Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 261–270 of 286

261

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

The example of those who spend their wealth in the way of Allah is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allah multiplies [His reward] for whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

صفحة ٤١

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

عَوْدٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا المَثَلُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ. يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ الِاسْتِشْرافَ لِما يَلْقاهُ المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ أنْ أعْقَبَ بِدَلائِلَ ومَواعِظَ وعِبَرٍ، وقَدْ تَهَيَّأتْ نُفُوسُ السّامِعِينَ إلى التَّمَحُّضِ لِهَذا فَأُطِيلَ الكَلامُ فِيهِ إطالَةً تُناسِبُ أهَمِّيَّتَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَشْبِيهُ حالِ جَزائِهِمْ وبَرَكَتِهِمْ، والصِّلَةُ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المُرادَ خُصُوصُ حالِ إنْفاقِهِمْ بِتَقْدِيرِ ”مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ“ وقَدْ شُبِّهَ حالُ إعْطاءِ النَّفَقَةِ ومُصادَفَتُها مَوْقِعَها وما أُعْطِيَ مِنَ الثَّوابِ لَهم بِحالِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ إلخ، أيْ زُرِعَتْ في أرْضٍ نَقِيَّةٍ وتُرابٍ طَيِّبٍ وأصابَها الغَيْثُ فَأنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، وحُذِفَ ذَلِكَ كُلُّهُ إيجازًا؛ لِظُهُورِ أنَّ الحَبَّةَ لا تُنْبِتُ ذَلِكَ إلّا كَذَلِكَ، فَهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والمُشَبَّهُ بِهِ هَيْأةٌ مَعْلُومَةٌ، وجُعِلَ أصْلُ التَّمْثِيلِ في التَّضْعِيفِ حَبًّا لِأنَّ تَضْعِيفَها مِن ذاتِها لا بِشَيْءٍ يُزادُ عَلَيْها، وقَدْ شاعَ تَشْبِيهُ المَعْرُوفِ بِالزَّرْعِ وتَشْبِيهُ السّاعِي بِالزّارِعِ، وفي المَثَلِ: (رُبَّ ساعٍ لِقاعِدٍ وزارِعٍ غَيْرِ حاصِدٍ) ولَمّا كانَتِ المُضاعَفَةُ تُنْسَبُ إلى أصْلِ وحْدَةٍ، فَأصْلُ الوَحْدَةِ هُنا هي ما يُثِيبُ اللَّهُ بِهِ عَلى الحَسَناتِ الصَّغِيرَةِ، أيْ: ما يَقَعُ ثَوابًا عَلى أقَلِّ الحَسَناتِ كَمَنَ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، فَإنَّهُ في حَسَنَةِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ.

قالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أرادَ

صفحة ٤٢

الخُرُوجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَثَّ النّاسَ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ الجَيْشُ يَوْمَئِذَ بِحاجَةٍ إلى الجِهازِ، وهو جَيْشُ العُسْرَةِ، فَجاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: عَلَيَّ جِهازُ مَن لا جِهازَ لَهُ. فَجَهَّزَ الجَيْشَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها. وقِيلَ: جاءَ بِألْفِ دِينارٍ ذَهَبًا فَصَبَّها في حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنَّ المُضاعَفَةَ دَرَجاتٌ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلى أحْوالِ المُتَصَدِّقِ وأحْوالِ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وأوْقاتِ ذَلِكَ وأماكِنِهِ، ولِلْإخْلاصِ وقَصْدِ الِامْتِثالِ ومَحَبَّةِ الخَيْرِ لِلنّاسِ والإيثارِ عَلى النَّفْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَحُفُّ بِالصَّدَقَةِ والإنْفاقِ تَأْثِيرٌ في تَضْعِيفِ الأجْرِ ”واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ“ .

وأعادَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في …

Al-Baqara 2:261Listen in Qur'an →
262

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّۭا وَلَآ أَذًۭى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Those who spend their wealth in the way of Allah and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

صفحة ٤١

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

عَوْدٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا المَثَلُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ. يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ الِاسْتِشْرافَ لِما يَلْقاهُ المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ أنْ أعْقَبَ بِدَلائِلَ ومَواعِظَ وعِبَرٍ، وقَدْ تَهَيَّأتْ نُفُوسُ السّامِعِينَ إلى التَّمَحُّضِ لِهَذا فَأُطِيلَ الكَلامُ فِيهِ إطالَةً تُناسِبُ أهَمِّيَّتَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَشْبِيهُ حالِ جَزائِهِمْ وبَرَكَتِهِمْ، والصِّلَةُ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المُرادَ خُصُوصُ حالِ إنْفاقِهِمْ بِتَقْدِيرِ ”مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ“ وقَدْ شُبِّهَ حالُ إعْطاءِ النَّفَقَةِ ومُصادَفَتُها مَوْقِعَها وما أُعْطِيَ مِنَ الثَّوابِ لَهم بِحالِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ إلخ، أيْ زُرِعَتْ في أرْضٍ نَقِيَّةٍ وتُرابٍ طَيِّبٍ وأصابَها الغَيْثُ فَأنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، وحُذِفَ ذَلِكَ كُلُّهُ إيجازًا؛ لِظُهُورِ أنَّ الحَبَّةَ لا تُنْبِتُ ذَلِكَ إلّا كَذَلِكَ، فَهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والمُشَبَّهُ بِهِ هَيْأةٌ مَعْلُومَةٌ، وجُعِلَ أصْلُ التَّمْثِيلِ في التَّضْعِيفِ حَبًّا لِأنَّ تَضْعِيفَها مِن ذاتِها لا بِشَيْءٍ يُزادُ عَلَيْها، وقَدْ شاعَ تَشْبِيهُ المَعْرُوفِ بِالزَّرْعِ وتَشْبِيهُ السّاعِي بِالزّارِعِ، وفي المَثَلِ: (رُبَّ ساعٍ لِقاعِدٍ وزارِعٍ غَيْرِ حاصِدٍ) ولَمّا كانَتِ المُضاعَفَةُ تُنْسَبُ إلى أصْلِ وحْدَةٍ، فَأصْلُ الوَحْدَةِ هُنا هي ما يُثِيبُ اللَّهُ بِهِ عَلى الحَسَناتِ الصَّغِيرَةِ، أيْ: ما يَقَعُ ثَوابًا عَلى أقَلِّ الحَسَناتِ كَمَنَ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، فَإنَّهُ في حَسَنَةِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ.

قالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أرادَ

صفحة ٤٢

الخُرُوجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَثَّ النّاسَ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ الجَيْشُ يَوْمَئِذَ بِحاجَةٍ إلى الجِهازِ، وهو جَيْشُ العُسْرَةِ، فَجاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: عَلَيَّ جِهازُ مَن لا جِهازَ لَهُ. فَجَهَّزَ الجَيْشَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها. وقِيلَ: جاءَ بِألْفِ دِينارٍ ذَهَبًا فَصَبَّها في حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنَّ المُضاعَفَةَ دَرَجاتٌ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلى أحْوالِ المُتَصَدِّقِ وأحْوالِ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وأوْقاتِ ذَلِكَ وأماكِنِهِ، ولِلْإخْلاصِ وقَصْدِ الِامْتِثالِ ومَحَبَّةِ الخَيْرِ لِلنّاسِ والإيثارِ عَلى النَّفْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَحُفُّ بِالصَّدَقَةِ والإنْفاقِ تَأْثِيرٌ في تَضْعِيفِ الأجْرِ ”واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ“ .

وأعادَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في …

Al-Baqara 2:262Listen in Qur'an →
263

۞ قَوْلٌۭ مَّعْرُوفٌۭ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌۭ مِّن صَدَقَةٍۢ يَتْبَعُهَآ أَذًۭى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌۭ

Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allah is Free of need and Forbearing.

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرْكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ .

تَخَلَّصَ مِن غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى التَّنْوِيهِ بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الإنْفاقِ وهو الإنْفاقُ عَلى المَحاوِيجِ مِنَ النّاسِ، وهو الصَّدَقاتُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِلصَّدَقَةِ إلّا أنَّها تَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا وصَفَ الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِصِفَةِ الإخْلاصِ لِلَّهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ، انْتَقَلَ بِمُناسَبَةِ ذَلِكَ إلى طَرْدِ ذَلِكَ الوَصْفِ في الإنْفاقِ عَلى المُحْتاجِينَ، فَإنَّ

صفحة ٤٤

المَنَّ والأذى في الصَّدَقَةِ أكْثَرُ حُصُولًا لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ مُتَعَلِّقَةً بِأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ بِخِلافِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّ أكْثَرَ مَن تَنالُهُمُ النَّفَقَةُ لا يَعْلَمُهُمُ المُنْفِقُ.

فالمَنُّ عَلى المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ هو تَذْكِيرُهُ بِالنِّعْمَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

ومِن فِقْراتِ الزَّمَخْشَرِيِّ في (الكَلِمِ النَّوابِغِ): طَعْمُ الآلاءِ أحْلى مِنَ المَنِّ، وهو أمَرُّ مِنَ الآلاءِ عِنْدَ المَنِّ. الآلاءُ الأوَّلُ النِّعَمُ والآلاءُ الثّانِي شَجَرٌ مُرُّ الوَرَقِ، والمَنُّ الأوَّلُ شَيْءٌ شِبْهُ العَسَلِ يَقَعُ كالنَّدى عَلى بَعْضِ شَجَرِ بادِيَةِ سِينا وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] والمَنُّ الثّانِي تَذْكِيرُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالنِّعْمَةِ.

والأذى الإساءَةُ والضُّرُّ القَلِيلُ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ. قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] والمُرادُ بِهِ الأذى الصَّرِيحُ مِنَ المُنْعِمِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ كالتَّطاوُلِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ أعْطاهُ أوْ أنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ لِأجْلِ العَطاءِ، بَلْهَ تَعْيِيرِهِ بِالفَقْرِ، وهو غَيْرُ الأذى الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ المَنِّ، وأشارَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في كِتابِ الزَّكاةِ مِنَ الإحْياءِ إلى أنَّ المَنَّ لَهُ أصْلٌ ومَغْرِسٌ وهو مِن أحْوالِ القَلْبِ وصِفاتِهِ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْوالٌ ظاهِرَةٌ عَلى اللِّسانِ والجَوارِحِ، ومَنبَعُ الأذى أمْرانِ: كَراهِيَةُ المُعْطِي إعْطاءَ مالَهُ وشِدَّةُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ورُؤْيَتُهُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الفَقِيرِ، وكِلاهُما مَنشَؤُهُ الجَهْلُ، فَإنَّ كَراهِيَةَ تَسْلِيمِ المالِ حُمْقٌ؛ لِأنَّ مَن بَذَلَ المالَ لِطَلَبِ رِضا اللَّهِ والثَّوابِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّ ما حَصَلَ لَهُ مِن بَذْلِ المالِ أشَرَفُ مِمّا بَذَلَهُ، وظَنُّهُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الفَقِيرِ جَهْلٌ بِخَطَرِ الغِنى، أيْ أنَّ مَراتِبَ النّاسِ بِما تَتَفاوَتُ بِهِ نُفُوسُهم مِنَ التَّزْكِيَةِ لا بِعَوارِضِ الغِنى والفَقْرِ الَّتِي لا تَنْشَأُ عَنْ دَرَجاتِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ.

