Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 251–260 of 286

251

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

So they defeated them by permission of Allah, and David killed Goliath, and Allah gave him the kingship and prophethood and taught him from that which He willed. And if it were not for Allah checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allah is full of bounty to the worlds.

﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾

ذَيَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ، كُلَّ الوَقائِعِ العَجِيبَةِ، الَّتِي أشارَتْ بِها الآياتُ السّالِفَةُ: لِتَدْفَعَ عَنِ السّامِعِ المُتَبَصِّرِ ما يُخامِرُهُ مِن تَطَلُّبِ الحِكْمَةِ في حَدَثانِ هَذِهِ الوَقائِعِ وأمْثالِها في هَذا العالَمِ ولِكَوْنِ مَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةً مَن عِبَرِ الأكْوانِ، وحِكْمَةً مِن حِكَمِ التّارِيخِ، ونُظُمِ العُمْرانِ الَّتِي لَمْ يَهْتَدِ إلَيْها أحَدٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَبْلَ إدْراكِ ما في مَطاوِيها، عُطِفَتْ عَلى العِبَرِ الماضِيَةِ كَما عُطِفَ قَوْلُهُ (﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]) وما بَعْدَهُ مِن رُءُوسِ الآيِ. وعُدِلَ عَنِ التَّعارُفِ في أمْثالِها مِن تَرْكِ العَطْفِ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ﴾) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ دَفْعُ بِصِيغَةِ المُجَرَّدِ.

والدِّفاعُ مَصْدَرُ دافَعَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في دَفْعٍ لا لِلْمُفاعَلَةِ، كَقَوْلِ مُوسى جابِرٍ الحَنَفِيِّ:

لا أشْتَهِي يا قَوْمُ إلّا كارِهًـا بابَ الأمِيرِ ولا دِفاعَ الحاجِبِ

وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ: كَما هو في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] أيْ يَدْفَعُ لِأنَّ الَّذِي يَدْفَعُ حَقِيقَةً هو الَّذِي يُباشِرُ الدَّفْعَ في مُتَعارَفِ النّاسِ وإنَّما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ الَّذِي قَدَّرَهُ وقَدَّرَ أسْبابَهُ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فَجُعِلَ سَبَبُ الدِّفاعِ بَعْضَهم وهو مِن بابِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] . وأصْلُ مَعْنى الدَّفْعِ الضَّرْبُ بِاليَدِ لِلْإقْصاءِ عَنِ المَرامِ. قالَ:

فَدَفَعْتُها فَتَدافَعَتْ وهو ذَبٌّ عَنْ مَصْلَحَةِ الدّافِعِ ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَوْلا وُقُوعُ دَفْعِ بَعْضِ النّاسِ بَعْضًا آخَرَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيداعِهِ قُوَّةَ الدَّفْعِ وبَواعِثَهُ في الدّافِعِ، لَفَسَدَتِ الأرْضُ: أيْ مَن عَلى الأرْضِ، واخْتَلَّ

صفحة ٥٠١

نِظامُ ما عَلَيْها: ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ المَوْجُوداتِ الَّتِي عَلى الأرْضِ مِن أجْناسٍ، وأنْواعٍ، وأصْنافٍ، خَلَقَها قابِلَةً لِلِاضْمِحْلالِ، وأوْدَعَ في أفْرادِها سُنَنًا دَلَّتْ عَلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ بَقاؤُها إلى أمَدٍ أرادَهُ، ولِذَلِكَ نَجِدُ قانُونَ الخَلَفِيَّةِ مُنْبَثًّا في جَمِيعِ أنْواعِ المَوْجُوداتِ فَما مِن نَوْعٍ إلّا وفي أفْرادِهِ قُوَّةُ إيجادِ أمْثالِها لِتَكُونَ تِلْكَ الأمْثالُ أخْلافًا عَنِ الأفْرادِ عِنْدَ اضْمِحْلالِها، وهَذِهِ القُوَّةُ هي المُعَبَّرُ عَنْها بِالتَّناسُلِ في الحَيَوانِ، والبَذْرِ في النَّبْتِ، والنَّضْحِ في المَعادِنِ، والتَّوَلُّدِ في العَناصِرِ الكِيماوِيَّةِ. ووُجُودُ هَذِهِ القُوَّةِ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ أوَّلُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ مُوجِدَها قَدْ أرادَ بَقاءَ الأنْواعِ، كَما أرادَ اضْمِحْلالَ الأفْرادِ عِنْدَ آجالٍ مُعَيَّنَةٍ، لِاخْتِلالِ أوِ انْعِدامِ صَلاحِيَّتِها، ونَعْلَمُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ خالِقُ هَذِهِ الأكْوانِ لا يُحِبُّ فَسادَها، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] . ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى كَما أوْدَعَ في جَمِيعِ الكائِناتِ إدْراكاتٍ تَنْساقُ بِها، بِدُونِ تَأمُّلٍ أوْ بِتَأمُّلٍ، إلى ما فِيهِ صَلاحُها وبَقاؤُها، كانْسِياقِ الوَلِيدِ …

