Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 221–230 of 286

221

وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

And do not marry polytheistic women until they believe. And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allah invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses to the people that perhaps they may remember.

﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾

كانَ المُسْلِمُونَ أيّامَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ما زالُوا مُخْتَلِطِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالمَدِينَةِ وما هم بِبَعِيدٍ عَنْ أقْرِبائِهِمْ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُبَّما رَغِبَ بَعْضُهم في تَزَوُّجِ المُشْرِكاتِ أوْ رَغِبَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في تَزَوُّجِ نِساءٍ مُسْلِماتٍ فَبَيَّنَ اللَّهُ الحُكْمَ في هَذِهِ الأحْوالِ، وقَدْ أوْقَعَ هَذا البَيانَ بِحِكْمَتِهِ في أرْشَقِ مَوْقِعِهِ وأسْعَدِهِ بِهِ وهو مَوْقِعُ تَعْقِيبِ حُكْمِ مُخالَطَةِ اليَتامى، فَإنَّ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ أقارِبَ ومَوالِيَ لَمْ يَزالُوا مُشْرِكِينَ ومِنهم يَتامى فَقَدُوا آباءَهم في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ بَيانَ مُخالَطَةِ اليَتامى، وكانَتِ المُصاهَرَةُ مِن أعْظَمِ أحْوالِ المُخالَطَةِ تَطَلَّعَتِ النُّفُوسُ إلى حُكْمِ هاتِهِ المُصاهَرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ، فَعُطِفَ حُكْمُ ذَلِكَ عَلى حُكْمِ اليَتامى لَهاتِهِ المُناسَبَةِ، رَوى الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا مَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ ويُقالُ مَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ واسْمُهُ كَنّازُ بْنُ حُصَيْنٍ وكانَ حَلِيفًا لِبَنِي هاشِمٍ فَبَعَثَهُ إلى مَكَّةَ سِرًّا لِيُخْرِجَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَمِعَتْ بِقُدُومِهِ امْرَأةٌ يُقالُ لَها عَناقُ وكانَتْ خَلِيلَةً لَهُ في الجاهِلِيَّةِ فَأتَتْهُ فَقالَتْ: ويَحَكَ يا مَرْثَدُ ألا تَخْلُو ؟ فَقالَ: إنَّ الإسْلامَ حَرَّمَ ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَتْ: فَتَزَوَّجْنِي، قالَ: حَتّى أسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ فَأتى النَّبِيءَ ﷺ فاسْتَأْذَنَهُ فَنَهاهُ عَنِ التَّزَوُّجِ بِها، لِأنَّها مُشْرِكَةٌ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ.

والنِّكاحُ في كَلامِ العَرَبِ حَقِيقَةٌ في العَقْدِ عَلى المَرْأةِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: نَكَحَ فُلانٌ فُلانَةً ويَقُولُونَ نَكَحَتْ فُلانَةٌ فُلانًا فَهو حَقِيقَةٌ في العَقْدِ، لِأنَّ الكَثْرَةَ مِن أماراتِ الحَقِيقَةِ وأمّا اسْتِعْمالُهُ في الوَطْءِ فَكِنايَةٌ، وقِيلَ هو حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ مَجازٌ في العَقْدِ.

واخْتارَهُ فُقَهاءُ الشّافِعِيَّةِ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ في اللُّغَةِ، وقِيلَ حَقِيقَةٌ فِيهِما فَهو مُشْتَرَكٌ وهو

صفحة ٣٦٠

أضْعَفُ. قالُوا: ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ إلّا بِمَعْنى العَقْدِ فَقِيلَ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، لِأنَّهُ لا يَكْفِي العَقْدُ في تَحْلِيلِ المَبْتُوتَةِ حَتّى يَبْنِيَ بِها زَوْجُها كَما في حَدِيثِ زَوْجَةِ رِفاعَةَ ولَكِنَّ الأصْوَبَ أنَّ تِلْكَ الآيَةَ بِمَعْنى العَقْدِ وإنَّما بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّهُ لا بُدَّ مَعَ العَقْدِ مِنَ الوَطْءِ وهَذا هو الظّاهِرُ، والمَنعُ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالعَقْدِ بِالِاتِّفاقِ.

والمُشْرِكُ في لِسانِ الشَّرْعِ مَن يَدِينُ بِتَعَدُّدِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِهِ في مَواضِعِهِ مِنَ القُرْآنِ مُشْرِكُو العَرَبِ الَّذِينَ عَبَدُوا آلِهَةً أُخْرى مَعَ اللَّهِ تَعالى ويُقابِلُهم في تَقْسِيمِ الكُفّارِ أهْلُ الكِتابِ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ ولَكِنَّهم …

Al-Baqara 2:221Listen in Qur'an →
222

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ

And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves, then come to them from where Allah has ordained for you. Indeed, Allah loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، بِمُناسَبَةِ أنَّ تَحْرِيمَ نِكاحِ المُشْرِكاتِ يُؤْذِنُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ أحْوالِ المُشْرِكِينَ وكانَ المُشْرِكُونَ لا يَقْرَبُونَ نِساءَهم إذا كُنَّ حُيَّضًا وكانُوا يُفْرِطُونَ في الِابْتِعادِ مِنهُنَّ مُدَّةَ الحَيْضِ فَناسَبَ تَحْدِيدَ ما يَكْثُرُ وُقُوعُهُ وهو مِنَ الأحْوالِ الَّتِي يُخالِفُ فِيها المُشْرِكُونَ غَيْرَهم، ويَتَساءَلُ المُسْلِمُونَ عَنْ أحَقِّ المَناهِجِ في شَأْنِها، رُوِيَ أنَّ السّائِلَ عَنْ هَذا هو أبُو الدَّحْداحِ ثابِتُ بْنُ الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ، ورُوِيَ أنَّ السّائِلَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، ورُوِيَ أنَّهُ عَبّادُ بْنُ بِشْرٍ، فالسُّؤالُ حَصَلَ في مُدَّةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فَذُكِرَ فِيها مَعَ ما سَيُذْكَرُ مِنَ الأحْكامِ.