ولَمّا حَذَّرَ اللَّهُ المُتَصَدِّقَ مِن أنْ يُؤْذِيَ المُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الإضْرارِ بِهِ كَشَتْمِهِ وضَرْبِهِ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ لِأنَّهُ أوْلى بِالنَّهْيِ.

أوْسَعَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَقامَ بَيانًا وتَرْغِيبًا وزَجْرًا بِأسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ وتَفَنُّناتٍ بَدِيعَةٍ …

Al-Baqara 2:263Listen in Qur'an →
264

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌۭ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌۭ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًۭا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allah and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allah does not guide the disbelieving people.

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرْكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ .

تَخَلَّصَ مِن غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى التَّنْوِيهِ بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الإنْفاقِ وهو الإنْفاقُ عَلى المَحاوِيجِ مِنَ النّاسِ، وهو الصَّدَقاتُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِلصَّدَقَةِ إلّا أنَّها تَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا وصَفَ الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِصِفَةِ الإخْلاصِ لِلَّهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ، انْتَقَلَ بِمُناسَبَةِ ذَلِكَ إلى طَرْدِ ذَلِكَ الوَصْفِ في الإنْفاقِ عَلى المُحْتاجِينَ، فَإنَّ

صفحة ٤٤

المَنَّ والأذى في الصَّدَقَةِ أكْثَرُ حُصُولًا لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ مُتَعَلِّقَةً بِأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ بِخِلافِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّ أكْثَرَ مَن تَنالُهُمُ النَّفَقَةُ لا يَعْلَمُهُمُ المُنْفِقُ.

فالمَنُّ عَلى المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ هو تَذْكِيرُهُ بِالنِّعْمَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

ومِن فِقْراتِ الزَّمَخْشَرِيِّ في (الكَلِمِ النَّوابِغِ): طَعْمُ الآلاءِ أحْلى مِنَ المَنِّ، وهو أمَرُّ مِنَ الآلاءِ عِنْدَ المَنِّ. الآلاءُ الأوَّلُ النِّعَمُ والآلاءُ الثّانِي شَجَرٌ مُرُّ الوَرَقِ، والمَنُّ الأوَّلُ شَيْءٌ شِبْهُ العَسَلِ يَقَعُ كالنَّدى عَلى بَعْضِ شَجَرِ بادِيَةِ سِينا وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] والمَنُّ الثّانِي تَذْكِيرُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالنِّعْمَةِ.

والأذى الإساءَةُ والضُّرُّ القَلِيلُ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ. قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] والمُرادُ بِهِ الأذى الصَّرِيحُ مِنَ المُنْعِمِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ كالتَّطاوُلِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ أعْطاهُ أوْ أنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ لِأجْلِ العَطاءِ، بَلْهَ تَعْيِيرِهِ بِالفَقْرِ، وهو غَيْرُ الأذى الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ المَنِّ، وأشارَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في كِتابِ الزَّكاةِ مِنَ الإحْياءِ إلى أنَّ المَنَّ لَهُ أصْلٌ ومَغْرِسٌ وهو مِن أحْوالِ القَلْبِ وصِفاتِهِ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْوالٌ ظاهِرَةٌ عَلى اللِّسانِ والجَوارِحِ، ومَنبَعُ الأذى أمْرانِ: كَراهِيَةُ المُعْطِي إعْطاءَ مالَهُ وشِدَّةُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ورُؤْيَتُهُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الفَقِيرِ، وكِلاهُما مَنشَؤُهُ الجَهْلُ، فَإنَّ كَراهِيَةَ تَسْلِيمِ المالِ حُمْقٌ؛ لِأنَّ مَن بَذَلَ المالَ لِطَلَبِ رِضا اللَّهِ والثَّوابِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّ ما حَصَلَ لَهُ مِن بَذْلِ المالِ أشَرَفُ مِمّا بَذَلَهُ، وظَنُّهُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الفَقِيرِ جَهْلٌ بِخَطَرِ الغِنى، أيْ أنَّ مَراتِبَ النّاسِ بِما تَتَفاوَتُ بِهِ نُفُوسُهم مِنَ التَّزْكِيَةِ لا بِعَوارِضِ الغِنى والفَقْرِ الَّتِي لا تَنْشَأُ عَنْ دَرَجاتِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ.

ولَمّا حَذَّرَ اللَّهُ المُتَصَدِّقَ مِن أنْ يُؤْذِيَ المُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الإضْرارِ بِهِ كَشَتْمِهِ وضَرْبِهِ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ لِأنَّهُ أوْلى بِالنَّهْيِ.

أوْسَعَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَقامَ بَيانًا وتَرْغِيبًا وزَجْرًا بِأسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ وتَفَنُّناتٍ بَدِيعَةٍ …

Al-Baqara 2:264Listen in Qur'an →
265

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌۭ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌۭ فَطَلٌّۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allah and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allah, of what you do, is Seeing.

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرُبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

عُطِفَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ عَلى ﴿مَثَلُ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] لِزِيادَةِ بَيانِ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ مِنَ البَوْنِ، وتَأْكِيدًا لِلثَّناءِ عَلى المُنْفِقِينَ بِإخْلاصٍ، وتَفَنُّنًا في التَّمْثِيلِ، فَإنَّهُ قَدْ مَثَّلَهُ فِيما سَلَفَ بِحَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، ومَثَّلَهُ فِيما سَلَفَ تَمْثِيلًا غَيْرَ كَثِيرِ التَّرْكِيبِ، لِتَحْصُلَ السُّرْعَةُ بِتَخَيُّلِ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، فَلَمّا مَثَّلَ حالَ المُنْفِقِ رِئاءً بِالتَّمْثِيلِ الَّذِي مَضى أُعِيدَ تَمْثِيلُ حالِ المُنْفِقِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ بِما هو أعْجَبُ في حُسْنِ التَّخَيُّلِ، فَإنَّ الأمْثالَ تُبْهِجُ السّامِعَ كُلَّما كانَتْ أكْثَرَ تَرْكِيبًا وضُمِّنَتِ الهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ بِها أحْوالًا حَسَنَةً تُكْسِبُها حُسْنًا لِيَسْرِيَ ذَلِكَ التَّحْسِينُ إلى المُشَبَّهِ، وهَذا مِن جُمْلَةِ مَقاصِدِ التَّشْبِيهِ.

