Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–50 of 286

41

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

صفحة ٤٥٨

﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾

شُرُوعٌ في دَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى الإسْلامِ وهَدْيِ القُرْآنِ وهَذا هو المَقْصُودُ مِن خِطابِهِمْ ولَكِنْ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ ما يُهَيِّئُ نُفُوسَهم إلى قَبُولِهِ كَما تَتَقَدَّمُ المُقَدِّمَةُ عَلى الغَرَضِ، والتَّخْلِيَةُ عَلى التَّحْلِيَةِ.

والإيمانُ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْ بِكُتُبِ اللَّهِ وإنْ كانَ مِن جُمْلَةِ ما شَمِلَهُ العَهْدُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] إلّا أنَّهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ هُنا مِن تِلْكَ الجِهَةِ لِأنَّهم عاهَدُوا اللَّهَ عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ كَما تَقَدَّمَ ومِن جُمْلَتِها الإيمانُ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّ ذَلِكَ مُجْمَلٌ في العَهْدِ فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هو مِمّا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ بَلْ حَتّى يُصَدِّقُوا بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ الجائِيَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَهم مَدْعُوُّونَ إلى ذَلِكَ التَّصْدِيقِ هُنا. فَعَطْفُ قَوْلِهِ وآمِنُوا عَلى قَوْلِهِ ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] كَعَطْفِ المَقْصِدِ عَلى المُقَدِّمَةِ، وعَطْفُهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] مِن قَبِيلِ عَطفِ الخاصِّ عَلى العامِّ في المَعْنى ولَكِنَّ هَذا مِن عَطْفِ الجُمَلِ فَلا يُقالُ فِيهِ عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ في عَطْفِ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ مِنَ المُفْرَداتِ لا في عَطْفِ الجُمَلِ وإنَّما أرَدْنا تَقْرِيبَ مَوْقِعِ الجُمْلَةِ وتَوْجِيهَ إيرادَها مَوْصُولَةً غَيْرَ مَفْصُولَةٍ.

وفِي تَعْلِيقِ الأمْرِ بِاسْمِ المَوْصُولِ وهو ما أُنْزِلَتْ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأسْماءِ نَحْوَ الكِتابِ أوِ القُرْآنِ أوْ هَذا الكِتابِ إيماءً إلى تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالإيمانِ بِهِ وهو أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ وهم قَدْ أوْصَوْا بِالإيمانِ بِكُلِّ كِتابٍ يَثْبُتُ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ.

ولِهَذا أتى بِالحالِ الَّتِي هي عِلَّةُ الصِّلَةِ إذْ جَعَلَ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما في التَّوْراةِ عَلامَةً عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وهي العَلامَةُ الدِّينِيَّةُ المُناسِبَةُ لِأهْلِ العِلْمِ مِن أهْلِ الكِتابِ فَكَما جَعَلَ الإعْجازَ اللَّفْظِيَّ عَلامَةً عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِأهْلِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مِنَ العَرَبِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] كَذَلِكَ جَعَلَ الإعْجازَ المَعْنَوِيَّ وهو اشْتِمالُهُ عَلى الهُدى الَّذِي هو شَأْنُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلّامَةً عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِهِ لِأهْلِ الدِّينِ والعِلْمِ بِالشَّرائِعِ. ثُمَّ الإيمانُ بِالقُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ وبِالَّذِي أنْزَلَهُ. والمُرادُ بِما مَعَهم كُتُبُ التَّوْراةِ الأرْبَعَةُ وما أُلْحِقَ بِها مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ

صفحة ٤٥٩

كالزَّبُورِ، وكِتابِ أشْعِياءَ، وأرْمِياءَ، وحَزْقِيالَ، ودانْيالَ، وغَيْرِها ولِذا اخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِما مَعَكم دُونَ التَّوْراةِ مَعَ أنَّها عُبِّرَ بِها في مَواضِعَ غَيْرِ هَذا لِأنَّ في كُتُبِ الأنْبِياءِ مِن بَعْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِشاراتٍ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أصْرَحَ مِمّا في التَّوْراةِ فَكانَ التَّنْبِيهُ إلَيْها أوْقَعَ.

والمُرادُ مِن كَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى الهُدى الَّذِي دَعَتْ إلَيْهِ أنْبِياؤُهم مِنَ التَّوْحِيدِ والأمْرِ بِالفَضائِلِ واجْتِنابِ …

Al-Baqara 2:41Listen in Qur'an →
42

وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

صفحة ٤٧٠

﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

مَعْطُوفٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] إلى هُنا لِأنَّ هاتِهِ الجُمَلَ كُلَّها لَمْ يُقْصَدْ أنَّ الواحِدَةَ مِنها مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها خاصَّةً بَلْ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَها لا سِيَّما قَوْلُهُ ﴿ولا تَلْبِسُوا﴾ فَإنَّهُ مَبْدَأُ انْتِقالٍ مِن غَرَضِ التَّحْذِيرِ مِنَ الضَّلالِ إلى غَرَضِ التَّحْذِيرِ مِنَ الإضْلالِ بَعْدَ أنْ وسَّطَ بَيْنَهُما قَوْلَهُ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ [البقرة: ٤١] كَما تَقَدَّمَ.

وإنْ شِئْتَ أنْ تَجْعَلَ كُلًّا مَعْطُوفًا عَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ اعْتِبارِ كَوْنِ ما قَبْلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ كَذَلِكَ، وهَذا شَأْنُ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ إلّا إذا أُرِيدَ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِكَوْنِ الثّانِيَةِ أعْلَقَ بِالَّتِي والَتْها دُونَ البَقِيَّةِ وذَلِكَ كَعَطْفِ ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ عَلى ولا تَلْبَسُوا فَإنَّها مُتَعَيِّنَةٌ لِلْعَطْفِ عَلى تَلْبِسُوا لا مَحالَةَ إنْ كانَتْ مَعْطُوفَةً وهو الظّاهِرُ فَإنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مَنهِيٌّ عَنْهُ والتَّغْلِيظُ في النَّهْيِ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُما واضِحٌ بِالأوْلى.

وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ وتَكْتُمُوا الحَقَّ مَنصُوبًا بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَ واوِ المَعِيَّةِ ويَكُونَ مَناطُ النَّهْيِ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ وهو بَعِيدٌ لِأنَّ كِلَيْهِما مَنهِيٌّ عَنْهُ والتَّفْرِيقُ في المَنهِيِّ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الجَمْعِ بِالأوْلى بِخِلافِ العَكْسِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ إنَّما نُهُوا عَنِ الأمْرَيْنِ مَعًا عَلى وجْهِ الجَمْعِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّهم لا يُرْجى مِنهم أكْثَرُ مِن هَذا التَّرْكِ لِلَّبْسِ وهو تَرْكُ اللَّبْسِ المُقارَنِ لِكَتْمِ الحَقِّ فَإنَّ كَوْنَهُ جَرِيمَةً في الدِّينِ أمْرٌ ظاهِرٌ. أمّا تَرْكُ اللَّبْسِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّحْرِيفِ في التَّأْوِيلِ فَلا يُرْجى مِنهم تَرْكُهُ إذْ لا طَماعِيَةَ في صَلاحِهِمُ العاجِلِ والحَقُّ الأمْرُ الثّابِتُ مِن حَقٍّ إذا ثَبَتَ ووَجَبَ وهو ما تَعْتَرِفُ بِهِ سائِرُ النُّفُوسِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ شَهَواتِها.

والباطِلُ في كَلامِهِمْ ضِدُّ الحَقِّ فَإنَّهُ الأمْرُ الزّائِلُ الضّائِعُ يُقالُ بَطَلَ بَطْلًا وبُطُولًا وبُطْلانًا إذا ذَهَبَ ضَياعًا وخَسِرَ وذَهَبَ دَمُهُ بُطْلًا أيْ هَدْرًا.

والمُرادُ بِهِ هُنا ما تَتَبَرَّأُ مِنهُ النُّفُوسُ وتُزِيلُهُ مادامَتْ خَلِيَّةً عَنْ غَرَضٍ أوْ هَوًى وسُمِّيَ باطِلًا لِأنَّهُ فِعْلٌ يَذْهَبُ ضَياعًا وخَسارًا عَلى صاحِبِهِ. واللَّبْسُ خَلْطٌ بَيْنَ مُتَشابِهاتٍ في الصِّفاتِ يَعْسُرُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ أوْ يَتَعَذَّرُ وهو يَتَعَدّى إلى الَّذِي اخْتَلَطَ عَلَيْهِ بِعِدَّةِ حُرُوفٍ مِثْلَ عَلى واللّامِ والباءِ عَلى اخْتِلافِ السِّياقِ الَّذِي يَقْتَضِي مَعْنى بَعْضِ تِلْكَ الحُرُوفِ.

وقَدْ يُعَلَّقُ بِهِ ظَرْفُ عِنْدَ وقَدْ يُجَرَّدُ عَنِ التَّعْلِيقِ بِالحَرْفِ. ويُطْلَقُ عَلى اخْتِلاطِ المَعانِي وهو الغالِبُ وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ أنَّهُ

صفحة ٤٧١

هُوَ المَعْنى الحَقِيقِيُّ، ويُقالُ في الأمْرِ لُبْسَةٌ بِضَمِّ اللّامِ أيِ اشْتِباهٌ، وفي حَدِيثِ شَقِّ الصَّدْرِ فَخِفْتُ أنْ يَكُونَ قَدِ التَبَسَ بِي أيْ حَصَلَ اخْتِلاطٌ في عَقْلِي بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ والخَيالِ، وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ وأمّا فِعْلُ لَبِسَ الثِّيابَ فَمِن بابِ سَمِعَ.

فَلَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ تَرْوِيجُ الباطِلِ في …

Al-Baqara 2:42Listen in Qur'an →
43

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

And establish prayer and give zakah and bow with those who bow [in worship and obedience].

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾

أمَرَ بِالتَّلَبُّسِ بِشِعارِ الإسْلامِ عَقِبَ الأمْرِ بِاعْتِقادِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ فَقَوْلُهُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١] الآيَةَ. راجِعٌ إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ وما هو وسِيلَةُ ذَلِكَ وما هو غايَتُهُ فالوَسِيلَةُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٧] إلى ﴿فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] والمَقْصِدُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] والغايَةُ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ وقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ مَفاسِدَ تَصُدُّهم عَنِ المَأْمُوراتِ مُناسِباتٍ لِلْأوامِرِ. فَقَوْلُهُ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إلَخْ أمْرٌ بِأعْظَمِ القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ بَعْدَ الإيمانِ والنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِإجابَتِهِمْ وامْتِثالِهِمْ لِلْأوامِرِ السّالِفَةِ وأنَّهم كَمُلَتْ لَهُمُ الأُمُورُ المَطْلُوبَةُ.

وفِي هَذا الأمْرِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ، ذَلِكَ أنَّ الإيمانَ عَقْدٌ قَلْبِيٌّ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا النُّطْقُ، والنُّطْقُ اللِّسانِيُّ أمْرٌ سَهْلٌ قَدْ يَقْتَحِمُهُ مَن لَمْ يَعْتَقِدْ إذا لَمْ يَكُنْ ذا غُلُوٍّ في دِينِهِ فَلا يَتَحَرَّجُ أنْ يَنْطِقَ بِكَلامٍ يُخالِفُ الدِّينَ إذا كانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ مَدْلُولَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] الآيَةَ، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِأنَّ الأوْلى عَمَلٌ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ الخالِقِ والسُّجُودِ إلَيْهِ وخَلْعِ الآلِهَةِ. ومِثْلَ هَذا الفِعْلِ لا يَفْعَلُهُ المُشْرِكُ لِأنَّهُ يَغِيظُ آلِهَتَهُ بِالفِعْلِ وبِقَوْلِ (اللَّهُ أكْبَرُ) ولا يَفْعَلُهُ الكِتابِيُّ لِأنَّهُ يُخالِفُ عِبادَتَهُ. ولِأنَّ الزَّكاةَ إنْفاقُ المالِ

صفحة ٤٧٣

وهُوَ عَزِيزٌ عَلى النَّفْسِ فَلا يَبْذُلُهُ المَرْءُ في غَيْرِ ما يَنْفَعُهُ إلّا عَنِ اعْتِقادِ نَفْعٍ أُخْرَوِيٍّ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ المالُ يُنْفَقُ عَلى العَدُوِّ في الدِّينِ، فَلِذَلِكَ عَقَّبَ الأمْرَ بِالإيمانِ بِالأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ لِأنَّهُما لا يَتَجَشَّمُهُما إلّا مُؤْمِنٌ صادِقٌ.