والباعِثُ عَلى السُّؤالِ أنَّ أهْلَ يَثْرِبَ قَدِ امْتَزَجُوا بِاليَهُودِ واسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِمْ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، وكانَ اليَهُودُ يَتَباعَدُونَ عَنِ الحائِضِ أشَدَّ التَّباعُدِ بِحُكْمِ التَّوْراةِ فَفي الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ: إذا كانَتِ امْرَأةٌ لَها سَيْلٌ دَمًا في لَحْمِها فَسَبْعَةُ أيّامٍ تَكُونُ في طَمْثِها وكُلُّ مَن مَسَّها يَكُونُ نَجِسًا إلى المَساءِ وكُلُّ ما تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا وكُلُّ مَن مَسَّ فِراشَها يَغْسِلُ ثِيابَهُ ويَسْتَحِمُّ بِماءٍ ويَكُونُ نَجِسًا إلى المَساءِ وإنِ اضْطَجَعَ مَعَها رَجُلٌ فَكانَ طَمْثُها عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أيّامٍ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ النَّصارى لا يَمْتَنِعُونَ عَنْ ذَلِكَ ولا أحْسَبُ ذَلِكَ صَحِيحًا فَلَيْسَ في الإنْجِيلِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنَّ مِن قَبائِلِ العَرَبِ مَن كانَتِ الحائِضُ عِنْدَهم مَبْغُوضَةً

صفحة ٣٦٥

فَقَدْ كانَ بَنُو سُلَيْحٍ أهْلُ بَلَدِ الحَضْرِ، وهم مِن قُضاعَةَ نَصارى إنْ حاضَتِ المَرْأةُ أخْرَجُوها مِنَ المَدِينَةِ إلى الرَّبْضِ حَتّى تَطْهُرَ وفَعَلُوا ذَلِكَ بِنَصْرَةَ ابْنَةِ الضَّيْزَنِ مَلِكِ الحَضْرِ، فَكانَتِ الحالُ مَظِنَّةَ حِيرَةِ المُسْلِمِينَ في هَذا الأمْرِ تَبْعَثُ عَلى السُّؤالِ عَنْهُ.

والمَحِيضُ وهو اسْمٌ لِلدَّمِ الَّذِي يَسِيلُ مِن رَحِمِ المَرْأةِ في أوْقاتٍ مُنْتَظِمَةٍ والمَحِيضُ اسْمٌ عَلى زِنَةِ مَفْعِلٍ مَنقُولٌ مِن أسْماءِ المَصادِرِ شاذًّا عَنْ قِياسِها لِأنَّ قِياسَ المَصْدَرِ في مِثْلِهِ فَتْحُ العَيْنِ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ حاضَتْ حَيْضًا ومَحاضًا ومَحِيضًا والمَصْدَرُ في - هَذا البابِ بابُهُ المَفْعَلِ بِفَتْحِ العَيْنِ لَكِنَّ المَفْعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ جَيِّدٌ ووَجْهُ جَوْدَتِهِ مُشابَهَتُهُ مُضارِعَهُ لِأنَّ المُضارِعَ بِكَسْرِ العَيْنِ وهو مِثْلُ المَجِيءِ والمَبِيتِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَمّا صارَ المَحِيضُ اسْمًا لِلدَّمِ السّائِلِ مِنَ المَرْأةِ عُدِلَ بِهِ عَنْ قِياسِ أصْلِهِ مِنَ المَصْدَرِ إلى زِنَةِ اسْمِ المَكانِ وجِيءَ بِهِ عَلى زِنَةِ المَكانِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ صارَ اسْمًا فَخالَفُوا فِيهِ أوْزانَ الأحْداثِ إشْعارًا بِالنَّقْلِ فَرْقًا بَيْنَ المَنقُولِ مِنهُ والمَنقُولِ إلَيْهِ، ويُقالُ حَيْضٌ وهو أصْلُ المَصْدَرِ: يُقالُ: حاضَتِ المَرْأةُ إذا سالَ مِنها؛ كَما يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ إذا فاضَ ماؤُهُ ومِنهُ سُمِّيَ الحَوْضُ حَوْضًا لِأنَّهُ يَسِيلُ، أبْدَلُوا ياءَهُ واوًا …

Al-Baqara 2:222Listen in Qur'an →
223

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Your wives are a place of sowing of seed for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allah and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ ثانٍ لِجُمْلَةِ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قُصِدَ بِهِ الِارْتِفاقُ بِالمُخاطَبِينَ والتَّأنُّسُ لَهم لِإشْعارِهِمْ بِأنَّ مَنعَهم مِن قِرْبانِ النِّساءِ في مُدَّةِ المَحِيضِ مَنعٌ مُؤَقَّتٌ لِفائِدَتِهِمْ وأنَّ اللَّهَ

صفحة ٣٧١

يَعْلَمُ أنَّ نِساءَهم مَحَلُّ تَعَهُّدِهِمْ ومُلابَسَتِهِمْ لَيْسَ مَنعُهم مِنهُنَّ في بَعْضِ الأحْوالِ بِأمْرٍ هَيِّنٍ عَلَيْهِمْ لَوْلا إرادَةُ حِفْظِهِمْ مِنَ الأذى، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لَمّا حَمى الحِمى: لَوْلا المالُ الَّذِي أحْمِلُ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ ما حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِن بِلادِهِمْ شِبْرًا إنَّها لَبِلادُهم. وتُعْتَبَرُ جُمْلَةُ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ﴾ مُقَدِّمَةً لِجُمْلَةِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْإذْنِ بِإتْيانِهِنَّ أنّى شاءُوا، والعِلَّةُ قَدْ تُجْعَلُ مُقَدِّمَةً فَلَوْ أُوثِرَ مَعْنى التَّعْلِيلِ لَأُخِّرَتْ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ ولَكِنْ أُوثِرَ أنْ تَكُونَ مُقَدِّمَةً لِلَّتِي بَعْدَها لِأنَّهُ أحْكَمُ نَسِيجٍ نُظِمَ ولِتَتَأتّى عَقِبَهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ. والحَرْثُ مَصْدَرُ حَرَثَ الأرْضَ إذا شَقَّها بِآلَةٍ تَشُقُّ التُّرابَ لِيُزْرَعَ في شُقُوقِهِ زَرِيعَةٌ أوْ تُغْرَسَ أشْجارٌ. وهو هَنا مُطْلَقٌ عَلى مَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ.

