Muslim99Muslim99
← Tafsir library

1. Al-Faatiha

The Opening · Meccan · 7 ayahs

سُورَةُ ٱلْفَاتِحَةِ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 1–7 of 7

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

No commentary on this ayah in this edition.

Al-Faatiha 1:1Listen in Qur'an →
2

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[All] praise is [due] to Allah, Lord of the worlds -

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الفاتِحَةِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

لَمْ يَذْكُرْ لِحَمْدِهِ هُنا ظَرْفًا مَكانِيًّا ولا زَمانِيًّا، وذَكَرَ في سُورَةِ الرُّومِ أنَّ مِن ظُرُوفِهِ المَكانِيَّةِ السَّماواتِ والأرْضَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وذَكَرَ في سُورَةِ القَصَصِ أنَّ مِن ظُرُوفِهِ الزَّمانِيَّةِ: الدُّنْيا والآخِرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾، وقالَ في أوَّلِ سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾، والألِفُ واللّامُ في (الحَمْدُ) لِاسْتِغْراقِ جَمِيعِ المَحامِدِ. وهو ثَناءٌ أثْنى بِهِ تَعالى عَلى نَفْسِهِ وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما العالَمُونَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] .

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اشْتِقاقُ العالَمِ مِنَ العَلامَةِ؛ لِأنَّ وُجُودَ العالَمِ عَلامَةٌ لا شَكَّ فِيها عَلى وُجُودِ خالِقِهِ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، والآيَةُ في اللُّغَةِ: العَلامَةُ.

Al-Faatiha 1:2Listen in Qur'an →
3

ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

هُما وصْفانِ لِلَّهِ تَعالى، واسْمانِ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى، مُشْتَقّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ، والرَّحْمَنُ أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الرَّحِيمِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَنَ هو ذُو الرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ في الدُّنْيا، ولِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، والرَّحِيمُ ذُو الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ. وعَلى هَذا أكْثَرُ العُلَماءِ. وفي كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ ما يُفْهَمُ مِنهُ حِكايَةُ الِاتِّفاقِ عَلى هَذا. وفي تَفْسِيرِ بَعْضِ السَّلَفِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَدُلُّ لَهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ عَنْ عِيسى كَما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، إنَّهُ قالَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: الرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والرَّحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةِ. وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا الَّذِي ذَكَرْنا حَيْثُ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾، وقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾، فَذَكَرَ الِاسْتِواءَ بِاسْمِهِ الرَّحْمَنُ لِيَعُمَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ بِرَحْمَتِهِ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ أيْ: ومِن رَحْمانِيَّتِهِ: لُطْفُهُ بِالطَّيْرِ، وإمْساكُهُ إيّاها صافّاتٍ وقابِضاتٍ في جَوِّ السَّماءِ. ومِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، وقالَ: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فَخَصَّهم بِاسْمِهِ الرَّحِيمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ ما قَرَّرْتُمْ، وبَيْنَ ما جاءَ في الدُّعاءِ المَأْثُورِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «رَحْمانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما» . فالظّاهِرُ في الجَوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ الرَّحِيمَ خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ كَما ذَكَرْنا، لَكِنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ؛ بَلْ يَشْمَلُ رَحْمَتَهم في الدُّنْيا أيْضًا، فَيَكُونُ مَعْنى: ”رَحِيمُهُما“ رَحْمَتُهُ بِالمُؤْمِنِينَ فِيهِما.

والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا أيْضًا: أنَّ ذَلِكَ هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ لِأنَّ صَلاتَهُ عَلَيْهِمْ وصَلاةَ مَلائِكَتِهِ وإخْراجَهُ إيّاهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ رَحْمَةٌ بِهِمْ في الدُّنْيا. وإنْ كانَتْ سَبَبَ الرَّحْمَةِ في الآخِرَةِ أيْضًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] فَإنَّهُ جاءَ فِيهِ بِالباءِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرَّحِمِ الجارَّةِ لِلضَّمِيرِ الواقِعِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وتَوْبَتُهُ عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ في الدُّنْيا وإنْ كانَتْ سَبَبَ رَحْمَةِ الآخِرَةِ أيْضًا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

Al-Faatiha 1:3Listen in Qur'an →
4

مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ

Sovereign of the Day of Recompense.

وَقَوْلُهُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

لَمْ يُبَيِّنْهُ هُنا، وبَيَّنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [الإنفطار: ١٧، ١٨، ١٩] .

والمُرادُ بِالدِّينِ في الآيَةِ الجَزاءُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ أيْ: جَزاءُ أعْمالِهِمْ بِالعَدْلِ.