ولِذَلِكَ جاءَ في المُنافِقِينَ ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] وقَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] وفي الصَّحِيحِ «أنَّ صَلاةَ العِشاءِ أثْقَلُ صَلاةٍ عَلى المُنافِقِينَ» .

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِمالِكٍ عَلى قَتْلِ مَن يَمْتَنِعُ مِن أداءِ الصَّلاةِ مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ لَمْ يُؤَدِّها مِن أوَّلِ وقْتِ صَلاةٍ مِنَ الصَّلَواتِ إلى خُرُوجِهِ إذا كانَ وقْتًا مُتَّفَقًا بَيْنَ عُلَماءِ الإسْلامِ، لِأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الِامْتِناعَ مَعَ عَدَمِ العُذْرِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ إيمانِهِ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ مُصَرِّحًا بِالإيمانِ، قالَ مالِكٌ إنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ ومَنعًا لِذَرِيعَةِ خَرْمِ المِلَّةِ. ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ هَذا دَلِيلًا لِمَن قالُوا بِأنَّ تارِكَ الصَّلاةِ كافِرٌ لَوْلا الأدِلَّةُ المُعارِضَةُ.

وفِيها دَلِيلٌ لِما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ وإطْلاقِ اسْمِ المُرْتَدِّينَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ أمارَةَ صِدْقِ الإيمانِ إذْ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ لَمّا راجَعَهُ عُمَرُ في عَزْمِهِ عَلى قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ حِينَ مَنَعُوا إعْطاءَ الزَّكاةِ وقالَ لَهُ: «كَيْفَ …

Al-Baqara 2:43Listen in Qur'an →
44

۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Do you order righteousness of the people and forget yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

صفحة ٤٧٤

﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ووَجْهُ المُناسَبَةِ في وُقُوعِهِ هُنا أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِفِعْلِ شَعائِرِ الإسْلامِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وذَيَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] لِيُشِيرَ إلى صَلاتِهِمُ الَّتِي يَفْعَلُونَها، أصْبَحَتْ لا تُغْنِي عَنْهم، ناسَبَ أنْ يُزادَ لِذَلِكَ أنَّ ما يَأْمُرُ بِهِ دِينُهم مِنَ البِرِّ لَيْسُوا قائِمِينَ بِهِ عَلى ما يَنْبَغِي، فَجِيءَ بِهَذا الِاعْتِراضِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ اعْتِراضًا لَمْ يُقْرَنْ بِالواوِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ التَّحْرِيضُ عَلى الأمْرِ بِالبِرِّ وعَلى مُلازَمَتِهِ، والغَرَضُ مِن هَذا هو النِّداءُ عَلى كَمالِ خَسارِهِمْ ومَبْلَغِ سُوءِ حالِهِمُ الَّذِي صارُوا إلَيْهِ حَتّى صارُوا يَقُومُونَ بِالوَعْظِ والتَّعْلِيمِ كَما يَقُومُ الصّانِعُ بِصِناعَتِهِ والتّاجِرُ بِتِجارَتِهِ لا يَقْصِدُونَ إلّا إيفاءَ وظائِفِهِمُ الدِّينِيَّةِ حَقَّها لِيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ ما يُعَوَّضُونَ عَلَيْهِ مِن مَراتِبَ ورَواتِبَ فَهم لا يَنْظُرُونَ إلى حالِ أنْفُسِهِمْ تُجاهَ تِلْكَ الأوامِرِ الَّتِي يَأْمُرُونَ بِها النّاسَ.

والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ أتَأْمُرُونَ جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ خُوطِبُوا مِن قَبْلُ فَيَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الحالَةَ ثابِتَةٌ لِجَمِيعِهِمْ أيْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم تَجِدُهُ يُصَرِّحُ بِأوامِرِ دِينِهِمْ ويُشِيعُها بَيْنَ النّاسِ ولا يَمْتَثِلُها هو في نَفْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهَذا الخِطابِ فَرِيقًا مِنهم فَإنَّ الخِطابَ المُوَجَّهَ لِلْجَماعاتِ والقَبائِلِ يَأْخُذُ كُلُّ فَرِيقٍ ما هو حَظُّهُ مِن ذَلِكَ الخِطابِ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ أحْبارَهم وعُلَماءَهم وهم أخَصُّ بِالأمْرِ بِالبِرِّ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ إمّا المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا يَذْكُرُونَ لَهم ما جاءَ بِهِ دِينُهم والعَرَبُ كانُوا يَحْلِفُونَ بِسَماعِ أقْوالِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النّاسِ مَن عَدَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ أفْعَلُ كَما يَفْعَلُ النّاسُ وكَقَوْلِهِ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أيْ أيَأْمُرُ الواحِدُ غَيْرَهُ ويَنْسى نَفْسَهُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ العامَّةَ مِن أُمَّةِ اليَهُودِ أيْ كَيْفَ تَأْمُرُونَ أتْباعَكم وعامَّتَكم بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم ؟ فَفِيهِ تَنْدِيدٌ بِحالِ أحْبارِهِمْ أوْ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ الإسْلامِ هو الحَقُّ فَهم يَأْمُرُونَ أتْباعَهم بِالمَواعِظِ ولا يَطْلُبُونَ نَجاةَ أنْفُسِهِمْ.

والِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّوْبِيخِ لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ الحَمْلِ عَلى الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ فاسْتُعْمِلَ في التَّوْبِيخِ

صفحة ٤٧٥

مَجازًا بِقَرِينَةِ المَقامِ وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ التَّوْبِيخَ يُلازِمُ الِاسْتِفْهامَ لِأنَّ مَن يَأْتِي ما يَسْتَحِقُّ التَّوْبِيخَ عَلَيْهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَساءَلَ النّاسُ عَنْ ثُبُوتِ الفِعْلِ لَهُ ويَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ بِالسُّؤالِ فَيَنْتَقِلُ مِنَ السُّؤالِ إلى التَّوْبِيخِ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ مَعْنى التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُوَبَّخِ وذَلِكَ لِأنَّ الحالَةَ الَّتِي وُبِّخُوا عَلَيْها حالَةٌ …

Al-Baqara 2:44Listen in Qur'an →
45

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

And seek help through patience and prayer, and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allah]

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾

خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالإرْشادِ إلى ما يُعِينُهم عَلى التَّخَلُّقِ بِجَمِيعِ ما عَدَّدَ لَهم مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الرّاجِعَةِ إلى التَّحَلِّي بِالمَحامِدِ والتَّخَلِّي عَنِ المَذَمّاتِ، لَهُ أحْسَنُ وقْعٍ مِنَ البَلاغَةِ فَإنَّهم لَمّا خُوطِبُوا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والتَّنْزِيهِ والتَّشْوِيهِ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهم لَمْ يَبْقَ في نُفُوسِهِمْ مَسْلَكٌ لِلشَّيْطانِ ولا مَجالَ لِلْخِذْلانِ وأنَّهم أنْشَئُوا يَتَحَفَّزُونَ لِلِامْتِثالِ والِائْتِساءِ إلّا أنَّ ذَلِكَ الإلْفَ القَدِيمَ، يُثْقِلُ أرْجُلَهم في الخَطْوِ إلى هَذا الطَّرِيقِ القَوِيمِ، فَوَصَفَ لَهُمُ الدَّواءَ الَّذِي بِهِ الصَّلاحُ ورِيشٌ بِقادِمَتَيِ الصَّبْرِ والصَّلاةِ مِنهُمُ الجَناحُ.

فالأمْرُ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ لِأنَّ الصَّبْرَ مَلاكُ الهُدى فَإنَّ مِمّا يَصُدُّ الأُمَمَ عَنِ اتِّباعِ دِينٍ قَوِيمٍ الفَهْمُ بِأحْوالِهِمُ القَدِيمَةِ وضِعْفُ النُّفُوسِ عَنْ تَحَمُّلِ مُفارَقَتِها فَإذا تَدَرَّعُوا بِالصَّبْرِ سَهُلَ عَلَيْهِمُ اتِّباعُ الحَقِّ. وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِالصَّلاةِ فالمُرادُ تَأْكِيدُ الأمْرِ بِها الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وهَذا إظْهارٌ لِحُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ وهو طَرِيقٌ بَدِيعٌ مِن طُرُقِ التَّرْغِيبِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن زَعَمَ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ واسْتَعِينُوا إلَخْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الِانْتِقالِ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ آخَرَ، وهَذا وهْمٌ لِأنَّ وُجُودَ حَرْفِ العَطْفِ يُنادِي عَلى خِلافِ ذَلِكَ ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ مُرادٌ بِهِ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ حَسْبَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ

صفحة ٤٧٨

يَكُونَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الدّاعِي. والَّذِي غَرَّهم بِهَذا التَّفْسِيرِ تَوَهُّمُ أنَّهُ لا يُؤْمَرُ بِأنْ يَسْتَعِينَ بِالصَّلاةِ مَن لَمْ يَكُنْ قَدْ آمَنَ بَعْدُ وأيُّ عَجَبٍ في هَذا ؟ وقَرِيبٌ مِنهُ آنِفًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ لا مَحالَةَ. والصَّبْرُ عَرَّفَهُ الغَزالِيُّ في إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ بِأنَّهُ ثَباتُ باعِثِ الدِّينِ في مُقابَلَةِ باعِثِ الشَّهْوَةِ، وهو تَعْرِيفٌ خاصٌّ بِالصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ لِأنَّها في ذِكْرِ الصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ، وأمّا الصَّبْرُ مِن حَيْثُ هو الَّذِي هو وصْفُ كَمالٍ فَهو عِبارَةٌ عَنِ احْتِمالِ النَّفْسِ أمْرًا لا يُلائِمُها إمّا لِأنَّ مَآلَهُ مُلائِمٌ، أوْ لِأنَّ عَلَيْهِ جَزاءً عَظِيمًا فَأشْبَهَ ما مَآلُهُ مُلائِمٌ، أوْ لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقالِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مَعَ تَجَنُّبِ الجَزَعِ والضَّجَرِ فالصَّبْرُ احْتِمالٌ وثَباتٌ عَلى ما لا يُلائِمُ، وأقَلُّ أنْواعِهِ ما كانَ عَنْ عَدَمِ المَقْدِرَةِ ولِذا ورَدَ في الصَّحِيحِ إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى أيِ الصَّبْرُ الكامِلُ هو الَّذِي يَقَعُ قَبْلَ العِلْمِ بِأنَّ التَّفَصِّيَ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وإلّا فَإنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ اعْتِقادِ عَدَمِ إمْكانِ التَّفَصِّي إذا لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ضَجَرٌ وجَزَعٌ هو صَبْرٌ حَقِيقَةً فَصِيغَةُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ إنَّما الصَّبْرُ حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْكَمالِ …

Al-Baqara 2:45Listen in Qur'an →
46

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾

خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالإرْشادِ إلى ما يُعِينُهم عَلى التَّخَلُّقِ بِجَمِيعِ ما عَدَّدَ لَهم مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الرّاجِعَةِ إلى التَّحَلِّي بِالمَحامِدِ والتَّخَلِّي عَنِ المَذَمّاتِ، لَهُ أحْسَنُ وقْعٍ مِنَ البَلاغَةِ فَإنَّهم لَمّا خُوطِبُوا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والتَّنْزِيهِ والتَّشْوِيهِ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهم لَمْ يَبْقَ في نُفُوسِهِمْ مَسْلَكٌ لِلشَّيْطانِ ولا مَجالَ لِلْخِذْلانِ وأنَّهم أنْشَئُوا يَتَحَفَّزُونَ لِلِامْتِثالِ والِائْتِساءِ إلّا أنَّ ذَلِكَ الإلْفَ القَدِيمَ، يُثْقِلُ أرْجُلَهم في الخَطْوِ إلى هَذا الطَّرِيقِ القَوِيمِ، فَوَصَفَ لَهُمُ الدَّواءَ الَّذِي بِهِ الصَّلاحُ ورِيشٌ بِقادِمَتَيِ الصَّبْرِ والصَّلاةِ مِنهُمُ الجَناحُ.