صفحة ٥١

وانْتَصَبَ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا﴾ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِالوَصْفِ، أيْ مُبْتَغِينَ مَرْضاةَ اللَّهِ ومُثَبِّتِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، ولا يَحْسُنُ نَصْبُهُما عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أمّا قَوْلُهُ: ”ابْتِغاءَ“ فَلِأنَّ مُفادَ الِابْتِغاءِ هو مُفادُ اللّامِ الَّتِي يَنْتَصِبُ المَفْعُولُ لِأجْلِهِ بِإضْمارِها لِأنَّهُ يَأُولُ إلى مَعْنى: لِأجْلِ طَلَبِهِمْ مَرْضاةَ اللَّهِ، وأمّا قَوْلُهُ ”وتَثْبِيتًا“ فَلِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ.

والتَّثْبِيتُ تَحْقِيقُ الشَّيْءِ وتَرْسِيخُهُ، وهو تَمْثِيلٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكَبْحِ النَّفْسِ عَنِ التَّشَكُّكِ والتَّرَدُّدِ. أيْ أنَّهم يَمْنَعُونَ أنْفُسَهم مِنَ التَّرَدُّدِ في الإنْفاقِ في وُجُوهِ البِرِّ ولا يَتْرُكُونَ مَجالًا لِخَواطِرِ الشُّحِّ، وهَذا مِن قَوْلِهِمْ: ثَبَتَ قَدَمُهُ، أيْ: لَمْ يَتَرَدَّدْ ولَمْ يَنْكِصْ، فَإنَّ إراضَةَ النَّفْسِ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلَيْها لَها أثَرٌ في رُسُوخِ الأعْمالِ حَتّى تَعْتادَ الفَضائِلَ وتَصِيرَ لَها دَيْدَنًا.

وإنْفاقُ المالِ مِن أعْظَمِ ما تَرَسُخُ بِهِ الطّاعَةُ في النَّفْسِ لِأنَّ المالَ لَيْسَ أمْرًا هَيِّنًا عَلى النَّفْسِ، وتَكُونُ (مِن) عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّبْعِيضِ، لَكِنَّهُ تَبْعِيضٌ مَجازِيٌّ بِاعْتِبارِ الأحْوالِ، أيْ تَثْبِيتًا لِبَعْضِ أحْوالِ النَّفْسِ.

ومُوقِعُ (مِن) هَذِهِ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِنْزالِ والِاقْتِصادِ في تَعَلُّقِ الفِعْلِ، بِحَيْثُ لا يُطْلَبُ تَسَلُّطُ الفِعْلِ عَلى جَمِيعِ ذاتِ المَفْعُولِ بَلْ يُكْتَفى بِبَعْضِ المَفْعُولِ، والمَقْصُودُ التَّرْغِيبُ في تَحْصِيلِ الفِعْلِ والِاسْتِدْراجُ إلى تَحْصِيلِهِ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ يَقْتَضِي أنَّهُ جَعَلَ التَّبْعِيضَ فِيها حَقِيقِيًّا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (تَثْبِيتًا) تَمْثِيلًا لِلتَّصْدِيقِ، أيْ: تَصْدِيقًا لِوَعْدِ اللَّهِ وإخْلاصًا في الدِّينِ لِيُخالِفَ حالَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ امْتِثالَ الأحْكامِ الشّاقَّةِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ تَصْدِيقٍ لِلْآمِرِ بِها، أيْ يَدُلُّونَ عَلى تَثْبِيتٍ مِن أنْفُسِهِمْ.

و(مِن) عَلى هَذا الوَجْهِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ تَصْدِيقًا صادِرًا مِن أنْفُسِهِمْ.

ويَجِيءُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ التَّثْبِيتِ مَعْنًى أخْلاقِيٌّ جَلِيلٌ أشارَ إلَيْهِ …

Al-Baqara 2:265Listen in Qur'an →
266

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَابٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌۭ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌۭ فِيهِ نَارٌۭ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allah make clear to you [His] verses that you might give thought.

﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أثارَهُ ضَرْبُ المَثَلِ العَجِيبِ لِلْمُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، ومَثَلِ جَنَّةٍ بِرُبْوَةٍ إلى آخِرِ ما وُصِفَ مِنَ المَثَلَيْنِ، ولَمّا أُتْبِعَ بِما يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِلْمُنْفِقِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى، ثُمَّ أُتْبِعَ بِالنَّهْيِ عَنْ أنْ يُتْبِعُوا صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى - اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُ السّامِعِ لِتَلَقِّي مَثَلٍ لَهم يُوَضِّحُ حالَهُمُ الذَّمِيمَةَ كَما ضُرِبَ المَثَلُ لِمَن كانُوا بِضِدِّ حالِهِمْ في حالَةٍ مَحْمُودَةٍ.

