Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 286

31

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] عَطَفَ حِكايَةَ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ عَلى حِكايَةِ الِاسْتِدْلالِ الإجْمالِيِّ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَإنَّ تَعْلِيمَ آدَمَ الأسْماءَ وإظْهارَ فَضِيلَتِهِ بِقَبُولِهِ لِهَذا التَّعْلِيمِ دُونَ المَلائِكَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ حُجَّةً عَلى قَوْلِهِ لَهم ﴿إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أيْ ما لا تَعْلَمُونَ مِن جَدارَةِ هَذا المَخْلُوقِ بِالخِلافَةِ في الأرْضِ، وعَطْفُ ذِكْرِ آدَمَ بَعْدَ ذِكْرِ مَقالَةِ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ وذِكْرِ مُحاوَرَتِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الخَلِيفَةَ هو آدَمُ وأنَّ آدَمَ اسْمٌ لِذَلِكَ الخَلِيفَةِ، وهَذا الأُسْلُوبُ مِن بَدِيعِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والإيجازِ كَما قالَ النّابِغَةُ:

فَقُلْتُ لَهم لا أعَرِفَنَّ عَقائِلًا رَعابِيبَ مِن جَنْبَيْ أرِيكٍ وعاقِلِ

الأبْياتِ ثُمَّ قالَ بَعْدَها:

وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي ∗∗∗ عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ

مَخافَةَ عَمْرٍو أنْ تَكُونَ جِيادُهُ ∗∗∗ يُقَدْنَ إلَيْنا بَيْنَ حافٍ وناعِلِ

فَدَلَّ عَلى أنَّ ما ذَكَرَهُ سالِفًا مِنَ العَقائِلِ الَّتِي بَيْنَ أُرِيكِ وعاقِلٍ، ومِنَ الأنْعامِ المُغْتَنَمَةِ هو ما يُتَوَقَّعُ مِن غَزْوِ عَمْرِو بْنِ الحَرْثِ الغَسّانِيِّ دِيارَ بَنِي عَوْفٍ مِن قَوْمِهِ.

صفحة ٤٠٨

”وآدَمُ“ اسْمُ الإنْسانِ الأوَّلِ أبِي البَشَرِ في لُغَةِ العَرَبِ وقِيلَ مَنقُولٌ مِنَ العِبْرانِيَّةِ لِأنَّ ”أداما“ بِالعِبْرانِيَّةِ بِمَعْنى الأرْضَ وهو قَرِيبٌ لِأنَّ التَّوْراةَ تَكَلَّمَتْ عَلى خَلْقِ آدَمَ وأطالَتْ في أحْوالِهِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ اسْمُ أبِي البَشَرِ قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ مِنَ اليَهُودِ وسَماعِ حِكايَتِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاسْمُ عُرِفَ عِنْدَ العَرَبِ والعِبْرانِيِّينَ مَعًا مِن أصْلِ اللُّغاتِ السّامِيَةِ فاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ فُرُوعُها. وقَدْ سُمِّيَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ بِهَذا الِاسْمِ آدَمَ ووَقَعَ في دائِرَةِ المَعارِفِ العَرَبِيَّةِ أنَّ آدَمَ سَمّى نَفْسَهُ إيشَ ”أيْ ذا مُقْتَنى“، وتَرْجَمَتُهُ إنْسانٌ أوْ قَرْءٌ. قُلْتُ: ولَعَلَّهُ تَحْرِيفُ إيثَ كَما سَتَعْلَمُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولِلْإنْسانِ الأوَّلِ أسْماءُ أُخَرُ في لُغاتِ الأُمَمِ، وقَدْ سَمّاهُ الفُرْسُ القُدَماءُ كَيُومِرْتَ بِفَتْحِ الكافِ في أوَّلِهِ وبِتاءٍ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ في آخِرِهِ، ويُسَمّى أيْضًا كَيامِرْتِنَ بِألَفٍ عِوَضَ الواوِ وبِكَسْرِ الرّاءِ وبَنُونٍ بَعْدَ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، قالُوا إنَّهُ مَكَثَ في الجَنَّةِ ثَلاثَةَ آلافِ سَنَّةٍ ثُمَّ هَبَطَ إلى الأرْضِ فَعاشَ في الأرْضِ ثَلاثَةَ آلافِ سَنَةٍ أُخْرى، واسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ آدَمُ كَما سُمِّيَ في التَّوْراةِ وانْتَقَلَ هَذا الِاسْمُ إلى اللُّغاتِ الإفْرَنْجِيَّةِ مِن كُتُبِ الدِّيانَةِ المَسِيحِيَّةِ فَسَمَّوْهُ ”آدامَ“ بِإشْباعِ الدّالِ، فَهو اسْمٌ عَلى وزْنِ فاعِلٍ صِيغَ كَذَلِكَ اعْتِباطًا، وقَدْ جُمِعَ عَلى ”أوادِمَ“ بِوَزْنِ فَواعِلَ كَما جُمِعَ خاتَمُ وهَذا الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، وجَعَلَ مُحاوَلَةَ اشْتِقاقِهِ كَمُحاوَلَةِ اشْتِقاقِ يَعْقُوبَ مِنَ العَقِبِ وإبْلِيسَ مِنَ الإبْلاسِ ونَحْوِ ذَلِكَ أيْ هي مُحاوَلَةٌ ضَئِيلَةٌ وهو الحَقُّ.

وقالَ الجَوْهَرِيُّ: أصْلُهُ أأْدَمُ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى وزْنِ أفْعَلُ مِنَ الأُدْمَةِ وهي لَوْنُ السُّمْرَةِ فَقُلِبَتْ ثانِيَةُ …

Al-Baqara 2:31Listen in Qur'an →
32

قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing, the Wise."

﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

جَرَّدَ (قالُوا) مِنَ الفاءِ لِأنَّهُ مُحاوَرَةٌ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] وافْتِتاحُ كَلامِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ وُقُوفٌ في مَقامِ الأدَبِ والتَّعْظِيمِ لِذِي العَظَمَةِ المُطْلَقَةِ، وسُبْحانَ اسْمُ التَّسْبِيحِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وهو اسْمُ مَصْدَرِ ”سَبَّحَ“ المُضاعَفِ ولَيْسَ مَصْدَرًا لِأنَّهُ لَمْ يَجِئْ عَلى أبْنِيَةِ مَصادِرِ الرُّباعِيِّ، وقِيلَ: هو مَصْدَرُ سَبَحَ مُخَفَّفًا

صفحة ٤١٤

بِمَعْنى نَزَّهَ فَيَكُونُ كالغُفْرانِ والشُّكْرانِ والكُفْرانِ مِن غَفَرَ وشَكَرَ وكَفَرَ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ كَمَعاذَ اللَّهِ، وقَدْ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ نادِرًا قالَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ذا السُّبْحانِ وكَأنَّهم لَمّا خَصَّصُوهُ في الِاسْتِعْمالِ بِجَعْلِهِ كالعَلَمِ عَلى التَّنْزِيهِ عَدَلُوا عَنْ قِياسِ اشْتِقاقِهِ فَصارَ سُبْحانَ كالعَلَمِ الجِنْسِيِّ مِثْلَ ”بَرَّةَ وفَجارِ“ بِكَسْرِ الرّاءِ في قَوْلِ النّابِغَةِ:

فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ

ومَنَعُوهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ قالَ سِيبَوَيْهِ وأمّا تَرْكُ تَنْوِينِ سُبْحانَ فَلِأنَّهُ صارَ عِنْدَهم مَعْرِفَةً، وقَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ خَبَرٌ مُرادٌ مِنهُ الِاعْتِرافُ بِالعَجْزِ لا الإخْبارُ عَنْ حالِهِمْ لِأنَّهم يُوقِنُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم. ولا أنَّهم قَصَدُوا لازِمَ الفائِدَةِ وهي أنَّ المُخْبِرَ عالِمٌ بِالخَبَرِ فَتَعَيَّنَ أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في الِاعْتِرافِ. ثُمَّ إنَّ كَلامَهم هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عُلُومَهم مَحْدُودَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلزِّيادَةِ فَهي مَقْصُورَةٌ عَلى ما ألْهَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى وما يَأْمُرُهم فَلِلْمَلائِكَةِ عِلْمُ قَبُولِ المَعانِي لا عِلْمُ اسْتِنْباطِها.

وفِي تَصْدِيرِ كَلامِهِمْ بِسُبْحانَكَ إيماءٌ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ مُراجَعَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] فَهو افْتِتاحٌ مِن قَبِيلِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ عَنِ الِاعْتِذارِ. والِاعْتِذارُ وإنْ كانَ يَحْصُلُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ لَكِنَّ حُصُولَ ذَلِكَ مِنهُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ دُونَ التَّصْرِيحِ، ويَحْصُلُ آخِرُ الِابْتِداءِ، فَكانَ افْتِتاحُ كَلامِهِمْ بِالتَّنْزِيهِ تَعْجِيلًا بِما يَدُلُّ عَلى مُلازَمَةِ جانِبِ الأدَبِ العَظِيمِ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ساقُوهُ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا لِأنَّ المُحِيطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ المُحْكِمَ لِكُلِّ خَلْقٍ إذا لَمْ يَجْعَلْ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ سَبِيلًا إلى عِلْمِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لَهم قِبَلٌ بِعِلْمِهِ إذِ الحُصُولُ بِقَدْرِ القَبُولِ والِاسْتِعْدادِ؛ أيْ فَلا مَطْمَعَ لَنا في تَجاوُزِ العِلْمِ إلى ما لَمْ تُهَيِّئْ لَنا عِلْمَهُ بِحَسْبَ فِطْرَتِنا. والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ مَسُوقٌ لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَ مُجَرَّدَ ثَناءٍ، هو تَصْدِيرُهُ بِإنَّ في غَيْرِ رَدِّ إنْكارٍ ولا تَرَدُّدٍ.

قالَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ: ومِن شَأْنِ ”إنَّ“ إذا جاءَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْ أنْ تَقَعَ إثْرَ كَلامٍ وتَكُونُ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ أنْ تُغْنِيَ غَناءَ الفاءِ العاطِفَةِ مَثَلًا وأنْ تُفِيدَ مِن رَبْطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها أمْرًا …

Al-Baqara 2:32Listen in Qur'an →
33

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾

لَمّا دَخَلَ هَذا القَوْلُ في جُمْلَةِ المُحاوَرَةِ جُرِّدَتِ الجُمْلَةُ مِنَ الفاءِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ إقْبالًا بِالخِطابِ عَلى غَيْرِ المُخاطَبِينَ بِالأقْوالِ الَّتِي قَبْلَهُ فَهو بِمَثابَةِ خِطابٍ لَهم لِأنَّ المَقْصُودَ مِن خِطابِ آدَمَ بِذَلِكَ أنْ يُظْهِرَ عَقِبَهُ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ في العِلْمِ مِن هاتِهِ النّاحِيَةِ فَكانَ

صفحة ٤١٧

الخِطابُ بِمَنزِلَةِ أنْ يَكُونَ مَسُوقًا إلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وابْتِداءُ خِطابِ آدَمَ بِنِدائِهِ - مَعَ أنَّهُ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْ سَماعِ الأمْرِ الإلَهِيِّ - لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ آدَمَ وإظْهارِ اسْمِهِ في المَلَأِ الأعْلى حَتّى يَنالَ حُسْنَ السُّمْعَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكْرِيمِ عِنْدَ الآمِرِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الآمِرِ والمُخاطِبِ - بِالكَسْرِ - إذا تَلَطَّفَ مَعَ المُخاطَبِ - بِالفَتْحِ - أنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ ولا يَقْتَصِرَ عَلى ضَمِيرِ الخِطابِ حَتّى لا يُساوِيَ بِخِطابِهِ كُلَّ خِطابٍ، ومِنهُ ما جاءَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ بَعْدَ ذِكْرِ سُجُودِ النَّبِيءِ وحَمْدِهِ اللَّهَ بِمَحامِدَ يُلْهِمُهُ إيّاها فَيَقُولُ «يا مُحَمَّدُ ”ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» “ وهَذِهِ نُكْتَةُ ذِكْرِ الِاسْمِ حَتّى في أثْناءِ المُخاطَبَةِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

أفاطِمُ مَهْلًا بَعْضَ هَذا التَّدَلُّلِ

ورُبَّما جَعَلُوا النِّداءَ طَرِيقًا إلى إحْضارِ اسْمِهِ الظّاهِرِ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ لِإحْضارِهِ عِنْدَ المُخاطَبَةِ إلّا بِواسِطَةِ النِّداءِ، فالنِّداءُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ المَجازِيِّ.