فالأمْرُ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ لِأنَّ الصَّبْرَ مَلاكُ الهُدى فَإنَّ مِمّا يَصُدُّ الأُمَمَ عَنِ اتِّباعِ دِينٍ قَوِيمٍ الفَهْمُ بِأحْوالِهِمُ القَدِيمَةِ وضِعْفُ النُّفُوسِ عَنْ تَحَمُّلِ مُفارَقَتِها فَإذا تَدَرَّعُوا بِالصَّبْرِ سَهُلَ عَلَيْهِمُ اتِّباعُ الحَقِّ. وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِالصَّلاةِ فالمُرادُ تَأْكِيدُ الأمْرِ بِها الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وهَذا إظْهارٌ لِحُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ وهو طَرِيقٌ بَدِيعٌ مِن طُرُقِ التَّرْغِيبِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن زَعَمَ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ واسْتَعِينُوا إلَخْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الِانْتِقالِ مِن خِطابٍ إلى خِطابٍ آخَرَ، وهَذا وهْمٌ لِأنَّ وُجُودَ حَرْفِ العَطْفِ يُنادِي عَلى خِلافِ ذَلِكَ ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ مُرادٌ بِهِ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ حَسْبَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ

صفحة ٤٧٨

يَكُونَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الدّاعِي. والَّذِي غَرَّهم بِهَذا التَّفْسِيرِ تَوَهُّمُ أنَّهُ لا يُؤْمَرُ بِأنْ يَسْتَعِينَ بِالصَّلاةِ مَن لَمْ يَكُنْ قَدْ آمَنَ بَعْدُ وأيُّ عَجَبٍ في هَذا ؟ وقَرِيبٌ مِنهُ آنِفًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ لا مَحالَةَ. والصَّبْرُ عَرَّفَهُ الغَزالِيُّ في إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ بِأنَّهُ ثَباتُ باعِثِ الدِّينِ في مُقابَلَةِ باعِثِ الشَّهْوَةِ، وهو تَعْرِيفٌ خاصٌّ بِالصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ لِأنَّها في ذِكْرِ الصَّبْرِ الشَّرْعِيِّ، وأمّا الصَّبْرُ مِن حَيْثُ هو الَّذِي هو وصْفُ كَمالٍ فَهو عِبارَةٌ عَنِ احْتِمالِ النَّفْسِ أمْرًا لا يُلائِمُها إمّا لِأنَّ مَآلَهُ مُلائِمٌ، أوْ لِأنَّ عَلَيْهِ جَزاءً عَظِيمًا فَأشْبَهَ ما مَآلُهُ مُلائِمٌ، أوْ لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقالِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مَعَ تَجَنُّبِ الجَزَعِ والضَّجَرِ فالصَّبْرُ احْتِمالٌ وثَباتٌ عَلى ما لا يُلائِمُ، وأقَلُّ أنْواعِهِ ما كانَ عَنْ عَدَمِ المَقْدِرَةِ ولِذا ورَدَ في الصَّحِيحِ إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى أيِ الصَّبْرُ الكامِلُ هو الَّذِي يَقَعُ قَبْلَ العِلْمِ بِأنَّ التَّفَصِّيَ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وإلّا فَإنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ اعْتِقادِ عَدَمِ إمْكانِ التَّفَصِّي إذا لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ضَجَرٌ وجَزَعٌ هو صَبْرٌ حَقِيقَةً فَصِيغَةُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ إنَّما الصَّبْرُ حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْكَمالِ …

Al-Baqara 2:46Listen in Qur'an →
47

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

صفحة ٤٨٢

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾

أُعِيدَ خِطابُ بَنِي إسْرائِيلَ بِطَرِيقِ النِّداءِ مُماثِلًا لِما وقَعَ في خِطابِهِمُ الأوَّلِ لِقَصْدِ التَّكْرِيرِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخِطابِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَإنَّ الخِطابَ الأوَّلَ قُصِدَ مِنهُ تَذْكِيرُهم بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ ذَلِكَ التَّذْكِيرُ داعِيَةً لِامْتِثالِ ما يَرِدُ إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا كانَ الغَرَضُ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ هو الِامْتِثالَ كانَ حَقُّ البَلاغَةِ أنْ يُفْضِيَ البَلِيغُ إلى المَقْصُودِ ولا يُطِيلَ في المُقَدِّمَةِ، وإنَّما يُلِمُّ بِها إلْمامًا ويُشِيرُ إلَيْها إجْمالًا تَنْبِيهًا بِالمُبادَرَةِ إلى المَقْصُودِ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ ولَمْ يَزَلِ الخُطَباءُ والبُلَغاءُ يَعُدُّونَ مِثْلَ ذَلِكَ مِن نَباهَةِ الخَطِيبِ ويَذْكُرُونَهُ في مَناقِبِ وزِيرِ الأنْدَلُسِ مُحَمَّدِ بْنِ الخَطِيبِ السَّلْمانِيِّ إذْ قالَ عِنْدَ سِفارَتِهِ عَنْ مَلِكِ غَرْناطَةَ إلى مَلِكِ المَغْرِبِ ابْنِ عَنانٍ أبْياتَهُ المَشْهُورَةَ الَّتِي ارْتَجَلَها عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ طالِعُها:

خَلِيفَةَ اللَّهِ ساعَدَ القَدَرُ عُلاكَ ما لاحَ في الدُّجا قَمَرُ

ثُمَّ قالَ:

والنّاسُ طُرًّا بِأرْضِ أنْدَلُسٍ ∗∗∗ لَوْلاكَ ما وطِنُوا ولا عَمِرُوا

وقَدْ أهَمَّتْهم نُفُوسُهُمُ ∗∗∗ فَوَجَّهُونِي إلَيْكَ وانْتَظَرُوا

فَقالَ لَهُ أبُو عَنانٍ ما تَرْجِعُ إلَيْهِمْ إلّا بِجَمِيعِ مَطالِبِهِمْ وأذِنَ لَهُ في الجُلُوسِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي أبُو القاسِمِ الشَّرِيفُ وكانَ مِن جُمْلَةِ الوَفْدِ لَمْ نَسْمَعْ بِسَفِيرٍ قَضى سِفارَتَهُ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ عَلى السُّلْطانِ إلّا هَذا.