Al-Faatiha 1:4Listen in Qur'an →
5

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

It is You we worship and You we ask for help.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾

أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى تَحْقِيقِ مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ مَعْناها مُرَكَّبٌ مِن أمْرَيْنِ: نَفْيٌ وإثْباتٌ. فالنَّفْيُ: خَلْعُ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ. والإثْباتُ: إفْرادُ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وحْدَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ. وقَدْ أشارَ إلى النَّفْيِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ الَّذِي هو (إيّاكَ) وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَبْحَثِ دَلِيلِ الخِطابِ الَّذِي هو مَفْهُومُ المُخالَفَةِ. وفي المَعانِي في مَبْحَثِ القَصْرِ: أنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مِن صِيَغِ الحَصْرِ. وأشارَ إلى الإثْباتِ مِنها بِقَوْلِهِ: (نَعْبُدُ) .

وَقَدْ بَيَّنَ مَعْناها المُشارَ إلَيْهِ هُنا مُفَصَّلًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١]، فَصَرَّحَ بِالإثْباتِ مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وصَرَّحَ بِالنَّفْيِ مِنها في آخِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فَصَرَّحَ بِالإثْباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وبِالنَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] فَصَرَّحَ بِالنَّفْيِ مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾، وبِالإثْباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أيْ: لا نَطْلُبُ العَوْنَ إلّا مِنكَ وحْدَكَ؛ لِأنَّ الأمْرَ كُلُّهُ بِيَدِكَ وحْدَكَ لا يَمْلِكُ أحَدٌ مِنهُ مَعَكَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ. وإتْيانُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَكَّلَ إلّا عَلى مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِيَدِهِ الأمْرُ. وهَذا المَعْنى المُشارُ إلَيْهِ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا واضِحًا في آياتٍ أُخَرَ

• كَقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [هود: ١٢٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٩]

• وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]

وقَوْلِهِ:

﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩] وإلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

Al-Faatiha 1:5Listen in Qur'an →
6

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

Guide us to the straight path -

Explained together with ayah 5

Al-Faatiha 1:6Listen in Qur'an →
7

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have evoked [Your] anger or of those who are astray.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾

لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ. وبَيَّنَ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ .

تَنْبِيهانِ

الأوَّلُ: يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ صِحَّةُ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ داخِلٌ فِيمَن أمَرَنا اللَّهُ في السَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ - أعْنِي الفاتِحَةَ - بِأنْ نَسْألَهُ أنْ يَهْدِيَنا صِراطَهم. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ صِراطَهم هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ.

وَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وقَدْ بَيَّنَ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَعَدَّ مِنهُمُ الصِّدِّيقِينَ. وقَدْ بَيَّنَ ﷺ أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنَ الصِّدِّيقِينَ، فاتَّضَحَ أنَّهُ داخِلٌ في الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، الَّذِينَ أمَرَنا اللَّهُ أنْ نَسْألَهُ الهِدايَةَ إلى صِراطِهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ لَبْسٌ في أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وأنَّ إمامَتَهُ حَقٌّ.

الثّانِي: قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الصِّدِّيقِينَ مِنَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ صِدِّيقَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] وإذَنْ فَهَلْ تَدْخُلُ مَرْيَمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أوْ لا ؟

الجَوابُ: أنَّ دُخُولَها فِيهِمْ يَتَفَرَّعُ عَلى قاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ مُخْتَلَفٍ فِيها مَعْرُوفَةٍ، وهي: هَلْ ما في القُرْآنِ العَظِيمِ والسُّنَّةِ مِنَ الجُمُوعِ الصَّحِيحَةِ المُذَكَّرَةِ ونَحْوِها مِمّا يَخْتَصُّ بِجَماعَةِ الذُّكُورِ تَدْخُلُ فِيهِ الإناثُ أوْ لا يَدْخُلْنَ فِيهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُنَّ يَدْخُلْنَ في ذَلِكَ، وعَلَيْهِ: فَمَرْيَمُ داخِلَةٌ في الآيَةِ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: إجْماعُ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى تَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ في الجَمْعِ.

والثّانِي: وُرُودُ آياتٍ تَدُلُّ عَلى دُخُولِهِنَّ في الجُمُوعِ الصَّحِيحَةِ المُذَكَّرَةِ ونَحْوِها،

• كَقَوْلِهِ تَعالى في مَرْيَمَ نَفْسِها: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]،

• وقَوْلِهِ في امْرَأةِ العَزِيزِ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]،

• وقَوْلِهِ في بِلْقِيسَ: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣]،

• وقَوْلِهِ فِيما كالجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٣٨]؛

فَإنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ حَوّاءُ إجْماعًا.

وَذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّهُنَّ لا يَدْخُلْنَ في ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِآياتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهُمْ﴾ [النور: ٣١]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآيَةَ …

Al-Faatiha 1:7Listen in Qur'an →

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.