Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 201–210 of 286

201

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."

﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] لِأنَّ تِلْكَ الإفاضَةَ هي الدَّفْعُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى أوْ لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، ومِنًى هي مَحَلُّ رَمْيِ الجِمارِ، وأشارَتِ الآيَةُ إلى رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ يَوْمَ عاشِرِ ذِي الحِجَّةِ فَأمَرَتْ بِأنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الرَّمْيِ، ثُمَّ الهَدْي بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ تَمَّ الحَجُّ عِنْدَ ذَلِكَ، وقُضِيَتْ مَناسِكُهُ.

وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الحاجَّ لا يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ إلّا جَمْرَةَ العَقَبَةِ مِن بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى الزَّوالِ ثُمَّ يَنْحَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَأْتِي الكَعْبَةَ فَيَطُوفُ طَوافَ الإفاضَةِ، وقَدْ تَمَّ الحَجُّ وحَلَّ لِلْحاجِّ كُلُّ شَيْءٍ إلّا قُرْبانَ النِّساءِ.

والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ، مُشْتَقٌّ مِن نَسَكَ نَسْكًا مِن بابِ نَصَرَ إذا تَعَبَّدَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة: ١٢٨] فَهو هُنا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوْ هو اسْمُ مَكانٍ، والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: ”قَضَيْتُمْ“؛ لِئَلّا نَحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: عِباداتِ مَناسِكِكم.

وقَرَأ الجَمِيعُ: (مَناسِكَكم) بِفَكِّ الكافَيْنِ وقَرَأهُ السُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإدْغامِهِما وهو الإدْغامُ الكَبِيرُ.

صفحة ٢٤٥

وقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨] أعادَ الأمْرَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِهِ وبِالِاسْتِغْفارِ تَحْضِيضًا عَلَيْهِ، وإبْطالًا لِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِفُضُولِ القَوْلِ والتَّفاخُرِ، فَإنَّهُ يَجُرُّ إلى المِراءِ والجِدالِ، والمَقْصِدُ أنْ يَكُونَ الحاجُّ مُنْغَمِسًا في العِبادَةِ فِعْلًا وقَوْلًا واعْتِقادًا.

وقَوْلُهُ: ﴿كَذِكْرِكُمُ آباءَكُمُ﴾ بَيانٌ لِصِفَةِ الذِّكْرِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذِكْرًا كَذِكْرِكم إلَخْ، إشارَةً إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاشْتِغالِ في أيّامِ مِنًى بِالتَّفاخُرِ بِالأنْسابِ ومَفاخِرِ أيّامِهِمْ، فَكانُوا يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى أيْ: مَوْضِعِهِ، وهو مَسْجِدُ الخَيْفِ وبَيْنَ الجَبَلِ؛ أيْ: جَبَلِ مِنًى الَّذِي مَبْدَؤُهُ العَقَبَةُ الَّتِي تُرْمى بِها الجَمْرَةُ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ.

وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ: كانَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ القُبَّةِ عَظِيمَ الجَفْنَةِ كَثِيرَ المالِ فَأعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ. فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ أبِيهِ، وذَكَرَ أقْوالًا نَحْوًا مِن ذَلِكَ.

والمُرادُ تَشْبِيهُ ذِكْرِ اللَّهِ بِذِكْرِ آبائِهِمْ في الكَثْرَةِ والتَّكْرِيرِ وتَعْمِيرِ أوْقاتِ الفَراغِ بِهِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يُؤْذِنُ بِالجَمْعِ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وذِكْرِ الآباءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ أصْلٌ أوْ أنَّها لِلتَّخْيِيرِ، ولَمّا كانَ المَعْطُوفُ بِها في مِثْلِ ما هُنا أوْلى بِمَضْمُونِ الفِعْلِ العامِلِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أفادَتْ ”أوْ“ مَعْنًى مِنَ التَّدَرُّجِ إلى أعْلى، فالمَقْصُودُ أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وشُبِّهَ أوَّلًا بِذِكْرِ آبائِهِمْ تَعْرِيضًا بِأنَّهم يَشْتَغِلُونَ في تِلْكَ المَناسِكِ بِذِكْرٍ لا يَنْفَعُ، وأنَّ الأجْدَرَ بِهِمْ …

Al-Baqara 2:201Listen in Qur'an →
202

أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Those will have a share of what they have earned, and Allah is swift in account.

﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] لِأنَّ تِلْكَ الإفاضَةَ هي الدَّفْعُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى أوْ لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، ومِنًى هي مَحَلُّ رَمْيِ الجِمارِ، وأشارَتِ الآيَةُ إلى رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ يَوْمَ عاشِرِ ذِي الحِجَّةِ فَأمَرَتْ بِأنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الرَّمْيِ، ثُمَّ الهَدْي بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ تَمَّ الحَجُّ عِنْدَ ذَلِكَ، وقُضِيَتْ مَناسِكُهُ.

وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الحاجَّ لا يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ إلّا جَمْرَةَ العَقَبَةِ مِن بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى الزَّوالِ ثُمَّ يَنْحَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَأْتِي الكَعْبَةَ فَيَطُوفُ طَوافَ الإفاضَةِ، وقَدْ تَمَّ الحَجُّ وحَلَّ لِلْحاجِّ كُلُّ شَيْءٍ إلّا قُرْبانَ النِّساءِ.

والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ، مُشْتَقٌّ مِن نَسَكَ نَسْكًا مِن بابِ نَصَرَ إذا تَعَبَّدَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة: ١٢٨] فَهو هُنا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوْ هو اسْمُ مَكانٍ، والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: ”قَضَيْتُمْ“؛ لِئَلّا نَحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: عِباداتِ مَناسِكِكم.

وقَرَأ الجَمِيعُ: (مَناسِكَكم) بِفَكِّ الكافَيْنِ وقَرَأهُ السُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإدْغامِهِما وهو الإدْغامُ الكَبِيرُ.

صفحة ٢٤٥

وقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨] أعادَ الأمْرَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِهِ وبِالِاسْتِغْفارِ تَحْضِيضًا عَلَيْهِ، وإبْطالًا لِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِفُضُولِ القَوْلِ والتَّفاخُرِ، فَإنَّهُ يَجُرُّ إلى المِراءِ والجِدالِ، والمَقْصِدُ أنْ يَكُونَ الحاجُّ مُنْغَمِسًا في العِبادَةِ فِعْلًا وقَوْلًا واعْتِقادًا.

وقَوْلُهُ: ﴿كَذِكْرِكُمُ آباءَكُمُ﴾ بَيانٌ لِصِفَةِ الذِّكْرِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذِكْرًا كَذِكْرِكم إلَخْ، إشارَةً إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاشْتِغالِ في أيّامِ مِنًى بِالتَّفاخُرِ بِالأنْسابِ ومَفاخِرِ أيّامِهِمْ، فَكانُوا يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى أيْ: مَوْضِعِهِ، وهو مَسْجِدُ الخَيْفِ وبَيْنَ الجَبَلِ؛ أيْ: جَبَلِ مِنًى الَّذِي مَبْدَؤُهُ العَقَبَةُ الَّتِي تُرْمى بِها الجَمْرَةُ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ.

وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ: كانَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ القُبَّةِ عَظِيمَ الجَفْنَةِ كَثِيرَ المالِ فَأعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ. فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ أبِيهِ، وذَكَرَ أقْوالًا نَحْوًا مِن ذَلِكَ.

والمُرادُ تَشْبِيهُ ذِكْرِ اللَّهِ بِذِكْرِ آبائِهِمْ في الكَثْرَةِ والتَّكْرِيرِ وتَعْمِيرِ أوْقاتِ الفَراغِ بِهِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يُؤْذِنُ بِالجَمْعِ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وذِكْرِ الآباءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ أصْلٌ أوْ أنَّها لِلتَّخْيِيرِ، ولَمّا كانَ المَعْطُوفُ بِها في مِثْلِ ما هُنا أوْلى بِمَضْمُونِ الفِعْلِ العامِلِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أفادَتْ ”أوْ“ مَعْنًى مِنَ التَّدَرُّجِ إلى أعْلى، فالمَقْصُودُ أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وشُبِّهَ أوَّلًا بِذِكْرِ آبائِهِمْ تَعْرِيضًا بِأنَّهم يَشْتَغِلُونَ في تِلْكَ المَناسِكِ بِذِكْرٍ لا يَنْفَعُ، وأنَّ الأجْدَرَ بِهِمْ …

Al-Baqara 2:202Listen in Qur'an →
203

۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And remember Allah during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allah. And fear Allah and know that unto Him you will be gathered.

صفحة ٢٥١

صفحة ٢٥٢

صفحة ٢٥٣

صفحة ٢٥٤

صفحة ٢٥٥

صفحة ٢٥٦

صفحة ٢٥٧

صفحة ٢٥٨

صفحة ٢٥٩

صفحة ٢٦٠

صفحة ٢٦١

﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ آباءَكُمُ﴾ [البقرة: ٢٠٠] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وإعادَةُ فِعْلِ اذْكُرُوا لِيُبْنى عَلَيْهِ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ أيْ قَوْلُهُ ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ لِبُعْدِ مُتَعَلِّقِهِ وهو ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ آباءَكُمُ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، لِأنَّهُ أُرِيدَ تَقْيِيدُ الذِّكْرِ بِصِفَتِهِ ثُمَّ تَقْيِيدُهُ بِزَمانِهِ ومَكانِهِ.

فالذِّكْرُ الثّانِي هو نَفْسُ الذِّكْرِ الأوَّلِ وعَطْفُهُ عَلَيْهِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى المُغايَرَةِ بِما عُلِّقَ بِهِ مِن زَمانِهِ.

والأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ مِنى، وهي ثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، يُقِيمُ النّاسُ فِيها بِمِنى وتُسَمّى أيّامَ التَّشْرِيقِ، لِأنَّ النّاسَ يُقَدِّدُونَ فِيها اللَّحْمَ، والتَّقْدِيدُ تَشْرِيقٌ، أوْ لِأنَّ الهَدايا لا تُنْحَرُ فِيها حَتّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ.

وكانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ إقامَتَهم بِمِنى بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ طَوافِ الإفاضَةِ ثَلاثَةُ أيّامٍ فَيَعْلَمُونَ أنَّها المُرادُ هُنا بِالأيّامِ المَعْدُوداتِ، ولِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ أيّامُ مِنى وهي بَعْدَ اليَوْمِ العاشِرِ وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ ومالِكٍ، وهي غَيْرُ المُرادِ مِنَ الأيّامِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ) في سُورَةِ الحَجِّ.

فالأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ النَّحْرِ الثَّلاثَةُ، وهي اليَوْمُ العاشِرُ ويَوْمانِ بَعْدَهُ.

والمَعْدُوداتُ أيّامُ مِنى بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فاليَوْمُ العاشِرُ مِنَ المَعْلُوماتِ لا مِنَ المَعْدُوداتِ،

صفحة ٢٦٢

واليَوْمانِ بَعْدَهُ مِنَ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ، واليَوْمُ الرّابِعُ مِنَ المَعْدُوداتِ فَقَطْ، واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] لِأنَّ اليَوْمَ الرّابِعَ لا نَحْرَ فِيهِ ولا ذَبْحَ إجْماعًا، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: لا فَرْقَ بَيْنَ الأيّامِ المَعْلُوماتِ والأيّامِ المَعْدُوداتِ وهي يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ فَلَيْسَ اليَوْمُ الرّابِعُ عِنْدَهُما مَعْلُومًا ولا مَعْدُودًا، وعَنِ الشّافِعِيِّ الأيّامُ المَعْلُوماتُ مِن أوَّلِ ذِي الحِجَّةِ حَتّى يَوْمِ النَّحْرِ وما بَعْدَ ذَلِكَ مَعْدُوداتٌ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ.

ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى طَلَبِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في أيّامِ رَمْيِ الجِمارِ وهو الذِّكْرُ عِنْدَ الرَّمْيِ وعِنْدَ نَحْرِ الهَدايا.

وإنَّما أُمِرُوا بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ، لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَشْغَلُونَها بِالتَّفاخُرِ ومُغازَلَةِ النِّساءِ، قالالعَرَجِيُّ:

ما نَلْتَقِي إلّا ثَلاثَ مِنى حَتّى يُفَرِّقَ بَيْنَنا النَّفْرُ

وقالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

بَدا لِي مِنها مِعْصَمٌ حِينَ جَمَّرَتْ ∗∗∗ وكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنانِ

فَواللَّهِ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ

لِأنَّهم كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الحَجَّ قَدِ انْتَهى بِانْتِهاءِ العاشِرِ، بَعْدَ أنْ أمْسَكُوا عَنْ مَلاذِّهِمْ مُدَّةً طَوِيلَةً …

Al-Baqara 2:203Listen in Qur'an →
204

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ

And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allah to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهْوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلَخْ، لِأنَّهُ ذَكَرَ هُنالِكَ حالَ المُشْرِكِينَ الصُّرَحاءَ الَّذِينَ لا حَظَّ لَهم في الآخِرَةِ، وقابَلَ ذِكْرَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم رَغْبَةٌ في الحَسَنَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فانْتَقَلَ هُنا إلى حالِ فَرِيقٍ آخَرِينَ مِمَّنْ لا حَظَّ لَهم في الآخِرَةِ وهم مُتَظاهِرُونَ بِأنَّهم راغِبُونَ فِيها، مَعَ مُقابَلَةِ حالِهِمْ بِحالِ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الآخِرَةَ والحَياةَ الأبَدِيَّةَ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، وهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] .

ومِن بِمَعْنى بَعْضٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] فَهي صالِحَةٌ

صفحة ٢٦٦

لِلصِّدْقِ عَلى فَرِيقٍ أوْ عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ و(مَنِ) المَوْصُولَةُ كَذَلِكَ صالِحَةٌ لِفَرِيقٍ وشَخْصٍ.

والإعْجابُ إيجادُ العُجْبِ في النَّفْسِ والعَجَبُ: انْفِعالٌ يَعْرِضُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ أمْرٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ خُفِيَ سَبَبُهُ.

ولَمّا كانَ شَأْنُ ما يَخْفى سَبَبُهُ أنْ تَرْغَبَ فِيهِ النَّفْسُ، صارَ العَجَبُ مُسْتَلْزِمًا لِلْإحْسانِ، فَيُقالُ: أعْجَبَنِي الشَّيْءُ بِمَعْنى أوْجَبَ لِي اسْتِحْسانَهُ، قالَ الكَواشِيُّ يُقالُ في الِاسْتِحْسانِ: أعْجَبَنِي كَذا، وفي الإنْكارِ: عَجِبْتُ مِن كَذا، فَقَوْلُهُ: يُعْجِبُكَ أيْ يَحْسُنُ عِنْدَكَ قَوْلُهُ.