* * *

﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾

الإنْباءُ إخْبارُهم بِالأسْماءِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ المُخْبَرَ بِهِ شَيْءٌ مُهِمٌّ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالإضافَةِ ضَمِيرُ المُسَمَّياتِ مِثْلُ ضَمِيرِ (عَرَضَهم)، وفي إجْرائِهِ عَلى صِيغَةِ ضَمائِرِ العُقَلاءِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ [البقرة: ٣١] . وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ في أنْبَأ لِآدَمَ وفي قالَ ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِفاعِلِهِ اسْمًا ظاهِرًا مَعَ أنَّهُ جَرى عَلى غَيْرِ مَن هَوَ لَهُ أيْ جاءَ عَقِبَ ضَمائِرِ آدَمَ في قَوْلِهِ ﴿أنْبِئْهُمْ﴾ و﴿أنْبَأهُمْ﴾ لِأنَّ السِّياقَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ مِن مِثْلِ آدَمَ.

* * *

﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾

جَوابُ لَمّا، والقائِلُ هو اللَّهُ تَعالى وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وعادَتْ إلَيْهِ ضَمائِرُ (قالَ إنِّيَ أعْلَمُ) و(عَلَّمَ) و(عَرَضَهم) وما قَبْلَهُ مِنَ الضَّمائِرِ وهو تَذْكِيرٌ لَهم بِقَوْلِهِ لَهم في أوَّلِ المُحاوَرَةِ ﴿إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وذَلِكَ القَوْلُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ﴿أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾

صفحة ٤١٨

صَراحَةً إلّا أنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ لِأنَّ عُمُومَ ما (لا تَعْلَمُونَ) يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ هُنا ﴿إنِّيَ أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَيانًا لِما أُجْمِلَ في القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّهُ يُساوِيهِ ماصَدَقًا لِأنَّ (ما لا تَعْلَمُونَ) هو غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَدْ زادَ البَيانُ هُنا عَلى المُبَيَّنِ بِقَوْلِهِ:

* * *

﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾

وإنَّما جِيءَ بِالإجْمالِ قَبْلَ ظُهُورِ البُرْهانِ وجِيءَ بِالتَّفْصِيلِ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَلى طَرِيقَةِ الحِجاجِ …

Al-Baqara 2:33Listen in Qur'an →
34

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وإعادَةُ إذْ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ المُغْنِي عَنْ إعادَةِ ظَرْفِهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَقْصُودَةٌ بِذاتِها لِأنَّها مُتَمَيِّزَةٌ بِهَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ فَجاءَتْ عَلى أُسْلُوبٍ يُؤْذِنُ بِالِاسْتِقْلالِ والِاهْتِمامِ، ولِأجْلِ هَذِهِ المُراعاةِ لَمْ يُؤْتَ بِهَذِهِ القِصَّةِ مَعْطُوفَةً بِفاءِ التَّفْرِيعِ فَيَقُولُ فَقُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وإنْ كانَ مَضْمُونُها في الواقِعِ مُتَفَرِّعًا عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّ أمْرَهم بِالسُّجُودِ لِآدَمَ ما كانَ إلّا لِأجْلِ ظُهُورِ مَزِيَّتِهِ عَلَيْهِمْ إذْ عَلِمَ ما لَمْ يَعْلَمُوهُ، وذَلِكَ ما اقْتَضاهُ تَرْتِيبُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ بَعْضِها بَعْدَ بَعْضٍ ابْتِداءً مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما طَرَأ بَعْدَهُ مِن أطْوارِ أُصُولِ العامِرِينِ الأرْضَ وما بَيْنَها وبَيْنَ السَّماءِ فَإنَّ الأصْلَ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نَظْمِهِ جارِيًا عَلى تَرْتِيبِ حُصُولِ مَدْلُولاتِهِ في الخارِجِ ما لَمْ تَنْصَبَّ قَرِينَةٌ عَلى مُخالَفَةِ ذَلِكَ.

ولا يَرِيبُكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] لِأنَّ تِلْكَ حَكَتِ القِصَّةَ بِإجْمالٍ فَطَوَتْ أنْباءَها طَيًّا جاءَ تَبْيِينُهُ في ما تَكَرَّرَ مِنها في آياتٍ أُخْرى وأوْضَحُها أيَّةُ البَقَرَةِ لِاقْتِضاءِ الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّ فَضِيلَةَ آدَمَ لَمْ تَظْهَرْ لِلْمَلائِكَةِ إلّا بَعْدَ تَعْلِيمِهِ الأسْماءَ وعَرْضِها عَلَيْهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الإنْباءِ بِها وأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتَرَقِّبِينَ بَيانَ ما يَكْشِفُ ظَنَّهم بِآدَمَ أنْ يَكُونَ مُفْسِدًا في الأرْضِ بَعْدَ أنْ لازَمُوا جانِبَ التَّوَقُّفِ لِما قالَ اللَّهُ لَهم (﴿إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]) فَكانَ إنْباءُ آدَمَ بِالأسْماءِ عِنْدَ عَجْزِهِمْ عَنِ الإنْباءِ بِها بَيانًا لِكَشْفِ شُبْهَتِهِمْ فاسْتَحَقُّوا أنْ يَأْتُوا بِما فِيهِ مَعْذِرَةٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحَقِّهِ.

