قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ بِالتَّوْحِيدِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأنْ يَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنِ القِتالِ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ نَزَلَتْ سائِرُ الفَرائِضِ، وأذِنَ لَهم في القِتالِ، فَنَزَلَتْ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ . يَعْنِي: فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وأذِنَ لَهم بَعْدَما كانَ نَهاهم عَنْهُ، ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي القِتالَ؛ وهو مَشَقَّةٌ لَكُمْ، ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ . يَعْنِي: الجِهادَ وقِتالَ المُشْرِكِينَ، ﴿وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ويَجْعَلَ اللَّهُ عاقِبَتَهُ فَتْحًا وغَنِيمَةً وشَهادَةً، ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ . يَعْنِي: القُعُودَ عَنِ الجِهادِ، ﴿وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾: فَيَجْعَلَ اللَّهُ عاقِبَتَهُ شَرًّا، فَلا تُصِيبُوا ظَفْرًا ولا غَنِيمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: ما تَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ . أواجِبٌ الغَزْوُ عَلى النّاسِ مِن أجْلِها؟ قالَ: لا. كُتِبَ عَلى أُولَئِكَ حِينَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في الآيَةِ قالَ: الجِهادُ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ، غَزا أوْ قَعَدَ؛ فالقاعِدُ عِدَّةٌ إنِ اسْتُعِينَ بِهِ أعانَ، وإنِ اسْتُغِيثَ بِهِ أغاثَ، وإنِ اسْتُنْفِرَ نَفَرَ، وإنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ قَعَدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ . قالَ: نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] . وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَوْصُولًا، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، مِن طَرِيقِ عَلَيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”عَسى“ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ”عَسى“، فَإنَّ ”عَسى“ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ”عَسى“ فَهو واجِبٌ إلّا حَرْفَيْنِ؛ حَرْفٌ في ”التَّحْرِيمِ“: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] وفي ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ”عَسى“ عَلى نَحْوَيْنِ؛ أحَدُهُما في أمْرٍ واجِبٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، وأمّا الآخَرُ، فَهو أمْرٌ لَيْسَ بِواجِبٍ كُلُّهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ . لَيْسَ كُلُّ ما يَكْرَهُ المُؤْمِنُ مِن شَيْءٍ هو خَيْرٌ لَهُ، ولَيْسَ كُلُّ ما أحَبَّ هو شَرٌّ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ”يا ابْنَ عَبّاسٍ، ارْضَ عَنِ اللَّهِ بِما قَدَّرَ وإنْ كانَ خِلافَ هَواكَ، فَإنَّهُ مُثْبَتٌ في كِتابِ اللَّهِ“، قَلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأيْنَ وقَدْ قَرَأْتُ القُرْآنَ؟ قالَ: ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة»: ٢١٦] .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنْ أبِي ذَرٍّ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: ”إيمانٌ بِاللَّهِ، وجِهادٌ في …