والمُرادُ مِنَ القَوْلِ هُنا ما فِيهِ مِن دَلالَتِهِ عَلى حالِهِ في الإيمانِ والنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يُهِمُّ الرَّسُولَ ويُعْجِبُهُ، ولَيْسَ المُرادُ صِفَةَ قَوْلِهِ في فَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ؛ إذْ لا غَرَضَ في ذَلِكَ هُنا لِأنَّ المَقْصُودَ ما يُضادُّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ إلى آخِرِهِ.

والخِطابُ إمّا لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يُظْهِرُ لَكَ ما يُعْجِبُكَ مِنَ القَوْلِ وهو الإيمانُ وحُبُّ الخَيْرِ والإعْراضُ عَنِ الكُفّارِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ ”مِن“ المُنافِقِينَ ومُعْظَمُهم مِنَ اليَهُودِ، وفِيهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ وهَذا هو الأظْهَرُ عِنْدِي، أوْ طائِفَةً مُعَيَّنَةً مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ واسْمُهُ أُبَيٌّ وكانَ مَوْلًى لِبَنِي زُهْرَةَ مِن قُرَيْشٍ وهم أخْوالُ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ يُظْهِرُ المَوَدَّةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ . ولَمْ يَنْضَمَّ إلى المُشْرِكِينَ في واقِعَةِ بَدْرٍ بَلْ خَنَسَ أيْ تَأخَّرَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهم إلى بَدْرٍ وكانَ لَهُ ثَلاثُمِائَةٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ أحْلافِهِ فَصَدَّهم عَلى الِانْضِمامِ إلى المُشْرِكِينَ فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ يُظْهِرُ الإسْلامَ وهو مُنافِقٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ أسْلَمَ قَطُّ، ولَكِنْ كانَ يُظْهِرُ الوُدَّ لِلرَّسُولِ فَلَمّا انْقَضَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ قِيلَ: إنَّهُ حَرَقَ زَرْعًا لِلْمُسْلِمِينَ وقَتَلَ حَمِيرًا لَهم فَنَزَلَتْ فِيهِ هاتِهِ الآيَةُ ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠] ونَزَلَتْ فِيهِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ …

Al-Baqara 2:204Listen in Qur'an →
205

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ

And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allah does not like corruption.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهْوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلَخْ، لِأنَّهُ ذَكَرَ هُنالِكَ حالَ المُشْرِكِينَ الصُّرَحاءَ الَّذِينَ لا حَظَّ لَهم في الآخِرَةِ، وقابَلَ ذِكْرَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم رَغْبَةٌ في الحَسَنَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فانْتَقَلَ هُنا إلى حالِ فَرِيقٍ آخَرِينَ مِمَّنْ لا حَظَّ لَهم في الآخِرَةِ وهم مُتَظاهِرُونَ بِأنَّهم راغِبُونَ فِيها، مَعَ مُقابَلَةِ حالِهِمْ بِحالِ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الآخِرَةَ والحَياةَ الأبَدِيَّةَ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، وهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] .

ومِن بِمَعْنى بَعْضٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] فَهي صالِحَةٌ

صفحة ٢٦٦

لِلصِّدْقِ عَلى فَرِيقٍ أوْ عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ و(مَنِ) المَوْصُولَةُ كَذَلِكَ صالِحَةٌ لِفَرِيقٍ وشَخْصٍ.

والإعْجابُ إيجادُ العُجْبِ في النَّفْسِ والعَجَبُ: انْفِعالٌ يَعْرِضُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ أمْرٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ خُفِيَ سَبَبُهُ.

ولَمّا كانَ شَأْنُ ما يَخْفى سَبَبُهُ أنْ تَرْغَبَ فِيهِ النَّفْسُ، صارَ العَجَبُ مُسْتَلْزِمًا لِلْإحْسانِ، فَيُقالُ: أعْجَبَنِي الشَّيْءُ بِمَعْنى أوْجَبَ لِي اسْتِحْسانَهُ، قالَ الكَواشِيُّ يُقالُ في الِاسْتِحْسانِ: أعْجَبَنِي كَذا، وفي الإنْكارِ: عَجِبْتُ مِن كَذا، فَقَوْلُهُ: يُعْجِبُكَ أيْ يَحْسُنُ عِنْدَكَ قَوْلُهُ.

والمُرادُ مِنَ القَوْلِ هُنا ما فِيهِ مِن دَلالَتِهِ عَلى حالِهِ في الإيمانِ والنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يُهِمُّ الرَّسُولَ ويُعْجِبُهُ، ولَيْسَ المُرادُ صِفَةَ قَوْلِهِ في فَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ؛ إذْ لا غَرَضَ في ذَلِكَ هُنا لِأنَّ المَقْصُودَ ما يُضادُّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ إلى آخِرِهِ.

