Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 211–220 of 286

211

سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allah [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allah is severe in penalty.

صفحة ٢٨٨

﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾

تَتَنَزَّلُ هاتِهِ الآيَةُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البُرْهانِ عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٠] ) سَواءٌ كانَ خَبَرًا أوْ وعِيدًا أوْ وعْدًا أمْ تَهَكُّمًا وأيًّا ما كانَ مُعادُ الضَّمِيرُ فِيهِ عَلى الأوْجُهِ السّابِقَةِ، وقَدْ دَلَّ بِكُلِّ احْتِمالٍ عَلى تَعْرِيضٍ بِفِرَقٍ ذَوِي غُرُورٍ وتَمادٍ في الكُفْرِ وقِلَّةِ انْتِفاعٍ بِالآياتِ البَيِّناتِ، فَناسَبَ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ بِإلْفاتِهِمْ إلى ما بَلَغَهم مِن قِلَّةِ انْتِفاعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِما أُوتُوهُ مِن آياتِ الِاهْتِداءِ مَعَ قِلَّةِ غَناءِ الآياتِ لَدَيْهِمْ عَلى كَثْرَتِها، فَإنَّهم عانَدُوا رَسُولَهم ثُمَّ آمَنُوا بِهِ إيمانًا ضَعِيفًا ثُمَّ بَدَّلُوا الدِّينَ بَعْدَ ذَلِكَ تَبْدِيلًا.

وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في يَنْظُرُونَ لِأهْلِ الكِتابِ: أيْ بَنِي إسْرائِيلَ فالعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ هُنا إلى الإظْهارِ بِقَوْلِهِ بَنِي إسْرائِيلَ لِزِيادَةِ النِّداءِ عَلى فَضِيحَةِ حالِهِمْ ويَكُونُ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ أشَدَّ: أيْ هم قَدْ رَأوْا آياتٍ كَثِيرَةً فَكانَ المُناسِبُ لَهم أنْ يُبادِرُوا بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهم أعْلَمُ النّاسِ بِأحْوالِ الرُّسُلِ، وعَلى كُلٍّ فَهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ أغْراضِ التَّشْرِيعِ المُتَتابِعَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

و(سَلْ) أمْرٌ مِن سَألَ يَسْألُ أصْلُهُ اسْألْ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها إلْحاقًا لَها بِنَقْلِ حَرَكَةِ حَرْفِ العِلَّةِ لِشِبْهِ الهَمْزَةِ بِحَرْفِ العِلَّةِ فَلَمّا تَحَرَّكَ أوَّلُ المُضارِعِ اسْتَغْنى عَنِ اجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، وقِيلَ: سَلْ أمْرٌ مِن سَألَ الَّذِي جُعِلَتْ هَمْزَتُهُ ألِفًا مِثْلَ الأمْرِ مِن خافَ يَخافُ خَفْ، والعَرَبُ يُكْثِرُونَ مِن هَذا التَّخْفِيفِ في سَألَ ماضِيًا وأمْرًا؛ إلّا أنَّ الأمْرَ إذا وقَعَ بَعْدَ الواوِ والفاءِ تَرَكُوا هَذا التَّخْفِيفَ غالِبًا.

والمَأْمُورُ بِالسُّؤالِ هو الرَّسُولُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَرَقَّبُ أنْ يُجِيبَهُ بَنُو إسْرائِيلَ عَنْ سُؤالِهِ؛ إذْ لا يَعْبَئُونَ بِسُؤالِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالسُّؤالِ سُؤالُ التَّقْرِيرِ لِلتَّقْرِيعِ، ولَفْظُ السُّؤالِ يَجِيءُ لِما تَجِيءُ لَهُ أدَواتُ الِاسْتِفْهامِ.

والمَقْصُودُ مِنَ التَّقْرِيرِ إظْهارُ إقْرارِهِمْ لِمُخالَفَتِهِمْ لِمُقْتَضى الآياتِ فَيَجِيءُ مِن هَذا التَّقْرِيرِ التَّقْرِيعُ فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَصْرِيحَهم بِالإقْرارِ؛ بَلْ مُجَرَّدُ كَوْنِهِمْ لا يَسَعُهُمُ الإنْكارُ.

صفحة ٢٨٩

والمُرادُ بِبَنِي إسْرائِيلَ الحاضِرُونَ مِنَ اليَهُودِ. والضَّمِيرُ في آتَيْناهم لَهم، والمَقْصُودُ إيتاءُ سَلَفِهِمْ؛ لِأنَّ الخِصالَ الثّابِتَةَ لِأسْلافِ القَبائِلِ والأُمَمِ، يَصِحُّ إثْباتُها لِلْخَلَفِ لِتُرَتِّبِ الآثارِ لِلْجَمِيعِ كَما هو شائِعٌ في مُصْطَلَحِ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى إيتائِهِمُ الآياتِ أنَّهم لَمّا تَناقَلُوا آياتِ رُسُلِهِمْ في كُتُبِهِمْ وأيْقَنُوا بِها فَكَأنَّهم أُوتُوها مُباشَرَةً.

و(كَمْ) اسْمٌ لِلْعَدَدِ المُبْهَمِ فَيَكُونُ لِلِاسْتِفْهامِ، ويَكُونُ لِلْإخْبارِ، وإذا كانَتْ لِلْإخْبارِ دَلَّتْ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ؛ ولِذَلِكَ تَحْتاجُ إلى مُمَيَّزٍ في الإخْبارِ، وهي هُنا، اسْتِفْهامِيَّةٌ كَما يَدُلُّ …

Al-Baqara 2:211Listen in Qur'an →
212

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allah are above them on the Day of Resurrection. And Allah gives provision to whom He wills without account.