Al-Baqara 2:251Listen in Qur'an →
252

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ

These are the verses of Allah which We recite to you, [O Muhammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾

الإشارَةُ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ القِصَصُ الماضِيَةُ وما فِيها مِنَ العِبَرِ، ولَكِنَّ الحِكَمَ العالِيَةَ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وقَدْ نَزَّلَها مَنزِلَةَ المُشاهِدِ لِوُضُوحِها وبَيانِها وجُعِلَتْ آياتٍ لِأنَّها دَلائِلُ عَلى عِظَمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى وعَلى سِعَةِ عِلْمِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ: تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ، وتَثْبِيتًا لِقَلْبِهِ، وتَعْرِيضًا بِالمُنْكِرِينَ رِسالَتَهُ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ، وجِيءَ بِقَوْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ دُونَ أنْ يَقُولَ: (وإنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)، لِلرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ بِتَذْكِيرِهِمْ أنَّهُ ما كانَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وأنَّهُ أرْسَلَهُ كَما أرْسَلَ مَن قَبْلَهُ، ولَيْسَ في حالِهِ ما يَنْقُصُ عَنْ أحْوالِهِمْ.

Al-Baqara 2:252Listen in Qur'an →
253

۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allah spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the Son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit. If Allah had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allah had willed, they would not have fought each other, but Allah does what He intends.

صفحة ٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ .

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مَوْقِعُ الفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَها والمُقَدِّمَةِ لِما بَعْدَها، فَأمّا الأوَّلُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْبَأ بِاخْتِبارِ الرُّسُلِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى وما عَرَضَ لَهم مَعَ أقْوامِهِمْ وخَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٢٥٢] جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ في قَوْلِهِ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ لَفْتًا إلى العِبَرِ الَّتِي في خِلالِ ذَلِكَ كُلِّهِ، ولَمّا أنْهى ذَلِكَ كُلَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] تَذْكِيرًا بِأنَّ إعْلامَهُ بِأخْبارِ الأُمَمِ والرُّسُلِ آيَةٌ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، إذْ ما كانَ لِمِثْلِهِ قِبَلٌ بِعِلْمِ ذَلِكَ لَوْلا وحْيُ اللَّهِ إلَيْهِ، وفي هَذا كُلِّهِ حُجَّةٌ عَلى المُشْرِكِينَ وعَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ جَحَدُوا رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ مِثْلُ مَوْقِعِهِ في قَوْلِ النّابِغَةِ:

بَنِي عَمِّهِ دُنْيا وعَمْرِو بْنِ عامِرٍ أُولَئِكَ قَوْمٌ بَأْسُهم غَيْرُ كاذِبِ

والإشارَةُ إلى جَماعَةِ المُرْسَلِينَ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] وجِيءَ بِالإشارَةِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِحْضارِ، حَتّى كَأنَّ جَماعَةَ الرُّسُلِ حاضِرَةٌ لِلسّامِعِ بَعْدَ ما مَرَّ مِن ذِكْرِ عَجِيبِ أحْوالِ بَعْضِهِمْ وما أعْقَبَهُ مِن ذِكْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ.

وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَمّا أُفِيضَ القَوْلُ في القِتالِ وفي الحَثِّ عَلى الجِهادِ والِاعْتِبارِ بِقِتالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما اخْتَلَفَ النّاسُ في أمْرِ الدِّينِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنَّهم أساءُوا الفَهْمَ فَجَحَدُوا البَيِّناتِ فَأفْضى بِهِمْ سُوءُ فَهْمِهِمْ إلى اشْتِطاطِ الخِلافِ بَيْنَهم حَتّى أفْضى إلى الِاقْتِتالِ، فَمَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ عَلى هَذا الِاعْتِبارِ كَمَوْقِعِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، أيْ هي قِصَّةُ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ، فَضَّلْنا بَعْضَ الرُّسُلِ عَلى بَعْضٍ فَحَسَدَتْ بَعْضُ الأُمَمِ أتْباعَ بَعْضِ الرُّسُلِ فَكَذَّبَ اليَهُودُ عِيسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذَّبَ النَّصارى مُحَمَّدًا ﷺ .

وقُرِنَ اسْمُ الإشارَةِ بِكافِ البُعْدِ تَنْوِيهًا بِمَراتِبِهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] .