وإطْلاقُ الحَرْثِ عَلى المَحْرُوثِ وأنْواعِهِ إطْلاقٌ مُتَعَدِّدٌ فَيُطْلَقُ عَلى الأرْضِ المَجْعُولَةِ لِلزَّرْعِ أوِ الغَرْسِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] أيْ أرْضُ زَرْعٍ مَحْجُورَةٌ عَلى النّاسِ أنْ يَزْرَعُوها.

وقالَ ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] أيِ الجَنّاتِ والحَوائِطِ والحُقُولِ. وقالَ ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧] أيْ أهْلَكَتْ زَرْعَهم. وقالَ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢١] يَعْنُونَ بِهِ جَنَّتَهم أيْ صارِمِينَ عَراجِينَ التَّمْرِ.

والحَرْثُ في هَذِهِ الآيَةِ مُرادٌ بِهِ المَحْرُوثُ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ المَصْدَرَ لِأنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنْهُ، وتَشْبِيهُ النِّساءِ بِالحَرْثِ تَشْبِيهٌ لَطِيفٌ كَما شُبِّهَ النَّسْلُ بِالزَّرْعِ في قَوْلِ أبِي طالِبٍ في خِطْبَتِهِ خَدِيجَةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وزَرْعِ إسْماعِيلَ.

والفاءُ في ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ فاءٌ فَصِيحَةٌ لِابْتِناءِ ما بَعْدَها عَلى تَقَرُّرِ أنَّ النِّساءَ حَرْثٌ لَهم، لا سِيَّما إذا كانُوا قَدْ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ.

وكَلِمَةُ أنّى اسْمٌ لِمَكانٍ مُبْهَمٍ تُبَيِّنُهُ جُمْلَةٌ مُضافٌ هو إلَيْها، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ مَجازًا في مَعْنى كَيْفَ بِتَشْبِيهِ حالِ الشَّيْءِ بِمَكانِهِ، لِأنَّ كَيْفَ اسْمٌ لِلْحالِ المُبْهَمَةِ يُبَيِّنُها عامِلُها نَحْوَ كَيْفَ

صفحة ٣٧٢

يَشاءُ وقالَ في لِسانِ العَرَبِ: إنَّ (أنّى) تَكُونُ بِمَعْنى (مَتى)، وقَدْ أُضِيفَ (أنّى) في هَذِهِ الآيَةِ إلى جُمْلَةِ شِئْتُمْ والمَشِيئاتُ شَتّى فَتَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى حَمْلِ (أنّى) عَلى المَعْنى المَجازِيِّ وفَسَّرُوهُ بِكَيْفَ شِئْتُمْ وهو تَأْوِيلُ الجُمْهُورِ الَّذِي عَضَّدُوهُ بِما رَوَوْهُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وفِيها رِوايَتانِ. إحْداهُما …

Al-Baqara 2:223Listen in Qur'an →
224

وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And do not make [your oath by] Allah an excuse against being righteous and fearing Allah and making peace among people. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] عَطْفَ تَشْرِيعٍ عَلى تَشْرِيعٍ فالمُناسَبَةُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَعَلُّقُ مَضْمُونَيْهِما بِأحْكامِ مُعاشَرَةِ الأزْواجِ مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى مَنعًا مِن

صفحة ٣٧٦

قِرْبانِ الأزْواجِ في حالَةِ الحَيْضِ، وكَوْنِ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فَوَقَعَ هَذا التَّمْهِيدُ مَوْقِعَ الِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وجُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وسُلِكَ فِيهِ طَرِيقُ العَطْفِ؛ لِأنَّهُ نَهْيٌ عُطِفَ عَلى نَهْيٍ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقالَ التَّفْتازانِيُّ: الأظْهَرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيِ امْتَثِلُوا ما أمَرْتُ بِهِ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً اهـ. وفِيهِ تَكَلُّفٌ وخُلُوٌّ عَنْ إبْداءِ المُناسَبَةِ، وجَوَّزَ التَّفْتازانِيُّ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الأوامِرِ السّابِقَةِ وهي وقَدِّمُوا وواتَّقُوا و﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] اهـ. أيْ فالمُناسَبَةُ أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِاسْتِحْضارِ يَوْمِ لِقائِهِ بَيَّنَ لَهم شَيْئًا مِنَ التَّقْوى دَقِيقِ المَسْلَكِ شَدِيدِ الخَفاءِ وهو التَّقْوى بِاحْتِرامِ الِاسْمِ المُعَظَّمِ؛ فَإنَّ التَّقْوى مِنَ الأحْداثِ الَّتِي إذا تَعَلَّقَتْ بِالأسْماءِ كانَ مُفادُها التَّعَلُّقَ بِمُسَمّى الِاسْمِ لا بِلَفْظِهِ، لِأنَّ الأحْكامَ اللَّفْظِيَّةَ إنَّما تَجْرِي عَلى المَدْلُولاتِ إلّا إذا قامَ دَلِيلٌ عَلى تَعَلُّقِها بِالأسْماءِ مِثْلُ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، فَجِيءَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِبَيانِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ واتِّقائِهِ في حُرْمَةِ أسْمائِهِ عِنْدَ الحِنْثِ مَعَ بَيانِ ما رُخِّصَ فِيهِ مِنِ الحِنْثِ، أوْ لِبَيانِ التَّحْذِيرِ مِن تَعْرِيضِ اسْمِهِ تَعالى لِلِاسْتِخْفافِ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ حَتّى لا يُضْطَرَّ إلى الحِنْثِ عَلى الوَجْهَيْنِ الآتِيَيْنِ، وبَعْدَ هَذا التَّوْجِيهِ كُلِّهِ فَهو يَمْنَعُ مِنهُ أنَّ مَجِيءَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] مَجِيءَ التَّذْيِيلِ لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ مانِعٌ مِنِ اعْتِبارِ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ حُكْمٌ مُعْتَدٌّ بِهِ، لِأنَّهُ يَطُولُ بِهِ التَّذْيِيلُ وشَأْنُ التَّذْيِيلِ الإيجازُ، وقالَ عَبْدُ الحَكِيمِ: مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ قُلْ بِتَقْدِيرِ قُلْ أيْ: وقُلْ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً أوْ عَلى قَوْلِهِ: وقَدِّمُوا إنْ جَعَلَ قَوْلَهُ وقَدِّمُوا مِن جُمْلَةِ مَقُولِ قُلْ، وذَكَرَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، إنَّها نَزَلَتْ حِينَ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ألّا يُنْفِقَ عَلى قَرِيبِهِ مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ لِمُشارَكَتِهِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِخَبَرِ الإفْكِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقالَ الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَ خَتَنَهُ عَلى أُخْتِهِ بَشِيرَ بْنَ النُّعْمانِ ولا يَدْخُلَ بَيْتَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، وأيًّا ما كانَ فَواوُ العَطْفِ لا بُدَّ أنْ تَرْبُطَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِشَيْءٍ مِنَ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها.