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾

اسْتِئْنافٌ بِالرُّجُوعِ إلى أحْوالِ كُفّارِ العَرَبِ المَعْنِيِّينَ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ قَصْدًا وتَعْرِيضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، والمُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:

صفحة ٢٩٤

﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] اسْتِئْنافًا لِبَيانِ خُلُقِهِمُ العَجِيبِ المُفْضِي بِهِمْ إلى قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِالإيمانِ وأهْلِهِ وإلى الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ وشُعَبِهِ الَّتِي سَبَقَ الحَدِيثُ عَنْها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُرادُ: رُؤَساءُ قُرَيْشٍ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأحْوالِ الماضِيَةِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ قُطِعَ عَنِ الجُمَلِ السّابِقَةِ لا سِيَّما وقَدْ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَها الِاسْتِطْرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] الآيَةَ، ولَيْسَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا أهْلَ الكِتابِ مِن مُعْلِنٍ ومُنافِقٍ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِنِ اصْطِلاحِ القُرْآنِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينَ كَفَرُوا، ولِأنَّهم لَوْ كانُوا هُمُ المُرادَ لَقِيلَ زُيِّنَ لَهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا، لِأنَّهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُناسِبُ حالَ المُشْرِكِينَ لا حالَ أهْلِ الكِتابِ كَما سَيَأْتِي.

والتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا أوِ الِاحْتِجاجُ لِكَوْنِهِ زَيْنًا، لِأنَّ التَّفْعِيلَ يَأْتِي لِلْجَعْلِ ويَأْتِي لِلنِّسْبَةِ كالتَّعْلِيمِ وكالتَّفْسِيقِ والتَّزْكِيَةِ، والزَّيْنُ شِدَّةُ الحُسْنِ.

والحَياةُ الدُّنْيا مُرادٌ بِها ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الحَياةُ مِنَ اللَّذّاتِ والمُلائِماتِ والذَّواتِ الحَسَنَةِ، وهَذا إطْلاقٌ مَشْهُورٌ لِلْحَياةِ وما يُرادِفُها؛ فَفي الحَدِيثِ: «مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها» أيْ إلى مَنافِعِ دُنْيا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ اشْتُهِرَ حَذْفُهُ.

ومَعْنى تَزْيِينِ الحَياةِ لَهم، إمّا أنَّ ما خُلِقَ زَيْنًا في الدُّنْيا قَدْ تَمَكَّنَ مِن نُفُوسِهِمْ واشْتَدَّ تَوَغُّلُهم في اسْتِحْسانِهِ، لِأنَّ الأشْياءَ الزَّيْنَةَ هي حَسَنَةٌ في أعْيُنِ جَمِيعِ النّاسِ فَلا يَخْتَصُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِجَعْلِها لَهم زَيْنَةً كَما هو مُقْتَضى قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا؛ فَإنَّ اللّامَ تُشْعِرُ بِالِاخْتِصاصِ، وإمّا تَرْوِيجُ تَزْيِينِها في نُفُوسِهِمْ بِدَعْوَةٍ شَيْطانِيَّةٍ تُحَسِّنُ ما لَيْسَ بِالحَسَنِ كالأقْيِسَةِ الشِّعْرِيَّةِ والخَواطِرِ الشَّهْوِيَّةِ، والمُزَيِّنُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ هو اللَّهُ تَعالى إلّا أنَّهم أفْرَطُوا في الإقْبالِ عَلى الزِّينَةِ، والمُزَيِّنُ عَلى المَعْنى الثّانِي هو الشَّيْطانُ ودُعاتُهُ.

وحُذِفَ فاعِلُ التَّزْيِينِ، لِأنَّ المُزَيَّنَ لَهم أُمُورٌ كَثِيرَةٌ: مِنها خَلْقُ بَعْضِ الأشْياءِ حَسَنَةً بَدِيعَةً كَمَحاسِنِ الذَّواتِ والمَناظِرِ، ومِنها إلْقاءُ حُسْنِ بَعْضِ الأشْياءِ في نُفُوسِهِمْ وهي غَيْرُ حَسَنَةٍ كَقَتْلِ النَّفْسِ، ومِنها إعْراضُهم عَمَّنْ يَدْعُوهم إلى الإقْبالِ عَلى الأُمُورِ النّافِعَةِ حَتّى انْحَصَرَتْ هِمَمُهم في التَّوَغُّلِ مِنَ المَحاسِنِ الظّاهِرَةِ الَّتِي تَحْتَها العارُ لَوْ كانَ بادِيًا، ومِنها ارْتِياضُهم عَلى الِانْكِبابِ عَلى اللَّذّاتِ دُونَ الفِكْرِ في المَصالِحِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ يَصْلُحُ كُلٌّ مِنها أنْ يُعَدَّ فاعِلًا لِلتَّزْيِينِ حَقِيقَةً أوْ عُرْفًا، فَلِأجْلِ …

Al-Baqara 2:212Listen in Qur'an →
213

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّۦنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ

Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allah sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over the Scripture except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allah guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allah guides whom He wills to a straight path.

﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيئِينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾

اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ اخْتِلافَ الأدْيانِ أمْرٌ كانَ مِنَ البَشَرِ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهُ وأنَّهُ ارْتَفَعَ ذَلِكَ ورَجَعَ اللَّهُ بِالنّاسِ إلى وحْدَةِ الدِّينِ بِالإسْلامِ.

والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ ما تَقَدَّمَها تَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ فَخْرُ الدِّينِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في قَوْلِهِ ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢١٢] أنَّ سَبَبَ إصْرارِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ هو اسْتِبْدالُهُمُ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ كانَتْ حاصِلَةً في الأزْمِنَةِ المُتَقادِمَةِ

صفحة ٢٩٩

لِأنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً قائِمَةً عَلى الحَقِّ وما كانَ اخْتِلافُهم لِسَبَبِ البَغْيِ والتَّحاسُدِ في طَلَبِ الدُّنْيا اهـ.، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَنْظِيرِ ما لَقِيَهُ المُسْلِمُونَ بِما كانَ في الأُمَمِ الغابِرَةِ.

الثّانِي: يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الطِّيبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] أخَذَ مِن كَلامِ الكَشّافِ أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ تَشْجِيعُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ بِذِكْرِ ما قابَلَتْ بِهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ أنْبِياءَها وما لَقُوا فِيها مِنَ الشَّدائِدِ اهـ.، فالمُناسَبَةُ عَلى هَذا في مَدْلُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٢] إلَخْ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلْمُناسَبَةِ.

والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الآيَةِ هُنا جامِعٌ لِمَوْقِعِ تَذْيِيلٍ لِما قَبْلَها ومُقَدِّمَةٌ لِما بَعْدَها: فَأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّها أفادَتْ بَيانَ حالَةِ الأُمَمِ الماضِيَةِ كَيْفَ نَشَأ الخِلافُ بَيْنَهم في الحَقِّ مِمّا لِأ‍َجْلِهِ تَدارَكَهُمُ اللَّهُ بِبِعْثاتِ الرُّسُلِ في العُصُورِ والأجْيالِ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ ولُطْفُهُ مِمّا يُماثِلُ الحالَةَ الَّتِي نَشَأتْ فِيها البَعْثَةُ المُحَمَّدِيَّةُ وما لَقِيَهُ الرَّسُولُ والمُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وأمّا الثّانِي فَلِأنَّها مُقَدِّمَةٌ لِما يَرِدُ بَعْدَها مِن ذِكْرِ اخْتِصاصِ الإسْلامِ بِالهِدايَةِ إلى الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ الأُمَمُ وهو مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وذَلِكَ مِن خَصائِصِ كَوْنِ الإسْلامِ مُهَيْمِنًا عَلى ما سَبَقَهُ مِنَ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ وتَفْضِيلِهِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ وأنَّ هَذِهِ المَزِيَّةَ العُظْمى يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِها وألّا تَكُونَ مَثارَ حَسَدٍ لِلنَّبِيءِ وأُمَّتِهِ، رَدًّا عَلى حَسَدِ المُشْرِكِينَ، إذْ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى حَسَدِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِي سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى ) ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلى قَوْلِهِ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] .

وحَصَلَ مِن عُمُومِ ذَلِكَ تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ تارِيخَ أطْوارِ الدِّينِ بَيْنَ عُصُورِ البَشَرِ بِكَلِماتٍ جامِعَةٍ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ ﴿فَهَدى اللَّهُ …

Al-Baqara 2:213Listen in Qur'an →
214

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allah?" Unquestionably, the help of Allah is near.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾

إضْرابٌ انْتِقالِيٌ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فاحْتاجَ إلى وجْهِ مُناسَبَةٍ بِهِ، فَقالَ الطِّيبِيُّ أخْذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] كَلامٌ ذُكِرَتْ فِيهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ وذُكِرَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ وما لَقُوا مِنهم مِنَ الشَّدائِدِ، ومُدْمَجٌ لِتَشْجِيعِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ كَما قالَ ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] فَمِن هَذا الوَجْهِ كانَ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ مُرادِينَ مِن ذَلِكَ الكَلامِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٣] وهو المُضْرَبُ عَنْهُ بِبَلِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها ”أمْ“ أيْ دَعْ ذَلِكَ، أحَسِبُوا أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ اهـ. وبَيانُهُ أنَّ القَصْدَ مِن ذِكْرِ الأُمَمِ السّالِفَةِ حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ هو العِبْرَةُ والمَوْعِظَةُ والتَّحْذِيرُ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعُوا فِيهِ بِسُوءِ عَمَلِهِمْ والِاقْتِداءُ في المَحامِدِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] الآيَةَ إجْمالًا لِذَلِكَ وقَدْ خُتِمَ بِقَوْلِهِ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ولَمّا كانَ هَذا الخِتامُ مَنقَبَةً

صفحة ٣١٤

لِلْمُسْلِمِينَ أُوقِظُوا أنْ لا يُزْهَوْا بِهَذا الثَّناءِ فَيَحْسَبُوا أنَّهم قَضَوْا حَقَّ شُكْرِ النِّعْمَةِ فَعُقِّبَ بِأنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَصْبِرُوا لِما عَسى أنْ يَعْتَرِضَهم في طَرِيقِ إيمانِهِمْ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ اقْتِداءً بِصالِحِي الأُمَمِ السّالِفَةِ، فَكَما حَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعَ فِيهِ الضّالُّونَ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ حَرَّضَهم هُنا عَلى الِاقْتِداءِ بِهُدى المُهْتَدِينَ مِنهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ وعَكْسِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إضْرابًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٣] ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَصْبِيرًا لَهم عَلى ما نالَهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ مِن تَطاوُلِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بِمَنعِهِمْ مِنَ العُمْرَةِ وما اشْتَرَطُوا عَلَيْهِمْ لِلْعامِ القابِلِ، ويَكُونَ أيْضًا تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآيَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ حِينَ أصابَ المُسْلِمِينَ ما أصابَهم مِنَ الجَهْدِ والشَّدائِدِ فَتَكُونُ تِلْكَ الحادِثَةُ زِيادَةً في المُناسَبَةِ. و(أمْ) في الإضْرابِ كَبَلْ إلّا أنَّ ”أمْ“ تُؤْذِنُ بِالِاسْتِفْهامِ وهو هُنا تَقْرِيرٌ بِذَلِكَ وإنْكارُهُ إنْ كانَ حاصِلًا؛ أيْ بَلْ أحَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا دُونَ بَلْوى وهو حُسْبانٌ باطِلٌ لا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ.

