سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allah [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allah is severe in penalty.
صفحة ٢٨٨
﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
تَتَنَزَّلُ هاتِهِ الآيَةُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البُرْهانِ عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٠] ) سَواءٌ كانَ خَبَرًا أوْ وعِيدًا أوْ وعْدًا أمْ تَهَكُّمًا وأيًّا ما كانَ مُعادُ الضَّمِيرُ فِيهِ عَلى الأوْجُهِ السّابِقَةِ، وقَدْ دَلَّ بِكُلِّ احْتِمالٍ عَلى تَعْرِيضٍ بِفِرَقٍ ذَوِي غُرُورٍ وتَمادٍ في الكُفْرِ وقِلَّةِ انْتِفاعٍ بِالآياتِ البَيِّناتِ، فَناسَبَ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ بِإلْفاتِهِمْ إلى ما بَلَغَهم مِن قِلَّةِ انْتِفاعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِما أُوتُوهُ مِن آياتِ الِاهْتِداءِ مَعَ قِلَّةِ غَناءِ الآياتِ لَدَيْهِمْ عَلى كَثْرَتِها، فَإنَّهم عانَدُوا رَسُولَهم ثُمَّ آمَنُوا بِهِ إيمانًا ضَعِيفًا ثُمَّ بَدَّلُوا الدِّينَ بَعْدَ ذَلِكَ تَبْدِيلًا.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في يَنْظُرُونَ لِأهْلِ الكِتابِ: أيْ بَنِي إسْرائِيلَ فالعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ هُنا إلى الإظْهارِ بِقَوْلِهِ بَنِي إسْرائِيلَ لِزِيادَةِ النِّداءِ عَلى فَضِيحَةِ حالِهِمْ ويَكُونُ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ أشَدَّ: أيْ هم قَدْ رَأوْا آياتٍ كَثِيرَةً فَكانَ المُناسِبُ لَهم أنْ يُبادِرُوا بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهم أعْلَمُ النّاسِ بِأحْوالِ الرُّسُلِ، وعَلى كُلٍّ فَهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ أغْراضِ التَّشْرِيعِ المُتَتابِعَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.
و(سَلْ) أمْرٌ مِن سَألَ يَسْألُ أصْلُهُ اسْألْ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها إلى السّاكِنِ قَبْلَها إلْحاقًا لَها بِنَقْلِ حَرَكَةِ حَرْفِ العِلَّةِ لِشِبْهِ الهَمْزَةِ بِحَرْفِ العِلَّةِ فَلَمّا تَحَرَّكَ أوَّلُ المُضارِعِ اسْتَغْنى عَنِ اجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، وقِيلَ: سَلْ أمْرٌ مِن سَألَ الَّذِي جُعِلَتْ هَمْزَتُهُ ألِفًا مِثْلَ الأمْرِ مِن خافَ يَخافُ خَفْ، والعَرَبُ يُكْثِرُونَ مِن هَذا التَّخْفِيفِ في سَألَ ماضِيًا وأمْرًا؛ إلّا أنَّ الأمْرَ إذا وقَعَ بَعْدَ الواوِ والفاءِ تَرَكُوا هَذا التَّخْفِيفَ غالِبًا.
والمَأْمُورُ بِالسُّؤالِ هو الرَّسُولُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَرَقَّبُ أنْ يُجِيبَهُ بَنُو إسْرائِيلَ عَنْ سُؤالِهِ؛ إذْ لا يَعْبَئُونَ بِسُؤالِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالسُّؤالِ سُؤالُ التَّقْرِيرِ لِلتَّقْرِيعِ، ولَفْظُ السُّؤالِ يَجِيءُ لِما تَجِيءُ لَهُ أدَواتُ الِاسْتِفْهامِ.
والمَقْصُودُ مِنَ التَّقْرِيرِ إظْهارُ إقْرارِهِمْ لِمُخالَفَتِهِمْ لِمُقْتَضى الآياتِ فَيَجِيءُ مِن هَذا التَّقْرِيرِ التَّقْرِيعُ فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَصْرِيحَهم بِالإقْرارِ؛ بَلْ مُجَرَّدُ كَوْنِهِمْ لا يَسَعُهُمُ الإنْكارُ.
صفحة ٢٨٩
والمُرادُ بِبَنِي إسْرائِيلَ الحاضِرُونَ مِنَ اليَهُودِ. والضَّمِيرُ في آتَيْناهم لَهم، والمَقْصُودُ إيتاءُ سَلَفِهِمْ؛ لِأنَّ الخِصالَ الثّابِتَةَ لِأسْلافِ القَبائِلِ والأُمَمِ، يَصِحُّ إثْباتُها لِلْخَلَفِ لِتُرَتِّبِ الآثارِ لِلْجَمِيعِ كَما هو شائِعٌ في مُصْطَلَحِ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى إيتائِهِمُ الآياتِ أنَّهم لَمّا تَناقَلُوا آياتِ رُسُلِهِمْ في كُتُبِهِمْ وأيْقَنُوا بِها فَكَأنَّهم أُوتُوها مُباشَرَةً.
و(كَمْ) اسْمٌ لِلْعَدَدِ المُبْهَمِ فَيَكُونُ لِلِاسْتِفْهامِ، ويَكُونُ لِلْإخْبارِ، وإذا كانَتْ لِلْإخْبارِ دَلَّتْ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ؛ ولِذَلِكَ تَحْتاجُ إلى مُمَيَّزٍ في الإخْبارِ، وهي هُنا، اسْتِفْهامِيَّةٌ كَما يَدُلُّ …