فَكانَ الإجْمالُ في المُقَدِّمَةِ قَضاءً لِحَقِّ صَدارَتِها بِالتَّقْدِيمِ وكانَ الإفْضاءُ إلى المَقْصُودِ قَضاءً لِحَقِّهِ في العِنايَةِ، والرُّجُوعُ إلى تَفْصِيلِ النِّعَمِ قَضاءً لِحَقِّها مِنَ التَّعْدادِ فَإنَّ ذِكْرَ النِّعَمِ تَمْجِيدٌ لِلْمُنْعِمِ وتَكْرِيمٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ وعِظَةٌ لَهُ ولِمَن يُبْلِغُهم خَبَرَ ذَلِكَ تَبْعَثُ عَلى الشُّكْرِ.

صفحة ٤٨٣

فَلِلتَّكْرِيرِ هُنا نُكْتَةُ جَمْعِ الكَلامَيْنِ بَعْدَ تَفْرِيقِهِما ونُكْتَةُ التَّعْدادِ لِما فِيهِ إجْمالُ مَعْنى النِّعْمَةِ.

والنِّعْمَةُ هَنا مُرادٌ بِها جَمِيعُ النِّعَمِ لِأنَّهُ جِنْسٌ مُضافٌ فَلَهُ حُكْمُ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِيَ أيْ واذْكُرُوا تَفْضِيلِي إيّاكم عَلى العالَمِينَ وهَذا التَّفْضِيلُ نِعْمَةٌ خاصَّةٌ فَعَطْفُهُ عَلى نِعْمَتِي عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ وهو مَبْدَأٌ لِتَفْضِيلِ النِّعَمِ وتَعْدادِها ورُبَّما كانَ تَعْدادُ النِّعَمِ مُغْنِيًا عَنِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ والِامْتِثالِ لِأنَّ مِن طَبْعِ النُّفُوسِ الكَرِيمَةِ امْتِثالُ أمْرِ المُنْعِمِ لِأنَّ النِّعْمَةَ تُورِثُ المَحَبَّةَ. وقالَ مَنصُورٌ الوَرّاقُ:

تَعْصى الإلَهَ وأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ∗∗∗ هَذا لَعَمْرِي في القِياسِ بَدِيعُ

لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لَأطَعْتَهُ ∗∗∗ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ

وهَذا التَّذْكِيرُ مَقْصُودٌ بِهِ الحَثُّ عَلى الِاتِّسامِ بِما يُناسِبُ تِلْكَ النِّعْمَةَ ويَسْتَبْقِي ذَلِكَ الفَضْلَ.

ومَعْنى العالَمِينَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ …

Al-Baqara 2:47Listen in Qur'an →
48

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ عَطَفَ التَّحْذِيرَ عَلى التَّذْكِيرِ فَإنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِالنِّعْمَةِ وخاصَّةً تَفْضِيلُهم عَلى العالَمِينَ في زَمانِهِمْ وكانَ ذَلِكَ مَنشَأ غُرُورِهِمْ بِأنَّهُ تَفْضِيلٌ ذاتِيٌّ فَتَوَهَّمُوا أنَّ التَّقْصِيرَ في العَمَلِ الصّالِحِ لا يَضُرُّهم فَعَقَّبَ بِالتَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ.

والمُرادُ بِالتَّقْوى هُنا مَعْناها المُتَعارَفُ في اللُّغَةِ لا المَعْنى الشَّرْعِيُّ، وانْتِصابُ يَوْمًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ ولَيْسَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولِذَلِكَ لَمْ يُقْرَأْ بِغَيْرِ التَّنْوِينِ.

والمُرادُ بِاتِّقائِهِ اتِّقاؤُهُ مِن حَيْثُ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والعَذابِ فَهو مِن إطْلاقِ اسْمِ الزَّمانِ عَلى ما يَقَعُ فِيهِ كَما تَقُولُ مَكانٌ مَخُوفٌ.

وتُجْزى مُضارِعُ جَزى بِمَعْنى قَضى حَقًّا عَنْ غَيْرِهِ وهو مُتَعَدٍّ بِعَنْ إلى أحَدِ مَفْعُولَيْهِ فَيَكُونُ شَيْئًا مَفْعُولَهُ الأوَّلَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا إذا أُرِيدَ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ ويَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا.

صفحة ٤٨٥

وجُمْلَةُ لا تَجْزِي نَفْسٌ صِفَةٌ لِيَوْمًا وكانَ حَقُّ الجُمْلَةِ إذا كانَتْ خَبَرًا أوْ صِفَةً أوْ حالًا أوْ صِلَةً أنْ تَشْتَمِلَ عَلى ضَمِيرِ ما أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ، ويَكْثُرُ حَذْفُهُ إذا كانَ مَنصُوبًا أوْ ضَمِيرًا مَجْرُورًا فَيُحْذَفُ مَعَ جارِّهِ ولا سِيَّما إذا كانَ الجارُّ مَعْلُومًا لِكَوْنِ مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي في الجُمْلَةِ لا يَتَعَدّى إلّا بِجارٍّ مُعَيَّنٍ كَما هُنا تَقْدِيرُهُ فِيهِ وإنَّما جازَ حَذْفُهُ لِأنَّ المَحْذُوفَ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ مِنَ الكَلامِ وقَدْ يُحْذَفُ لِقَرِينَةٍ كَما في حَذْفِ ضَمِيرِ المَوْصُولِ إذا جُرَّ بِما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ. ونَظِيرُ هَذا الحَذْفِ قَوْلُ العُرْيانِ الجَرْمِيِّ مِن جِرْمِ طَيِّئٍ:

فَقُلْتُ لَها لا والَّذِي حَجَّ حاتِمٌ أخُونُكِ عَهْدًا إنَّنِي غَيْرُ خَوّانِ

تَقْدِيرُهُ حَجَّ حاتِمٌ إلَيْهِ.