وحَسِبَ بِكَسْرِ السِّينِ في الماضِي: فِعْلٌ مِن أفْعالِ القُلُوبِ أخَواتِ ظَنَّ، وفي مُضارِعِهِ وجْهانِ كَسْرُ السِّينِ وهو أجْوَدُ وفَتْحُها وهو أقْيَسُ وقَدْ قُرِئَ بِهِما في المَشْهُورِ، ومَصْدَرُهُ الحِسْبانُ بِكَسْرِ الحاءِ وأصْلُهُ مِنَ الحِسابِ بِمَعْنى العَدِّ فاسْتُعْمِلَ في الظَّنِّ تَشْبِيهًا لِجَوَلانِ النَّفْسِ في اسْتِخْراجِ عِلْمِ ما يَقَعُ بِجَوَلانِ …

Al-Baqara 2:214Listen in Qur'an →
215

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

They ask you, [O Muhammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allah is Knowing of it."

﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِابْتِداءِ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ سَألَهُ بَعْضُ المُسْلِمِينَ النَّبِيءَ ﷺ، رَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السّائِلَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ الأنْصارِيُّ، وكانَ ذا مالٍ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: بِماذا يَتَصَدَّقُ وعَلى مَن يُنْفِقُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، السّائِلُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ يَعْنِي أنَّهُ تَكَرَّرَ السُّؤالُ عَنْ تَفْصِيلِ الإنْفاقِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ عَلى الإجْمالِ، فَطَلَبُوا بَيانَ مَن يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، ومَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَوْضِعِ إمّا لِأنَّ نُزُولَها وقَعَ عَقِبَ نُزُولِ الَّتِي قَبْلَها وإمّا لِأمْرٍ بِوَضْعِها في هَذا المَوْضِعِ جَمْعًا لِطائِفَةٍ مِنَ الأحْكامِ المُفْتَتَحَةِ بِجُمْلَةِ (يَسْألُونَكَ) وهي سِتَّةُ أحْكامٍ، ثُمَّ قَدْ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ فَرْضِ الزَّكاةِ فَتَكُونُ بَيانًا لِمَصارِفِ الزَّكاةِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةَ في سُورَةِ ”بَراءَةَ“، فَهو بِتَخْصِيصٍ لِإخْراجِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى، وإنْ كانُوا مِن غَيْرِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ”بَراءَةَ“ .

وماذا اسْتِفْهامٌ عَنِ المُنْفِقِ بِفَتْحِ الفاءِ ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنِ المُنْفِقِ السُّؤالُ عَنْ أحْوالِهِ الَّتِي يَقَعُ بِها مَوْقِعَ القَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ الإنْفاقَ حَقِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ في البَشَرِ وقَدْ عَرَفَها السّائِلُونَ في الجاهِلِيَّةِ.

فَكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُنْفِقُونَ عَلى الأهْلِ وعَلى النَّدامى ويُنْفِقُونَ في المَيْسِرِ، يَقُولُونَ فُلانٌ يُتَمِّمُ أيِسارَهُ أيْ يَدْفَعُ عَنْ أيِسارِهِ أقْساطَهم مِن مالِ المُقامَرَةِ ويَتَفاخَرُونَ بِإتْلافِ المالِ.

فَسَألُوا في الإسْلامِ عَنِ المُعْتَدِّ بِهِ مِن ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ طابَقَ الجَوابُ السُّؤالَ إذْ أُجِيبَ: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾، فَجاءَ بِبَيانِ مَصارِفِ الإنْفاقِ الحَقِّ وعُرِفَ هَذا الجِنْسُ بِمَعْرِفَةِ أفْرادِهِ، فَلَيْسَ في هَذا الجَوابِ ارْتِكابُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما قِيلَ، إذْ لا يُعْقَلُ

صفحة ٣١٨

أنْ يَسْألُوا عَنِ المالِ المُنْفَقِ بِمَعْنى السُّؤالِ عَنِ النَّوْعِ الَّذِي يُنْفَقُ مِن ذَهَبٍ أمْ مِن ورِقٍ أمْ مِن طَعامٍ، لِأنَّ هَذا لا تَتَعَلَّقُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ أغْراضُ العُقَلاءِ، إذْ هم يَعْلَمُونَ أنَّ المَقْصِدَ مِنِ الإنْفاقِ إيصالُ النَّفْعِ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ السُّؤالَ عَنْ كَيْفِيّاتِ الإنْفاقِ ومَواقِعِهِ، ولا يُرِيبُكم في هَذا أنَّ السُّؤالَ هُنا وقَعَ بِما، وهي يَسْألُ بِها عَنِ الجِنْسِ لا عَنِ العَوارِضِ، فَإنَّ ذَلِكَ اصْطِلاحٌ مَنطِقِيٌّ لِتَقْرِيبِ ما تَرْجَمُوهُ مِن تَقْسِيماتٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ وأخَذَ بِهِ السَّكّاكِيُّ، لِأنَّهُ يَحْفِلُ بِاصْطِلاحِ أهْلِ المَنطِقِ وذَلِكَ لا يَشْهَدُ لَهُ الِاسْتِعْمالُ العَرَبِيُّ.