صفحة ٦

واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و(الرُّسُلُ) خَبَرٌ، ولَيْسَ (الرُّسُلُ) بَدَلًا لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ الجَماعَةِ بِأنَّها الرُّسُلُ أوْقَعُ في اسْتِحْضارِ الجَماعَةِ العَجِيبِ شَأْنُهُمُ الباهِرِ خَبَرُهم، وجُمْلَةُ (فَضَّلْنا) حالٌ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَمْجِيدُ سُمْعَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ أنَّ هاتِهِ الفِئَةَ الطَّيِّبَةَ مَعَ عَظِيمِ شَأْنِها قَدْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، وأسْبابُ التَّفْضِيلِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، غَيْرَ أنَّها تَرْجِعُ إلى ما جَرى عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الخَيْراتِ المُصْلِحَةِ لِلْبَشَرِ ومِن نَصْرِ الحَقِّ، وما لَقُوهُ مِنَ الأذى في سَبِيلِ ذَلِكَ، وما أُيِّدُوا بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ المُتَفاوِتَةِ في هُدى البَشَرِ، وفي عُمُومِ ذَلِكَ الهُدى ودَوامِهِ، وإذا كانَ الرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ: «لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، فَما …

Al-Baqara 2:253Listen in Qur'an →
254

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مِثْلُ مَوْقِعِ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] الآيَةَ. لِأنَّهم لَمّا دَعاهم إلى بَذْلِ نُفُوسِهِمْ لِلْقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] شَفَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى بَذْلِ المالِ في الجِهادِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفُهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ لِآيَةِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] لِأنَّ صِيغَةَ هَذِهِ الآيَةِ

صفحة ١٤

أظْهَرُ في إرادَةِ عُمُومِ الإنْفاقِ المَطْلُوبِ في الإسْلامِ، فالمُرادُ بِالإنْفاقِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المَفْعُولُ والمُتَعَلِّقُ لِقَصْدِ الِانْتِقالِ إلى الأمْرِ بِالصَّدَقاتِ الواجِبَةِ وغَيْرِها، وسَتَجِيءُ آياتٌ في تَفْصِيلِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ حَثٌّ عَلى الإنْفاقِ واسْتِحْقاقٌ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ حَثٌّ آخَرُ لِأنَّهُ يُذَكِّرُ بِأنَّ هُنالِكَ وقْتًا تَنْتَهِي الأعْمالُ إلَيْهِ ويَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْراكُ فِيهِ، واليَوْمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وانْتِفاءُ البَيْعِ والخُلَّةِ والشَّفاعَةِ كِنايَةٌ عَنْ تَعَذُّرِ التَّدارُكِ لِلْفائِتِ، لِأنَّ المَرْءَ يُحَصِّلُ ما يَعُوزُهُ بِطُرُقٍ هي المُعاوَضَةُ المُعَبَّرُ عَنْها بِالبَيْعِ والِارْتِفاقِ مِنَ الغَيْرِ وذَلِكَ بِسَبَبِ الخُلَّةِ، أوْ بِسَبَبِ تَوَسُّطِ الواسِطَةِ إلى مَن لَيْسَ بِخَلِيلٍ.

والخُلَّةُ - بِضَمِّ الخاءِ - المَوَدَّةُ والصُّحْبَةُ، ويَجُوزُ كَسْرُ الخاءِ ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ، وتُطْلَقُ الخُلَّةُ - بِالضَّمِّ - عَلى الصَّدِيقِ تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ والمُذَكَّرُ وغَيْرُهُ قالَ الحَماسِيُّ:

ألا أبْلِغا خُلَّتِي راشِدًا وصِنْوِي قَدِيمًا إذا ما اتَّصَلْ

وقالَ كَعْبٌ:

أكْرِمْ بِها خُلَّةً. . . .، البَيْتَ.

فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ هُنا بِالخُلَّةِ المَوَدَّةُ، ونَفْيُ المَوَدَّةِ في ذَلِكَ نَفْيٌ لِحُصُولِ أثَرِها وهو الدَّفْعُ عَنِ الخَلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الخَلِيلِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ لازِمِهِ، وهو النَّفْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

وقالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ ∗∗∗ لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ

وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا بَيْعٌ فِيهِ) - وما بَعْدَهُ - بِالرَّفْعِ لِأنَّ المُرادَ بِالبَيْعِ والخُلَّةِ والشَّفاعَةِ الأجْناسُ لا مَحالَةَ، إذْ هي مِن أسْماءِ المَعانِي الَّتِي لا آحادَ لَها في الخارِجِ فَهي أسْماءُ أجْناسٍ لا نَكِراتٌ، ولِذَلِكَ لا يَحْتَمِلُ نَفْيُها إرادَةَ نَفْيِ الواحِدِ حَتّى يَحْتاجَ عِنْدَ قَصْدِ

صفحة ١٥

التَّنْصِيصِ عَلى إرادَةِ نَفْيِ الجِنْسِ إلى بِناءِ الِاسْمِ عَلى الفَتْحِ، بِخِلافِ نَحْوِ: لا رَجُلَ في الدّارِ، و: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولِهَذا جاءَتِ الرِّوايَةُ في قَوْلِ إحْدى صَواحِبِ أُمِّ زَرْعٍ: «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهِامَةَ لا حَرٌّ ولا قُرٌّ، …

Al-Baqara 2:254Listen in Qur'an →
255

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of [all] existence. Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them, and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursi extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High, the Most Great.

صفحة ١٧

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهْوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ .

لَمّا ذَكَرَ هَوْلَ يَوْمِ القِيامَةِ وذَكَرَ حالَ الكافِرِينَ اسْتَأْنَفَ بِذِكْرِ تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِ صِفاتِهِ إبْطالًا لِكُفْرِ الكافِرِينَ وقَطْعًا لِرَجائِهِمْ، لِأنَّ فِيها ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ وجُعِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءً لِآياتِ تَقْرِيرِ الوَحْدانِيَّةِ والبَعْثِ، وأُودِعَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ هُنا لِأنَّها كالبَرْزَخِ بَيْنَ الأغْراضِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ.

وجِيءَ بِاسْمِ الذّاتِ هُنا لِأنَّهُ أظْهَرُ طَرِيقٍ في الدَّلالَةِ عَلى المُسَمّى المُنْفَرِدِ بِهَذا الِاسْمِ، فَإنَّ العَلَمَ أعْرَفُ المَعارِفِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ في الدَّلالَةِ عَلى مُسَمّاهُ إلى قَرِينَةٍ أوْ مَعُونَةٍ لَوْلا احْتِمالُ تَعَدُّدِ التَّسْمِيَةِ، فَلَمّا انْتَفى هَذا الِاحْتِمالُ في اسْمِ الجَلالَةِ كانَ أعْرَفَ المَعارِفِ لا مَحالَةَ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ القَرائِنِ والمَعُوناتِ، فالقَرائِنُ كالتَّكَلُّمِ والخِطابِ، والمَعُوناتُ كالمَعادِ والإشارَةِ بِاليَدِ والصِّلَةِ وسَبْقِ العَهْدِ والإضافَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ خَبَرٌ أوَّلُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دَلالَةِ (﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الآلِهَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣] .

وقَوْلُهُ: ”الحَيُّ“ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و”القَيُّومُ“ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، والمَقْصُودُ إثْباتُ الحَياةِ وإبْطالُ اسْتِحْقاقِ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ وصْفَ الإلَهِيَّةِ لِانْتِفاءِ الحَياةِ عَنْهم كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] وفُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِها لِأنَّها لَوْ عُطِفَتْ لَكانَتْ كالتَّبَعِ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُبَيِّنَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مِن أنَّهُ القائِمُ

صفحة ١٨

بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، أيْ: لِأنَّ اخْتِصاصَهُ بِالإلَهِيَّةِ يَقْتَضِي أنْ لا مُدَبِّرَ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، خِلافًا لِما قَرَّرَ بِهِ التَّفْتازانِيُّ كَلامَهُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِعِبارَتِهِ.

والحَيُّ في كَلامِ العَرَبِ مَن قامَتْ بِهِ الحَياةُ، وهي صِفَةٌ بِها الإدْراكُ والتَّصَرُّفُ، أعْنِي كَمالَ الوُجُودِ المُتَعارَفِ، فَهي في المَخْلُوقاتِ بِانْبِثاثِ الرُّوحِ واسْتِقامَةِ جَرَيانِ الدَّمِ في الشَّرايِينِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى الخالِقِ ما يُقارِبُ أثَرَ صِفَةِ الحَياةِ فِينا، أعْنِي انْتِفاءَ الجَمادِيَّةِ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ عَوارِضِ المَخْلُوقاتِ، وفَسَرَّها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّها: صِفَةٌ تُصَحِّحُ لِمَن قامَتْ بِهِ الإدْراكَ والفِعْلَ.

وفَسَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ (الحَيَّ) بِالباقِي، أيِ الدّائِمِ الحَياةِ بِحَيْثُ لا يَعْتَرِيهِ العَدَمُ، فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا كِنايَةً في لازِمِ مَعْناهُ لِأنَّ إثْباتَ الحَياةِ لِلَّهِ تَعالى بِغَيْرِ هَذا المَعْنى لا يَكُونُ إلّا مَجازًا أوْ كِنايَةً، وقالَ الفَخْرُ: (الَّذِي عِنْدِي …

Al-Baqara 2:255Listen in Qur'an →
256

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become clear from the wrong. So whoever disbelieves in Taghut and believes in Allah has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافُ بَيانٍ ناشِئٌ عَنِ الأمْرِ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] إذْ يَبْدُو لِلسّامِعِ أنَّ القِتالَ لِأجْلِ دُخُولِ العَدُوِّ في الإسْلامِ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا إكْراهَ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ.

وتَعْقِيبُ آيَةِ الكُرْسِيِّ بِهاتِهِ الآيَةِ بِمُناسَبَةِ أنَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ السّابِقَةُ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وعَظَمَةِ الخالِقِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ شَوائِبِ ما كَفَرَتْ بِهِ الأُمَمُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوقَ ذَوِي العُقُولِ إلى قَبُولِ هَذا الدِّينِ الواضِحِ العَقِيدَةِ، المُسْتَقِيمِ الشَّرِيعَةِ، بِاخْتِيارِهِمْ دُونَ جَبْرٍ ولا إكْراهٍ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَجْعَلَ دَوامَهم عَلى الشِّرْكِ بِمَحَلِّ السُّؤالِ: أيُتْرَكُونَ عَلَيْهِ أمْ يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ، فَكانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.

