قَوْلُهُ تَعالى: ﴿(ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا)﴾ [البقرة: ٢١٧]، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلِ اسْتَطاعُوا ذَلِكَ أوْ لا ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وأنَّهم حَصَلَ لَهُمُ اليَأْسُ مِن رَدِّ المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣] . وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ مُظْهِرٌ دِينَ الإسْلامِ عَلى كُلِّ دِينٍ كَقَوْلِهِ في ”بَراءَةٌ“ و ”الصَّفِّ“، و ”الفَتْحِ“ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّدَّةَ لا تُحْبِطُ العَمَلَ إلّا بِقَيْدِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ العَمَلَ مُطْلَقًا، ولَوْ رَجَعَ إلى الإسْلامِ فَكُلُّ ما عَمِلَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أحْبَطَتْهُ الرِّدَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ هَذِهِ مِن مَسائِلِ تَعارُضِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ، فَتُقَيَّدُ الآياتُ المُطْلَقَةُ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ وهَذا مُقْتَضى الأُصُولِ، وعَلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ ومَن وافَقَهُ، وخالَفَ مالِكٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ وقَدَّمَ آياتَ الإطْلاقِ، وقَوْلُ الشّافِعِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ أجْرى عَلى الأُصُولِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.