وتَنْكِيرُ النَّفْسِ في المَوْضِعَيْنِ وهو في حَيِّزِ النَّفْيِ يُفِيدُ عُمُومَ النُّفُوسِ أيْ لا يَعْنِي أحَدًا كائِنًا مَن كانَ فَلا تُغْنِي عَنِ الكُفّارِ آلِهَتُهم ولا صُلَحاؤُهم عَلى اخْتِلافِ عَقائِدِهِمْ في غَناءِ أُولَئِكَ عَنْهم. فالمَقْصُودُ نَفْيُ غَنائِهِمْ عَنْهم بِأنْ يَحُولُوا بَيْنَهم وبَيْنَ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، أيْ نَفْيُ أنْ يَجْزُوا عَنْهم جَزاءً يَمْنَعُ اللَّهَ عَنْ نَوالِهِمْ بِسُوءٍ رَعْيًا لِأوْلِيائِهِمْ. فالمُرادُ هُنا الغَناءُ بِحُرْمَةِ الشَّخْصِ وتَوَقُّعُ غَضَبِهِ وهو غَناءُ كُفْءِ العَدُوِّ الَّذِي يَخافُهُ العَدُوُّ عَلى ما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ الأُمَمِ يَوْمَئِذٍ مِنَ اتِّقائِهِمْ بَطْشَ مَوْلى أعْدائِهِمْ وإحْجامِهِمْ عَمّا يُوجِبُ غَضَبَهُ تَقِيَّةً مِن مَكْرِهِ أوْ ضُرِّهِ أوْ حِرْمانِ نَفْعِهِ قالَ السَّمَوْءَلُ:

وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ

وقالَ العَنْبَرِيُّ:

لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو الشَّقِيقَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا

وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ مَفادَ قَوْلِهِ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ مُغايِرٌ لِمَفادِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ إلَخْ فَقَوْلُهُ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ هو بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] وقَوْلُهُ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ …

Al-Baqara 2:48Listen in Qur'an →
49

وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall] when We saved your forefathers from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

صفحة ٤٨٩

﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ نِعْمَتِيَ فَيُجْعَلُ إذْ مَفْعُولًا بِهِ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَهو هُنا اسْمُ زَمانٍ غَيْرُ ظَرْفٍ لِفِعْلٍ والتَّقْدِيرُ اذْكُرُوا وقْتَ نَجَّيْناكم، ولَمّا غَلَبَتْ إضافَةُ أسْماءِ الزَّمانِ إلى الجُمَلِ وكانَ مَعْنى الجُمْلَةِ بَعْدَها في مَعْنى المَصْدَرِ وكانَ التَّقْدِيرُ اذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا إيّاكم. وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الإتْيانِ بِالمَصْدَرِ الصَّرِيحِ لِأنَّ في الإتْيانِ بِإذِ المُقْتَضِيَةِ لِلْجُمْلَةِ اسْتِحْضارًا لِلتَّكْوِينِ العَجِيبِ المُسْتَفادِ مِن هَيْئَةِ الفِعْلِ لِأنَّ الذِّهْنَ إذا تَصَوَّرَ المَصْدَرَ لَمْ يَتَصَوَّرْ إلّا مَعْنى الحَدَثِ وإذا سَمِعَ الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلَيْهِ تَصَوَّرَ حُدُوثَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ ومُتَعَلِّقاتِهِ دُفْعَةً واحِدَةً فَنَشَأتْ مِن ذَلِكَ صُورَةٌ عَجِيبَةٌ. فَوِزانُ الإتْيانِ بِالمَصْدَرِ وِزانُ الِاسْتِعارَةِ المُفْرِدَةِ، ووِزانُ الإتْيانِ بِالفِعْلِ وِزانُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، ولَيْسَ هو عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ اذْكُرُوا كَما وقَعَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ لِأنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُ إذْ ظَرْفًا فَيَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا وهو لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ولا يُفِيدُهُ حَرْفُ العَطْفِ لِأنَّ العاطِفَ في عَطْفِ الجُمَلِ لا يُفِيدُ سِوى التَّشْرِيكِ في حُكْمِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، ولَيْسَ نائِبًا مَنابَ عامِلٍ، ولا يُرِيبُكَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أعْنِي وإذْ نَجَّيْناكم بِجُمْلَةِ واتَّقُوا يَوْمًا فَتَظُنُّهُ مَلْجَأً لِاعْتِبارِ العَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ لَمّا عَلِمْتَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ قَوْلَهُ واتَّقُوا ناشِئٌ عَنِ التَّذْكِيرِ فَهو مِن عَلائِقِ الكَلامِ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ النُّحاةِ ما يَقْتَضِي امْتِناعَ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالأجْنَبِيِّ فَإنَّ المُتَعاطِفَيْنَ لَيْسا بِمَرْتَبَةِ الِاتِّصالِ كالعامِلِ والمَعْمُولِ، وعَدّى فِعْلَ أنْجَيْنا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ التَّنْجِيَةَ إنَّما كانَتْ تَنْجِيَةَ أسْلافِهِمْ لِأنَّ تَنْجِيَةَ أسْلافِهِمْ تَنْجِيَةٌ لِلْخَلَفِ فَإنَّهُ لَوْ بَقِيَ أسْلافُهم في عَذابِ فِرْعَوْنَ لَكانَ ذَلِكَ لاحِقًا لِأخْلافِهِمْ فَلِذَلِكَ كانَتْ مِنَّةُ التَّنْجِيَةِ مِنَّتَيْنِ: مِنَّةٌ عَلى السَّلَفِ ومِنَّةٌ عَلى الخَلَفِ فَوَجَبَ شُكْرُها عَلى كُلِّ جِيلٍ مِنهم ولِذَلِكَ أوْجَبَتْ عَلَيْهِمْ شَرِيعَتُهُمُ الِاحْتِفالَ بِما يُقابِلُ أيّامَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ مِن أيّامِ كُلِّ سَنَةٍ وهي أعْيادُهم وقَدْ قالَ اللَّهُ لِمُوسى ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وآلُ الرَّجُلِ أهْلُهُ. وأصِلُ آلٍ أهْلٌ، قُلِبَتْ هاؤُهُ هَمْزَةً تَخْفِيفًا لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ مَدًّا. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ أصْلَهُ أهْلٌ رُجُوعُ الهاءِ في التَّصْغِيرِ إذْ قالُوا أُهَيْلٌ ولَمْ يُسْمَعْ أُوَيْلٌ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ.