صفحة ٤٢١

وقَدْ أُرِيدَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ إظْهارُ مَزِيَّةِ نَوْعِ الإنْسانِ وأنَّ اللَّهَ يَخُصُّ أجْناسَ مَخْلُوقاتِهِ وأنْواعَها بِما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ مِنَ الخَصائِصِ والمَزايا لِئَلّا يَخْلُوَ شَيْءٌ مِنها عَنْ فائِدَةٍ مِن وُجُودِهِ في هَذا العالَمِ وإظْهارِ فَضِيلَةِ المَعْرِفَةِ، وبَيانِ أنَّ العالِمَ حَقِيقٌ بِتَعْظِيمِ مَن حَوْلَهُ إيّاهُ، وإظْهارِ ما لِلنُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ الشَّيْطانِيَّةِ مِنَ الخَبَثِ والفَسادِ، وبَيانُ أنَّ الِاعْتِرافَ بِالحَقِّ مِن خِصالِ الفَضائِلِ المَلائِكِيَّةِ، وأنَّ الفَسادَ والحَسَدَ والكِبْرَ مِن مَذامِّ ذَوِي العُقُولِ.

والقَوْلُ في إعْرابِ إذْ كالقَوْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وإظْهارُ لَفْظِ المَلائِكَةِ ولَفْظِ آدَمَ هُنا دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرَيْهِما كَما في قَوْلِهِ (قالُوا سُبْحانَكَ) وقَوْلِهِ (﴿فَلَمّا أنْبَأهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣]) لِتَكُونَ القِصَّةُ المَعْطُوفَةُ مَعْنُونَةً بِمِثْلِ عُنْوانِ القِصَّةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها إشارَةً إلى جَدارَةِ المَعْطُوفَةِ بِأنْ تَكُونَ قِصَّةً مَقْصُودَةً …

Al-Baqara 2:34Listen in Qur'an →
35

وَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

صفحة ٤٢٨

﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] أيْ بَعْدَ أنِ انْقَضى ذَلِكَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وهَذِهِ تَكْرِمَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ بِها آدَمَ بَعْدَ أنْ أكْرَمَهُ بِكَرامَةِ الإجْلالِ مِن تِلْقاءِ المَلائِكَةِ.

ونِداءُ آدَمَ قَبْلَ تَخْوِيلِهِ سُكْنى الجَنَّةِ نِداءُ تَنْوِيهٍ بِذِكْرِ اسْمِهِ بَيْنَ المَلَأِ الأعْلى لِأنَّ نِداءَهُ يَسْتَرْعِي إسْماعَ أهْلِ المَلَأِ الأعْلى فَيَتَطَلَّعُونَ لِما سَيُخاطَبُ بِهِ، ويُنْتَزَعُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العالِمَ جَدِيرٌ بِالإكْرامِ بِالعَيْشِ الهَنِيءِ، كَما أُخِذَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها أنَّهُ جَدِيرٌ بِالتَّعْظِيمِ، والأمْرُ بِقَوْلِهِ (اسْكُنْ) مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ بِالتَّمْكِينِ والتَّخْوِيلِ ولَيْسَ أمْرًا لَهُ بِأنْ يَسْعى بِنَفْسِهِ لِسُكْنى الجَنَّةِ إذْ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ السَّعْيِ فَلا يُكَلَّفُ بِهِ.

وضَمِيرُ (أنْتَ) واقِعٌ لِأجْلِ عَطْفِ (وزَوْجُكَ) عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (اسْكُنْ) وهو اسْتِعْمالُ العَرَبِيَّةِ عِنْدَ عَطْفِ اسْمٍ عَلى ضَمِيرٍ مُتَّصِلٍ مَرْفُوعِ المَحَلِّ لا يَكادُونَ يَتْرُكُونَهُ، يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ زِيادَةَ إيضاحِ المَعْطُوفِ فَتَحْصُلُ فائِدَةُ تَقْرِيرِ مَدْلُولِ المَعْطُوفِ لِئَلّا يَكُونَ تابِعَةُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أبْرَزَ مِنهُ في الكَلامِ، فَلَيْسَ الفَصْلُ بِمِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ مُقَيَّدًا تَأْكِيدًا لِلنِّسْبَةِ لِأنَّ الإتْيانَ بِالضَّمِيرِ لازِمٌ لا خِيرَةَ لِلْمُتَكَلِّمِ فِيهِ فَلا يَكُونُ مُقْتَضى حالٍ ولا يَعْرِفُ السّامِعُ أنَّ المُتَكَلِّمَ مُرِيدٌ بِهِ تَأْكِيدًا ولَكِنَّهُ لا يَخْلُو مِن حُصُولِ تَقْرِيرِ مَعْنى المُضْمَرِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ، وأنْتَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ.

والزَّوْجُ كُلُّ شَيْءٍ ثانٍ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ بَيْنَهُما تَقارُنٌ، في حالٍ ما. ويَظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ لِأنَّ جَمِيعَ تَصارِيفِهِ في الكَلامِ مُلاحَظٌ فِيها مَعْنى كَوْنِهِ ثانِيَ اثْنَيْنِ أوْ مُماثِلَ غَيْرِهِ. فَكُلُّ واحِدٍ مِنِ اثْنَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ في حالٍ ما يُسَمّى زَوْجًا لِلْآخَرِ، قالَ تَعالى (﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠]) أيْ يَجْعَلُ لِأحَدِ الطِّفْلَيْنِ زَوْجًا لَهُ أيْ سِواهُ مِن غَيْرِ صِنْفِهِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا الِاسْتِعْمالِ اسْتِعْمالُ لَفْظِ شَفْعٍ. وسُمِّيَتِ الأُنْثى القَرِينَةُ لِلرَّجُلِ بِنِكاحٍ زَوْجًا لِأنَّها اقْتَرَنَتْ بِهِ وصَيَّرَتْهُ ثانِيًا، ويُسَمّى الرَّجُلُ زَوْجًا لَها لِذَلِكَ بِلا فَرْقٍ، فَمِن ثَمَّ لا يُقالُ لِلْمَرْأةِ زَوْجَةً بِهاءِ تَأْنِيثٍ لِأنَّهُ اسْمٌ ولَيْسَ بِوَصْفٍ. وقَدْ لَحَّنُوا الفَرَزْدَقَ في قَوْلِهِ:

صفحة ٤٢٩

وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرى يَسْتَبِيلُها

وتَسامَحَ الفُقَهاءُ في إلْحاقِ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِلزَّوْجِ إذا أرادُوا بِهِ امْرَأةَ الرَّجُلِ لِقَصْدِ نَفْيِ الِالتِباسِ في تَقْرِيرِ الأحْكامِ في كُتُبِهِمْ في مِثْلِ قَوْلِهِمُ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، أوِ القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ وهو صَنِيعٌ حَسَنٌ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحَدِّثُ إحْدى نِسائِهِ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعاهُ يا فُلانٌ فَجاءَ فَقالَ لَهُ هَذِهِ زَوْجَتَيْ فُلانَةٌ» الحَدِيثَ، فَقَوْلُهُ زَوْجَتِي بِالتّاءِ …

Al-Baqara 2:35Listen in Qur'an →
36

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ ولا تَقْرَبا وحَقُّها إفادَةُ التَّعْقِيبِ فَيَكُونُ التَّعْقِيبُ عُرْفِيًّا لِأنَّ وُقُوعَ الإزْلالِ كانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ هي بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَّةِ المُرادَةِ مِن سُكْنى الجَنَّةِ كالأمَدِ القَلِيلِ. والأحْسَنُ جَعْلُ الفاءِ لِلتَّفْرِيعِ مُجَرَّدَةً عَنِ التَّعْقِيبِ.

والإزْلالُ: جَعْلُ الغَيْرِ زالًّا أيْ قائِمًا بِهِ الزَّلَلُ وهو كالزَّلَقِ أنْ تَسِيرَ الرِّجْلانِ عَلى الأرْضِ بِدُونِ اخْتِيارٍ لِارْتِخاءِ الأرْضِ بِطِينٍ ونَحْوِهِ، أيْ ذاهِبَةً رِجْلاهُ بِدُونِ إرادَةٍ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ في صُدُورِ الخَطِيئَةِ والغَلَطِ المُضِرِّ ومِنهُ سُمِّي العِصْيانُ ونَحْوُهُ الزَّلَلَ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (عَنْها) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الشَّجَرَةِ لِأنَّها أقْرَبُ ولِيَتَبَيَّنَ سَبَبُ الزَّلَّةِ وسَبَبُ الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلِ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الشَّجَرَةِ لَخَلَتِ القِصَّةُ عَنْ ذِكْرِ سَبَبِ الخُرُوجِ. و(عَنْ) في أصْلِ مَعْناها أيْ أزَلَّهُما إزْلالًا ناشِئًا عَنِ الشَّجَرَةِ أيْ عَنِ الأكْلِ مِنها، وتَقْدِيرُ المُضافِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]) ولَيْسَتْ (عَنْ) لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَن ذَكَرَ السَّبَبِيَّةَ أرادَ حاصِلَ المَعْنى كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] أنَّ مَعْناهُ وما يَنْطِقُ بِالهَوى فَقالَ الرَّضِيُّ: الأوْلى أنَّ (عَنْ) بِمَعْناها وأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ نُطْقًا صادِرًا عَنِ الهَوى. ويَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْجَنَّةِ وتَكُونُ (عَنْ) عَلى ظاهِرِها والإزْلالُ مَجازًا في الإخْراجِ بِكُرْهٍ والمُرادُ مِنهُ الهُبُوطُ مِنَ الجَنَّةِ مُكْرَهَيْنِ كَمَن يُزَلُّ عَنْ مَوْقِفِهِ فَيَسْقُطُ كَقَوْلِهِ: وكَمْ مَنزِلٍ لَوْلايَ طِحْتَ.

وقَوْلُهُ (﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا﴾) فِيهِ تَفْرِيعٌ عَنِ الإزْلالِ بِناءً عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّجَرَةِ

صفحة ٤٣٤

والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ التَّعْظِيمُ، كَقَوْلِهِمْ: قَدْ كانَ ما كانَ، فَإنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ عَنْها عائِدًا إلى الجَنَّةِ كانَ هَذا التَّفْرِيعُ تَفْرِيعَ المُفَصَّلِ عَنِ المُجْمَلِ وكانَتِ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ المُجَرَّدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] وقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] أمّا دَلالَةُ المَوْصُولِ عَنِ التَّعْظِيمِ فَهي هي. وقَرَأ حَمْزَةُ ”فَأزالَهُما“ بِألْفٍ بَعْدِ الزّايِ وهو مِنَ الإزالَةِ بِمَعْنى الإبْعادِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (عَنْها) عائِدًا إلى الجَنَّةِ لا إلى الشَّجَرَةِ. وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ مَن خَرَجَ مِنَ الجَنَّةِ فَقَدْ خَرَجَ مِمّا كانَ فِيهِ إحْضارًا لِهَذِهِ الخَسارَةِ العَظِيمَةِ في ذِهْنِ السّامِعِينَ حَتّى لا تَكُونَ اسْتِفادَتُها بِدَلالَةِ الِالتِزامِ خاصَّةً فَإنَّها دَلالَةٌ قَدْ تَخْفى فَكانَتْ إعادَتُهُ في هَذِهِ الصِّلَةِ بِمُرادِفِهِ كَإعادَتِهِ بِلَفْظِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وتُفِيدُ الآيَةُ إثارَةَ الحَسْرَةِ في نُفُوسِ بَنِي آدَمَ عَلى ما أصابَ آدَمَ مِن جَرّاءِ عَدَمِ …

Al-Baqara 2:36Listen in Qur'an →
37

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Then Adam received from his Lord [some] words, and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of repentance, the Merciful.

﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

جاءَ بِالفاءِ إيذانًا بِمُبادَرَةِ آدَمَ بِطَلَبِ العَفْوِ.

والتَّلَقِّي اسْتِقْبالُ إكْرامٍ ومَسَرَّةٍ، قالَ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ووَجْهُ دَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ صِيغَةُ ”تَفَعَّلَ“ مَن لَقِيَهُ وهي دالَّةٌ عَلى التَّكَلُّفِ لِحُصُولِهِ وتَطَلُّبِهِ وإنَّما يُتَكَلَّفُ ويُتَطَلَّبُ لِقاءُ الأمْرِ المَحْبُوبِ، بِخِلافِ لاقى، فَلا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُلاقى مَحْبُوبًا بَلْ تَقُولُ: لاقى العَدْوَ، واللِّقاءُ الحُضُورُ نَحْوُ الغَيْرِ بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ وفي خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥] الآيَةَ فالتَّعْبِيرُ بِتَلَقّى هُنا مُؤَذِنٌ بِأنَّ الكَلِماتِ الَّتِي أخَذَها آدَمُ كَلِماتٌ نافِعَةٌ لَهُ فَعُلِمَ أنَّها لَيْسَتْ كَلِماتِ زَجْرٍ وتَوْبِيخٍ بَلْ كَلِماتُ عَفْوٍ ومَغْفِرَةٍ ورِضًا، وهي إمّا كَلِماتٌ لُقِّنَها آدَمُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِيَقُولَها طالِبًا المَغْفِرَةَ وإمّا كَلِماتُ إعْلامٍ مِنَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ عَفا عَنْهُ بَعْدَ أنْ أهْبِطَهُ مِنَ الجَنَّةِ اكْتِفاءً بِذَلِكَ في العُقُوبَةِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّها كَلِماتُ عَفْوٍ عَطْفُ (فَتابَ عَلَيْهِ) بِالفاءِ إذْ لَوْ كانَتْ كَلِماتِ تَوْبِيخٍ لَما صَحَّ التَّسَبُّبُ، وتَلَقِّي آدَمَ لِلْكَلِماتِ إمّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ

صفحة ٤٣٨

أوِ الإلْهامِ ولَهم في تَعْيِينِ هَذِهِ الكَلِماتِ رِواياتٌ أعْرَضْنا عَنْها لِقِلَّةِ جَدْوى الِاشْتِغالِ بِذَلِكَ، فَقَدْ قالَ آدَمُ الكَلِماتِ فَتِيبَ عَلَيْهِ فَلْنَهْتَمَّ نَحْنُ بِما يَنْفَعُنا مِنَ الكَلامِ الصّالِحِ والفِعْلِ الصّالِحِ.

ولَمْ تُذْكَرْ تَوْبَةُ حَوّاءَ هُنا مَعَ أنَّها مَذْكُورَةٌ في مَواضِعَ أُخْرى نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] لِظُهُورِ أنَّها تَتْبَعُهُ في سائِرِ أحْوالِهِ وأنَّهُ أرْشَدَها إلى ما أُرْشِدَ إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الكَلامَ جَرى عَلى الِابْتِداءِ بِتَكْرِيمِ آدَمَ وجَعْلِهِ في الأرْضِ خَلِيفَةً فَكانَ الِاعْتِناءُ بِذِكْرِ تَقَلُّباتِهِ هو الغَرَضَ المَقْصُودَ، وأصْلُ مَعْنى تابَ رَجَعَ ونَظِيرُهُ ثابَ بِالمُثَلَّثَةِ، ولَمّا كانَتِ التَّوْبَةُ رُجُوعًا مِنَ التّائِبِ إلى الطّاعَةِ ونَبْذًا لِلْعِصْيانِ، وكانَ قَبُولُها رُجُوعًا مِنَ المَتُوبِ إلَيْهِ إلى الرِّضا وحُسْنِ المُعامَلَةِ وُصِفَ بِذَلِكَ رُجُوعُ العاصِي عَنِ العِصْيانِ ورُجُوعُ المَعْصِيِّ عَنِ العِقابِ فَقالُوا تابَ فُلانٌ لِفُلانٍ فَتابَ عَلَيْهِ لِأنَّهم ضَمَّنُوا الثّانِيَ مَعْنى عَطْفٍ ورَضًى، فاخْتِلافُ مُفادَيْ هَذا الفِعْلِ بِاخْتِلافِ الحَرْفِ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ وكانَ أصْلُهُ مَبْنِيًّا عَلى المُشاكَلَةِ. والتَّوْبَةُ تَتَرَكَّبُ مِن عِلْمٍ وحالٍ وعَمَلٍ فالعِلْمُ هو مَعْرِفَةُ الذَّنَبِ، والحالُ هو تَألُّمُ النَّفْسِ مِن ذَلِكَ الضَّرَرِ ويُسَمّى نَدَمًا، والعَمَلُ هو التَّرْكُ لِلْإثْمِ وتَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكَهُ وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّوْبَةِ وأمّا النَّدَمُ فَهو الباعِثُ عَلى العَمَلِ ولِذَلِكَ ورَدَ في الحَدِيثِ «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» قالَهُ الغَزالِيُّ. قُلْتُ: أيْ لِأنَّهُ سَبَبُها ضَرُورَةً أنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ لِأنَّ أحَدَ الجُزْءَيْنِ غَيْرُ مَعْرِفَةٍ.

ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِـ (تابَ عَلَيْهِ) هُنا مُشْعِرٌ بِأنَّ أكْلَ آدَمَ مِنَ الشَّجَرَةِ خَطِيئَةٌ وإثْمٌ، غَيْرَ أنَّ الخَطِيئَةَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا عَلَيْها …

Al-Baqara 2:37Listen in Qur'an →
38

قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

صفحة ٤٤٠

﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

كُرِّرَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾ فاحْتَمَلَ تَكْرِيرُها أنْ يَكُونَ لِأجْلِ رَبْطِ النَّظْمِ في الآيَةِ القُرْآنِيَّةِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى تَكْرِيرِ مَعْناها في الكَلامِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ آدَمُ فَيَكُونُ هَذا التَّكْرِيرُ لِمُجَرَّدِ اتِّصالِ ما تَعَلَّقَ بِمَدْلُولِ (وقُلْنا اهْبِطُوا) وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وقَوْلُهُ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ إذْ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ ما اعْتَرَضَ بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] فَإنَّهُ لَوْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ لَمْ يَرْتَبِطْ كَمالَ الِارْتِباطِ، ولَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ أُعِيدَ قَوْلُهُ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾ فَهو قَوْلٌ واحِدٌ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ لِرَبْطِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفُ (قُلْنا) لِأنَّ بَيْنَهُما شِبْهَ كَمالِ الِاتِّصالِ لِتَنَزُّلِ قَوْلِهِ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] مَنزِلَةَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ الآيَةَ وهو مُغايِرٌ لِما بُنِيَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] لِيَحْصُلَ شَيْءٌ مِن تَجَدُّدِ فائِدَةٍ في الكَلامِ لِكَيْ لا يَكُونَ إعادَةُ (اهْبِطُوا) مُجَرَّدَ تَوْكِيدٍ، ويُسَمّى هَذا الأُسْلُوبُ في عِلْمِ البَدِيعِ بِالتَّرْدِيدِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وإفادَتُهُ التَّأْكِيدَ حاصِلَةٌ بِمُجَرَّدِ إعادَةِ اللَّفْظِ. وقِيلَ هو أمْرٌ ثانٍ بِالهُبُوطِ بِأنْ أُهْبِطَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا بِالأمْرِ الأوَّلِ ثُمَّ أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ، فَتَكُونُ إعادَةُ (قُلْنا اهْبِطُوا) لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ زَمَنِ القَوْلَيْنِ والهُبُوطِ، وهو تَأْوِيلٌ يُفِيدُ أنَّ المَراحِلَ والمَسافاتِ لا عِبْرَةَ بِها عِنْدَ المُسافِرِ ولِأنَّ ضَمِيرَ (مِنها) المُتَعَيَّنَ لِلْعَوْدِ إلى الجَنَّةِ لِتَنْسِيقِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥]

صفحة ٤٤١

وقَوْلِهِ ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] مانِعٌ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ (اهْبِطُوا) مِنَ السَّماءِ جَمِيعًا إذْ لَمْ يَسْبِقْ مَعادٌ لِلسَّماءِ فالوَجْهُ عِنْدِي عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ إعادَةُ (اهْبِطُوا) الثّانِي لِغَيْرِ رَبْطِ نَظْمِ الكَلامِ أنْ تَكُونَ لِحِكايَةِ أمْرٍ ثانٍ لِآدَمَ بِالهُبُوطِ كَيْلا يَظُنَّ أنَّ تَوْبَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ ورِضاهُ عَنْهُ عِنْدَ مُبادَرَتِهِ بِالتَّوْبَةِ عَقِبَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ قَدْ أوْجَبَتِ العَفْوَ عَنْهُ مِنَ الهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ فَأعادَ لَهُ الأمْرَ بِالهُبُوطِ بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِيَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى وطَوْرٌ مِنَ الأطْوارِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى مِن جَعْلِهِ خَلِيفَةً في الأرْضِ وهو …

Al-Baqara 2:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

صفحة ٤٤٠

﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

كُرِّرَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾ فاحْتَمَلَ تَكْرِيرُها أنْ يَكُونَ لِأجْلِ رَبْطِ النَّظْمِ في الآيَةِ القُرْآنِيَّةِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى تَكْرِيرِ مَعْناها في الكَلامِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ آدَمُ فَيَكُونُ هَذا التَّكْرِيرُ لِمُجَرَّدِ اتِّصالِ ما تَعَلَّقَ بِمَدْلُولِ (وقُلْنا اهْبِطُوا) وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وقَوْلُهُ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ إذْ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ ما اعْتَرَضَ بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] فَإنَّهُ لَوْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ لَمْ يَرْتَبِطْ كَمالَ الِارْتِباطِ، ولَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ أُعِيدَ قَوْلُهُ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا﴾ فَهو قَوْلٌ واحِدٌ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ لِرَبْطِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفُ (قُلْنا) لِأنَّ بَيْنَهُما شِبْهَ كَمالِ الِاتِّصالِ لِتَنَزُّلِ قَوْلِهِ ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] مَنزِلَةَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ الآيَةَ وهو مُغايِرٌ لِما بُنِيَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] لِيَحْصُلَ شَيْءٌ مِن تَجَدُّدِ فائِدَةٍ في الكَلامِ لِكَيْ لا يَكُونَ إعادَةُ (اهْبِطُوا) مُجَرَّدَ تَوْكِيدٍ، ويُسَمّى هَذا الأُسْلُوبُ في عِلْمِ البَدِيعِ بِالتَّرْدِيدِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وإفادَتُهُ التَّأْكِيدَ حاصِلَةٌ بِمُجَرَّدِ إعادَةِ اللَّفْظِ. وقِيلَ هو أمْرٌ ثانٍ بِالهُبُوطِ بِأنْ أُهْبِطَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا بِالأمْرِ الأوَّلِ ثُمَّ أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ، فَتَكُونُ إعادَةُ (قُلْنا اهْبِطُوا) لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ زَمَنِ القَوْلَيْنِ والهُبُوطِ، وهو تَأْوِيلٌ يُفِيدُ أنَّ المَراحِلَ والمَسافاتِ لا عِبْرَةَ بِها عِنْدَ المُسافِرِ ولِأنَّ ضَمِيرَ (مِنها) المُتَعَيَّنَ لِلْعَوْدِ إلى الجَنَّةِ لِتَنْسِيقِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥]