وتَعَلُّقُ الجَعْلِ بِالذّاتِ هُنا هو عَلى مَعْنى التَّعْلِيقِ بِالِاسْمِ، فالتَّقْدِيرُ: ولا تَجْعَلُوا اسْمَ اللَّهِ، وحُذِفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ …

Al-Baqara 2:224Listen in Qur'an →
225

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Allah does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allah is Forgiving and Forbearing.

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ لَمّا أفادَتِ النَّهْيَ عَنِ التَّسَرُّعِ بِالحَلِفِ إفادَةً صَرِيحَةً أوِ التِزامِيَّةً، كانَتْ نُفُوسُ السّامِعِينَ بِحَيْثُ يَهْجِسُ بِها التَّفَكُّرُ والتَّطَلُّعُ إلى حُكْمِ اليَمِينِ الَّتِي تَجْرِي عَلى الألْسُنِ. ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ ظاهِرَةٌ لا سِيِّما إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] نَهْيًا عَنِ الحَلِفِ.

والمُؤاخَذَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى العَدِّ والمُحاسَبَةِ، يُقالُ أخَذَهُ بِكَذا أيْ عَدَّهُ عَلَيْهِ لِيُعاتِبَهُ، أوْ يُعاقِبَهُ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

لا تَأْخُذْنِي بِأقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاوِيلُ

فالمُفاعَلَةُ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الأخْذِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ حُصُولُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ

صفحة ٣٨١

والمُؤاخَذَةُ بِاليَمِينِ، هي الإلْزامُ بِالوَفاءِ بِها، وعَدَمُ الحِنْثِ؛ ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَأْثَمَ إذا وقَعَ الحِنْثُ، إلّا ما أذِنَ اللَّهُ في كَفّارَتِهِ، كَما في آيَةِ سُورَةِ العُقُودِ.

واللَّغْوُ مَصْدَرُ لَغا، إذا قالَ كَلامًا خَطَأً، يُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا كَدَعا، ولَغا يَلْغى لَغْيًا كَسَعى. ولُغَةُ القُرْآنِ بِالواوِ. وفي اللِّسانِ: أنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ إلّا قَوْلُهم أسَوْتُهُ أسْوًا وأسًى أصْلَحْتُهُ وفي الكَواشِي: ولَغا يَلْغُو لَغْوًا قالَ باطِلًا، ويُطْلَقُ اللَّغْوُ أيْضًا عَلى الكَلامِ السّاقِطِ، الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ، وهو الخَطَأُ، وهو إطْلاقٌ شائِعٌ. وقَدِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في الأساسِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَجازًا؛ واقْتَصَرَ عَلى التَّفْسِيرِ بِهِ في الكَشّافِ وتَبِعَهُ مُتابِعُوهُ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، المُرادُ بِها المُلابَسَةُ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، صِفَةُ اللَّغْوِ أوْ حالٌ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَدَّرَهُ الكَواشِيُّ فَيَكُونُ المَعْنى، عَلى جَعْلِ اللَّغْوِ بِمَعْنى المَصْدَرِ، وهو الأظْهَرُ: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِأنْ تَلْغُوا لَغْوًا مُلابِسًا لِلْأيْمانِ، أيْ لا يُؤاخِذُكم بِالأيْمانِ الصّادِرَةِ صُدُورَ اللَّغْوِ، أيْ غَيْرِ المَقْصُودِ مِنَ القَوْلِ.

