Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 281–286 of 286

281

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And fear a Day when you will be returned to Allah. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be treated unjustly.

صفحة ٩٧

﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .

جِيءَ بِقَوْلِهِ: واتَّقُوا يَوْمًا تَذْيِيلًا لِهاتِهِ الأحْكامِ لِأنَّهُ صالِحٌ لِلتَّرْهِيبِ مِنِ ارْتِكابِ ما نُهِيَ عَنْهُ والتَّرْغِيبِ في فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُدِبَ إلَيْهِ، لِأنَّ في تَرْكِ المَنهِيّاتِ سَلامَةً مِن آثامِها، وفي فِعْلِ المَطْلُوباتِ اسْتِكْثارًا مِن ثَوابِها، والكُلُّ يَرْجِعُ إلى اتِّقاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تُطْلَبُ فِيهِ السَّلامَةُ وكَثْرَةُ أسْبابِ النَّجاحِ.

وفِي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي آخِرُ ما نَزَلَ فَقالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ ضَعْها عَلى رَأْسِ ثَمانِينَ ومِائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ»، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٌ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عاشَ بَعْدَ نُزُولِها واحِدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: واحِدًا وثَمانِينَ، وقِيلَ سَبْعَةَ أيّامٍ، وقِيلَ تِسْعَةً، وقِيلَ ثَلاثَ ساعاتٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ آخِرَ آيَةٍ هي آيَةُ الكَلالَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدِ اسْتَقْصى الأقْوالَ صاحِبُ الإتْقانِ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ: ”تُرْجَعُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ.

Al-Baqara 2:281Listen in Qur'an →
282

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌۭ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةًۭ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌۭ وَلَا شَهِيدٌۭ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allah has taught him. So let him write and let the one who has the obligation dictate. And let him fear Allah, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of the women errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allah and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allah. And Allah teaches you. And Allah is Knowing of all things.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولَيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ .

لَمّا اهْتَمَّ القُرْآنُ بِنِظامِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ في أمْوالِهِمْ فابْتَدَأ بِما بِهِ قِوامُ عامَّتِهِمْ مِن مُواساةِ الفَقِيرِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ، ووَضُحَ ذَلِكَ بِما فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ

صفحة ٩٨

التَّحْذِيرَ مِن مُضايَقَةِ المُحْتاجِينَ إلى المُواساةِ مُضايَقَةَ الرِّبا مَعَ ما في تِلْكَ المُعامَلاتِ مِنَ المَفاسِدِ، ثَلَّثَ بِبَيانِ التَّوَثُّقاتِ المالِيَّةِ مِنَ الإشْهادِ، وما يَقُومُ مَقامَهُ وهو الرَّهْنُ والِائْتِمانُ، وإنَّ تَحْدِيدَ التَّوَثُّقِ في المُعامَلاتِ مِن أعْظَمِ وسائِلِ بَثِّ الثِّقَةِ بَيْنَ المُتَعامِلِينَ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ تَكْثِيرُ عُقُودِ المُعامَلاتِ ودَوْرانِ دُولابِ التَّمَوُّلِ.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، والمُناسَبَةُ في الِانْتِقالِ ظاهِرَةٌ عَقِبَ الكَلامِ عَلى غُرَماءَ أهْلِ الرِّبا.

والتَّدايُنُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ رَواجِ المُعامَلاتِ لِأنَّ المُقْتَدِرَ عَلى تَنْمِيَةِ المالِ قَدْ يَعُوزُهُ المالُ فَيَضْطَرُّ إلى التَّدايُنِ لِيُظْهِرَ مَواهِبَهُ في التِّجارَةِ أوِ الصِّناعَةِ أوِ الزِّراعَةِ، ولِأنَّ المُتَرَفِّهَ قَدْ يَنْضُبُ المالُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولَهُ قِبَلٌ بِهِ بَعْدَ حِينٍ، فَإذا لَمْ يَتَدايَنِ اخْتَلَّ نِظامُ مالِهِ، فَشَرَعَ اللَّهُ تَعالى لِلنّاسِ بَقاءَ التَّدايُنِ المُتَعارَفِ بَيْنَهم كَيْلا يَظُنُّوا أنَّ تَحْرِيمَ الرِّبا والرُّجُوعَ بِالمُتَعامِلِينَ إلى رُءُوسِ أمْوالِهِمْ إبْطالٌ لِلتَّدايُنِ كُلِّهِ، وأفادَ ذَلِكَ التَّشْرِيعَ بِوَضْعِهِ في تَشْرِيعٍ آخَرَ مُكَمِّلٍ لَهُ وهو التَّوَثُّقُ لَهُ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ.

والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ لِمَجْمُوعِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ خُصُوصُ المُتَدايِنِينَ، والأخَصُّ بِالخِطابِ هو المَدِينُ لِأنَّ مِن حَقٍّ عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ دائِنَهُ مُطْمَئِنَّ البالِ عَلى مالِهِ، فَعَلى المُسْتَقْرِضِ أنْ يَطْلُبَ الكِتابَةَ وإنْ لَمْ يَسْألْها الدّائِنُ، ويُؤْخَذْ هَذا مِمّا حَكاهُ اللَّهُ في سُورَةِ القَصَصِ عَنْ مُوسى وشُعَيْبٍ، إذِ اسْتَأْجَرَ شُعَيْبٌ مُوسى، فَلَمّا تَراوَضا عَلى الإجارَةِ وتَعْيِينِ أجَلِها قالَ مُوسى ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَذَلِكَ إشْهادٌ عَلى نَفْسِهِ لِمُؤاجِرِهِ دُونَ أنْ يَسْألَهُ شُعَيْبٌ ذَلِكَ.

والتَّدايُنُ تَفاعَلٌ، وأُطْلِقَ هُنا مَعَ أنَّ الفِعْلَ صادِرٌ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي جِهَةُ المُسَلِّفِ، لِأنَّكَ تَقُولُ دانَ مِنهُ فَدانَهُ، فالمُفاعَلَةُ مَنظُورٌ فِيها إلى المُخاطَبِينَ وهم مَجْمُوعُ الأُمَّةِ، لِأنَّ في المَجْمُوعِ دائِنًا ومَدِينًا فَصارَ المَجْمُوعُ مُشْتَمِلًا عَلى جانِبَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المُفاعَلَةَ عَلى غَيْرِ بابِها كَما تَقُولُ تَدايَنْتُ مِن زِيدٍ.

وزِيادَةُ قَيْدِ ”بِدَيْنٍ“ إمّا لِمُجَرَّدِ الإطْنابِ، كَما يَقُولُونَ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي ولَمْسَتُهُ بِيَدِي، وإمّا لِيَكُونَ مَعادًا لِلضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (﴿فاكْتُبُوهُ﴾) ولَوْلا ذِكْرُهُ لَقالَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ فَلَمْ. يَكُنِ النَّظْمُ بِذَلِكَ الحَسَنَ، ولِأنَّهُ أبْيَنُ لِتَنْوِيعِ الدَّيْنِ إلى مُؤَجَّلٍ وحالٍّ، قالَهُ في …

Al-Baqara 2:282Listen in Qur'an →
283

۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌۭ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ

And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allah, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allah is Knowing of what you do.

﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ .

هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةَ، فَجَمِيعُ ما تَقَدَّمَ حُكْمٌ في الحَضَرِ والمُكْنَةِ، فَإنْ كانُوا عَلى سَفَرٍ ولَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الكِتابَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ مَن يَكْتُبُ ويَشْهَدُ، فَقَدْ شُرِعَ لَهم حُكْمٌ آخَرُ وهو الرَّهْنُ، وهَذا آخِرُ الأقْسامِ المُتَوَقَّعَةِ في صُوَرِ المُعامَلَةِ، وهي حالَةُ السَّفَرِ غالِبًا، ويُلْحَقُ بِها ما يُماثِلُ السَّفَرَ في هاتِهِ الحالَةِ.