صفحة ٤٤١

وقَوْلِهِ ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] مانِعٌ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ (اهْبِطُوا) مِنَ السَّماءِ جَمِيعًا إذْ لَمْ يَسْبِقْ مَعادٌ لِلسَّماءِ فالوَجْهُ عِنْدِي عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ إعادَةُ (اهْبِطُوا) الثّانِي لِغَيْرِ رَبْطِ نَظْمِ الكَلامِ أنْ تَكُونَ لِحِكايَةِ أمْرٍ ثانٍ لِآدَمَ بِالهُبُوطِ كَيْلا يَظُنَّ أنَّ تَوْبَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ ورِضاهُ عَنْهُ عِنْدَ مُبادَرَتِهِ بِالتَّوْبَةِ عَقِبَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ قَدْ أوْجَبَتِ العَفْوَ عَنْهُ مِنَ الهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ فَأعادَ لَهُ الأمْرَ بِالهُبُوطِ بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِيَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى وطَوْرٌ مِنَ الأطْوارِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى مِن جَعْلِهِ خَلِيفَةً في الأرْضِ وهو …

Al-Baqara 2:39Listen in Qur'an →
40

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.

صفحة ٤٤٧

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أوْفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾

انْتِقالٌ مِن مَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ إلى مَوْعِظَةِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وبِذَلِكَ تَتِمُّ مَوْعِظَةُ الفِرَقِ المُتَقَدَّمُ ذِكْرُها، لِأنَّ فَرِيقَ المُنافِقِينَ لا يَعْدُوا أنْ يَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ، ووُجِّهَ الخِطابُ هُنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ وهم أشْهَرُ الأُمَمِ المُتَدَنِّيَةِ ذاتِ الكِتابِ الشَّهِيرِ والشَّرِيعَةِ الواسِعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ جاءَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ فَكانَتْ هاتِهِ السُّورَةُ الَّتِي هي فُسْطاطُهُ مُشْتَمِلَةً عَلى الغَرَضِ الَّذِي جاءَ لِأجْلِهِ، وقَدْ جاءَ الوَفاءُ بِهَذا الغَرَضِ عَلى أبْدَعِ الأسالِيبِ وأكْمَلِ وُجُوهِ البَلاغَةِ فَكانَتْ فاتِحَتُها في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذا الكِتابِ وآثارِ هَدْيِهِ وما يَكْتَسِبُ مُتَّبِعُوهُ مِنَ الفَلّاحِ دُنْيا وأُخْرى، وبِالتَّحْذِيرِ مِن سُوءِ مَغَبَّةِ مَن يُعْرِضُ عَنْ هَدْيِهِ ويَتَنَكَّبُ طَرِيقَهُ، ووَصَفَ في خِلالِ ذَلِكَ أحْوالَ النّاسِ تُجاهَ تَلَقِّي هَذا الكِتابِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ ومُنافِقٍ، بَعْدَ ذَلِكَ أقْبَلَ عَلى أصْنافِ أُولَئِكَ بِالدَّعْوَةِ إلى المَقْصُودِ، وقَدِ انْحَصَرَ الأصْنافُ الثَّلاثَةُ مِنَ النّاسِ المُتَلَقِّينَ لِهَذا الكِتابِ بِالنِّسْبَةِ لِحالِهِمْ تُجاهَ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ في صِنْفَيْنِ لِأنَّهم إمّا مُشْرِكٌ أوْ مُتَدَيِّنٌ أيْ كِتابِيٌّ، إذْ قَدِ انْدَرَجَ صِنْفُ المُنافِقِينَ في الصِّنْفِ المُتَدَيِّنِ لِأنَّهم مِنَ اليَهُودِ كَما قَدَّمْناهُ.

فَدَعا المُشْرِكِينَ إلى عِبادَتِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] فالنّاسُ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُشْرِكِينَ كَما هو اصْطِلاحُ القُرْآنِ غالِبًا كَما تَقَدَّمَ فَظاهِرٌ.

وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ كُلَّ النّاسِ فَقَوْلُهُ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] يَخْتَصُّ بِهِمْ لا مَحالَةَ إذْ لَيْسَ المُؤْمِنُونَ بِداخِلِينَ في ذَلِكَ، وذَكَّرَهم بِدَلائِلِ الصَّنْعَةِ وهي خَلْقُ أُصُولِهِمْ وبِأُصُولِ نِعَمِ الحَياةِ وهي خَلْقُ الأرْضِ والسَّماءِ وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ لِإخْراجِ الثَّمَراتِ، وعَجِبَ مِن كُفْرِهِمْ مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ إثْباتِ الخالِقِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ، وذَكَّرَهم بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وهي نِعْمَةُ تَكْرِيمِ أصْلِهِمْ وتَوْبَتُهُ عَلى أبِيهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ اقْتِصارٌ عَلى القَدْرِ الثّابِتِ في فِطْرَتِهِمْ إذْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ مِنَ الأُصُولِ الدِّينِيَّةِ ما يُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ مَرْجِعًا في المُحاوَرَةِ والمُجادَلَةِ يَقْتَنِعُونَ بِهِ، وخاطَبَهم في شَأْنِ إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ خِلالَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي تُدْرِكُهُ أذْواقُهُمُ البَلاغِيَّةُ فَقالَ ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الآياتِ.

ولَمّا قَضى ذَلِكَ كُلَّهَ حَقَّهُ أقْبَلَ بِالخِطابِ هُنا عَلى الصِّنْفِ الثّانِي وهم أهْلُ الشَّرائِعِ والكِتابِ وخَصَّ مِن

صفحة ٤٤٨

بَيْنِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهم أمْثَلُ أُمَّةٍ ذاتِ كِتابٍ مَشْهُورٍ في العالَمِ كُلِّهِ، وهُمُ الأوْحِداءُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ السّاكِنِينَ المَدِينَةَ وما حَوْلَها، وهم أيْضًا الَّذِينَ ظَهَرَ مِنهُمُ العِنادُ والنِّواءُ لِهَذا الدِّينِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَدْعُ اليَهُودَ إلى تَوْحِيدٍ ولا اعْتِرافٍ بِالخالِقِ لِأنَّهم مُوَحِّدُونَ ولَكِنَّهُ …

Al-Baqara 2:40Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.