والإكْراهُ الحَمْلُ عَلى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ جَعْلِهِ ذا كَراهِيَةٍ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِتَخْوِيفِ وُقُوعِ ما هو أشَدُّ كَراهِيَةً مِنَ الفِعْلِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ.

والدِّينُ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وهو هَنا مُرادُ بِهِ الشَّرْعُ.

والتَّعْرِيفُ في (الدِّينِ) لِلْعَهْدِ، أيْ: دِينِ الإسْلامِ.

صفحة ٢٦

ونَفْيُ الإكْراهِ خَبَرٌ في مَعْنى النَّهْيِ، والمُرادُ نَفْيُ أسْبابِ الإكْراهِ في حُكْمِ الإسْلامِ، أيْ: لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ قَسْرًا، وجِيءَ بِنَفْيِ الجِنْسِ لِقَصْدِ العُمُومِ نَصًّا، وهي دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى إبْطالِ الإكْراهِ عَلى الدِّينِ بِسائِرِ أنْواعِهِ، لِأنَّ أمْرَ الإيمانِ يَجْرِي عَلى الِاسْتِدْلالِ، والتَّمَكُّنِ مِنَ النَّظَرِ، وبِالِاخْتِيارِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَدْرِ الإسْلامِ قِتالُ المُشْرِكِينَ عَلى الإسْلامِ، وفي الحَدِيثِ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» ولا جائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ابْتِداءِ القِتالِ كُلِّهِ، فالظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ واسْتِخْلاصِ بِلادِ العَرَبِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَدُومَ نُزُولُ السُّورَةِ سِنِينَ كَما قَدَّمْناهُ في صَدْرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ لا سِيَّما وقَدْ قِيلَ بِأنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ هي في سُورَةِ النِّساءِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] الآيَةَ، فَنَسَخَتْ حُكْمَ القِتالِ عَلى قَبُولِ الكافِرِينَ الإسْلامَ ودَلَّتْ عَلى الِاقْتِناعِ مِنهم بِالدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطانِ الإسْلامِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالذِّمَّةِ، ووَضَّحَهُ عَمَلُ النَّبِيءِ ﷺ وذَلِكَ حِينَ خَلَصَتْ بِلادُ العَرَبِ مِنَ الشَّرَكِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وبَعْدَ دُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا حِينَ جاءَتْ وُفُودُ العَرَبِ بَعْدَ الفَتْحِ، فَلَمّا تَمَّ مُرادُ اللَّهِ مِن إنْقاذِ العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ والرُّجُوعِ بِهِمْ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن تَخْلِيصِ الكَعْبَةِ مِن أرْجاسِ المُشْرِكِينَ، ومِن تَهْيِئَةِ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ لِحَمْلِ هَذا الدِّينِ وحِمايَةِ بَيْضَتِهِ، وتَبَيَّنَ هَدْيُ الإسْلامِ وزالَ ما كانَ …

Al-Baqara 2:256Listen in Qur'an →
257

ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Allah is the ally of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are Taghut. They take them out of the light into darknesses. Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ [البقرة: ٢٥٦] لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالطّاغُوتِ وآمَنُوا بِاللَّهِ قَدْ تَوَلَّوُا اللَّهَ تَعالى فَصارَ ولِيَّهم، فَهو يُقَدِّرُ لَهم ما فِيهِ نَفْعُهم وهو ذَبُّ الشُّبُهاتِ عَنْهم فَبِذَلِكَ يَسْتَمِرُّ تَمَسُّكُهم بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ويَأْمَنُونَ انْفِصامَها، أيْ: فَإذا اخْتارَ أحَدٌ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَإنَّ اللَّهَ يَزِيدُهُ هُدًى.

والوَلِيُّ: الحَلِيفُ. فَهو يَنْصُرُ مَوْلاهُ. فالمُرادُ بِالنُّورِ نُورُ البُرْهانِ والحَقِّ، وبِالظُّلُماتِ ظُلُماتُ الشُّبُهاتِ والشَّكِّ، فاللَّهُ يَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى لِأنَّ اتِّباعَهُمُ الإسْلامَ تَيْسِيرٌ لِطُرُقِ اليَقِينِ، فَهم يَزْدادُونَ تَوَغُّلًا فِيها يَوْمًا فَيَوْمًا، وبِعَكْسِهِمُ الَّذِينَ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإسْلامِ فَإنَّ اخْتِيارَهم ذَلِكَ دَلَّ عَلى خَتْمٍ ضُرِبَ عَلى عُقُولِهِمْ فَلَمْ يَهْتَدُوا فَهم يَزْدادَونَ في الضَّلالِ يَوْمًا فَيَوْمًا، ولِأجْلِ هَذا الِازْدِيادِ المُتَجَدِّدِ في الأمْرَيْنِ وقَعَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ و﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ وبِهَذا يَتَّضِحُ وجْهُ تَعْقِيبِ هَذِهِ الآياتِ بِآيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ثُمَّ بِآيَةِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ثُمَّ بِآيَةِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فَإنَّ جَمِيعَها جاءَ لِبَيانِ وُجُوهِ انْجِلاءِ الشَّكِّ والشُّبُهاتِ عَنْ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ صَدَقَ إيمانُهم، ولا داعِيَ إلى ما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ مِن تَأْوِيلِ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ كَفَرُوا بِالَّذِينَ أرادُوا ذَلِكَ، وجَعْلِ النُّورِ والظُّلُماتِ تَشْبِيهًا لِلْإيمانِ والكُفْرِ، لِما عَلِمْتَ مِن ظُهُورِ المَعْنى بِما يَدْفَعُ الحاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ بِذَلِكَ، ولا يَحْسُنُ وقْعُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ولِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ فَإنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِلْحَمْلِ عَلى زِيادَةِ تَضْلِيلِ الكافِرِ في كُفْرِهِ بِمَزِيدِ الشَّكِّ كَما