فَإذا جَعَلْتَ اللَّغْوَ اسْمًا، بِمَعْنى الكَلامِ السّاقِطِ الخاطِئِ، لَمْ تَصِحَّ ظَرْفِيَّتُهُ في الأيْمانِ، لِأنَّهُ مِنَ الأيْمانِ، فالظَّرْفِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُؤاخِذُكم، والمَعْنى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ في أيْمانِكم بِاللَّغْوِ، أيْ لا يُؤاخِذُكم مِن بَيْنِ أيْمانِكم بِاليَمِينِ اللَّغْوِ، والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، واليَمِينُ القَسَمُ والحَلِفُ، وهو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بَعْضِ صِفاتِهِ، أوْ بَعْضِ شُئُونِهِ العُلْيا أوْ شَعائِرِهِ. فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَحْلِفُ بِاللَّهِ، وبِرَبِّ الكَعْبَةِ، وبِالهَدْيِ، وبِمَناسِكِ الحَجِّ. والقَسَمُ عِنْدَهم بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِ القَسَمِ الثَّلاثَةِ: الواوُ والباءُ والتّاءُ، ورُبَّما ذَكَرُوا لَفْظَ حَلَفْتُ أوْ أقْسَمْتُ، ورُبَّما حَلَفُوا بِدِماءِ البُدْنِ، ورُبَّما قالُوا والدِّماءِ، وقَدْ يُدْخِلُونَ لامًا عَلى عَمْرِ اللَّهِ، يُقالُ: لَعَمْرُ اللَّهِ، ويَقُولُونَ: عَمَرَكَ اللَّهُ، ولَمْ أرَ أنَّهم كانُوا يَحْلِفُونَ بِأسْماءِ الأصْنامِ. فَهَذا الحَلِفُ الَّذِي يُرادُ بِهِ التِزامُ فِعْلٍ، أوْ بَراءَةٌ مِن حَقٍّ. وقَدْ يَحْلِفُونَ بِأشْياءَ عَزِيزَةٍ عِنْدَهم لِقَصْدِ تَأْكِيدِ الخَبَرِ أوِ الِالتِزامِ، كَقَوْلِهِمْ وأبِيكَ ولَعَمْرُكَ ولَعَمْرِي، …

Al-Baqara 2:225Listen in Qur'an →
226

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍۢ ۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

For those who swear not to have sexual relations with their wives is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِلِانْتِقالِ إلى تَشْرِيعٍ في عَمَلٍ كانَ يَغْلِبُ عَلى الرِّجالِ أنْ يَعْمَلُوهُ في الجاهِلِيَّةِ، والإسْلامِ. كانَ مِن أشْهَرِ الأيْمانِ الحائِلَةِ بَيْنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ أيْمانُ الرِّجالِ عَلى مُهاجَرَةِ نِسائِهِمْ، فَإنَّها تَجْمَعُ الثَّلاثَةَ؛ لِأنَّ حُسْنَ المُعاشَرَةِ مِنَ البِرِّ بَيْنَ المُتَعاشِرِينَ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] فامْتِثالُهُ مِنَ التَّقْوى، ولِأنَّ دَوامَهُ مِن دَوامِ الإصْلاحِ، ويَحْدُثُ بِفَقْدِهِ الشِّقاقُ، وهو مُنافٍ لِلتَّقْوى. وقَدْ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُولِي مِنِ امْرَأتِهِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ، ولا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ تِلْكَ المُدَّةِ، ولا كَلامَ لِلْمَرْأةِ في ذَلِكَ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ لا يُرِيدُ المَرْأةَ، ولا يُحِبُّ أنْ يُطَلِّقَها، لِئَلّا يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ، فَكانَ يَحْلِفُ ألّا يَقْرَبَها مُضارَّةً لِلْمَرْأةِ أيْ ويُقْسِمَ عَلى ذَلِكَ لِكَيْلا يَعُودَ إلَيْها إذا حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ النَّدَمِ. قالَ: ثُمَّ كانَ أهْلُ الإسْلامِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، فَأزالَ اللَّهُ ذَلِكَ، وأمْهَلَ لِلزَّوْجِ مُدَّةً حَتّى يَتَرَوّى فَكانَ هَذا الحُكْمُ مِن أهَمِّ المَقاصِدِ في أحْكامِ الأيْمانِ، الَّتِي مَهَّدَ لَها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ [البقرة: ٢٢٤] .

والإيلاءُ: الحَلِفُ، وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ الحَلِفُ مُطْلَقًا: يُقالُ آلى يُولِي إيلاءً، وتَأْلى يَتَألّى تَألِّيًا، وائْتَلى يَأْتَلِي ائْتِلاءً، والِاسْمُ الألُوَّةُ والألِيَّةُ، كِلاهُما بِالتَّشْدِيدِ، وهو واوِيُّ فالأُلُوَّةُ فُعُولَةٌ والألِيَّةُ فَعِيلَةٌ.

وقالَ الرّاغِبُ: الإيلاءُ حَلِفٌ يَقْتَضِي التَّقْصِيرَ في المَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُلُوِّ وهو

صفحة ٣٨٥

التَّقْصِيرُ قالَ تَعالى ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] وصارَ في الشَّرْعِ الحَلِفَ المَخْصُوصَ ( فَيُؤْخَذُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ الإيلاءَ حَلِفٌ عَلى الِامْتِناعِ والتَّرْكِ؛ لِأنَّ التَّقْصِيرَ لا يَتَحَقَّقُ بِغَيْرِ مَعْنى التَّرْكِ؛ وهو الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ أصْلُ الِاشْتِقاقِ مِنَ الألْوِ، وتَشْهَدُ بِهِ مَوارِدُ الِاسْتِعْمالِ، لِأنّا نَجِدُهم لا يَذْكُرُونَ حَرْفَ النَّفْيِ بَعْدَ فِعْلِ آلى ونَحْوِهِ كَثِيرًا، ويَذْكُرُونَهُ كَثِيرًا، قالَ المُتَلَمِّسُ:

آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أطْعَمُهُ

وقالَ تَعالى ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا﴾ [النور: ٢٢] أيْ عَلى أنْ يُؤْتُوا وقالَ تَعالى هُنا ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ فَعَدّاهُ بِمِن، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى الحَذْفِ والتَّضْمِينِ.

وأيًّا ما كانَ فالإيلاءُ، بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، صارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً في هَذا الحَلِفِ عَلى الوَصْفِ المَخْصُوصِ.

ومَجِيءُ اللّامِ في ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ لِبَيانِ أنَّ التَّرَبُّصَ جُعِلَ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ، فاللّامُ لِلْأجْلِ مِثْلُ (هَذا لَكَ) ويُعْلَمُ مِنهُ مَعْنى التَّخْيِيرِ فِيهِ، أيْ لَيْسَ التَّرَبُّصُ بِواجِبٍ، فَلِلْمُوَلِّي أنْ يَفِيءَ في أقَلَّ مِنَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ. وعُدِّيَ فِعْلُ الإيلاءِ بِمِن، مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُعَدّى بِعَلى؛ لِأنَّهُ ضُمِّنَ هُنا مَعْنى …

Al-Baqara 2:226Listen in Qur'an →
227

وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And if they decide on divorce - then indeed, Allah is Hearing and Knowing.