والخَيْرُ: المالُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] في آيَةِ الوَصِيَّةِ.

وما أنْفَقْتُمْ شَرْطٌ، فَفِعْلُ أنْفَقْتُمْ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِقْبالُ كَما هو مُقْتَضى الشَّرْطِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِإظْهارِ الرَّغْبَةِ في حُصُولِ الشَّرْطِ فَيَنْزِلُ كالحاصِلِ المُتَقَرِّرِ.

واللّامُ في لِلْوالِدَيْنِ لِلْمِلْكِ، …

Al-Baqara 2:215Listen in Qur'an →
216

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Fighting has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allah Knows, while you know not.

صفحة ٣١٩

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهْوَ كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهْوَ خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهْوَ شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

المُناسَبَةُ أنَّ القِتالَ مِنَ البَأْساءِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَقَدْ كُلِّفَتْ بِهِ الأُمَمُ قَبْلَنا، فَقَدْ كُلِّفَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِقِتالِ الكَنْعانِيِّينَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكُلِّفُوا بِالقِتالِ مَعَ طالُوتَ وهو شاوَلُ مَعَ داوُدَ، وكُلِّفَ ذُو القَرْنَيْنِ بِتَعْذِيبِ الظّالِمِينَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا في جِهَةِ المَغْرِبِ مِنَ الأرْضِ.

ولَفْظُ كُتِبَ عَلَيْكم مِن صِيَغِ الوُجُوبِ وقَدْ تَقَدَّمَ في آيَةِ الوَصِيَّةِ، و”ال“ في القِتالِ لِلْجِنْسِ، ولا يَكُونُ القِتالُ إلّا لِلْأعْداءِ فَهو عامٌّ عُمُومًا عُرْفِيًّا، أيْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ قِتالُ عَدُوِّ الدِّينِ.

والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، وأعْداؤُهم يَوْمَئِذٍ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهم خالَفُوهم في الدِّينِ وآذَوُا الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، فالقِتالُ المَأْمُورُ بِهِ هو الجِهادُ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ غَيْرَ مَأْذُونٍ في القِتالِ في أوَّلِ ظُهُورِ الإسْلامِ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ قِتالِ المُبادِئِينَ بِقِتالِ المُسْلِمِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في واقِعَةِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كَما يَأْتِي، وذَلِكَ في الشَّهْرِ السّابِعَ عَشَرَ مِنِ الهِجْرَةِ، فالآيَةُ ورَدَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ جُمْلَةِ التَّشْرِيعاتِ والنُّظُمِ الَّتِي حَوَتْها كَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] .

فَعَلى المُخْتارِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ خَبَرًا عَنْ حُكْمٍ سَبَقَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ ولِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، أوْ إعادَةً لِإنْشاءِ وُجُوبِ القِتالِ زِيادَةً في تَأْكِيدِهِ، أوْ إنْشاءً أُنُفًا لِوُجُوبِ القِتالِ إنْ كانَتْ هَذِهِ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ في هَذا المَعْنى بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] إذْنٌ في القِتالِ وإعْدادٌ لَهُ ولَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾، حالٌ لازِمَةٌ وهي يَجُوزُ اقْتِرانُها بِالواوِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَها جُمْلَةً ثانِيَةً مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾، إلّا أنَّ الخَبَرَ بِهَذا لَمّا كانَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ

صفحة ٣٢٠

تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنِ الإخْبارِ لازِمَ الفائِدَةِ، أعْنِي كَتَبْناهُ عَلَيْكم ونَحْنُ عالِمُونَ أنَّهُ شاقٌّ عَلَيْكم، ورُبَّما رُجِحَ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

والكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ: الكَراهِيَةُ ونُفْرَةُ الطَّبْعِ مِنَ الشَّيْءِ ومِثْلُهُ الكُرْهُ بِالفَتْحِ عَلى الأصَحِّ، وقِيلَ: الكُرْهُ بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ ونُفْرَةُ الطَّبْعِ، وبِالفَتْحِ هو الإكْراهُ وما يَأْتِي عَلى الإنْسانِ مِن جِهَةِ غَيْرِهِ مِنَ الجَبْرِ عَلى فِعْلٍ ما بِأذًى أوْ مَشَقَّةٍ، وحَيْثُ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ هُنا وفي …

Al-Baqara 2:216Listen in Qur'an →
217

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

They ask you about the sacred month - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allah and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Haram and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allah. And fitnah is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire, they will abide therein eternally.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾

مِن أهَمِّ تَفاصِيلِ الأحْوالِ في القِتالِ الَّذِي كُتِبَ عَلى المُسْلِمِينَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، أنْ يَعْلَمُوا ما إذا صادَفَ القِتالُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ الأشْهُرَ الحُرُمَ إذْ كانَ مَحْجَرًا في العَرَبِ مِن عَهْدٍ

صفحة ٣٢٤

قَدِيمٍ، ولَمْ يَذْكُرِ الإسْلامُ إبْطالَ ذَلِكَ الحَجْرِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَصالِحِ قالَ تَعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ [المائدة: ٩٧] فَكانَ الحالُ يَبْعَثُ عَلى السُّؤالِ عَنِ اسْتِمْرارِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرامِ في نَظَرِ الإسْلامِ.

رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مُرْسَلًا ومُطَوَّلًا، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في «شَأْنِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أرْسَلَهُ في ثَمانِيَةٍ مِن أصْحابِهِ يَتَلَقّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ بِبَطْنِ نَخْلَةَ في جُمادى الآخِرَةِ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنِ الهِجْرَةِ، فَلَقِيَ المُسْلِمُونَ العِيرَ فِيها تِجارَةٌ مَنِ الطّائِفِ وعَلى العِيرِ عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَمْرًا وأسَرَ اثْنَيْنِ مِن أصْحابِهِ وهُما عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ والحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ وفَرَّ مِنهم نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ وغَنِمَ المُسْلِمُونَ غَنِيمَةً، وذَلِكَ أوَّلُ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ وهم يَظُنُّونَهُ مِن جُمادى الآخِرَةِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ وقالُوا: اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ وشَنَّعُوا ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَقِيلَ: إنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِمُ الغَنِيمَةَ والأسِيرَيْنِ، وقِيلَ: رَدَّ الأسِيرَيْنِ وأخَذَ الغَنِيمَةَ» .

فَإذا صَحَّ ذَلِكَ كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وآيَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَتانِ بَعْدَ هَذِهِ، كانَ وضْعُهُما في التِّلاوَةِ قَبْلَها بِتَوْقِيفٍ خاصٍّ لِتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ إكْمالًا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآيَتانِ الأُخْرَيانِ، وهَذا لَهُ نَظائِرُ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ بِاعْتِبارِ النُّزُولِ والتِّلاوَةِ.

والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها وأنَّها تَكْمِلَةٌ وتَأْكِيدٌ لِآيَةِ ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] .

والسُّؤالُ المَذْكُورُ هُنا هو سُؤالُ المُشْرِكِينَ النَّبِيءَ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، هَلْ يُقاتَلُ في الشَّهْرِ الحَرامِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] .

وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ هُنا ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: سُؤالُ المُشْرِكِينَ عَنْ قِتالِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ.

فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ورَدَّتْ عَلى سُؤالِ النّاسِ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها عَقِبَ آيَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ظاهِرَةٌ.

والتَّعْرِيفُ في الشَّهْرِ الحَرامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ولِذَلِكَ أُحْسِنَ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنهُ في قَوْلِهِ:

صفحة ٣٢٥

﴿قِتالٍ فِيهِ﴾، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ فَيَجُوزُ فِيهِ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ، بِخِلافِ بَدَلِ البَعْضِ عَلى أنَّ وصْفَ النَّكِرَةِ هُنا بِقَوْلِهِ فِيهِ …

Al-Baqara 2:217Listen in Qur'an →
218

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allah - those expect the mercy of Allah. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

قالَ الفَخْرُ: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَبْ أنَّهُ لا عِقابَ عَلَيْنا فِيما فَعَلْنا، فَهَلْ نَطْمَعُ مِنهُ أجْرًا أوْ ثَوابًا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ مُؤْمِنًا ومُهاجِرًا وكانَ بِسَبَبِ هَذِهِ المُقاتَلَةِ مُجاهِدًا يَعْنِي فَتَحَقَّقَتْ فِيهِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الجِهادَ بِقَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن يَقُومُ بِهِ اهـ.، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ تَعْقِيبَ ما قَبْلَها بِها مِن بابِ تَعْقِيبِ الإنْذارِ بِالبِشارَةِ وتَنْزِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنِ احْتِمالِ ارْتِدادِهِمْ فَإنَّ المُهاجِرِينَ لَمْ يَرْتَدَّ مِنهم أحَدٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ آياتِ التَّشْرِيعِ.

والَّذِينَ هاجَرُوا هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فِرارًا بِدِينِهِمْ، مُشْتَقٌّ مِنَ الهَجْرِ وهو الفِراقُ، وإنَّما اشْتُقَّ مِنهُ وزْنُ المُفاعَلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هَجْرٌ نَشَأ عَنْ عَداوَةٍ مِنَ الجانِبَيْنِ فَكُلٌّ مِنَ المُنْتَقِلِ والمُنْتَقَلِ عَنْهُ قَدْ هَجَرَ الآخَرَ وطَلَبَ بُعْدَهُ، أوِ المُفاعَلَةُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: عافاكَ اللَّهُ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ هَجَرَ قَوْمًا هَجْرًا شَدِيدًا، قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّيِّبِ:

إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجَرَةً بِكُوفَةَ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ

والمُجاهَدَةُ مُفاعَلَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الجُهْدِ وهو المَشَقَّةُ وهي القِتالُ لِما فِيهِ مِن بَذْلِ الجُهْدِ كالمُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَضُمُّ جُهْدَهُ إلى جُهْدٍ آخَرَ في نَصْرِ الدِّينِ مِثْلَ المُساعَدَةِ وهي ضَمُّ الرَّجُلِ ساعِدَهُ إلى ساعِدِ آخَرَ لِلْإعانَةِ والقُوَّةِ، فالمُفاعَلَةُ بِمَعْنى الضَّمِّ والتَّكْرِيرِ، وقِيلَ: لِأنَّ المُجاهِدَ يَبْذُلُ جُهْدَهُ في قِتالِ مَن يَبْذُلُ جُهْدَهُ كَذَلِكَ لِقِتالِهِ فَهي مُفاعَلَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. وفي لِلتَّعْلِيلِ.

وسَبِيلِ اللَّهِ ما يُوصِلُ إلى رِضاهُ وإقامَةِ دِينِهِ، والجِهادُ والمُجاهَدَةُ مِنَ المُصْطَلَحاتِ القُرْآنِيَّةِ والإسْلامِيَّةِ، وكَرَّرَ المَوْصُولَ لِتَعْظِيمِ الهِجْرَةِ والجِهادِ كَأنَّهُما مُسْتَقِلّانِ في تَحْقِيقِ الرَّجاءِ.

