Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 241–250 of 286

241

وَلِلْمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

And for divorced women is a provision according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] جُعِلَ اسْتِيفاءً لِأحْكامِ المُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقاتِ، بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ حُكْمُ مُتْعَةِ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ المَسِيسِ وقَبْلَ الفَرْضِ، فَعَمَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ طَلَبَ المُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقاتِ كُلِّهِنَّ. فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ لامُ الِاسْتِحْقاقِ.

والتَّعْرِيفُ في المُطَلَّقاتِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ. فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ زادَتْ أحْكامًا عَلى الآيَةِ الَّتِي سَبَقَتْها. وعَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] إلى قَوْلِهِ ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ فَجَعَلَها بَيانًا لِلْآيَةِ السّابِقَةِ، إذْ عَوَّضَ وصْفَ المُحْسِنِينَ بِوَصْفِ المُتَّقِينَ.

والوَجْهُ أنَّ اخْتِلافَ الوَصْفَيْنِ في الآيَتَيْنِ لا يَقْتَضِي اخْتِلافَ جِنْسِ الحُكْمِ بِاخْتِلافِ أحْوالِ المُطَلَّقاتِ، وأنَّ جَمِيعَ المُتْعَةِ مِن شَأْنِ المُحْسِنِينَ والمُتَّقِينَ. وأنَّ دَلالَةَ صِيغَةِ الطَّلَبِ في الآيَتَيْنِ سَواءٌ: إنْ كانَ اسْتِحْبابًا، أوْ كانَ إيجابًا. فالَّذِينَ حَمَلُوا الطَّلَبَ في الآيَةِ السّابِقَةِ عَلى الِاسْتِحْبابِ، حَمَلُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِحْبابِ بِالأُولى، ومُعَوِّلُهم في مَحْمَلِ الطَّلَبِ في كِلْتا الآيَتَيْنِ لَيْسَ إلّا عَلى اسْتِنْباطِ عِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ المُتْعَةِ: وهي جَبْرُ خاطِرِ المُطَلَّقَةِ اسْتِبْقاءً لِلْمَوَدَّةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْتَثْنِ مالِكٌ مِن مَشْمُولاتِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا

صفحة ٤٧٥

المُخْتَلِعَةَ؛ لِأنَّها هي الَّتِي دَعَتْ إلى الفُرْقَةِ دُونَ المُطَلِّقِ.

والَّذِينَ حَمَلُوا الطَّلَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الوُجُوبِ، اخْتَلَفُوا في مَحْمَلِ الطَّلَبِ في هَذِهِ الآيَةِ فَمِنهم مَن طَرَدَ قَوْلَهُ بِوُجُوبِ المُتْعَةِ لِجَمِيعِ المُطَلَّقاتِ، ومِن هَؤُلاءِ عَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ شِهابٍ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، ومِنهم مَن حَمَلَ الطَّلَبَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِحْبابِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومَرْجِعُهُ إلى تَأْوِيلِ ظاهِرِ قَوْلِهِ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ﴾ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] .

Al-Baqara 2:241Listen in Qur'an →
242

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Thus does Allah make clear to you His verses that you might use reason.

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

أيْ كَهَذا البَيانِ الواضِحِ، يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ، فالآياتُ هُنا دَلائِلُ الشَّرِيعَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .

Al-Baqara 2:242Listen in Qur'an →
243

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allah said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allah is full of bounty to the people, but most of the people do not show gratitude.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ، والتَّذْكِيرِ بِأنَّ الحَذَرَ لا يُؤَخِّرُ الأجَلَ، وأنَّ الجَبانَ قَدْ يَلْقى حَتْفَهُ في مَظِنَّةِ النَّجاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في مُدَّةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وأنَّها تَمْهِيدٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فالقِتالُ مِن أهَمِّ أغْراضِها، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.

فالكَلامُ رُجُوعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وفَصَلَتْ بَيْنَ الكَلامَيْنِ الآياتُ النّازِلَةُ خِلالَهُما المُفْتَتَحَةُ بِـ (يَسْألُونَكَ) .

ومَوْقِعُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَوْقِعُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ قَبْلَ المَقْصُودِ، وهَذا طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الخَطابَةِ أنْ يُقَدَّمَ الدَّلِيلُ قَبْلَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ لِمَقاصِدَ كَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في بَعْضِ خُطَبِهِ لَمّا بَلَغَهُ اسْتِيلاءُ جُنْدِ الشّامِ عَلى أكْثَرِ البِلادِ، إذا افْتَتَحَ الخُطْبَةَ فَقالَ: ما هي إلّا الكُوفَةُ أقْبِضُها وأبْسُطُها أُنْبِئْتُ بُسْرًا هو ابْنُ أبِي أرْطاةَ مِن قادَةِ جُنُودِ الشّامِ قَدِ اطَّلَعَ اليَمَنَ، وإنِّي واللَّهِ لَأظُنُّ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ سُيَدالُونَ مِنكم

صفحة ٤٧٦

بِاجْتِماعِهِمْ عَلى باطِلِهِمْ، وتَفَرُّقِكم عَنْ حَقِّكم فَقَوْلُهُ ”ما هي إلّا الكُوفَةُ“ مُوقَعَةٌ مَوْقِعَ الدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ ”لَأظُنُّ هَؤُلاءِ القَوْمَ“ إلَخْ وقالَ عِيسى بْنُ طَلْحَةَ لَمّا دَخَلَ عَلى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، حِينَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أبْقى لَنا أكْثَرَكَ: أبْقى لَنا سَمْعَكَ، وبَصَرَكَ، ولِسانَكَ، وعَقْلَكَ، وإحْدى رِجْلَيْكَ فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والمَقْصُودُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الِاهْتِمامُ والعِنايَةُ بِالحُجَّةِ، قَبْلَ ذِكْرِ الدَّعْوى، أوْ حَمْلًا عَلى التَّعْجِيلِ بِالِامْتِثالِ.

واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ (ألَمْ تَرَ إلى كَذا) إذا جاءَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ فِيهِ مُتَعَدِّيًا إلى ما لَيْسَ مِن شَأْنِ السّامِعِ أنْ يَكُونَ رَآهُ، كانَ كَلامًا مَقْصُودًا مِنهُ التَّحْرِيضُ عَلى عِلْمِ ما عُدِّيَ إلَيْهِ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ، وهَذا مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ ولِذَلِكَ تَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلَةً في غَيْرِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بَلْ في مَعْنًى مَجازِيٍّ أوْ كِنائِيٍّ، مِن مَعانِي الِاسْتِفْهامِ غَيْرِ الحَقِيقِيِّ، وكانَ الخِطابُ بِهِ غالِبًا مُوَجَّهًا إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، ورُبَّما كانَ المُخاطَبُ مَفْرُوضًا مُتَخَيَّلًا.

ولَنا في بَيانِ وجْهِ إفادَةِ هَذا التَّحْرِيضِ مِن ذَلِكَ التَّرْكِيبِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعَجُّبِ، أوِ التَّعْجِيبِ، مِن عَدَمِ عِلْمِ المُخاطَبِ بِمَفْعُولِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ، ويَكُونُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ عِلْمِيًّا مِن أخَواتِ ظَنَّ، عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ وهو صَوابٌ؛ لِأنَّ ”إلى“ ولامَ الجَرِّ يَتَعاقَبانِ في الكَلامِ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] أيْ لَكِ وقالُوا ”أحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكَ“ كَما يُقالُ ”أحْمَدُ لَكَ …

Al-Baqara 2:243Listen in Qur'an →
244

وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And fight in the cause of Allah and know that Allah is Hearing and Knowing.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ، والتَّذْكِيرِ بِأنَّ الحَذَرَ لا يُؤَخِّرُ الأجَلَ، وأنَّ الجَبانَ قَدْ يَلْقى حَتْفَهُ في مَظِنَّةِ النَّجاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في مُدَّةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وأنَّها تَمْهِيدٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فالقِتالُ مِن أهَمِّ أغْراضِها، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.

فالكَلامُ رُجُوعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وفَصَلَتْ بَيْنَ الكَلامَيْنِ الآياتُ النّازِلَةُ خِلالَهُما المُفْتَتَحَةُ بِـ (يَسْألُونَكَ) .

ومَوْقِعُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَوْقِعُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ قَبْلَ المَقْصُودِ، وهَذا طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الخَطابَةِ أنْ يُقَدَّمَ الدَّلِيلُ قَبْلَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ لِمَقاصِدَ كَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في بَعْضِ خُطَبِهِ لَمّا بَلَغَهُ اسْتِيلاءُ جُنْدِ الشّامِ عَلى أكْثَرِ البِلادِ، إذا افْتَتَحَ الخُطْبَةَ فَقالَ: ما هي إلّا الكُوفَةُ أقْبِضُها وأبْسُطُها أُنْبِئْتُ بُسْرًا هو ابْنُ أبِي أرْطاةَ مِن قادَةِ جُنُودِ الشّامِ قَدِ اطَّلَعَ اليَمَنَ، وإنِّي واللَّهِ لَأظُنُّ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ سُيَدالُونَ مِنكم

صفحة ٤٧٦

بِاجْتِماعِهِمْ عَلى باطِلِهِمْ، وتَفَرُّقِكم عَنْ حَقِّكم فَقَوْلُهُ ”ما هي إلّا الكُوفَةُ“ مُوقَعَةٌ مَوْقِعَ الدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ ”لَأظُنُّ هَؤُلاءِ القَوْمَ“ إلَخْ وقالَ عِيسى بْنُ طَلْحَةَ لَمّا دَخَلَ عَلى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، حِينَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أبْقى لَنا أكْثَرَكَ: أبْقى لَنا سَمْعَكَ، وبَصَرَكَ، ولِسانَكَ، وعَقْلَكَ، وإحْدى رِجْلَيْكَ فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والمَقْصُودُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الِاهْتِمامُ والعِنايَةُ بِالحُجَّةِ، قَبْلَ ذِكْرِ الدَّعْوى، أوْ حَمْلًا عَلى التَّعْجِيلِ بِالِامْتِثالِ.

واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ (ألَمْ تَرَ إلى كَذا) إذا جاءَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ فِيهِ مُتَعَدِّيًا إلى ما لَيْسَ مِن شَأْنِ السّامِعِ أنْ يَكُونَ رَآهُ، كانَ كَلامًا مَقْصُودًا مِنهُ التَّحْرِيضُ عَلى عِلْمِ ما عُدِّيَ إلَيْهِ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ، وهَذا مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ ولِذَلِكَ تَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلَةً في غَيْرِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بَلْ في مَعْنًى مَجازِيٍّ أوْ كِنائِيٍّ، مِن مَعانِي الِاسْتِفْهامِ غَيْرِ الحَقِيقِيِّ، وكانَ الخِطابُ بِهِ غالِبًا مُوَجَّهًا إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، ورُبَّما كانَ المُخاطَبُ مَفْرُوضًا مُتَخَيَّلًا.

ولَنا في بَيانِ وجْهِ إفادَةِ هَذا التَّحْرِيضِ مِن ذَلِكَ التَّرْكِيبِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعَجُّبِ، أوِ التَّعْجِيبِ، مِن عَدَمِ عِلْمِ المُخاطَبِ بِمَفْعُولِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ، ويَكُونُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ عِلْمِيًّا مِن أخَواتِ ظَنَّ، عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ وهو صَوابٌ؛ لِأنَّ ”إلى“ ولامَ الجَرِّ يَتَعاقَبانِ في الكَلامِ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] أيْ لَكِ وقالُوا ”أحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكَ“ كَما يُقالُ ”أحْمَدُ لَكَ …

Al-Baqara 2:244Listen in Qur'an →
245

مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًۭا كَثِيرَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

Who is it that would loan Allah a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allah who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.

﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفُهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ ويَبْصُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] إلى آخِرِها، وجُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] الآيَةَ، قُصِدَ بِهِ الِاسْتِطْرادُ لِلْحَثِّ عَلى الإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ في طُرُقِ البِرِّ، لِمُناسَبَةِ الحَثِّ عَلى القِتالِ، فَإنَّ القِتالَ يَسْتَدْعِي إنْفاقَ المُقاتِلِ عَلى نَفْسِهِ في العِدَّةِ والمَئُونَةِ مَعَ الحَثِّ عَلى إنْفاقِ الواجِدِ فَضْلًا في سَبِيلِ اللَّهِ: بِإعْطاءِ العِدَّةِ لِمَن لا عِدَّةَ لَهُ، والإنْفاقِ عَلى المُعْسِرِينَ مِنَ الجَيْشِ، وفِيها تَبْيِينٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] فَكانَتْ ذاتَ ثَلاثَةِ أغْراضٍ.

و(القَرْضُ) إسْلافُ المالِ ونَحْوِهِ بِنِيَّةِ إرْجاعِ مِثْلِهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى البَذْلِ لِأجْلِ الجَزاءِ، فَيَشْمَلُ بِهَذا المَعْنى بَذْلَ النَّفْسِ والجِسْمِ رَجاءَ الثَّوابِ، فَفِعْلُ يُقْرِضُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْضِيضِ والتَّهْيِيجِ عَلى الِاتِّصافِ بِالخَيْرِ كَأنَّ المُسْتَفْهِمَ لا يَدْرِي مَن هو أهْلُ هَذا الخَيْرِ والجَدِيرُ بِهِ، قالَ طَرَفَةُ:

إذا القَوْمُ قالُوا مَن فَتًى خِلْتُ أنَّنِي عُنِيتُ فَلَمْ أكْسَلْ ولَمْ أتَـبَـلَّـدِ

و(ذا) بَعْدَ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ قَدْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ كَما تَقُولُ، وقَدْ رَأيْتَ شَخْصًا لا تَعْرِفُهُ: (مَن ذا) فَإذا لَمْ يَكُنْ في مَقامِ الكَلامِ شَيْءٌ يَصْلُحُ لِأنْ يُشارَ إلَيْهِ بِالِاسْتِفْهامِ كانَ اسْتِعْمالُ (ذا) بَعْدَ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ لِلْإشارَةِ المَجازِيَّةِ بِأنْ يَتَصَوَّرَ المُتَكَلِّمُ في ذِهْنِهِ شَخْصًا مَوْهُومًا مَجْهُولًا صَدَرَ مِنهُ فِعْلٌ فَهو يَسْألُ عَنْ تَعْيِينِهِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالفِعْلِ الواقِعِ وتَطَّلُبِ مَعْرِفَةِ فاعِلِهِ ولِكَوْنِ هَذا الِاسْتِعْمالِ يُلازِمُ ذِكْرَ فِعْلٍ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، قالَ النُّحاةُ كُلُّهم بَصْرِيُّهم وكُوفِيُّهم: بِأنَّ (ذا) مَعَ الِاسْتِفْهامِ تَتَحَوَّلُ إلى اسْمٍ مَوْصُولٍ مُبْهَمٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، فَعَدُّوهُ اسْمَ مَوْصُولٍ، وبَوَّبَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ فَقالَ ”بابُ إجْرائِهِمْ ذا وحْدَهُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي

صفحة ٤٨٢

ولَيْسَ يَكُونُ كالَّذِي إلّا مَعَ (ما) و(مَن) في الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ (ذا) بِمَنزِلَةِ الَّذِي ويَكُونُ“ ما ”- أيْ أوْ مَن - حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ وإجْراؤُهم إيّاهُ مَعَ ما - أيْ أوْ مَن - بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ“ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] وبَقِيَّةُ أسْماءِ الإشارَةِ مِثْلُ اسْمِ (ذا) عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَقَصَرُوا هَذا الِاسْتِعْمالَ عَلى (ذا) ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ ذا مَعَ الِاسْتِفْهامِ يَصِيرُ اسْمَ مَوْصُولٍ؛ فَإنَّهُ يَكْثُرُ في الكَلامِ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ اسْمٌ مَوْصُولٌ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ولا مَعْنى لِوُقُوعِ اسْمَيْ مَوْصُولٍ صِلَتُهُما واحِدَةٌ، ولَكِنَّهم أرادُوا أنَّهُ يُفِيدُ مُفادَ اسْمِ المَوْصُولِ، فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مِن فِعْلٍ أوْ وصْفٍ في مَعْنى صِلَةِ المَوْصُولِ، وإنَّما دَوَّنُوا ذَلِكَ لِأنَّهم تَناسَوْا ما في اسْتِعْمالِ ”ذا“ في الِاسْتِفْهامِ مِنَ المَجازِ، فَكانَ تَدْوِينُها قَلِيلَ الجَدْوى.

والوَجْهُ أنَّ (ذا) في الِاسْتِفْهامِ لا يَخْرُجُ عَنْ …

Al-Baqara 2:245Listen in Qur'an →
246

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا۟ لِنَبِىٍّۢ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًۭا نُّقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُوا۟ ۖ قَالُوا۟ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا۟ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allah "? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if fighting was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allah when we have been driven out from our homes and from our children?" But when fighting was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

صفحة ٤٨٤

﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيءٍ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسِيتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] سِيقَ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ لِجُمْلَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وفِيها زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِفَظاعَةِ حالِ التَّقاعُسِ عَنِ القِتالِ بَعْدَ التَّهَيُّؤِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والتَّكْرِيرُ في مَثَلِهِ يُفِيدُ مَزِيدَ تَحْذِيرٍ وتَعْرِيضٍ بِالتَّوْبِيخِ؛ فَإنَّ المَأْمُورِينَ بِالجِهادِ في قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] لا يَخْلَوْنَ مَن نَفَرٍ تَعْتَرِيهِمْ هَواجِسُ تُثَبِّطُهم عَنِ القِتالِ، حُبًّا لِلْحَياةِ ومِن نَفَرٍ تَعْتَرِضُهم خَواطِرُ تُهَوِّنُ عَلَيْهِمُ المَوْتَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ أكْدارِ الحَياةِ، ومَصائِبِ المَذَلَّةِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِهَذَيْنِ الحالَيْنِ مَثَلَيْنِ: أحَدُهُما ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] والثّانِي قَوْلُهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وقَدْ قَدَّمَ أحَدَهُما وأخَّرَ الآخَرَ: لِيَقَعَ التَّحْرِيضُ عَلى القِتالِ بَيْنَهُما، ومُناسَبَةُ تَقْدِيمِ الأُولى أنَّها تُشَنِّعُ حالَ الَّذِينَ اسْتَسْلَمُوا واسْتَضْعَفُوا أنْفُسَهم، فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وهَذِهِ الحالَةُ أنْسَبُ بِأنْ تُقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الأمْرِ بِالقِتالِ والدِّفاعِ عَنِ البَيْضَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ بَعْدَها يَقَعُ مَوْقِعَ القَبُولِ مِنَ السّامِعِينَ لا مَحالَةَ، ومُناسَبَةُ تَأْخِيرِ الثّانِيَةِ أنَّها تَمْثِيلُ حالِ الَّذِينَ عَرَفُوا فائِدَةَ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِقَوْلِهِمْ ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ إلَخْ. فَسَألُوهُ دُونَ أنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا عُيِّنَ لَهُمُ القِتالُ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ، ومَوْضِعُ العِبْرَةِ هو التَّحْذِيرُ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ حالِهِمْ، بَعْدَ الشُّرُوعِ في القِتالِ، أوْ بَعْدَ كُتُبِهِ عَلَيْهِمْ، فَلِلَّهِ بَلاغَةُ هَذا الكَلامِ، وبَراعَةُ هَذا الأُسْلُوبِ: تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ألَمْ تَرَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ.

والمَلَأُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ، وهو اسْمُ جَمْعٍ كالقَوْمِ والرَّهْطِ، وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المِلْءِ وهو تَعْمِيرُ الوِعاءِ بِالماءِ ونَحْوِهِ، وأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِالتَّشاوُرِ لِقَوْلِهِمْ: تَمالَأ القَوْمُ إذا اتَّفَقُوا عَلى شَيْءٍ والكُلُّ مَأْخُوذٌ مِن مِلْءِ الماءِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَمْلَئُونَ قِرَبَهم وأوْعِيَتَهم كُلَّ مَساءٍ، عِنْدَ الوِرْدِ، فَإذا مَلَأ

صفحة ٤٨٥

أحَدٌ لِآخَرَ فَقَدْ كَفاهُ شَيْئًا مُهِمًّا؛ لِأنَّ الماءَ قِوامُ الحَياةِ، فَضَرَبُوا ذَلِكَ مَثَلًا لِلتَّعاوُنِ عَلى الأمْرِ النّافِعِ الَّذِي بِهِ قِوامُ الحَياةِ، والتَّمْثِيلُ بِأحْوالِ الماءِ في مِثْلِ هَذا مِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ فَإنَّهم قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وأكْفَئُوا إنائِي. تَمْثِيلًا لِإضاعَتِهِمْ حَقَّهُ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ إعْلامٌ بِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ القِصَّةِ كانُوا مَعَ نَبِيءٍ بَعْدَ مُوسى، فَإنَّ زَمانَ مُوسى لَمْ …

Al-Baqara 2:246Listen in Qur'an →
247

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًۭا ۚ قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةًۭ مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةًۭ فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And their prophet said to them, "Indeed, Allah has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allah has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allah gives His sovereignty to whom He wills. And Allah is all-Encompassing [in favor] and Knowing."

صفحة ٤٨٩

﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

أعادَ الفِعْلَ، في قَوْلِهِ ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَلامَهُ هَذا لَيْسَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِ الأوَّلِ، بَلْ هو حَدِيثٌ آخَرُ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ: وذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ حَذَّرَهم عَواقِبَ الحُكُومَةِ المَلَكِيَّةِ، وحَذَّرَهُمُ التَّوَلِّيَ عَنِ القِتالِ، تَكَلَّمَ مَعَهم كَلامًا آخَرَ في وقْتٍ آخَرَ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِإنَّ: إيذانٌ بِأنَّ مِن شَأْنِ هَذا الخَبَرِ أنْ يُتَلَقّى بِالِاسْتِغْرابِ والشَّكِّ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهم أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا.

ووَقَعَ في سِفْرِ صَمْوِيلَ، في الإصْحاحِ التّاسِعِ، أنَّهُ لَمّا صَمَّمَ بَنُو إسْرائِيلَ في سُؤالِهِمْ أنْ يُعَيِّنَ لَهم مَلِكًا، صَلّى لِلَّهِ تَعالى فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ أجِبْهم إلى كُلِّ ما طَلَبُوهُ، فَأجابَهم وقالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا إلى مُدُنِكم، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ صِفَةَ المَلِكِ الَّذِي سَيُعَيِّنُهُ لَهم، وأنَّهُ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِن بِنْيامِينَ اسْمُهُ شاوَلُ بْنُ قَيْسٍ، فَوَجَدَ فِيهِ الصِّفَةَ: وهي أنَّهُ أطْوَلُ القَوْمِ، ومَسَحَهُ صَمْوِيلُ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ، إذْ صَبَّ عَلى رَأْسِهِ زَيْتًا، وقَبَّلَهُ وجَمَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، بَعْدَ أيّامٍ، في بَلَدِ المُصَفّاةِ، وأحْضَرَهُ، وعَيَّنَهُ لَهم مَلِكًا، وذَلِكَ سَنَةَ ١٠٩٥ قَبْلَ المَسِيحِ.

وهَذا المَلِكُ هو الَّذِي سُمِّيَ في الآيَةِ (طالُوتَ) وهو (شاوُلُ) وطالُوتُ لَقَبُهُ، وهو وزْنُ اسْمِ مَصْدَرٍ: مِنَ الطُّولِ، عَلى وزْنِ فَعَلُوتٍ مِثْلَ جَبَرُوتٍ ومَلَكُوتٍ ورَهَبُوتٍ ورَغَبُوتٍ ورَحَمُوتٍ، ومِنهُ طاغُوتٌ أصْلُهُ طَغَيُوتٌ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ مَكانِيٌّ، وطالُوتُ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في طُولِ قامَتِهِ، ولَعَلَّهُ جُعِلَ لَقَبًا لَهُ في القُرْآنِ لِلْإشارَةِ إلى الصِّفَةِ الَّتِي عُرِّفَ بِها لِصَمْوِيلَ، في الوَحْيِ الَّذِي أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ، ولِمُراعاةِ التَّنْظِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ جالُوتَ غَرِيمِهِ في الحَرْبِ، أوْ كانَ ذَلِكَ لَقَبًا لَهُ في قَوْمِهِ قَبْل أنْ يُؤْتى المُلْكَ، وإنَّما يُلَقَّبُ بِأمْثالِ هَذا اللَّقَبِ، مَن كانَ مِنَ العُمُومِ. ووَزْنُ فَعَلُوتٍ وزْنٌ نادِرٌ في العَرَبِيَّةِ ولَعَلَّهُ مِن بَقايا العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ السّامِيَّةِ، وهَذا هو الَّذِي يُؤْذَنُ بِهِ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ، فَإنَّ مَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لا عِلَّةَ