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِلِانْتِقالِ إلى تَشْرِيعٍ في عَمَلٍ كانَ يَغْلِبُ عَلى الرِّجالِ أنْ يَعْمَلُوهُ في الجاهِلِيَّةِ، والإسْلامِ. كانَ مِن أشْهَرِ الأيْمانِ الحائِلَةِ بَيْنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ أيْمانُ الرِّجالِ عَلى مُهاجَرَةِ نِسائِهِمْ، فَإنَّها تَجْمَعُ الثَّلاثَةَ؛ لِأنَّ حُسْنَ المُعاشَرَةِ مِنَ البِرِّ بَيْنَ المُتَعاشِرِينَ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] فامْتِثالُهُ مِنَ التَّقْوى، ولِأنَّ دَوامَهُ مِن دَوامِ الإصْلاحِ، ويَحْدُثُ بِفَقْدِهِ الشِّقاقُ، وهو مُنافٍ لِلتَّقْوى. وقَدْ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُولِي مِنِ امْرَأتِهِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ، ولا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ تِلْكَ المُدَّةِ، ولا كَلامَ لِلْمَرْأةِ في ذَلِكَ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ لا يُرِيدُ المَرْأةَ، ولا يُحِبُّ أنْ يُطَلِّقَها، لِئَلّا يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ، فَكانَ يَحْلِفُ ألّا يَقْرَبَها مُضارَّةً لِلْمَرْأةِ أيْ ويُقْسِمَ عَلى ذَلِكَ لِكَيْلا يَعُودَ إلَيْها إذا حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ النَّدَمِ. قالَ: ثُمَّ كانَ أهْلُ الإسْلامِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، فَأزالَ اللَّهُ ذَلِكَ، وأمْهَلَ لِلزَّوْجِ مُدَّةً حَتّى يَتَرَوّى فَكانَ هَذا الحُكْمُ مِن أهَمِّ المَقاصِدِ في أحْكامِ الأيْمانِ، الَّتِي مَهَّدَ لَها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ [البقرة: ٢٢٤] .

والإيلاءُ: الحَلِفُ، وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ الحَلِفُ مُطْلَقًا: يُقالُ آلى يُولِي إيلاءً، وتَأْلى يَتَألّى تَألِّيًا، وائْتَلى يَأْتَلِي ائْتِلاءً، والِاسْمُ الألُوَّةُ والألِيَّةُ، كِلاهُما بِالتَّشْدِيدِ، وهو واوِيُّ فالأُلُوَّةُ فُعُولَةٌ والألِيَّةُ فَعِيلَةٌ.

وقالَ الرّاغِبُ: الإيلاءُ حَلِفٌ يَقْتَضِي التَّقْصِيرَ في المَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُلُوِّ وهو

صفحة ٣٨٥

التَّقْصِيرُ قالَ تَعالى ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] وصارَ في الشَّرْعِ الحَلِفَ المَخْصُوصَ ( فَيُؤْخَذُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ الإيلاءَ حَلِفٌ عَلى الِامْتِناعِ والتَّرْكِ؛ لِأنَّ التَّقْصِيرَ لا يَتَحَقَّقُ بِغَيْرِ مَعْنى التَّرْكِ؛ وهو الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ أصْلُ الِاشْتِقاقِ مِنَ الألْوِ، وتَشْهَدُ بِهِ مَوارِدُ الِاسْتِعْمالِ، لِأنّا نَجِدُهم لا يَذْكُرُونَ حَرْفَ النَّفْيِ بَعْدَ فِعْلِ آلى ونَحْوِهِ كَثِيرًا، ويَذْكُرُونَهُ كَثِيرًا، قالَ المُتَلَمِّسُ:

آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أطْعَمُهُ

وقالَ تَعالى ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا﴾ [النور: ٢٢] أيْ عَلى أنْ يُؤْتُوا وقالَ تَعالى هُنا ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ فَعَدّاهُ بِمِن، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى الحَذْفِ والتَّضْمِينِ.

وأيًّا ما كانَ فالإيلاءُ، بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، صارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً في هَذا الحَلِفِ عَلى الوَصْفِ المَخْصُوصِ.

ومَجِيءُ اللّامِ في ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ لِبَيانِ أنَّ التَّرَبُّصَ جُعِلَ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ، فاللّامُ لِلْأجْلِ مِثْلُ (هَذا لَكَ) ويُعْلَمُ مِنهُ مَعْنى التَّخْيِيرِ فِيهِ، أيْ لَيْسَ التَّرَبُّصُ بِواجِبٍ، فَلِلْمُوَلِّي أنْ يَفِيءَ في أقَلَّ مِنَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ. وعُدِّيَ فِعْلُ الإيلاءِ بِمِن، مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُعَدّى بِعَلى؛ لِأنَّهُ ضُمِّنَ هُنا مَعْنى …

Al-Baqara 2:227Listen in Qur'an →
228

وَٱلْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَٰحًۭا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

Divorced women remain in waiting for three periods, and it is not lawful for them to conceal what Allah has created in their wombs if they believe in Allah and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation. And due to the wives is similar to what is expected of them, according to what is reasonable. But the men have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الأخِرِ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾

عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، لِشِدَّةِ المُناسَبَةِ، ولِلِاتِّحادِ في الحُكْمِ وهو التَّرَبُّصُ، إذْ كِلاهُما انْتِظارٌ لِأجْلِ المُراجَعَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُقَدِّمْ قَوْلَهُ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عَلى قَوْلِهِ ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الآيَ جاءَتْ مُتَناسِقَةً، مُنْتَظِمَةً عَلى حَسَبِ مُناسَباتِ الِانْتِقالِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إبْداعِ الأحْكامِ، وإلْقائِها، بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ لا تَسْأمُ لَهُ النَّفْسُ، ولا يَجِيءُ عَلى صُورَةِ التَّعْلِيمِ والدَّرْسِ. وسَيَأْتِي كَلامُنا عَلى الطَّلاقِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .

وجُمْلَةُ ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ خَبَرِيَّةٌ مُرادٌ بِها الأمْرُ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْشاءِ وهو مَجازٌ فَيَجُوزُ جَعْلُهُ مَجازًا مُرْسَلًا مُرَكَّبًا، بِاسْتِعْمالِ الخَبَرِ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّقَرُّرُ والحُصُولُ. وهو الوَجْهُ الَّذِي اخْتارَهُ التَّفْتازانِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] بِأنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في المَعْنى المُرَكَّبِ الإنْشائِيِّ، بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ بَيْنَ الأمْرِ، مَثَلًا كَما هُنا، وبَيْنَ الِامْتِثالِ، حَتّى يُقَدِّرَ المَأْمُورَ فاعِلًا فَيُخْبِرُ عَنْهُ. ويَجُوزُ جَعْلُهُ مَجازًا تَمْثِيلِيًّا، كَما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ إذْ قالَ: فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الأمْرَ بِالتَّرَبُّصِ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: رَحِمَهُ اللَّهُ ثِقَةً بِالِاسْتِجابَةِ. قالَ التَّفْتازانِيُّ: فَهو

صفحة ٣٨٩

تَشْبِيهُ ما هو مَطْلُوبُ الوُقُوعِ بِما هو مُحَقَّقُ الوُقُوعِ في الماضِي كَما في قَوْلِ النّاسِ: رَحِمَهُ اللَّهُ، أوْ في المُسْتَقْبَلِ، أوِ الحالِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. قُلْتُ: وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وأنَّهُ أطْلَقَ المُرَكَّبَ الدّالَّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ.

والتَّعْرِيفُ في المُطَلَّقاتِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وهو مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْراقِ، إذْ لا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ هُنا. وهو عامٌّ في المُطَلَّقاتِ ذَواتِ القُرُوءِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في غَيْرِهِنَّ. فالآيَةُ عامَّةٌ في المُطَلَّقاتِ ذَواتِ القُرُوءِ، ولَيْسَ هَذا بِعامٍّ مَخْصُوصٍ في هَذِهِ، بِمُتَّصِلٍ ولا بِمُنْفَصِلٍ، ولا مُرادٍ بِهِ الخُصُوصَ، بَلْ هو عامٌّ في الجِنْسِ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ المُقَدَّرَةِ الَّتِي هي مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. فالآيَةُ عامَّةٌ في المُطَلَّقاتِ ذَواتِ القُرُوءِ. وهي مُخَصَّصَةٌ بِالحَرائِرِ دُونَ الإماءِ، فَأخْرَجَتِ الإماءَ، بِما ثَبَتَ في السُّنَّةِ: «أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ حَيْضَتانِ»، رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ. فَهي شامِلَةٌ لِجِنْسِ المُطَلَّقاتِ ذَواتِ القُرُوءِ، ولا عَلاقَةَ لَها بِغَيْرِهِنَّ مِنَ المُطَلَّقاتِ، مِثْلِ المُطَلَّقاتِ اللّاتِي لَسْنَ مِن ذَواتِ القُرُوءِ، وهُنَّ النِّساءُ اللّاتِي لَمْ يَبْلُغْنَ سِنَّ المَحِيضِ، والآيِساتُ مِنَ المَحِيضِ، والحَوامِلُ، وقَدْ بُيِّنَ حُكْمَهُنَّ في سُورَةِ الطَّلاقِ. إلّا أنَّها …

Al-Baqara 2:228Listen in Qur'an →
229

ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Divorce is twice. Then, either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allah. But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allah, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allah, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allah - it is those who are the wrongdoers.

﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾

اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ غايَةِ الطَّلاقِ، الَّذِي يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ مِنِ امْرَأتِهِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] وعَنْ بَعْضِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَنَ أنَّ لِلنِّساءِ حَقًّا، كَحَقِّ الرِّجالِ، وجَعَلَ لِلرِّجالِ دَرَجَةً زائِدَةً: مِنها أنَّ لَهم حَقَّ الطَّلاقِ، ولَهم حَقَّ الرَّجْعَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولَمّا كانَ أمْرُ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ جارِيًا عَلى عَدَمِ تَحْدِيدِ نِهايَةِ الطَّلاقِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ عَقِبَ ذَلِكَ كُلَّهُ حُكْمَ تَحْدِيدِ الطَّلاقِ، إفادَةً لِلتَّشْرِيعِ في هَذا البابِ ودَفْعًا لِما قَدْ يَعْلَقُ أوْ عَلِقَ بِالأوْهامِ في شَأْنِهِ.

رَوى مالِكٌ في جامِعِ الطَّلاقِ مِنَ المُوَطَّأِ: عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَ لَهُ ذَلِكَ وإنْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ فَعَمَدَ رَجُلٌ إلى امْرَأتِهِ فَطَلَّقَها حَتّى إذا شارَفَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها راجَعَها ثُمَّ طَلَّقَها ثُمَّ قالَ واللَّهِ لا آوِيكِ ولا تَحِلِّينَ أبَدًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الطَّلاقَ جَدِيدًا مِن يَوْمئِذٍ مَن كانَ طَلَّقَ مِنهم أوْ لَمْ يُطَلِّقْ.