والخِطابُ إمّا لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يُظْهِرُ لَكَ ما يُعْجِبُكَ مِنَ القَوْلِ وهو الإيمانُ وحُبُّ الخَيْرِ والإعْراضُ عَنِ الكُفّارِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ ”مِن“ المُنافِقِينَ ومُعْظَمُهم مِنَ اليَهُودِ، وفِيهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ وهَذا هو الأظْهَرُ عِنْدِي، أوْ طائِفَةً مُعَيَّنَةً مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ واسْمُهُ أُبَيٌّ وكانَ مَوْلًى لِبَنِي زُهْرَةَ مِن قُرَيْشٍ وهم أخْوالُ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ يُظْهِرُ المَوَدَّةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ . ولَمْ يَنْضَمَّ إلى المُشْرِكِينَ في واقِعَةِ بَدْرٍ بَلْ خَنَسَ أيْ تَأخَّرَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهم إلى بَدْرٍ وكانَ لَهُ ثَلاثُمِائَةٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ أحْلافِهِ فَصَدَّهم عَلى الِانْضِمامِ إلى المُشْرِكِينَ فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ يُظْهِرُ الإسْلامَ وهو مُنافِقٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ أسْلَمَ قَطُّ، ولَكِنْ كانَ يُظْهِرُ الوُدَّ لِلرَّسُولِ فَلَمّا انْقَضَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ قِيلَ: إنَّهُ حَرَقَ زَرْعًا لِلْمُسْلِمِينَ وقَتَلَ حَمِيرًا لَهم فَنَزَلَتْ فِيهِ هاتِهِ الآيَةُ ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠] ونَزَلَتْ فِيهِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ …

Al-Baqara 2:205Listen in Qur'an →
206

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

And when it is said to him, "Fear Allah," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهْوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلَخْ، لِأنَّهُ ذَكَرَ هُنالِكَ حالَ المُشْرِكِينَ الصُّرَحاءَ الَّذِينَ لا حَظَّ لَهم في الآخِرَةِ، وقابَلَ ذِكْرَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم رَغْبَةٌ في الحَسَنَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فانْتَقَلَ هُنا إلى حالِ فَرِيقٍ آخَرِينَ مِمَّنْ لا حَظَّ لَهم في الآخِرَةِ وهم مُتَظاهِرُونَ بِأنَّهم راغِبُونَ فِيها، مَعَ مُقابَلَةِ حالِهِمْ بِحالِ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الآخِرَةَ والحَياةَ الأبَدِيَّةَ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، وهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] .

ومِن بِمَعْنى بَعْضٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] فَهي صالِحَةٌ

صفحة ٢٦٦

لِلصِّدْقِ عَلى فَرِيقٍ أوْ عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ و(مَنِ) المَوْصُولَةُ كَذَلِكَ صالِحَةٌ لِفَرِيقٍ وشَخْصٍ.

والإعْجابُ إيجادُ العُجْبِ في النَّفْسِ والعَجَبُ: انْفِعالٌ يَعْرِضُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ أمْرٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ خُفِيَ سَبَبُهُ.

ولَمّا كانَ شَأْنُ ما يَخْفى سَبَبُهُ أنْ تَرْغَبَ فِيهِ النَّفْسُ، صارَ العَجَبُ مُسْتَلْزِمًا لِلْإحْسانِ، فَيُقالُ: أعْجَبَنِي الشَّيْءُ بِمَعْنى أوْجَبَ لِي اسْتِحْسانَهُ، قالَ الكَواشِيُّ يُقالُ في الِاسْتِحْسانِ: أعْجَبَنِي كَذا، وفي الإنْكارِ: عَجِبْتُ مِن كَذا، فَقَوْلُهُ: يُعْجِبُكَ أيْ يَحْسُنُ عِنْدَكَ قَوْلُهُ.

والمُرادُ مِنَ القَوْلِ هُنا ما فِيهِ مِن دَلالَتِهِ عَلى حالِهِ في الإيمانِ والنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يُهِمُّ الرَّسُولَ ويُعْجِبُهُ، ولَيْسَ المُرادُ صِفَةَ قَوْلِهِ في فَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ؛ إذْ لا غَرَضَ في ذَلِكَ هُنا لِأنَّ المَقْصُودَ ما يُضادُّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ إلى آخِرِهِ.

والخِطابُ إمّا لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يُظْهِرُ لَكَ ما يُعْجِبُكَ مِنَ القَوْلِ وهو الإيمانُ وحُبُّ الخَيْرِ والإعْراضُ عَنِ الكُفّارِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ ”مِن“ المُنافِقِينَ ومُعْظَمُهم مِنَ اليَهُودِ، وفِيهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ وهَذا هو الأظْهَرُ عِنْدِي، أوْ طائِفَةً مُعَيَّنَةً مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ واسْمُهُ أُبَيٌّ وكانَ مَوْلًى لِبَنِي زُهْرَةَ مِن قُرَيْشٍ وهم أخْوالُ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ يُظْهِرُ المَوَدَّةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ . ولَمْ يَنْضَمَّ إلى المُشْرِكِينَ في واقِعَةِ بَدْرٍ بَلْ خَنَسَ أيْ تَأخَّرَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهم إلى بَدْرٍ وكانَ لَهُ ثَلاثُمِائَةٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ أحْلافِهِ فَصَدَّهم عَلى الِانْضِمامِ إلى المُشْرِكِينَ فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ يُظْهِرُ الإسْلامَ وهو مُنافِقٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ أسْلَمَ قَطُّ، ولَكِنْ كانَ يُظْهِرُ الوُدَّ لِلرَّسُولِ فَلَمّا انْقَضَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ قِيلَ: إنَّهُ حَرَقَ زَرْعًا لِلْمُسْلِمِينَ وقَتَلَ حَمِيرًا لَهم فَنَزَلَتْ فِيهِ هاتِهِ الآيَةُ ونَزَلَتْ فِيهِ أيْضًا ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠] ونَزَلَتْ فِيهِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ …

Al-Baqara 2:206Listen in Qur'an →
207

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ

And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allah. And Allah is kind to [His] servants.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾

هَذا قَسِيمُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤] وذِكْرُهُ هُنا بِمَنزِلَةِ الِاسْتِطْرادِ اسْتِيعابًا لِقِسْمَيِ النّاسِ، فَهَذا القِسْمُ هو الَّذِي تَمَحَّضَ فِعْلُهُ لِلْخَيْرِ حَتّى بَلَغَ غايَةَ ذَلِكَ وهو تَعْرِيضُ نَفْسِهِ الَّتِي هي أنْفَسُ الأشْياءِ عَلَيْهِ لِلْهَلاكِ لِأجْلِ تَحْصِيلِ ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، وإنَّما رِضا اللَّهِ تَعالى بِفِعْلِ النّاسِ لِلْخَيْرِ الَّذِي أمَرَهم بِهِ.

صفحة ٢٧٣

و(يَشْرِي) مَعْناهُ يَبِيعُ كَما يَشْتَرِي بِمَعْنى يَبْتاعُ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] .

واسْتُعْمِلَ يَشْرِي هُنا في البَذْلِ مَجازًا، والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِلْهَلاكِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ أيْ هَلاكًا في نَصْرِ الدِّينِ وهَذا أعْلى دَرَجاتِ الإيمانِ، لِأنَّ النَّفْسَ أغْلى ما عِنْدَ الإنْسانِ.

ومَرْضاةُ اللَّهِ: رِضاهُ فَهو مَصْدَرُ رَضِيَ عَلى وزْنِ المَفْعَلِ زِيدَتْ فِيهِ التّاءُ سَماعًا كالمَدْعاةِ والمَسْعاةِ، في أسْبابِ النُّزُولِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ النَّمِرِيِّ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قاسِطٍ المُلَقَّبِ بِالرُّومِيِّ؛ لِأنَّهُ كانَ أسَرَهُ الرُّومُ في الجاهِلِيَّةِ في جِهاتِ المَوْصِلِ واشْتَراهُ بَنُو كَلْبٍ وكانَ مَوْلاهم وأثْرى في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ وكانَ مِنَ المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ فَلَمّا هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ خَرَجَ صُهَيْبٌ مُهاجِرًا فَلَحِقَ بِهِ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ لِيُوثِقُوهُ فَنَزَلَ عَنْ راحِلَتِهِ وانْتَثَلَ كِنانَتَهُ وكانَ رامِيًا وقالَ لَهم لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي مِن أرْماكم وأيْمُ اللَّهِ لا تَصِلُونَ إلَيَّ حَتّى أرْمِيَ بِما في كِنانَتِي ثُمَّ أضْرَبَ بِسَيْفِي ما بَقِيَ في يَدِي مِنهُ شَيْءٌ؛ فَقالُوا: لا نَتْرُكُكَ تَخْرُجُ مِن عِنْدِنا غَنِيًّا وقَدْ جِئْتَنا صُعْلُوكًا، ولَكِنْ دُلَّنا عَلى مالِكَ ونُخَلِّي عَنْكَ وعاهَدُوهُ عَلى ذَلِكَ فَدَلَّهم عَلى مالِهِ، فَلَمّا قَدِمَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ قالَ لَهُ حِينَ رَآهُ «رِبِحَ البَيْعُ أبا يَحْيى» وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ إنْ كَفّارَ مَكَّةَ عَذَّبُوا صُهَيْبًا لِإسْلامِهِ فافْتَدى مِنهم بِمالِهِ وخَرَجَ مُهاجِرًا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأظْهَرُ أنَّها عامَّةٌ، وأنَّ صُهَيْبًا أوْ غَيْرَهُ مُلاحَظٌ في أوَّلِ مَن تَشْمَلُهُ.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ رَءُوفٌ بِالعِبادِ الصّالِحِينَ الَّذِينَ مِنهم مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ، فالرَّأْفَةُ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِها وهو إيتاءُ الخَيْراتِ كالرَّحْمَةِ.