صفحة ٣١

فِي قَوْلِهِ: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٠١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] ولِأنَّ الطّاغُوتَ كانُوا أوْلِياءَ لِلَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ الإيمانِ فَإنَّ الجَمِيعَ كانُوا مُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ ما أطالَ بِهِ فَخْرُ الدِّينِ مِن وُجُوهِ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُعْتَزِلَةِ واسْتِدْلالِهِمْ عَلَيْنا.

وجُمْلَةُ (يُخْرِجُهم) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ، وجُمْلَةُ (يُخْرِجُونَهم) حالٌ مِنَ الطّاغُوتِ، وأُعِيدَ الضَّمِيرُ إلى الطّاغُوتِ بِصِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أسْنَدَ إلَيْهِمْ ما هو مِن فِعْلِ العُقَلاءِ وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ سَبَبَ الخُرُوجِ لا مُخْرِجِينَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطّاغُوتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]

Al-Baqara 2:257Listen in Qur'an →
258

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allah had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allah brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

جَرى هَذا الكَلامُ مَجْرى الحُجَّةِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الماضِيَةِ أوِ المِثالِ لَها، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وأنَّ الطّاغُوتَ يُخْرِجُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، ساقَ ثَلاثَةَ شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ هَذا أوَّلُها وأجْمَعُها؛ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى ضَلالِ الكافِرِ وهُدى المُؤْمِنِ، فَكانَ هَذا في قُوَّةِ المِثالِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا تَمْثِيلُ حالِ المُشْرِكِينَ في مُجادَلَتِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ في البَعْثِ بِحالِ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما يَرِدُ مِنَ التَّخْيِيرِ في التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] الآيَةَ.

وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى تَرْكِيبِ (ألَمْ تَرَ) .

والِاسْتِفْهامُ في (ألَمْ تَرَ) مَجازِيٌّ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى التَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مَعْناهُ وأصْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وهَذا اسْتِدْلالٌ مَسُوقٌ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وإبْطالِ إلاهِيَّةِ غَيْرِهِ لِانْفِرادِهِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، وانْفِرادِهِ بِخَلْقِ العَوالِمِ المَشْهُودَةِ لِلنّاسِ، ومَعْنى (حاجَّ) خاصَمَ، وهو

صفحة ٣٢

فِعْلٌ جاءَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ، ولا يُعْرَفُ لِـ (حاجَّ) في الِاسْتِعْمالِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ دالٌّ عَلى وُقُوعِ الخِصامِ ولا تُعْرَفُ المادَّةُ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها، ومِنَ العَجِيبِ أنَّ الحُجَّةَ في كَلامِ العَرَبِ البُرْهانُ المُصَدِّقُ لِلدَّعْوى مَعَ أنَّ (حاجَّ) لا يُسْتَعْمَلُ غالِبًا إلّا في مَعْنى المُخاصَمَةِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] وأنَّ الأغْلَبَ أنَّهُ يُفِيدُ الخِصامَ بِباطِلٍ، قالَ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِ﴾ [الأنعام: ٨٠] وقالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، فَمَعْنى: ﴿الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ أنَّهُ خاصَمَهُ خِصامًا باطِلًا في شَأْنِ صِفاتِ اللَّهِ رَبِّ إبْراهِيمَ.

والَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ كافِرٌ لا مَحالَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ نُمْرُودُ بْنُ فالِخِ بْنِ عابِرِ بْنِ شالِحِ بْنِ أرْفَخَشْدَ بْنِ سامِ بْنِ كَوْشِ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ، فَيَكُونُ أخا (رَعوَ) جَدِّ إبْراهِيمَ، والَّذِي يُعْتَمَدُ أنَّهُ مَلِكٌ جَبّارٌ، كانَ مَلِكًا في بابِلَ، وأنَّهُ الَّذِي بَنى مَدِينَةَ بابِلَ، وبَنى الصَّرْحَ الَّذِي في بابِلَ، واسْمُهُ نُمْرُودُ، بِالدّالِ المُهْمَلَةِ في آخِرِهِ، ويُقالُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ كُتُبُ اليَهُودِ لِهَذِهِ القِصَّةِ وهي في المَرْوِيّاتِ.

والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (رَبٍّ) عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، والإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ، ويَجُوزُ عَوْدُهُ إلى (الَّذِي) والإضافَةُ لِإظْهارِ غَلَطِهِ كَقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ:

نُبِّئْتُ عَمْرًا غارِزًا رَأْسَهُ في سِنَةٍ يُوعِدُ أخْوالَهُ

أيْ: ما كانَ مِن شَأْنِ المُرُوءَةِ أنْ يُظْهِرَ شَرًّا لِأهْلِ رَحِمِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ …

Al-Baqara 2:258Listen in Qur'an →
259

أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allah bring this to life after its death?" So Allah caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" The man said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allah is over all things competent."

﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهْيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

تَخْيِيرٌ في التَّشْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ تَكْرِيرِ التَّشْبِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في مَعْنى التَّمْثِيلِ والتَّشْبِيهِ كَما تَقَدَّمَ، وهو مُرادُ صاحِبِ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ أوْ كالَّذِي مَرَّ، وإذْ قَدْ قَرَّرَ بِالآيَةِ قَبْلَها ثُبُوتَ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلاهِيَّةِ، وذَلِكَ أصْلُ الإسْلامِ، أعْقَبَ بِإثْباتِ البَعْثِ الَّذِي إنْكارُهُ أصْلُ أهْلِ الإشْراكِ.

صفحة ٣٥

واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الصِّيغَتَيْنِ في التَّعَجُّبِ، يَقُولُونَ: ألَمْ تَرَ إلى كَذا، ويَقُولُونَ: أرَأيْتَ مِثْلَ كَذا، أوْ: كَكَذا، وقَدْ يُقالُ: ألَمْ تَرَ كَكَذا. لِأنَّهم يَقُولُونَ: لَمْ أرَ كاليَوْمِ. في الخَيْرِ أوْ في الشَّرِّ، وفي الحَدِيثِ: «فَلَمْ أرَ كاليَوْمِ مَنظَرًا قَطُّ» وإذا كانَ ذَلِكَ يُقالُ في الخَيْرِ جازَ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ فَتَقُولَ: ألَمْ تَرَ كاليَوْمِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وحَيْثُ حُذِفَ الفِعْلُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ فَلَكَ أنْ تُقَدِّرَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ، ومالَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى تَقْدِيرِهِ: أرَأيْتَ كالَّذِي. لِأنَّهُ الغالِبُ في التَّعَجُّبِ مَعَ كافِ التَّشْبِيهِ.

والَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قِيلَ هو أرْمِيا بْنُ حَلْقيا، وقِيلَ هو عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيا (عِزْرا بْنُ سَرَّيّا) والقَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ في أكْثَرِ الأقْوالِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ حِزْقِيالُ بْنُ بُوزِي نَبِيءُ إسْرائِيلَ كانَ مُعاصِرًا لِأرْمِيا ودانْيالَ، وكانَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أسَرَهم بُخْتُنَصَّرُ إلى بابِلَ في أوائِلِ القَرْنِ السّادِسِ قَبْلَ المَسِيحِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى عَزْمَ بُخْتُنَصَّرَ عَلى اسْتِئْصالِ اليَهُودِ وجَمْعِهِ آثارِ الهَيْكَلِ لِيَأْتِيَ بِها إلى بابِلَ، جَمَعَ كُتُبَ شَرِيعَةِ مُوسى وتابُوتَ العَهْدِ وعَصا مُوسى ورَماها في بِئْرِ أُورْشَلِيمَ خَشْيَةَ أنْ يَحْرِقَها بُخْتُنَصَّرُ، ولَعَلَّهُ اتَّخَذَ عَلامَةً يَعْرِفُها بِها وجَعَلَها سِرًّا بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِياءِ زَمانِهِ ووَرَثَتِهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلَمّا أُخْرِجَ إلى بابِلَ بَقِيَ هُنالِكَ وكَتَبَ كِتابًا في مَراءٍ رَآها وحْيًا تَدُلُّ عَلى مَصائِبِ اليَهُودِ وما يُرْجى لَهم مِنَ الخَلاصِ، وكانَ آخِرُ ما كَتَبَهُ في السَّنَةِ الخامِسَةِ والعِشْرِينَ بَعْدَ سَبْيِ اليَهُودِ، ولَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ بَعْدُ، كَما ورَدَ في تارِيخِهِمْ، ويُظَنُّ أنَّهُ ماتَ أوْ قُتِلَ.

ومِن جُمْلَةِ ما كَتَبَهُ: أخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وأنْزَلَنِي في وسَطِ البُقْعَةِ وهي مَلْآنَةٌ عِظامًا كَثِيرَةً وأمَّرَنِي عَلَيْها، وإذا تِلْكَ البُقْعَةُ يابِسَةٌ فَقالَ لِي: أتَحْيى هَذِهِ العِظامُ ؟ فَقُلْتُ: يا سَيِّدِي الرَّبُّ أنْتَ تَعْلَمُ. فَقالَ لِي: تَنَبَّأْ عَلى هَذِهِ العِظامِ وقُلْ لَها: أيَّتُها العِظامُ …

Al-Baqara 2:259Listen in Qur'an →
260

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allah] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allah] said, "Take four birds and commit them to yourself. Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allah is Exalted in Might and Wise."