صفحة ٤٩٠

والأهْلُ والآلُ يُرادُ بِهِ الأقارِبُ والعَشِيرَةُ والمَوالِي وخاصَّةً الإنْسانُ وأتْباعُهُ. والمُرادُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وزَعَتُهُ ووُكَلاؤُهُ، ويَخْتَصُّ الآلُ بِالإضافَةِ إلى ذِي شَأْنٍ وشَرَفٍ دُنْيَوِيٍّ مِمَّنْ يَعْقِلُ فَلا يُقالُ آلُ الجانِي ولا آلُ مَكَّةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ في الدُّنْيا عَظِيمًا وكانَ الخِطابُ مُتَعَلِّقًا …

Al-Baqara 2:49Listen in Qur'an →
50

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾

هَذا زِيادَةٌ في التَّفْصِيلِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى عَظِيمَةٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ بِها كانَ تَمامُ الإنْجاءِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وفِيها بَيانُ مِقْدارِ إكْرامِ اللَّهِ تَعالى لَهم ومُعْجِزَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ﴿فَرَقْنا﴾ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِواسِطَةِ الحَرْفِ جارٍ عَلى نَحْوِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ ﴿نَجَّيْناكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] إلى ضَمِيرِهِمْ كَما تَقَدَّمَ.

وفَرَقَ وفَرَّقَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ إذِ التَّشْدِيدُ يُفِيدُهُ تَعْدِيَةً ومَعْناهُ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ شَيْءٍ مُتَّصِلِ الأجْزاءِ، غَيْرَ أنَّ فَرَّقَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ التَّفْرِقَةِ وذَلِكَ إذا كانَتِ الأجْزاءُ المُفَرَّقَةُ أشَدَّ اتِّصالًا وقَدْ قِيلَ إنَّ فَرَّقَ لِلْأجْسامِ وفَرَقَ لِلْمَعانِي، نَقَلَهُ القَرافِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشايِخِهِ وهو غَيْرُ تامٍّ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فالوَجْهُ أنَّ فَرَّقَ بِالتَّشْدِيدِ لِما فِيهِ عِلاجٌ ومُحاوَلَةٌ وأنَّ المُخَفَّفَ والمُشَدَّدَ كِلَيْهِما حَقِيقَةٌ في فَصْلِ الأجْسامِ وأمّا في فَصْلِ المَعانِي المُلْتَبِسَةِ فَمَجازٌ. وقَدِ اتَّفَقَتِ القِراءاتُ المُتَواتِرَةُ العَشْرُ عَلى قِراءَةِ فَرَقْنا بِالتَّخْفِيفِ والتَّخْفِيفُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَكانَ ذَلِكَ الفَرْقُ الشَّدِيدُ خَفِيفًا.

وتَصْغُرُ في عَيْنِ العَظِيمِ العَظائِمُ و(ال) في البَحْرِ وهو البَحْرُ الَّذِي عَهِدُوهُ أعْنِي بَحْرَ القُلْزُمِ المُسَمّى اليَوْمَ بِالبَحْرِ الأحْمَرِ وسَمَّتْهُ التَّوْراةُ بَحْرَ سُوفٍ.

والباءُ في بِكم إمّا لِلْمُلابَسَةِ كَما في طارَتْ بِهِ العَنْقاءُ، وعَدا بِهِ الفَرَسُ. أيْ كانَ فَرْقُ البَحْرِ مُلابِسًا لَكم والمُرادُ مِنَ المُلابَسَةِ أنَّهُ يُفْرَقُ وهم يُدْخُلُونَهُ فَكانَ الفَرْقُ حاصِلًا بِجانِبِهِمْ. وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ كَوْنَ الباءِ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِكم يَعْنِي لِأجْلِكم.

والخِطابُ هُنا كالخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] وقَوْلُهُ ﴿فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ هو مَحَلُّ المِنَّةِ وذِكْرِ النِّعْمَةَ وهو نَجاتُهم مِنَ الهَلاكِ وهَلاكُ عَدُوِّهِمْ. قالَ الفَرَزْدَقُ:

صفحة ٤٩٥

كَيْفَ تَرانِي قالِيًا مِجَنِّي قَدْ قَتَلَ اللَّهُ زِيادًا عَنِّي

فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ تَمْهِيدًا لِلْمِنَّةِ لِأنَّهُ سَبَبُ الأمْرَيْنِ: النَّجاةِ والهَلاكِ وهو مَعَ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى ما حَدَثَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ مِن لِحاقِ جُنْدِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ لِمَنعِهِمْ مِن مُغادَرَةِ البِلادِ المِصْرِيَّةِ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا لَيْلًا إمّا بِإذْنٍ مِن فِرْعَوْنَ كَما تَقُولُ التَّوْراةُ في بَعْضِ المَواضِعِ، وإمّا خُفْيَةً كَما عَبَّرَتْ عَنْهُ التَّوْراةُ بِالهُرُوبِ، حَصَلَ لِفِرْعَوْنَ نَدَمٌ عَلى إطْلاقِهِمْ أوْ أغْراهُ بَعْضُ أعْوانِهِ بِصَدِّهِمْ عَنِ الخُرُوجِ لِما في خُرُوجِهِمْ مِن إضاعَةِ الأعْمالِ الَّتِي كانُوا يُسَخَّرُونَ فِيها أوْ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم سَلَكُوا غَيْرَ الطَّرِيقِ المَأْلُوفِ لِاجْتِيازِ مِصْرَ إلى الشّامِ ظَنَّهم يَرُومُونَ الِانْتِشارَ في بَعْضِ جِهاتِ مَمْلَكَتِهِ المِصْرِيَّةِ فَخَشِيَ شَرَّهم إنْ هم بَعُدُوا عَنْ مَرْكَزِ مُلْكِهِ ومُجْتَمَعِ قُوَّتِهِ وجُنْدِهِ.

إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ …

Al-Baqara 2:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.