والظّاهِرُ أنَّ التَّعْرِيفَ في قَوْلِهِ العِبادِ تَعْرِيفُ اسْتِغْراقٍ، لِأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ بِجَمِيعِ عِبادِهِ وهم مُتَفاوِتُونَ فِيها فَمِنهم مَن تَنالُهُ رَأْفَةُ اللَّهِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِما يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ وحِكْمَتُهُ، ومِنهم مَن تَنالُهُ رَأْفَةُ اللَّهِ في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ والكافِرُونَ؛ فَإنَّ مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنَّهُ أعْطاهُمُ العافِيَةَ والرِّزْقَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ العَهْدِ أيْ بِالعِبادِ الَّذِينَ مِن هَذا القَبِيلِ أيْ قَبِيلِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ال) عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١]، والعِبادُ

صفحة ٢٧٤

إذا أُضِيفَ إلى اسْمِ …

Al-Baqara 2:207Listen in Qur'an →
208

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةًۭ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

O you who have believed, enter into Islam completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

صفحة ٢٧٥

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السَّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ إلى الدُّخُولِ في السِّلْمِ، ومُناسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ ما قَبْلَهُ أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى تَقْسِيمِ النّاسِ تُجاهَ الدِّينِ مَراتِبَ، أعْلاها ﴿مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] لِأنَّ النَّفْسَ أغْلى ما يُبْذَلُ، وأقَلَّها ﴿مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] أيْ يُضْمِرُ الكَيْدَ ويُفْسِدُ عَلى النّاسِ ما فِيهِ نَفْعُ الجَمِيعِ وهو خَيْراتُ الأرْضِ، وذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى أنَّهُ اعْتَدى عَلى قَوْمٍ مُسالِمِينَ فَناسَبَ بَعْدَ أنْ يُدْعى النّاسُ إلى الدُّخُولِ فِيما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السِّلْمِ وهَذِهِ المُناسَبَةُ تَقْوى وتَضْعُفُ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الِاحْتِمالاتِ في مَعْنى طَلَبِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ.

والخِطابُ بِيا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إطْلاقِ هَذا العُنْوانِ، ولِأنَّ شَأْنَ المَوْصُولِ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ.

والدُّخُولُ حَقِيقَتُهُ نُفُوذُ الجِسْمِ في جِسْمٍ أوْ مَكانٍ مُحَوَّطٍ كالبَيْتِ والمَسْجِدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا مَشْهُورًا عَلى حُلُولِ المَكانِ الواسِعِ، يُقالُ دَخَلَ بِلادَ بَنِي أسَدٍ وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلِاتِّباعِ والِالتِزامِ وشِدَّةِ التَّلَبُّسِ بِالفِعْلِ.

والسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ اللّامِ، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ باقِي العَشَرَةِ بِكَسْرِ السِّينِ، ويُقالُ سَلَمٌ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ قالَ تَعالى (﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]) وحَقِيقَةُ السِّلْمِ الصُّلْحُ وتَرْكُ الحَرْبِ قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُزَعُ

وشَواهِدُ هَذا كَثِيرَةٌ في كَلامِهِمْ، وقالَ زُهَيْرٌ:

وقَدْ قُلْتُما إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ واسِعًا

بِكَسْرِ السِّينِ واشْتِقاقِهِ مِنَ السَّلامَةِ وهي النَّجاةُ مَن ألَمٍ أوْ ضُرٍّ أوْ عِنادٍ يُقالُ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِفُلانٍ أيْ أعْطاهُ إيّاها بِدُونِ مُقاوَمَةٍ، واسْتَسْلَمَ: طَلَبَ السِّلْمِ أيْ تَرَكَ المُقاوَمَةَ، وتَقُولُ العَرَبُ: أسِلْمٌ

صفحة ٢٧٦

أمْ حَرْبٌ، أيْ أأنْتَ مُسالِمٌ أمْ مُحارِبٌ، وكُلُّها مَعانٍ مُتَوَلِّدٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَلِذَلِكَ جَزَمَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ بِأنَّ السِّلْمَ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها وبِالتَّحْرِيكِ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها فِيما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الآخَرُ.

قالُوا: ويُطْلَقُ السِّلْمُ بِلُغاتِهِ الثَّلاثِ عَلى دِينِ الإسْلامِ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وأنْشَدُوا قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ في قَضِيَّةِ رِدَّةِ قَوْمِهِ:

دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا ∗∗∗ رَأيْتُهُمُو تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا

فَلَسْتُ مُبَدِّلًا بِاللَّهِ رَبًّا ∗∗∗ ولا مُسْتَبْدِلًا بِالسِّلْمِ دِينا

وهَذا الإطْلاقُ انْفَرَدَ بِذِكْرِهِ أصْحابُ التَّفْسِيرِ ولَمْ يَذْكُرْهُ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ ولا الزَّمَخْشَرِيُّ في الأساسِ، وصاحِبُ لِسانِ العَرَبِ، وذَكَرَهُ في القامُوسِ تَبَعًا لِلْمُفَسِّرِينَ، وذَكَرَهُ …

Al-Baqara 2:208Listen in Qur'an →
209

فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

But if you deviate after clear proofs have come to you, then know that Allah is Exalted in Might and Wise.