صفحة ٤٠٤

ورَوى أبُو داوُدَ، والنِّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَرِيبًا مِنهُ. ورَواهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ إلى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ: لَمْ يَكُنْ لِلطَّلاقِ وقْتٌ يُطَلِّقُ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ ثُمَّ يُراجِعُها ما لَمْ تَنْقَضِ العِدَّةُ وكانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وبَيْنَ أهْلِهِ بَعْضُ ما يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ فَقالَ: واللَّهُ لا تَرَكْتُكِ لا أيِّمًا ولا ذاتَ زَوْجٍ فَجَعَلَ يُطَلِّقُها حَتّى إذا كادَتِ العِدَّةُ أنْ تَنْقَضِيَ راجَعَها فَفَعَلَ ذَلِكَ مِرارًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، وفي ذَلِكَ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ تُقارِبُ هَذِهِ، وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ: بابُ نَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقاتِ الثَّلاثِ وأخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا فَنُسِخَ ذَلِكَ ونَزَلَ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ . فالآيَةُ عَلى هَذا إبْطالٌ لِما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، وتَحْدِيدٌ لِحُقُوقِ البُعُولَةِ في المُراجَعَةِ.

والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ الطَّلاقُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، عَلى ما هو المُتَبادِرُ في تَعْرِيفِ المَصادِرِ، وفي مَساقِ التَّشْرِيعِ، فَإنَّ التَّشْرِيعَ يَقْصِدُ بَيانَ الحَقائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] وهَذا التَّعْرِيفُ هو الَّذِي أشارَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى اخْتِيارِهِ، فالمَقْصُودُ هُنا الطَّلاقُ الرَّجْعِيُّ الَّذِي سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَإنَّهُ الطَّلاقُ الأصْلِيُّ، ولَيْسَ في أصْلِ الشَّرِيعَةِ طَلاقٌ بائِنٌ غَيْرُ قابِلٍ لِلْمُراجَعَةِ لِذاتِهِ، إلّا الطَّلْقَةُ الواقِعَةُ ثالِثَةً، بَعْدَ سَبْقِ طَلْقَتَيْنِ قَبْلَها فَإنَّها مُبِينَةٌ بَعْدُ وأمّا ما …

Al-Baqara 2:229Listen in Qur'an →
230

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him. And if the latter husband divorces her [or dies], there is no blame upon the woman and her former husband for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allah. These are the limits of Allah, which He makes clear to a people who know.

صفحة ٤١٤

﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾

تَفْرِيعٌ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وما بَيْنَهُما بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ، عَلى أنَّ تَقْدِيمَهُ يُكْسِبُهُ تَأْثِيرًا في تَفْرِيعِ هَذا عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ أنَّ بَعْدَ المَرَّتَيْنِ تَخْيِيرًا بَيْنَ المُراجَعَةِ وعَدَمِها، فَرَتَّبَ عَلى تَقْدِيرِ المُراجَعَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالإمْساكِ فَإنْ طَلَّقَها وهو يَدُلُّ بِطَرِيقِ الِاقْتِضاءِ، عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَإنْ راجَعَها فَطَلَّقَها لِبَيانِ حُكْمِ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ. وقَدْ تَهَيَّأ السّامِعُ لِتَلَقِّيَ هَذا الحُكْمُ مِن قَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إذْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ بَيانُ آخِرِ عَدَدٍ في الرُّجْعى وأنَّ ما بَعْدَهُ بَتاتٌ، فَذِكْرُ قَوْلِهِ فَإنْ طَلَّقَها زِيادَةٌ في البَيانِ، وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ إلَخْ فالفاءُ: إمّا عاطِفَةٌ لِجُمْلَةِ (إنْ طَلَّقَها) عَلى جُمْلَةِ فَإمْساكٌ بِاعْتِبارِ ما فِيها، مِن قَوْلِهِ فَإمْساكٌ، إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإمْساكِ المُراجَعَةَ ومِنَ التَّسْرِيحِ عَدَمَها، أيْ فَإنْ أمْسَكَ المُطَلِّقُ أيْ راجَعَ، ثُمَّ طَلَّقَها، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وإمّا فَصِيحَةٌ لِبَيانِ قَوْلِهِ: أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ، إنْ كانَ المُرادُ مِنَ التَّسْرِيحِ إحْداثَ الطَّلاقِ، أيْ فَإنِ ازْدادَ بَعْدَ المُراجَعَةِ فَسَرَّحَ. فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ، وإعادَةُ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ المُراجَعَةِ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ، تَصْرِيحًا بِما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالطَّلاقِ هُنا دُونَ التَّسْرِيحِ لِلْبَيانِ، ولِلتَّفَنُّنِ، عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، ولا يَعُوزُكَ تَوْزِيعُهُ عَلَيْها، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ راجِعٌ لِلْمُطَلِّقِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] والضَّمِيرُ المَنصُوبُ راجِعٌ لِلْمُطَلَّقَةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الطَّلاقِ أيْضًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] والآيَةُ بَيانٌ لِنِهايَةِ حَقِّ المُراجَعَةِ صَراحَةً، وهي إمّا إبْطالٌ لِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ وتَشْرِيعٌ إسْلامِيٌّ جَدِيدٌ، وإمّا نَسْخٌ لِما تَقَرَّرَ أوَّلَ الإسْلامِ إذا صَحَّ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، في سُنَنِهِ، في بابِ المُراجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقاتِ الثَّلاثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا فَنُسِخَ ذَلِكَ ونَزَلَ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .

ولا يَحِلُّ بِحالٍ عَطْفُ قَوْلِهِ فَإنْ طَلَّقَها عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولا صِدْقُ الضَّمِيرَيْنِ عَلى ما صَدَقَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما﴾ [البقرة: ٢٢٩]، و﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ [البقرة: ٢٢٩] لِعَدَمِ صِحَّةِ تَعَلُّقِ حُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ بِما تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ قَوْلِهِ ﴿ولا يَحِلُّ

صفحة ٤١٥

لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلَخْ إذْ لا يَصِحُّ تَفْرِيعُ الطَّلاقِ الَّذِي لا تَحِلُّ بَعْدَهُ المَرْأةُ عَلى وُقُوعِ الخُلْعِ، إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الإسْلامِ في قَوْلِ أحَدٍ، فَمِنَ العَجِيبِ ما وقَعَ …

Al-Baqara 2:230Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.