والرِّهانُ جَمْعُ رَهْنٍ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى رُهُنٍ بِضَمِّ الرّاءِ وضَمِّ الهاءِ. وقَدْ قَرَأهُ جُمْهُورُ العَشَرَةِ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ وضَمِّ الهاءِ، وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الحُكْمِ.

والرَّهْنُ هُنا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَرْهُونِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كالخَلْقِ، ومَعْنى الرَّهْنِ: أنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِن مَتاعِ المَدِينِ بِيَدِ الدّائِنِ تَوْثِقَةً لَهُ في دَيْنِهِ، وأصْلُ الرَّهْنِ في كَلامِ العَرَبِ يَدُلُّ عَلى الحَبْسِ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] فالمَرْهُونُ مَحْبُوسٌ بِيَدِ الدّائِنِ إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ. قالَ زُهَيْرٌ:

وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فَكاكَ لَهُ يَوْمَ الوَداعِ فَأمْسى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقا

والرَّهْنُ شائِعٌ عِنْدَ العَرَبِ؛ فَقَدْ كانُوا يَرْهَنُونَ في الحِمالاتِ والدِّياتِ إلى أنْ يَقَعَ دَفْعُها، فَرُبَّما رَهَنُوا أبْناءَهم، ورُبَّما رَهَنُوا واحِدًا مِن صَنادِيدِهِمْ، قالَ الأعْشى يَذْكُرُ أنَّ كِسْرى رامَ أخْذَ رَهائِنَ مِن أبْنائِهِمْ:

آلَيْتُ لا أُعْطِيهِ مِن أبْنائِنا ∗∗∗ رُهُنًا فَنُفْسِدَهم كَمَن قَدْ أفْسَدا

صفحة ١٢١

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمّامٍ السَّلُولِيُّ:

فَلَمّا خَشِيتُ أظافِيرَهم ∗∗∗ نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالِكًا

ومِن حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أرْهِنُونِي أبْناءَكم.

ومَعْنى (فَرِهانٌ): أيْ فَرِهانٌ تُعَوَّضُ بِها الكِتابَةُ، ووَصْفُها بِمَقْبُوضَةٍ إمّا لِمُجَرَّدِ الكَشْفِ؛ لِأنَّ الرِّهانَ لا تَكُونُ إلّا مَقْبُوضَةً، وإمّا لِلِاحْتِرازِ عَنِ الرَّهْنِ لِلتَّوْثِقَةِ في الدُّيُونِ في الحَضَرِ. فَيُؤْخَذُ مِنَ الإذْنِ في الرَّهْنِ أنَّهُ مُباحٌ. فَلِذَلِكَ إذا سَألَهُ رَبُّ الدَّيْنِ أُجِيبَ إلَيْهِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الرَّهْنَ تَوْثِقَةٌ في الدَّيْنِ.

والآيَةُ دالَّةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الرَّهْنِ في السَّفَرِ بِصَرِيحِها، وأمّا مَشْرُوعِيَّةُ الرَّهْنِ في الحَضَرِ فَلِأنَّ تَعْلِيقَهُ هُنا عَلى حالِ السَّفَرِ لَيْسَ تَعْلِيقًا بِمَعْنى التَّقْيِيدِ بَلْ هو تَعْلِيقٌ بِمَعْنى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، إذا لَمْ يُوجَدِ الشّاهِدُ في السَّفَرِ، فَلا مَفْهُومَ لِلشَّرْطِ لِوُرُودِهِ مَوْرِدَ بَيانِ حالٍ خاصَّةٍ لا لِلِاحْتِرازِ، ولا تُعْتَبَرُ مَفاهِيمُ القُيُودِ إلّا إذا سِيقَتْ مَساقَ الِاحْتِرازِ، ولِذا لَمْ يَعْتَدُّوا بِها إذا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الغالِبِ، ولا مَفْهُومَ لَهُ في الِانْتِقالِ عَنِ الشَّهادَةِ أيْضًا، إذْ قَدْ عُلِمَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الرَّهْنَ مُعامَلَةٌ مَعْلُومَةٌ لَهم، فَلِذَلِكَ أُحِيلُوا عَلَيْها عِنْدَ الضَّرُورَةِ عَلى مَعْنى الإرْشادِ والتَّنْبِيهِ.