صفحة ٣٣٨

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ رَجاءَهم رَحْمَةَ اللَّهِ لِأجْلِ إيمانِهِمْ وهِجْرَتِهِمْ وجِهادِهِمْ، فَتَأكَّدَ بِذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَوْصُولُ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، وإنَّما احْتِيجَ لِتَأْكِيدِهِ لِأنَّ الصِّلَتَيْنِ لَمّا كانَتا مِمّا اشْتُهِرَ بِهِما المُسْلِمُونَ وطائِفَةٌ مِنهم صارَتا كاللَّقَبِ؛ إذْ يُطْلَقُ عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ في لِسانِ الشَّرْعِ اسْمُ الَّذِينَ آمَنُوا كَما يُطْلَقُ عَلى مُسْلِمِي قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ اسْمُ المُهاجِرِينَ فَأكَّدَ قَصْدَ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ مِنَ المَوْصُولِ.

والرَّجاءُ: تَرَقُّبُ الخَيْرِ مَعَ تَغْلِيبِ ظَنِّ حُصُولِهِ، فَإنَّ وعْدَ اللَّهِ وإنْ كانَ لا يُخْلَفُ فَضْلًا مِنهُ وصِدْقًا، ولَكِنَّ الخَواتِمَ مَجْهُولَةٌ، ومُصادَفَةُ العَمَلِ لِمُرادِ اللَّهِ قَدْ تَفُوتُ لِمَوانِعَ لا يَدْرِيها المُكَلَّفُ ولِئَلّا يَتَّكِلُوا في الِاعْتِمادِ عَلى العَمَلِ.

Al-Baqara 2:218Listen in Qur'an →
219

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

They ask you about wine and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allah makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾

اسْتِئْنافٌ لِإبْطالِ عَمَلَيْنِ غالِبَيْنِ عَلى النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ وهُما شُرْبُ الخَمْرِ والمَيْسِرُ وهَذا مِن عِدادِ الأحْكامِ الَّتِي بَيَّنَها في هاتِهِ السُّورَةِ مِمّا يَرْجِعُ إلى إصْلاحِ الأحْوالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها النّاسُ في الجاهِلِيَّةِ، والمَشْرُوعُ في بَيانِها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى آخِرِ السُّورَةِ، عَدا ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الآدابِ والزَّواجِرِ والبَشائِرِ والمَواعِظِ والأمْثالِ والقَصَصِ؛ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَفَنُّنِ أسالِيبِهِ تَنْشِيطًا لِلْمُخاطَبِينَ والسّامِعِينَ والقارِئِينَ ومَن بُلِّغَ، وقَدْ تَناسَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ.

والسّائِلُونَ هُمُ المُسْلِمُونَ؛ قالَ الواحِدِيُّ: نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ونَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفْتِنا في الخَمْرِ فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ مُتْلِفَةٌ لِلْمالِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ في الكَشّافِ: فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَرَكَ الخَمْرَ قَوْمٌ وشَرِبَها آخَرُونَ ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَها آيَةُ المائِدَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيَةَ.

وشُرْبُ الخَمْرِ عَمَلٌ مُتَأصِّلٌ في البَشَرِ قَدِيمًا لَمْ تُحَرِّمْهُ شَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرائِعِ لا القَدْرَ المُسْكِرَ بَلَهُ ما دُونَهُ، وأمّا ما يَذْكُرُهُ بَعْضُ عُلَماءِ الإسْلامِ: إنَّ الإسْكارَ حَرامٌ في الشَّرائِعِ كُلِّها فَكَلامٌ لا شاهِدَ لَهم عَلَيْهِ بَلِ الشَّواهِدُ عَلى ضِدِّهِ مُتَوافِرَةٌ، وإنَّما جَرَّأهم عَلى هَذا القَوْلِ ما قَعَّدُوهُ في

صفحة ٣٣٩

أُصُولِ الفِقْهِ مِن أنَّ الكُلِّيّاتِ التَّشْرِيعِيَّةَ وهي حَفِظُ الدِّينِ والنَّفْسِ والعَقْلِ والنَّسَبِ والمالِ والعِرْضِ هي مِمّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ، وهَذا القَوْلُ وإنْ كُنّا نُساعِدُ عَلَيْهِ فَإنَّ مَعْناهُ عِنْدِي أنَّ الشَّرائِعَ كُلَّها نَظَرَتْ إلى حِفْظِ هاتِهِ الأُمُورِ في تَشْرِيعاتِها، وأمّا أنْ تَكُونَ مُراعاةً بِاطِّرادٍ في غَيْرِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ فَلا أحْسَبُ ذَلِكَ يَتِمُّ، عَلى أنَّ في مُراعاتِها دَرَجاتٍ، ولا حاجَةَ إلى البَحْثِ في هَذا بَيْدَ أنَّ كُتُبَ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَ فِيها تَحْرِيمُ الخَمْرِ ولا التَّنْزِيهُ عَنْ شُرْبِها، وفي التَّوْراةِ الَّتِي بِيَدِ اليَهُودِ: أنَّ نُوحًا شَرِبَ الخَمْرَ حَتّى سَكِرَ، وأنَّ لُوطًا شَرِبَ الخَمْرَ حَتّى سَكِرَ سُكْرًا أفْضى بِزَعْمِهِمْ إلى أمْرٍ شَنِيعٍ، والأخِيرُ مِنَ الأكاذِيبِ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ تَسْتَلْزِمُ العِصْمَةَ، والشَّرائِعُ وإنِ اخْتَلَفَتْ في إباحَةِ أشْياءَ فَهُنالِكَ ما يَسْتَحِيلُ عَلى الأنْبِياءِ مِمّا يُؤَدِّي إلى نَقْصِهِمْ في أنْظارِ العُقَلاءِ والَّذِي يَجِبُ اعْتِقادُهُ: أنَّ شُرْبَ الخَمْرِ لا يَأْتِيهِ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّها لا يَشْرَبُها شارِبُوها إلّا لِلطَّرَبِ واللَّهْوِ والسُّكْرِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الأنْبِياءُ، ولا يَشْرَبُونَها لِقَصْدِ التَّقَوِّي لِقِلَّةِ هَذا القَصْدِ مِن شُرْبِها.

