِن فاعِلَيْنِ فَإذا أُخْرِجَتْ عَنْ بابِها بَقِيَ التَّكَرُّرُ فَقَطْ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِلْفاعِلِ ثُمَّ أُرِيدَ مِنَ التَّكَرُّرِ لازِمُهُ وهو المُبالَغَةُ والتَّحَقُّقُ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.
والأشْهَرُ أنَّ المُواعَدَةَ لَمّا كانَ غالِبُ أحْوالِها حُصُولَ الوَعْدِ مِنَ الجانِبَيْنِ شاعَ اسْتِعْمالُ صِيغَتِها في مُطْلَقِ الوَعْدِ وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُها أيْضًا في خُصُوصِ التَّواعُدِ بِالمُلاقاةِ كَما وقَعَ في حَدِيثِ الهِجْرَةِ وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ أوِ الرُّبا بَيْنَهُما أسْهَلا
واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِأنَّ المُناجاةَ والتَّكَلُّمَ يَقْتَضِي القُرْبَ فَهو بِمَنزِلَةِ اللِّقاءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ولِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المَوْعُودِ بِهِ لِظُهُورِهِ مِن صِيغَةِ المُواعَدَةِ. وقِيلَ المُفاعَلَةُ عَلى بابِها بِتَقْدِيرِ أنَّ اللَّهَ وعَدَ مُوسى أنْ يُعْطِيَهُ الشَّرِيعَةَ وأمَرَهُ بِالحُضُورِ لِلْمُناجاةِ فَوَعَدَ مُوسى رَبَّهُ أنْ يَمْتَثِلَ لِذَلِكَ، فَكانَ …