صفحة ٤٩٠

لَهُ إلّا العِلْمِيَّةُ والعُجْمَةُ، وجَزَمَ الرّاغِبُ بِأنَّهُ اسْمٌ عَجَمِيٌّ ولَمْ يُذْكَرْ في كُتُبِ اللُّغَةِ لِذَلِكَ ولَعَلَّهُ عُومِلَ مُعامَلَةَ الِاسْمِ العَجَمِيِّ لَمّا جُعِلَ عَلَمًا عَلى هَذا العَجَمِيِّ في العَرَبِيَّةِ، فَعُجْمَتُهُ عارِضَةٌ ولَيْسَ هو عَجَمِيًّا بِالأصالَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ هَذا الِاسْمُ في لُغَةِ العِبْرانِيِّينَ كَداوُدَ وشاوُلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِمَصِيرِهِ بِالإبْدالِ إلى شِبْهِ وزْنِ فاعُولٍ، ووَزْنُ فاعُولٍ في الأعْلامِ عَجَمِيٌّ، مِثْلُهارُوتَ ومارُوتَ وشاوُلَ وداوُدَ، ولِذَلِكَ مَنَعُوا قابُوسَ مِنَ الصَّرْفِ، ولَمْ يَعْتَدُّوا بِاشْتِقاقِهِ مِنَ القَبَسِ، وكَأنَّ عُدُولَ القُرْآنِ عَنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ شاوُلَ لِثِقَلِ هَذا اللَّفْظِ وخِفَّةِ طالُوتَ.

وأنّى في قَوْلِهِ …

Al-Baqara 2:247Listen in Qur'an →
248

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."

﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

أرادَ نَبِيئُهم أنْ يَتَحَدّاهم بِمُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَ لَهم شاوُلُ مَلِكًا، فَجَعَلَ لَهم آيَةً تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: وهي أنْ يَأْتِيَهُمُ التّابُوتُ، أيْ تابُوتُ العَهْدِ، بَعْدَ أنْ كانَ في يَدِ الفِلَسْطِينِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ، وهَذا إشارَةٌ إلى قِصَّةِ تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لِإرْجاعِ التّابُوتِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِدُونِ قِتالٍ: وذَلِكَ أنَّ الفِلَسْطِينِيِّينَ أرْجَعُوا التّابُوتَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في قِصَّةٍ ذُكِرَتْ في سِفْرِ صَمْوِيلَ: حاصِلُها أنَّ التّابُوتَ بَقِيَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ في بِلادِ فِلَسْطِينَ مَوْضُوعًا في بَيْتِ صَنَمِهِمْ داجُونَ ورَأى الفِلَسْطِينِيُّونَ آياتٍ مِن سُقُوطِ صَنَمِهِمْ عَلى وجْهِهِ، وانْكِسارِ يَدَيْهِ ورَأْسِهِ، وإصابَتِهِمْ بِالبَواسِيرِ في أشْدُودَ، وتُخُومِها، وسُلِّطَتْ عَلَيْهِمُ الجُرْذانُ تُفْسِدُ الزُّرُوعَ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ اسْتَشارُوا الكَهَنَةَ، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ بِإرْجاعِهِ إلى إسْرائِيل لِأنَّ إلَهَ إسْرائِيلَ قَدْ غَضِبَ لِتابُوتِهِ وأنْ يُرْجِعُوهُ مَصْحُوبًا بِهَدِيَّةٍ: صُورَةِ خَمْسِ بَواسِيرَ مِن ذَهَبٍ، وصُورَةِ خَمْسِ فِيرانٍ مَن ذَهَبٍ، عَلى عَدَدِ مُدُنِ الفِلَسْطِينِيِّينَ العَظِيمَةِ: أشْدُودَ، وغَزَّةَ، وأشْقَلُونَ، وجَتْ، وعَفْرُونَ. ويُوضَعُ التّابُوتُ عَلى عَجَلَةٍ جَدِيدَةٍ تَجُرُّها بَقَرَتانِ ومَعَهُ صُنْدُوقٌ بِهِ التَّماثِيلُ الذَّهَبِيَّةُ، ويُطْلِقُونَ البَقَرَتَيْنِ تَذْهَبانِ بِإلْهامٍ إلى أرْضِ إسْرائِيلَ، فَفَعَلُوا واهْتَدَتِ البَقَرَتانِ إلى أنْ بَلَغَ التّابُوتُ والصُّنْدُوقُ إلى يَدِ اللُّاوِيِّينَ في تُخُمِ بَيْتِ شَمْسٍ: هَكَذا وقَعَ في سِفْرِ صَمْوِيلَ غَيْرَ أنَّ ظاهِرَ سِياقِهِ أنَّ رُجُوعَ التّابُوتِ إلَيْهِمْ كانَ قَبْلَ تَمْلِيكِ شاوُلَ، وصَرِيحُ القُرْآنِ يُخالِفُ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلامِ السِّفْرِ بِما يُوافِقُ هَذا بِأنْ تُحْمَلَ الحَوادِثُ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبِها في الذِّكْرِ، وهو كَثِيرٌ في كِتابِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي

صفحة ٤٩٣

أنَّ الفِلَسْطِينِيِّينَ لَمّا عَلِمُوا اتِّحادَ الإسْرائِيلِيِّينَ تَحْتَ مَلِكٍ عَلِمُوا أنَّهم ما أجْمَعُوا أمْرَهم إلّا لِقَصْدِ أخْذِ الثَّأْرِ مِن أعْدائِهِمْ وتَخْلِيصِ تابُوتِ العَهْدِ مِن أيْدِيهِمْ، فَدَبَّرُوا أنْ يُظْهِرُوا إرْجاعَ التّابُوتِ بِسَبَبِ آياتٍ شاهَدُوها، ظَنًّا مِنهم أنَّ حِدَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ تَقِلُّ إذا أُرْجِعَ إلَيْهِمُ التّابُوتُ بِالكَيْفِيَّةِ المَذْكُورَةِ، آنِفًا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الرُّعْبُ حَصَلَ لَهم قَبْلَ تَمْلِيكِ شاوُلَ، وابْتِداءِ ظُهُورِ الأنْصارِ بِهِ.