ضَرَبَ اللَّهُ هَذا مَثَلًا لِمُقابِلِ مَثَلِ النَّفَقَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ والتَّصْدِيقِ. وهو نَفَقَةُ الرِّئاءِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو حُصُولُ خَيْبَةٍ ويَأْسٍ في وقْتِ تَمامِ الرَّجاءِ وإشْرافِ الإنْتاجِ، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ

صفحة ٥٤

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآيَةَ، وقَدْ وصَفَ الجَنَّةَ بِأعْظَمِ ما يَحْسُنُ بِهِ أحْوالُ الجَنّاتِ وما يُرْجى مِنهُ تَوَفُّرُ رَيْعِها، ثُمَّ وصَفَ صاحِبَها بِأقْصى صِفاتِ الحاجَةِ إلى فائِدَةِ جَنَّتِهِ، بِأنَّهُ ذُو عِيالٍ فَهو في حاجَةٍ إلى نَفْعِهِمْ، وأنَّهم ضُعَفاءُ، أيْ صِغارٌ، إذِ الضَّعِيفُ في لِسانِ العَرَبِ هو القاصِرُ، ويُطْلَقُ الضَّعِيفُ عَلى الفَقِيرِ أيْضًا، قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ أبُو خالِدٍ العَتّابِيُّ:

لَقَدْ زادَ الحَياةَ إلَيَّ حُبًّا بَناتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعافِ

وقَدْ أصابَهُ الكِبَرُ فَلا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَسْبِ غَيْرَ تِلْكَ الجَنَّةِ. فَهَذِهِ أشَدُّ أحْوالِ الحِرْصِ كَقَوْلِ الأعْشى:

كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ فَحَصَلَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ الحالَةِ أعْظَمُ التَّرَقُّبِ لِثَمَرَةِ هَذِهِ الجَنَّةِ كَما كانَ المُعْطِي صَدَقَتَهُ في تَرَقُّبٍ لِثَوابِها.

”فَأصابَها إعْصارٌ“ أيْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَقْلَعُ الشَّجَرَ والنَّباتَ، فِيها نارٌ أيْ شِدَّةُ حَرارَةٍ، وهي المُسَمّاةُ بِرِيحِ السَّمُومِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ نارٍ عَلى شِدَّةِ الحَرِّ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، فَأحْرَقَتِ الجَنَّةَ (أيْ أشْجارَها) أيْ صارَتْ أعْوادُها يابِسَةً، فَهَذا مُفاجَأةُ الخَيْبَةِ في حِينِ رَجاءِ المَنفَعَةِ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”أيَوَدُّ“ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَحْذِيرٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] والهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ مَحْذُوفَةٌ وهي هَيْئَةُ المُنْفِقِ نَفَقَةً مُتْبَعَةً بِالمَنِّ والأذى.

رَوى البُخارِيُّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ يَوْمًا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ الآيَةَ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: اللَّهُ أعْلَمُ. فَغَضِبَ عُمَرُ وقالَ: (قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ) . فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ) . فَقالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي قُلْ ولا تَحْقِرْ نَفْسَكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: (أيُّ عَمَلٍ) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَمَلٍ. قالَ: صَدَقْتَ: لِرَجُلٍ …

Al-Baqara 2:266Listen in Qur'an →
267

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ

O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allah is Free of need and Praiseworthy.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجَنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيُّ حَمِيدٌ﴾ .

إفْضاءٌ إلى المَقْصُودِ وهو الأمْرُ بِالصَّدَقاتِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَواعِظُ وتَرْغِيبٌ وتَحْذِيرٌ، وهو طَرِيقَةٌ بَلاغِيَّةٌ في الخَطابَةِ والخِطابِ، فَرُبَّما قَدَّمُوا المَطْلُوبَ ثُمَّ جاءُوا بِما يُكْسِبُهُ قَبُولًا عِنْدَ السّامِعِينَ، ورُبَّما قَدَّمُوا ما يُكْسِبُ القَبُولَ قَبْلَ المَقْصُودِ كَما هُنا، وهَذا مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ في تَرْتِيبِ الجُمَلِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ شاعَ بَيْنَ النّاسِ التَّرْغِيبُ في الصَّدَقَةِ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في نُزُولِ القُرْآنِ فَصارَ غَرَضًا دِينِيًّا مَشْهُورًا، وكانَ الِاهْتِمامُ بِإيضاحِهِ والتَّرْغِيبُ في أحْوالِهِ والتَّنْفِيرُ مِن نَقائِصِهِ أجْدَرَ بِالبَيانِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ عَلِيٍّ في خُطْبَتِهِ الَّتِي خَطَبَها حِينَ دَخَلَ سُفْيانُ الغامِدِيُّ - أحَدَ قُوّادِ أهْلِ الشّامِ - بَلَدَ الأنْبارِ - وهي مِنَ البِلادِ المُطِيعَةِ لِلْخَلِيفَةِ عَلِيٍّ - وقَتَلُوا عامِلَها حَسّانَ بْنَ حَسّانَ البَكْرِيَّ: أمّا بَعْدُ فَإنَّ مَن تَرَكَ الجِهادَ رَغْبَةً عَنْهُ ألْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وشَمِلَهُ البَلاءُ، ودُيِّثَ بِالصَّغارِ، وضُرِبَ عَلى قَلْبِهِ، وسِيمَ الخَسْفَ، ومُنِعَ النَّصَفَ، ألا وإنِّي قَدْ دَعَوْتُكم إلى قِتالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لَيْلًا ونَهارًا وقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهم قَبْلَ أنْ يَغْزُوكم، فَواللَّهِ ما غُزِيَ قَوْمٌ في عُقْرِ دارِهِمْ إلّا ذُلُّوا، فَتَواكَلْتُمْ، هَذا أخُو غامِدٍ قَدْ ورَدَتْ خَيْلُهُ الأنْبارَ. . . إلخ. وانْظُرْ كَلِمَةَ الجِهادِ في هَذِهِ الخُطْبَةِ فَلَعَلَّ أصْلَها القِتالُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: إلى قِتالِ هَؤُلاءِ. فَحَرَّفَها قاصِدٌ أوْ غافِلٌ، ولا إخالُها تَصْدُرُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .

صفحة ٥٦

والأمْرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ، فَتَكُونَ الآيَةُ في الأمْرِ بِالزَّكاةِ، أوْ لِلنَّدَبِ، فَهي في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أوْ هو لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ في الطَّلَبِ فَتَشْمَلُ الزَّكاةَ وصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، والأدِلَّةُ الأُخْرى تُبَيِّنُ حُكْمَ كُلٍّ، والقَيْدُ بِالطَّيِّباتِ يُناسِبُ تَعْمِيمَ النَّفَقاتِ.

والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ خِيارُ الأمْوالِ، فَيُطْلَقُ الطَّيِّبُ عَلى الأحْسَنِ في صِنْفِهِ، والكَسْبُ ما يَنالُهُ المَرْءُ بِسَعْيِهِ كالتِّجارَةِ والغَنِيمَةِ والصَّيْدِ، ويُطْلَقُ الطَّيِّبُ عَلى المالِ المُكْتَسَبِ بِوَجْهٍ حَلالٍ لا يُخالِطُهُ ظُلْمٌ ولا غِشٌّ، وهو الطَّيِّبُ عِنْدَ اللَّهِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طِيبًا تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ» الحَدِيثَ، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا» . ولَمْ يَذْكُرِ الطَّيِّباتِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ اكْتِفاءً بِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَسِيمِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِالطَّيِّباتِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أخْرَجْنا لَكُمْ﴾ أشْعَرَ بِأنَّهُ مِمّا اكْتَسَبَهُ المَرْءُ بِعَمَلِهِ بِالحَرْثِ والغَرْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ الأمْوالَ الخَبِيثَةَ تُحَصَّلُ غالِبًا مِن ظُلْمِ النّاسِ أوِ التَّحَيُّلِ عَلَيْهِمْ وغِشِّهِمْ وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الثَّمَراتِ المُسْتَخْرَجَةِ مِنَ الأرْضِ غالِبًا.

والمُرادُ بِما أُخْرِجَ مِنَ الأرْضِ …

Al-Baqara 2:267Listen in Qur'an →
268

ٱلشَّيْطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allah promises you forgiveness from Him and bounty. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

صفحة ٥٩

﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] لِأنَّ الشَّيْطانَ يَصُدُّ النّاسَ عَنْ إعْطاءِ خِيارِ أمْوالِهِمْ، ويُغْرِيهِمْ بِالشُّحِّ أوْ بِإعْطاءِ الرَّدِيءِ والخَبِيثِ، ويُخَوِّفُهم مِنَ الفَقْرِ إنْ أعْطَوْا بَعْضَ مالِهِمْ.

وقَدَّمَ اسْمَ الشَّيْطانِ مُسْنَدًا إلَيْهِ لِأنَّ تَقْدِيمَهُ مُؤْذِنٌ بِذَمِّ الحُكْمِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ وشُؤْمِهِ لِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن هَذا الحُكْمِ، كَما يُقالُ في مِثالِ عِلْمِ المَعانِي: السَّفّاحُ في دارِ صَدِيقِكَ، ولِأنَّ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ تَقْوِيَةَ الحُكْمِ وتَحْقِيقَهُ.

ومَعْنى (يَعِدُكم): يُسَوِّلُ لَكم وُقُوعَهُ في المُسْتَقْبَلِ إذا أنْفَقْتُمْ خِيارَ أمْوالِكم، وذَلِكَ بِما يُلْقِيهِ في قُلُوبِ الَّذِينَ تَخَلَّقُوا بِالأخْلاقِ الشَّيْطانِيَّةِ، وسُمِّيَ الإخْبارُ بِحُصُولِ أمْرٍ في المُسْتَقْبَلِ وعْدًا مَجازًا لِأنَّ الوَعْدَ إخْبارٌ بِحُصُولِ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ مِن جِهَةِ المُخْبِرِ، ولِذَلِكَ يُقالُ: أنْجَزَ فُلانٌ وعْدَهُ أوْ أخْلَفَ وعْدَهُ، ولا يَقُولُونَ أنْجَزَ خَبَرَهُ، ويَقُولُونَ صَدَقَ خَبَرَهُ وصَدَقَ وعْدَهُ، فالوَعْدُ أخَصُّ مِنَ الخَبَرِ، وبِذَلِكَ يُؤْذِنُ كَلامُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَشَبَّهَ إلْقاءَ الشَّيْطانِ في نُفُوسِهِمْ تَوَقُّعَ الفَقْرِ بِوَعْدٍ مِنهُ بِحُصُولِهِ لا مَحالَةَ، ووَجْهُ الشَّبَهِ ما في الوَعْدِ مِن مَعْنى التَّحَقُّقِ، وحُسْنُ هَذا المَجازِ هُنا مُشاكَلَتُهُ لِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً﴾ فَإنَّهُ وعْدٌ حَقِيقِيٌّ.

ثُمَّ إنَّ كانَ الوَعْدُ يُطْلَقُ عَلى التَّعَهُّدِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، كَما هو كَلامُ القامُوسِ تَبَعًا لِفَصِيحِ ثَعْلَبٍ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ مَجازٌ واحِدٌ، وإنْ كانَ خاصًّا بِالخَيْرِ كَما هو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الأساسِ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ مَجازانِ.