وقَدْ أخَذَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وداوُدُ الظّاهِرِيُّ، بِظاهِرِ الآيَةِ مِن تَقْيِيدِ الرَّهْنِ بِحالِ السَّفَرِ، مَعَ أنَّ السُّنَّةَ أثْبَتَتْ وُقُوعَ الرَّهْنِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ومِنَ الصَّحابَةِ في …

Al-Baqara 2:283Listen in Qur'an →
284

لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allah will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allah is over all things competent.

صفحة ١٢٩

﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرْ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبْ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

تَعْلِيلٌ واسْتِدْلالٌ عَلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وعَلى ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن نَحْوِ: واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَإذا كانَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، فَقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ تَصْرِيحًا واسْتِدْلالًا عَلَيْهِ، فَجُمْلَةُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِها هي مَحَطُّ التَّصْرِيحِ، وهي المَقْصُودُ بِالكَلامِ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] إلى ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وجُمْلَةُ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هي مَوْقِعُ الِاسْتِدْلالِ، وهي اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، أوْ عِلَّةٌ لِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بِاعْتِبارِ إرادَةِ الوَعِيدِ والوَعْدِ، فالمَعْنى أنَّكم عَبِيدُهُ فَلا يَفُوتُهُ عَمَلُكم والجَزاءُ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى: إنَّكم عَبِيدُهُ، وهو مُحاسِبُكم. ونَظِيرُها في المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ولا يُخالِفُ بَيْنَهُما إلّا أُسْلُوبُ نَظْمِ الكَلامِ.

ومَعْنى الِاسْتِدْلالِ هُنا: أنَّ النّاسَ قَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، وخالِقُ الخَلْقِ، فَإذا كانَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ، مَخْلُوقًا لَهُ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ؛ لِأنَّهُ مُكَوِّنُ ضَمائِرِهِمْ وخَواطِرِهِمْ، وعُمُومُ عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ مِن تَمامِ مَعْنى الخالِقِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَكانَ العَبْدُ في حالَةِ اخْتِفاءِ حالِهِ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ مُسْتَقِلًّا عَنْ خالِقِهِ، ومالِكِيَّةُ اللَّهِ تَعالى أتَمُّ أنْواعِ المِلْكِ عَلى الحَقِيقَةِ كَسائِرِ الصِّفاتِ الثّابِتَةِ لِلَّهِ تَعالى، فَهي الصِّفاتُ عَلى الحَقِيقَةِ مِنَ الوُجُودِ الواجِبِ إلى ما اقْتَضاهُ واجِبُ الوُجُودِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ الآيَةَ.

صفحة ١٣٠

وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحُكْمَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ، وأنَّ ما قَبْلَهُ كالتَّمْهِيدِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وإنْ تُبْدُوا عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَهُما.

وإبْداءُ ما في النَّفْسِ: إظْهارُهُ، وهو إعْلانُهُ بِالقَوْلِ، فِيما سَبِيلُهُ القَوْلُ وبِالعَمَلِ فِيما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَمَلٌ، وإخْفاؤُهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وعَطْفُ ”أوْ تُخْفُوهُ“ لِلتَّرَقِّي في الحِسابِ عَلَيْهِ، فَقَدْ جاءَ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ في عَطْفِ الأقْوى عَلى الأضْعَفِ، في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ في سِياقِ الإثْباتِ، و(ما) …

Al-Baqara 2:284Listen in Qur'an →
285

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ

The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allah and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أحْكامًا كَثِيرَةً وقِصَصًا خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ تَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وأتْباعِهِ وتَأْكِيدًا وفَذْلَكَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن قَبْلُ، يَعْنِي أنَّ هَذا انْتِقالٌ مِنَ المَواعِظِ والإرْشادِ