والتّابُوتُ اسْمٌ عَجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ فَوَزْنُهُ فاعُولٌ، وهَذا الوَزْنُ قَلِيلٌ في الأسْماءِ العَرَبِيَّةِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما كانَ عَلى وزْنِهِ إنَّما هو مُعَرَّبٌ: مِثْلَ ناقُوسٍ ونامُوسٍ، واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ وزْنَهُ فَعَلُولٌ بِتَحْرِيكِ العَيْنِ لِقِلَّةِ الأسْماءِ الَّتِي فاؤُها ولامُها حَرْفانِ مُتَّحِدانِ: مِثْلَ سَلَسٌ وقَلَقٌ، ومِن أجْلِ هَذا أثْبَتَهُ الجَوْهَرِيُّ في مادَّةِ تَوَبَ لا في تَبَتَ. والتّابُوتُ بِمَعْنى الصُّنْدُوقِ المُسْتَطِيلِ: وهو صُنْدُوقٌ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُنْعِهِ صَنَعَهُ بَصْلَئِيلُ المُلْهَمُ في صِناعَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والنُّحاسِ …

Al-Baqara 2:248Listen in Qur'an →
249

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍۢ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ ۚ فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍۢ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةًۭ كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allah will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allah said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allah. And Allah is with the patient."

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّيَ إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]

عَطَفَ الفاءُ جُمْلَةَ: ”لَمّا فَصَلَ“، عَلى جُمْلَةِ (﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]) لِأنَّ بَعْثَ المَلِكِ، لِأجْلِ القِتالِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخُرُوجُ لِلْقِتالِ الَّذِي سَألُوا لِأجْلِهِ بَعْثَ النَّبِيءِ، وقَدْ حُذِفَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَلامٌ كَثِيرٌ مُقَدَّرٌ: وهو الرِّضا بِالمُلْكِ، ومَجِيءُ التّابُوتِ، وتَجْنِيدُ الجُنُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ: فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ.

ومَعْنى فَصَلَ بِالجُنُودِ: قَطَعَ وابْتَعَدَ بِهِمْ، أيْ تَجاوَزُوا مَساكِنَهم وقُراهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ: لِأنَّ أصْلَهُ فَصْلُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ ثُمَّ عَدُّوهُ إلى الفاعِلِ فَقالُوا فَصَلَ نَفْسَهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى انْفَصَلَ، فَحَذَفُوا مَفْعُولَهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ تَجِدُ مَصْدَرَهُ الفَصْلُ بِوَزْنِ مَصْدَرِ

صفحة ٤٩٦

المُتَعَدِّي، ولَكِنَّهم رُبَّما قالُوا فَصَلَ فُصُولًا نَظَرًا لِحالَةِ قُصُورِهِ، كَما قالُوا صَدَّهُ صَدًّا، ثُمَّ قالُوا صَدَّ هو صَدًّا، ثُمَّ قالُوا صَدَّ صُدُودًا. ونَظِيرُهُ في حَدِيثِ صِفَةِ الوَحْيِ «أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ ما قالَ» أيْ فَيَفْصِلُ نَفْسَهُ عَنِّي، والمَعْنى فَيَنْفَصِلُ عَنِّي.

وضَمِيرُ ”قالَ“ راجِعٌ إلى طالُوتَ، ولا يَصِحُّ رُجُوعُهُ إلى نَبِيئِهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهم، وإنَّما أخْبَرَ طالُوتُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا يُوحى إلَيْهِ: إمّا اسْتِنادًا لِإخْبارٍ تَلَقّاهُ مِن صَمُوئِيلَ، وإمّا لِأنَّهُ اجْتَهَدَ أنْ يَخْتَبِرَهم بِالشُّرْبِ مِنَ النَّهَرِ لِمَصْلَحَةٍ رَآها في ذَلِكَ، فَأخْبَرَ عَنِ اجْتِهادِهِ، إذْ هو حُكْمُ اللَّهِ في شَرْعِهِمْ فَأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ: إنَّ المُجْتَهِدَ يَصِحُّ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيما ظَهَرَ لَهُ بِاجْتِهادِهِ إنَّهُ دِينُ اللَّهِ أوْ لِأنَّهُ في شَرْعِهِمْ أنَّ اللَّهُ أوْجَبَ عَلى الجَيْشِ طاعَةَ أمِيرِهِمْ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ، وطاعَةُ المَلِكِ فِيما يَراهُ مِن مَصالِحِهِمْ، وكانَ طالُوتُ قَدْ رَأى أنْ يَخْتَبِرَ طاعَتَهم ومِقْدارَ صَبْرِهِمْ بِهَذِهِ البَلْوى فَجَعَلَ البَلْوى مِنَ اللَّهِ؛ إذْ قَدْ أمَرَهم بِطاعَتِهِ بِها وعَلى كُلٍّ فَتَسْمِيَةُ هَذا التَّكْلِيفِ ابْتِلاءً تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنى إلى عُقُولِهِمْ: لِأنَّ المَقْصُودَ إظْهارُ الِاعْتِناءِ بِهَذا الحُكْمِ، وأنَّ فِيهِ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى عَلى المُمْتَثِلِ، وغَضَبَهُ عَلى العاصِي، وأمْثالُ هَذِهِ التَّقْرِيباتِ في مُخاطَباتِ العُمُومِ شائِعَةٌ، وأكْثَرُ كَلامِ كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن هَذا القَبِيلِ، …