والفَقْرُ شِدَّةُ الحاجَةِ إلى لَوازِمِ الحَياةِ لِقِلَّةِ أوْ فَقْدِ ما يُعاوِضُ بِهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن فِقارِ الظَّهْرِ، فَأصْلُهُ مَصْدَرُ: فَقَرَهُ: إذا كَسَرَ ظَهْرَهُ، جَعَلُوا العاجِزَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْتَطِيعُ أدْنى حَرَكَةٍ؛ لِأنَّ الظَّهْرَ هو مَجْمَعُ الحَرَكاتِ، ومِن هَذا تَسْمِيَتُهُمُ المُصِيبَةَ فاقِرَةً، وقاصِمَةَ الظَّهْرِ، ويُقالُ: فَقْرٌ وفَقَرٌ وفُقْرٌ وفُقُرٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وبِفَتْحَتَيْنِ، وبِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وبِضَمَّتَيْنِ، ويُقالُ رَجُلٌ فَقِيرٌ، ويُقالُ: رَجُلٌ فَقْرٌ، وصْفا بِالمَصْدَرِ.

صفحة ٦٠

والفَحْشاءُ اسْمٌ لِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ شَدِيدِ السُّوءِ، واسْتِحْقاقِ الذَّمِّ عُرْفًا أوْ شَرْعًا، مُشْتَقٌّ مِنَ الفُحْشِ - بِضَمِّ الفاءِ وسُكُونِ الحاءِ - تَجاوُزِ الحَدِّ، وخَصَّهُ الِاسْتِعْمالُ بِالتَّجاوُزِ في القَبِيحِ، أيْ يَأْمُرُكم بِفِعْلٍ قَبِيحٍ، وهَذا ارْتِقاءٌ في التَّحْذِيرِ مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي تَدْعُو إلى الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالفَحْشاءِ البُخْلَ لِأنَّ لَفْظَ الفَحْشاءِ لا يُطْلَقُ عَلى البُخْلِ، وإنْ كانَ البَخِيلُ يُسَمّى فاحِشًا، وإطْلاقُ الأمْرِ عَلى وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وتَأْثِيرِ قُوَّتِهِ في النُّفُوسِ مَجازٌ لِأنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ مِن أقْسامِ الكَلامِ، والتَّعْرِيفُ في (الفَحْشاءِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

* * *

﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ لِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ ما تَدْعُو …

Al-Baqara 2:268Listen in Qur'an →
269

يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

He gives wisdom to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وتَذْيِيلٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ آياتُ الإنْفاقِ مِنَ المَواعِظِ والآدابِ وتَلْقِينِ الأخْلاقِ الكَرِيمَةِ، مِمّا يُكْسِبُ العامِلِينَ بِهِ رَجاحَةَ العَقْلِ واسْتِقامَةَ العَمَلِ.

صفحة ٦١

فالمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ إلى نَفاسَةِ ما وعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وتَنْبِيهُهم إلى أنَّهم قَدْ أصْبَحُوا بِهِ حُكَماءَ بَعْدَ أنْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ جُهَلاءَ، فالمَعْنى: هَذا مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي آتاكُمُ اللَّهُ، فَهو يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] .

قالَ الفَخْرُ: نَبَّهَ عَلى أنَّ الأمْرَ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ تَرْجِيحُ وعْدِ الرَّحْمَنِ عَلى وعْدِ الشَّيْطانِ هو أنَّ وعْدَ الرَّحْمَنِ تُرَجِّحُهُ الحِكْمَةُ والعَقْلُ، ووَعْدَ الشَّيْطانِ تُرَجِّحُهُ الشَّهْوَةُ والحِسُّ مِن حَيْثُ إنَّهُما يَأْمُرانِ بِتَحْصِيلِ اللَّذَّةِ الحاضِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ حُكْمَ الحِكْمَةِ هو الحُكْمُ الصّادِقُ المُبَرَّأُ عَنِ الزَّيْغِ، وحُكْمَ الحِسِّ والشَّهْوَةِ يُوقِعُ في البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَتَعْقِيبُ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً﴾ [البقرة: ٢٦٨] بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما وعَدَ بِهِ تَعالى مِنَ المَغْفِرَةِ والفَضْلِ مِنَ الحِكْمَةِ وأنَّ الحِكْمَةَ كُلَّها مِن عَطاءِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيها مَن يَشاءُ.

والحِكْمَةُ إتْقانُ العِلْمِ وإجْراءُ الفِعْلِ عَلى وفْقِ ذَلِكَ العِلْمِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: نَزَلَتِ الحِكْمَةُ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ وعُقُولِ اليُونانِ، وأيْدِي الصِّينِيِّينَ. وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحُكْمِ وهو المَنعُ لِأنَّها تَمْنَعُ صاحِبَها مِنَ الوُقُوعِ في الغَلَطِ والضَّلالِ، قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] ومِنهُ سُمِّيَتِ الحَدِيدَةُ الَّتِي في اللِّجامِ وتُجْعَلُ في فَمِ الفَرَسِ حَكَمَةً.

ومَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى إيتاءَهُ الحِكْمَةَ هو الَّذِي يَخْلُقُهُ مُسْتَعِدًّا إلى ذَلِكَ مِن سَلامَةِ عَقْلِهِ واعْتِدالِ قُواهُ، حَتّى يَكُونَ قابِلًا لِفَهْمِ الحَقائِقِ مُنْقادًا إلى الحَقِّ إذا لاحَ لَهُ، لا يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ هَوًى ولا عَصَبِيَّةٌ ولا مُكابَرَةٌ ولا أنَفَةٌ، ثُمَّ يُيَسِّرُ لَهُ أسْبابَ ذَلِكَ مِن حُضُورِ الدُّعاةِ وسَلامَةِ البُقْعَةِ مِنَ العُتاةِ، فَإذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ تَوَجُّهُهُ إلى اللَّهِ بِأنْ يَزِيدَ أسْبابَهُ تَيْسِيرًا ويَمْنَعَ عَنْهُ ما يَحْجُبُ الفَهْمَ فَقَدْ كَمُلَ لَهُ التَّيْسِيرُ، وفُسِّرَتِ الحِكْمَةُ بِأنَّها مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِما تَبْلُغُهُ الطّاقَةُ، أيْ بِحَيْثُ لا تَلْتَبِسُ الحَقائِقُ المُتَشابِهَةُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ ولا يَغْلَطُ في العِلَلِ والأسْبابِ.