وفِي سِفْرِ اللّاوِيِّينَ مِنَ التَّوْراةِ: وكَلَّمَ اللَّهُ هارُونَ قائِلًا: خَمْرًا ومُسْكِرًا لا تَشْرَبْ أنْتَ وبُنُوكَ مَعَكَ عِنْدَ دُخُولِكم إلى خَيْمَةِ الِاجْتِماعِ لِكَيْ لا تَمُوتُوا. فَرْضًا دَهْرِيًّا في أجْيالِكم. ولِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ المُقَدَّسِ والمُحَلَّلِ وبَيْنَ النَّجِسِ والطّاهِرِ. …

Al-Baqara 2:219Listen in Qur'an →
220

فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَٰمَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌۭ لَّهُمْ خَيْرٌۭ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allah knows the corrupter from the amender. And if Allah had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

عُطِفَ تَبْيِينُ مُعامَلَةِ اليَتامى عَلى تَبْيِينِ الإنْفاقِ لِتَعَلُّقِ الأمْرَيْنِ بِحُكْمِ تَحْرِيمِ المَيْسِرِ أوِ التَّنْوِيهِ عَنْهُ فَإنَّ المَيْسِرَ كانَ بابًا واسِعًا لِلْإنْفاقِ عَلى المَحاوِيجِ وعَلى اليَتامى، وقَدْ ذَكَرَ لَبِيدٌ إطْعامَ اليَتامى بَعْدَ ذِكْرِ إطْعامِ لُحُومِ جَزُورِ المَيْسِرِ فَقالَ:

ويُكَلِّلُونَ إذا الرِّياحُ تَناوَحَتْ خُلُجًا تُمَدُّ شَوارِعًا أيْتامُها

. أيْ تَمُدُّ أيْدِيًا كالرِّماحِ الشَّوارِعِ في اليُبْسِ أيْ قِلَّةِ اللَّحْمِ عَلى عِظامِ الأيْدِي فَكانَ تَحْرِيمُ المَيْسِرِ مِمّا يُثِيرُ سُؤالًا عَنْ سَدِّ هَذا البابِ عَلى اليَتامى وفِيهِ صَلاحٌ عَظِيمٌ لَهم وكانَ ذَلِكَ السُّؤالُ مُناسَبَةً حَسَنَةً لِلتَّخَلُّصِ إلى الوِصايَةِ بِاليَتامى وذِكْرِ مُجْمَلِ أحْوالِهِمْ في جُمْلَةِ إصْلاحِ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ الإسْلامِ، فَكانَ هَذا وجْهَ عَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها بِواوِ العَطْفِ لِاتِّصالِ بَعْضِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ بِبَعْضٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] .

وقَدْ رُوِيَ أنَّ السّائِلَ عَنِ اليَتامى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] الآياتِ انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِن طَعامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسُدَ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَذُكِرَ

صفحة ٣٥٥

ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ الآيَةَ مَعَ أنَّ سُورَةَ النِّساءِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلَعَلَّ ذِكْرَ آيَةِ النِّساءِ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي وإنَّما أرادَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ المُحَذِّرَةُ مِن مالِ اليَتِيمِ مِثْلُ آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] فَفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ يُسْنِدُهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] عَزَلُوا أمْوالَ اليَتامى فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ ﴿وإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ أوْ أنَّ مُرادَ الرّاوِي لَمّا سَمِعَ النّاسُ آيَةَ سُورَةِ النِّساءِ تَجَنَّبُوا النَّظَرَ في اليَتامى فَذُكِّرُوا بِآيَةِ البَقَرَةِ إنْ كانَ السّائِلُ عَنْ آيَةِ البَقَرَةِ غَيْرَ المُتَجَنِّبِ حِينَ نُزُولِ آيَةِ النِّساءِ وأيًّا ما كانَ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّظَرَ في مَصالِحِ الأيْتامِ مِن أهَمِّ مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ في حِفْظِ النِّظامِ فَقَدْ كانَ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ كَسائِرِ الأُمَمِ في حالِ البَساطَةِ يَكُونُ المالُ بِيَدِ كَبِيرِ العائِلَةِ فَقَلَّما تَجِدُ لِصَغِيرٍ مالًا، وكانَ جُمْهُورُ أمْوالِهِمْ حاصِلًا مِنَ اكْتِسابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِ الثَّرْوَةِ فِيهِمْ، فَكانَ جُمْهُورُ العَرَبِ إمّا زارِعًا أوْ غارِسًا أوْ مُغِيرًا أوْ صائِدًا، وكُلُّ هَذِهِ الأعْمالِ تَنْقَطِعُ بِمَوْتِ مُباشِرِيها، فَإذا ماتَ كَبِيرُ العائِلَةِ وتَرَكَ أبْناءً صِغارًا لَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَكْتَسِبُوا كَما اكْتَسَبَ آباؤُهم. إلّا أبْناءَ أهْلِ …

Al-Baqara 2:220Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.