وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] عَطَفَ حِكايَةَ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ عَلى حِكايَةِ الِاسْتِدْلالِ الإجْمالِيِّ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَإنَّ تَعْلِيمَ آدَمَ الأسْماءَ وإظْهارَ فَضِيلَتِهِ بِقَبُولِهِ لِهَذا التَّعْلِيمِ دُونَ المَلائِكَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ حُجَّةً عَلى قَوْلِهِ لَهم ﴿إنِّيَ أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أيْ ما لا تَعْلَمُونَ مِن جَدارَةِ هَذا المَخْلُوقِ بِالخِلافَةِ في الأرْضِ، وعَطْفُ ذِكْرِ آدَمَ بَعْدَ ذِكْرِ مَقالَةِ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ وذِكْرِ مُحاوَرَتِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الخَلِيفَةَ هو آدَمُ وأنَّ آدَمَ اسْمٌ لِذَلِكَ الخَلِيفَةِ، وهَذا الأُسْلُوبُ مِن بَدِيعِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والإيجازِ كَما قالَ النّابِغَةُ:
فَقُلْتُ لَهم لا أعَرِفَنَّ عَقائِلًا رَعابِيبَ مِن جَنْبَيْ أرِيكٍ وعاقِلِ
الأبْياتِ ثُمَّ قالَ بَعْدَها:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي ∗∗∗ عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
مَخافَةَ عَمْرٍو أنْ تَكُونَ جِيادُهُ ∗∗∗ يُقَدْنَ إلَيْنا بَيْنَ حافٍ وناعِلِ
فَدَلَّ عَلى أنَّ ما ذَكَرَهُ سالِفًا مِنَ العَقائِلِ الَّتِي بَيْنَ أُرِيكِ وعاقِلٍ، ومِنَ الأنْعامِ المُغْتَنَمَةِ هو ما يُتَوَقَّعُ مِن غَزْوِ عَمْرِو بْنِ الحَرْثِ الغَسّانِيِّ دِيارَ بَنِي عَوْفٍ مِن قَوْمِهِ.
صفحة ٤٠٨
”وآدَمُ“ اسْمُ الإنْسانِ الأوَّلِ أبِي البَشَرِ في لُغَةِ العَرَبِ وقِيلَ مَنقُولٌ مِنَ العِبْرانِيَّةِ لِأنَّ ”أداما“ بِالعِبْرانِيَّةِ بِمَعْنى الأرْضَ وهو قَرِيبٌ لِأنَّ التَّوْراةَ تَكَلَّمَتْ عَلى خَلْقِ آدَمَ وأطالَتْ في أحْوالِهِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ اسْمُ أبِي البَشَرِ قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ مِنَ اليَهُودِ وسَماعِ حِكايَتِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاسْمُ عُرِفَ عِنْدَ العَرَبِ والعِبْرانِيِّينَ مَعًا مِن أصْلِ اللُّغاتِ السّامِيَةِ فاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ فُرُوعُها. وقَدْ سُمِّيَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ بِهَذا الِاسْمِ آدَمَ ووَقَعَ في دائِرَةِ المَعارِفِ العَرَبِيَّةِ أنَّ آدَمَ سَمّى نَفْسَهُ إيشَ ”أيْ ذا مُقْتَنى“، وتَرْجَمَتُهُ إنْسانٌ أوْ قَرْءٌ. قُلْتُ: ولَعَلَّهُ تَحْرِيفُ إيثَ كَما سَتَعْلَمُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولِلْإنْسانِ الأوَّلِ أسْماءُ أُخَرُ في لُغاتِ الأُمَمِ، وقَدْ سَمّاهُ الفُرْسُ القُدَماءُ كَيُومِرْتَ بِفَتْحِ الكافِ في أوَّلِهِ وبِتاءٍ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ في آخِرِهِ، ويُسَمّى أيْضًا كَيامِرْتِنَ بِألَفٍ عِوَضَ الواوِ وبِكَسْرِ الرّاءِ وبَنُونٍ بَعْدَ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، قالُوا إنَّهُ مَكَثَ في الجَنَّةِ ثَلاثَةَ آلافِ سَنَّةٍ ثُمَّ هَبَطَ إلى الأرْضِ فَعاشَ في الأرْضِ ثَلاثَةَ آلافِ سَنَةٍ أُخْرى، واسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ آدَمُ كَما سُمِّيَ في التَّوْراةِ وانْتَقَلَ هَذا الِاسْمُ إلى اللُّغاتِ الإفْرَنْجِيَّةِ مِن كُتُبِ الدِّيانَةِ المَسِيحِيَّةِ فَسَمَّوْهُ ”آدامَ“ بِإشْباعِ الدّالِ، فَهو اسْمٌ عَلى وزْنِ فاعِلٍ صِيغَ كَذَلِكَ اعْتِباطًا، وقَدْ جُمِعَ عَلى ”أوادِمَ“ بِوَزْنِ فَواعِلَ كَما جُمِعَ خاتَمُ وهَذا الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، وجَعَلَ مُحاوَلَةَ اشْتِقاقِهِ كَمُحاوَلَةِ اشْتِقاقِ يَعْقُوبَ مِنَ العَقِبِ وإبْلِيسَ مِنَ الإبْلاسِ ونَحْوِ ذَلِكَ أيْ هي مُحاوَلَةٌ ضَئِيلَةٌ وهو الحَقُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: أصْلُهُ أأْدَمُ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى وزْنِ أفْعَلُ مِنَ الأُدْمَةِ وهي لَوْنُ السُّمْرَةِ فَقُلِبَتْ ثانِيَةُ …