صفحة ١٣٢

والتَّشْرِيعِ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِمّا هو عَوْنٌ عَلى تِلْكَ المَقاصِدِ، إلى الثَّناءِ عَلى رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ في إيمانِهِمْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إيمانًا خالِصًا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ العَمَلُ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالرَّسُولِ والكِتابِ، يَقْتَضِي الِامْتِثالَ لِما جاءَ بِهِ مِن عَمَلٍ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وُضِعَتْ في هَذا المَوْقِعِ لِمُناسَبَةِ ما تَقَدَّمَ، وهو انْتِقالٌ مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ لِأنَّهُ لَمّا انْتَقَلَ مِن أغْراضٍ مُتَناسِبَةٍ إلى غَرَضٍ آخَرَ هو كالحاصِلِ والفَذْلَكَةِ، فَقَدْ أشْعَرَ بِأنَّهُ اسْتَوْفى تِلْكَ الأغْراضَ. ووَرَدَ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ يَرْتَبِطُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

و”ال“ في ”الرَّسُولِ“ لِلْعَهْدِ، وهو عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، في وقْتِ النُّزُولِ. قالَ تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] والمُؤْمِنُونَ مَعْطُوفٌ عَلى ”الرَّسُولُ“، والوَقْفُ عَلَيْهِ.

والمُؤْمِنُونَ هُنا لَقَبٌ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلِذَلِكَ كانَ في جَعْلِهِ فاعِلًا لِقَوْلِهِ (آمَنَ) فائِدَةٌ، مَعَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في قَوْلِكَ: قامَ القائِمُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ جَمْعٌ بَعْدَ التَّفْصِيلِ، وكَذَلِكَ شَأْنُ ”كُلٌّ“ إذا جاءَتْ بَعْدَ ذِكْرِ مُتَعَدِّدٍ في حُكْمٍ، ثُمَّ إرادَةُ جَمْعِهِ في ذَلِكَ، كَقَوْلِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللِّهْبِيِّ، بَعْدَ أبْياتٍ:

كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُونا

وإذا كانَتْ ”كُلٌّ“ مِنَ الأسْماءِ المُلازِمَةِ الإضافَةَ، فَإذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ نُوِّنَتْ تَنْوِينَ عِوَضٍ عَنْ مُفْرَدٍ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ ”كُلٌّ“ اسْمٌ مُعْرَبٌ، لِأنَّ التَّنْوِينَ قَدْ يُفِيدُ الغَرَضَيْنِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في مَعْنَيَيْهِ، فَمَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفُ ”المُؤْمِنُونَ“ عَطْفَ جُمْلَةٍ، وجَعَلَ ”المُؤْمِنُونَ“ مُبْتَدَأً وجَعَلَ ”كُلٌّ“ مُبْتَدَأً ثانِيًا و”آمَنَ“ خَبَرُهُ، فَقَدْ شَذَّ عَنِ الذَّوْقِ العَرَبِيِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وكُتُبِهِ“ بِصِيغَةِ جَمْعِ كِتابٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ”وكِتابِهِ“، بِصِيغَةِ المُفْرَدِ عَلى أنَّ المُرادَ القُرْآنُ أوْ جِنْسُ الكِتابِ، فَيَكُونُ مُساوِيًا لِقَوْلِهِ: ”وكُتُبِهِ“ إذِ المُرادُ الجِنْسُ، والحَقُّ أنَّ المُفْرَدَ والجَمْعَ سَواءٌ في إرادَةِ الجِنْسِ، ألا تَراهم يَقُولُونَ:

صفحة ١٣٣

إنَّ الجَمْعَ في مَدْخُولِ ”ال“ الجِنْسِيَّةِ صُوَرِيٌّ، ولِذَلِكَ يُقالُ: إذا دَخَلَتْ ”ال“ الجِنْسِيَّةُ عَلى جَمْعٍ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، فَكَذَلِكَ كُلُّ ما أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ كالمُضافِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ، والإضافَةُ تَأْتِي لِما تَأْتِي لَهُ اللّامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ …

Al-Baqara 2:285Listen in Qur'an →
286

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Allah does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ الأظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا مِن حِكايَةِ كَلامِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ اعْتِراضًا بَيْنَ الجُمَلِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ، وفائِدَتُهُ إظْهارُ ثَمَرَةِ الإيمانِ، والتَّسْلِيمِ، والطّاعَةِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ في هَذا الدِّينِ التَّكْلِيفَ بِما فِيهِ مَشَقَّةٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ تَبْشِيرٌ بِاسْتِجابَةِ دَعْوَتِهِمُ المُلَقَّنَةِ، أوِ الَّتِي أُلْهِمُوها: وهي ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قَبْلَ أنْ يَحْكِيَ دَعَواتِهِمْ تِلْكَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أيْ: عَلِمْنا تَأْوِيلَ قَوْلِ رَبِّنا ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بِأنَّهُ يَدْخُلُها المُؤاخَذَةُ بِما في الوُسْعِ، مِمّا أُبْدِيَ وما أُخْفِيَ، وهو ما يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في الخارِجِ اخْتِيارًا، أوْ يُعْقَدُ عَلَيْهِ القَلْبُ ويَطَمْئِنُّ بِهِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ إلخ، يُبْعِدُ هَذا، إذْ لا قِبَلَ لَهم بِإثْباتِ ذَلِكَ.

صفحة ١٣٥

فَعَلى أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ فَهو نَسْخٌ لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وهَذا مَرْوِيٌّ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فَأتَوْهُ وقالُوا لا نُطِيقُها، فَقالَ النَّبِيءُ: قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا وسَلَّمْنا، فَألْقى اللَّهُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَها اللَّهُ تَعالى فَأنْزَلَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها»﴾ وإطْلاقُ النَّسْخِ عَلى هَذا اصْطِلاحٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، والمُرادُ البَيانُ والتَّخْصِيصُ؛ لِأنَّ الَّذِي تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ مُتَتابِعَةُ النَّظْمِ، ومَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً، فَحَدَثَ بَيْنَ فَتْرَةِ نُزُولِها ما ظَنَّهُ بَعْضُ المُسْلِمِينَ حَرَجًا.

و”الوُسْعُ“ في القُرْآنِ بِضَمِّ الواوِ، وهو في كَلامِ العَرَبِ مُثَلَّثُ الواوِ، وهو الطّاقَةُ والِاسْتِطاعَةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُطاقُ ويُسْتَطاعُ، فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ المَفْعُولِ، والمُسْتَطاعُ هو ما اعْتادَ النّاسُ قُدْرَتُهم عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ إنْ تَوَجَّهَتْ إرادَتُهم لِفِعْلِهِ مَعَ السَّلامَةِ وانْتِفاءِ المَوانِعِ.

وهَذا دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِما فَوْقَ الطّاقَةِ في أدْيانِ اللَّهِ تَعالى لِعُمُومِ (نَفْسًا) في سِياقِ النَّفْيِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما شَرَعَ التَّكْلِيفَ إلّا لِلْعَمَلِ واسْتِقامَةِ أحْوالِ الخَلْقِ، فَلا يُكَلِّفُهم ما لا يُطِيقُونَ فِعْلَهُ، وما ورَدَ مِن ذَلِكَ فَهو في سِياقِ العُقُوباتِ، وهَذا حُكْمٌ عامٌّ في الشَّرائِعِ كُلِّها.

وامْتازَتْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ بِاليُسْرِ والرِّفْقِ، بِشَهادَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولِذَلِكَ كانَ مِن قَواعِدِ الفِقْهِ العامَّةِ: المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، وكانَتِ المَشَقَّةُ مَظِنَّةَ الرُّخْصَةِ، وضَبْطُ المَشاقِّ المُسْقِطَةِ لِلْعِبادَةِ مَذْكُورٌ في الأُصُولِ، وقَدْ أشْبَعْتُ القَوْلَ …

Al-Baqara 2:286Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.