Al-Baqara 2:249Listen in Qur'an →
250

وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّيَ إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]

عَطَفَ الفاءُ جُمْلَةَ: ”لَمّا فَصَلَ“، عَلى جُمْلَةِ (﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]) لِأنَّ بَعْثَ المَلِكِ، لِأجْلِ القِتالِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخُرُوجُ لِلْقِتالِ الَّذِي سَألُوا لِأجْلِهِ بَعْثَ النَّبِيءِ، وقَدْ حُذِفَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَلامٌ كَثِيرٌ مُقَدَّرٌ: وهو الرِّضا بِالمُلْكِ، ومَجِيءُ التّابُوتِ، وتَجْنِيدُ الجُنُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ: فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ.

ومَعْنى فَصَلَ بِالجُنُودِ: قَطَعَ وابْتَعَدَ بِهِمْ، أيْ تَجاوَزُوا مَساكِنَهم وقُراهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ: لِأنَّ أصْلَهُ فَصْلُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ ثُمَّ عَدُّوهُ إلى الفاعِلِ فَقالُوا فَصَلَ نَفْسَهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى انْفَصَلَ، فَحَذَفُوا مَفْعُولَهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ تَجِدُ مَصْدَرَهُ الفَصْلُ بِوَزْنِ مَصْدَرِ

صفحة ٤٩٦

المُتَعَدِّي، ولَكِنَّهم رُبَّما قالُوا فَصَلَ فُصُولًا نَظَرًا لِحالَةِ قُصُورِهِ، كَما قالُوا صَدَّهُ صَدًّا، ثُمَّ قالُوا صَدَّ هو صَدًّا، ثُمَّ قالُوا صَدَّ صُدُودًا. ونَظِيرُهُ في حَدِيثِ صِفَةِ الوَحْيِ «أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ ما قالَ» أيْ فَيَفْصِلُ نَفْسَهُ عَنِّي، والمَعْنى فَيَنْفَصِلُ عَنِّي.

وضَمِيرُ ”قالَ“ راجِعٌ إلى طالُوتَ، ولا يَصِحُّ رُجُوعُهُ إلى نَبِيئِهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهم، وإنَّما أخْبَرَ طالُوتُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا يُوحى إلَيْهِ: إمّا اسْتِنادًا لِإخْبارٍ تَلَقّاهُ مِن صَمُوئِيلَ، وإمّا لِأنَّهُ اجْتَهَدَ أنْ يَخْتَبِرَهم بِالشُّرْبِ مِنَ النَّهَرِ لِمَصْلَحَةٍ رَآها في ذَلِكَ، فَأخْبَرَ عَنِ اجْتِهادِهِ، إذْ هو حُكْمُ اللَّهِ في شَرْعِهِمْ فَأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ: إنَّ المُجْتَهِدَ يَصِحُّ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيما ظَهَرَ لَهُ بِاجْتِهادِهِ إنَّهُ دِينُ اللَّهِ أوْ لِأنَّهُ في شَرْعِهِمْ أنَّ اللَّهُ أوْجَبَ عَلى الجَيْشِ طاعَةَ أمِيرِهِمْ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ، وطاعَةُ المَلِكِ فِيما يَراهُ مِن مَصالِحِهِمْ، وكانَ طالُوتُ قَدْ رَأى أنْ يَخْتَبِرَ طاعَتَهم ومِقْدارَ صَبْرِهِمْ بِهَذِهِ البَلْوى فَجَعَلَ البَلْوى مِنَ اللَّهِ؛ إذْ قَدْ أمَرَهم بِطاعَتِهِ بِها وعَلى كُلٍّ فَتَسْمِيَةُ هَذا التَّكْلِيفِ ابْتِلاءً تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنى إلى عُقُولِهِمْ: لِأنَّ المَقْصُودَ إظْهارُ الِاعْتِناءِ بِهَذا الحُكْمِ، وأنَّ فِيهِ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى عَلى المُمْتَثِلِ، وغَضَبَهُ عَلى العاصِي، وأمْثالُ هَذِهِ التَّقْرِيباتِ في مُخاطَباتِ العُمُومِ شائِعَةٌ، وأكْثَرُ كَلامِ كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن هَذا القَبِيلِ، …

Al-Baqara 2:250Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.