والحِكْمَةُ قُسِّمَتْ أقْسامًا مُخْتَلِفَةَ المَوْضُوعِ اخْتِلافًا بِاخْتِلافِ العُصُورِ والأقالِيمِ، ومَبْدَأُ ظُهُورِ عِلْمِ الحِكْمَةِ في الشَّرْقِ عِنْدَ الهُنُودِ البَراهِمَةِ والبُوذِيِّينَ، وعِنْدَ أهْلِ الصِّينِ

صفحة ٦٢

البُوذِيِّينَ وفي بِلادِ فارِسَ في حِكْمَةِ زَرادِشْتَ، وعِنْدَ القِبْطِ في حِكْمَةِ الكَهَنَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ حِكْمَةُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الشَّرْقِيَّةِ إلى اليُونانِ وهُذِّبَتْ وصُحِّحَتْ وفُرِّعَتْ وقُسِّمَتْ عِنْدَهم إلى قِسْمَيْنِ: حِكْمَةٍ عَمَلِيَّةٍ، وحِكْمَةٍ نَظَرِيَّةٍ.

فَأمّا الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ فَهي المُتَعَلِّقَةُ بِما يَصْدُرُ مِن أعْمالِ النّاسِ، …

Al-Baqara 2:269Listen in Qur'an →
270

وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ ۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allah knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

صفحة ٦٥

﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ .

تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ المَسُوقِ لِلْأمْرِ بِالإنْفاقِ وصِفاتِهِ المَقْبُولَةِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ المُثَبِّطاتِ عَنْهُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] .

والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ التَّذْكِيرُ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النَّفَقاتِ وصِفاتِها، وأُدْمِجَ النَّذْرُ مَعَ الإنْفاقِ فَكانَ الكَلامُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا.

والنَّذْرُ التِزامُ قُرْبَةٍ أوْ صَدَقَةٍ بِصِيغَةِ الإيجابِ عَلى النَّفْسِ؛ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ صَدَقَةٌ وعَلَيَّ تَجْهِيزُ غازٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ويَكُونُ مُطْلَقًا ومُعَلَّقًا عَلى شَيْءٍ، وقَدْ عَرَفَتِ العَرَبُ النَّذْرَ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَقَدْ نَذَرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أنَّهُ إنْ رُزِقَ عَشَرَةُ أوْلادٍ لَيَذْبَحَنَّ عاشِرَهم قُرْبانًا لِلْكَعْبَةِ، وكانَ ابْنُهُ العاشِرُ هو عَبْدَ اللَّهِ ثانِيَ الذَّبِيحَيْنِ، وأكْرِمْ بِها مَزِيَّةً، ونَذَرَتْ نَتِيلَةُ زَوْجُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَمّا افْتَقَدَتِ ابْنَها العَبّاسَ - وهو صَغِيرٌ - أنَّها لَوْ وجَدَتْهُ لَتَكْسُوَنَّ الكَعْبَةَ الدِّيباجَ. فَفَعَلَتْ، وهي أوَّلُ مَن كَسا الكَعْبَةَ الدِّيباجَ، وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرامِ. فَقالَ: أوْفِ بِنَذْرِكَ» .

وفِي الأُمَمِ السّابِقَةِ كانَ النَّذْرُ، وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ امْرَأةِ عِمْرانَ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] والآيَةُ دَلَّتْ عَلى مَشْرُوعِيَّتِهِ في الإسْلامِ، ورَجاءِ ثَوابِهِ، لِعَطْفِهِ عَلى ما هو مِن فِعْلِ الخَيْرِ سَواءٌ كانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا أمْ مُعَلَّقًا؛ لِأنَّ الآيَةَ أطْلَقَتْ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ مُرادٌ بِهِ الوَعْدُ بِالثَّوابِ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «إنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا ولا يُؤَخِّرُ، ولا يَرُدُّ شَيْئًا، ولا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، ولَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» .

ومَساقُهُ التَّرْغِيبُ في النَّذْرِ غَيْرِ المُعَلَّقِ لا إبْطالُ فائِدَةِ النَّذْرِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ عِبادَهُ فَقالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وفي المُوَطَّأِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ» .

و(مِن) في قَوْلِهِ: ”مِن نَفَقَةٍ“ و”مِن نَذْرٍ“ بَيانٌ لِـ ”ما أنْفَقْتُمْ“ و”نَذَرْتُمْ“، ولَمّا كانَ شَأْنُ البَيانِ أنْ يُفِيدَ مَعْنًى زائِدًا عَلى مَعْنى المُبَيَّنِ، وكانَ مَعْنى البَيانِ هَنا عَيْنَ مَعْنى المُبَيَّنِ، تَعَيَّنَ

صفحة ٦٦

أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ بَيانَ المُنْفَقِ والمَنذُورِ بِما في تَنْكِيرِ مَجْرُورَيْ ”مِن“ مِن إرادَةِ أنْواعِ النَّفَقاتِ والمَنذُوراتِ، فَأكَّدَ بِذَلِكَ العُمُومِ ما أفادَتْهُ ”ما“ الشَّرْطِيَّةُ مِنَ العُمُومِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، قالَ التَّفْتازانِيُّ: ”مِثْلُ هَذا البَيانِ يَكُونُ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ ومَنعِ الخُصُوصِ“ .

وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِالكائِناتِ لا يَشُكُّ فِيهِ السّامِعُونَ فَأُرِيدَ لازِمُ مَعْناهُ، وإنَّما كانَ لازِمًا لَهُ؛ لِأنَّ القادِرَ …

Al-Baqara 2:270Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.