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فَهو مِثالٌ ثالِثٌ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] الآيَةَ، ومِثالٌ ثانٍ لِقَضِيَّةِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فالتَّقْدِيرُ: أوْ هو كَإبْراهِيمَ إذْ قالَ رَبِّ أرِنِي، إلخ، فَإنَّ إبْراهِيمَ لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِ الوُصُولَ إلى مَرْتَبَةِ المُعايَنَةِ في دَلِيلِ البَعْثِ رامَ الِانْتِقالَ مِنَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ البُرْهانِيِّ إلى العِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى بِالمَحْسُوسِ.

وانْتَصَبَ (كَيْفَ) هُنا عَلى الحالِ مُجَرَّدَةً عَنِ الِاسْتِفْهامِ، كانْتِصابِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] .

وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ الواوُ فِيهِ واوُ الحالِ، والهَمْزَةُ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وعامِلُ الحالِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أرِنِي، والتَّقْدِيرُ: أأُرِيكَ في حالِ أنَّكَ لَمْ تُؤْمِن، وهو تَقْرِيرٌ مَجازِيٌّ مُرادٌ بِهِ لَفْتُ عَقْلِهِ إلى دَفْعِ هَواجِسِ الشَّكِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ كَلامٌ صَدَرَ عَنِ اخْتِبارِهِ يَقِينَهُ وإلْفائِهِ سالِمًا مِنَ الشَّكِّ.

صفحة ٣٩

وقَوْلُهُ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ مَعْناهُ: لِيَثْبُتَ ويَتَحَقَّقَ عِلْمِي ويَنْتَقِلَ مِن مُعالَجَةِ الفِكْرِ والنَّظَرِ إلى بَساطَةِ الضَّرُورَةِ بِيَقِينِ المُشاهَدَةِ، وانْكِشافِ المَعْلُومِ انْكِشافًا لا يَحْتاجُ إلى مُعاوَدَةِ الِاسْتِدْلالِ ودَفْعِ الشُّبَهِ عَنِ العَقْلِ، وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ (يَطَمْئِنُ) يَسْكُنُ، ومَصْدَرُهُ الِاطْمِئْنانُ، واسْمُ المَصْدَرِ الطُّمَأْنِينَةُ، فَهو حَقِيقَةٌ في سُكُونِ الأجْسامِ، وإطْلاقُهُ عَلى اسْتِقْرارِ العِلْمِ في النَّفْسِ وانْتِفاءِ مُعالَجَةِ الِاسْتِدْلالِ أصْلُهُ مَجازٌ بِتَشْبِيهِ التَّرَدُّدِ وعِلاجِ الِاسْتِدْلالِ بِالِاضْطِرابِ والحَرَكَةِ، وشاعَ ذَلِكَ المَجازُ حَتّى صارَ مُساوِيًا لِلْحَقِيقَةِ يُقالُ: اطْمَأنَّ بالُهُ واطْمَأنَّ قَلْبُهُ.

والأظْهَرُ أنَّ (اطْمَأنَّ) وزْنُهُ (افْعَلَلَّ) وأنَّهُ لا قَلْبَ فِيهِ، فالهَمْزَةُ فِيهِ هي لامُ الكَلِمَةِ، والمِيمُ عَيْنُ الكَلِمَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَمْرٍو، وهو البَيِّنُ إذْ لا داعِيَ إلى القَلْبِ، فَإنَّ وُقُوعَ الهَمْزَةِ لامًا أكْثَرُ وأخَفُّ مِن وُقُوعِها عَيْنًا، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ (اطْمَأنَّ) مَقْلُوبٌ، وأصْلُهُ (اطْأمَنَّ) وقَدْ سُمِعَ طَمْأنْتُهُ وطَأْمَنتُهُ، وأكْثَرُ الِاسْتِعْمالِ عَلى تَقْدِيمِ المِيمِ عَلى الهَمْزَةِ، والَّذِي أوْجَبَ الخِلافَ عَدَمُ سَماعِ المُجَرَّدِ مِنهُ؛ إذْ لَمْ يُسْمَعْ (طَمَنَ) .

والقَلْبُ مُرادٌ بِهِ العِلْمُ إذِ القَلْبُ لا يَضْطَرِبُ عِنْدَ الشَّكِّ ولا يَتَحَرَّكُ عِنْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ وإنَّما ذَلِكَ لِلْفِكْرِ، وأرادَ بِالِاطْمِئْنانِ العِلْمَ المَحْسُوسَ وانْشِراحَ النَّفْسِ بِهِ وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ عَلى طَرِيقَةٍ يَرى بِها إحْياءَ المَوْتى رَأْيَ العَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ اعْلَمْ أنَّ الطَّيْرَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ مُرادِفًا لِطائِرٍ، فَإنَّهُ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالمَصْدَرِ وأصْلُها …

Al-Baqara 2:260Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.