صفحة ٢٧٥

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السَّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ إلى الدُّخُولِ في السِّلْمِ، ومُناسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ ما قَبْلَهُ أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى تَقْسِيمِ النّاسِ تُجاهَ الدِّينِ مَراتِبَ، أعْلاها ﴿مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] لِأنَّ النَّفْسَ أغْلى ما يُبْذَلُ، وأقَلَّها ﴿مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] أيْ يُضْمِرُ الكَيْدَ ويُفْسِدُ عَلى النّاسِ ما فِيهِ نَفْعُ الجَمِيعِ وهو خَيْراتُ الأرْضِ، وذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى أنَّهُ اعْتَدى عَلى قَوْمٍ مُسالِمِينَ فَناسَبَ بَعْدَ أنْ يُدْعى النّاسُ إلى الدُّخُولِ فِيما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السِّلْمِ وهَذِهِ المُناسَبَةُ تَقْوى وتَضْعُفُ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الِاحْتِمالاتِ في مَعْنى طَلَبِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ.

والخِطابُ بِيا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إطْلاقِ هَذا العُنْوانِ، ولِأنَّ شَأْنَ المَوْصُولِ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ.

والدُّخُولُ حَقِيقَتُهُ نُفُوذُ الجِسْمِ في جِسْمٍ أوْ مَكانٍ مُحَوَّطٍ كالبَيْتِ والمَسْجِدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا مَشْهُورًا عَلى حُلُولِ المَكانِ الواسِعِ، يُقالُ دَخَلَ بِلادَ بَنِي أسَدٍ وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلِاتِّباعِ والِالتِزامِ وشِدَّةِ التَّلَبُّسِ بِالفِعْلِ.

والسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ اللّامِ، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ باقِي العَشَرَةِ بِكَسْرِ السِّينِ، ويُقالُ سَلَمٌ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ قالَ تَعالى (﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]) وحَقِيقَةُ السِّلْمِ الصُّلْحُ وتَرْكُ الحَرْبِ قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُزَعُ

وشَواهِدُ هَذا كَثِيرَةٌ في كَلامِهِمْ، وقالَ زُهَيْرٌ:

وقَدْ قُلْتُما إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ واسِعًا

بِكَسْرِ السِّينِ واشْتِقاقِهِ مِنَ السَّلامَةِ وهي النَّجاةُ مَن ألَمٍ أوْ ضُرٍّ أوْ عِنادٍ يُقالُ أسْلَمَ نَفْسَهُ لِفُلانٍ أيْ أعْطاهُ إيّاها بِدُونِ مُقاوَمَةٍ، واسْتَسْلَمَ: طَلَبَ السِّلْمِ أيْ تَرَكَ المُقاوَمَةَ، وتَقُولُ العَرَبُ: أسِلْمٌ

صفحة ٢٧٦

أمْ حَرْبٌ، أيْ أأنْتَ مُسالِمٌ أمْ مُحارِبٌ، وكُلُّها مَعانٍ مُتَوَلِّدٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَلِذَلِكَ جَزَمَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ بِأنَّ السِّلْمَ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها وبِالتَّحْرِيكِ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها فِيما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الآخَرُ.

قالُوا: ويُطْلَقُ السِّلْمُ بِلُغاتِهِ الثَّلاثِ عَلى دِينِ الإسْلامِ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وأنْشَدُوا قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ في قَضِيَّةِ رِدَّةِ قَوْمِهِ:

دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا ∗∗∗ رَأيْتُهُمُو تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا

فَلَسْتُ مُبَدِّلًا بِاللَّهِ رَبًّا ∗∗∗ ولا مُسْتَبْدِلًا بِالسِّلْمِ دِينا

وهَذا الإطْلاقُ انْفَرَدَ بِذِكْرِهِ أصْحابُ التَّفْسِيرِ ولَمْ يَذْكُرْهُ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ ولا الزَّمَخْشَرِيُّ في الأساسِ، وصاحِبُ لِسانِ العَرَبِ، وذَكَرَهُ في القامُوسِ تَبَعًا لِلْمُفَسِّرِينَ، وذَكَرَهُ …

Al-Baqara 2:209Listen in Qur'an →
210

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

Do they await but that Allah should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allah [all] matters are returned.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾

إنْ كانَ الإضْمارُ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ فَضَمِيرُ يَنْظُرُونَ راجِعٌ إلى مَعادٍ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ، وهو إمّا ﴿مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وإمّا إلى ﴿مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، أوْ إلى كِلَيْهِما لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ يَنْتَظِرُونَ يَوْمَ الجَزاءِ، فَأحَدُ الفَرِيقَيْنِ يَنْتَظِرُهُ شَكًّا في الوَعِيدِ بِالعَذابِ، والفَرِيقُ الآخَرُ يَنْتَظِرُهُ انْتِظارَ الرّاجِي لِلثَّوابِ.

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ١٠٢] فانْتِظارُهم أيّامَ الَّذِينَ خَلَوُا انْتِظارُ تَوَقُّعِ سُوءٍ وانْتِظارُ النَّبِيءِ مَعَهُمُ انْتِظارُ تَصْدِيقِ وعِيدِهِ.

وإنْ كانَ الإضْمارُ جارِيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَهو راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا في السَّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] وما بَعْدَهُ، أوْ إلى الَّذِينَ زَلُّوا المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٩]، وهو حِينَئِذٍ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، إمّا لِمُجَرَّدِ تَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ إنْ كانَ راجِعًا إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ

صفحة ٢٨٢

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وإمّا لِزِيادَةِ نُكْتَةِ إبْعادِ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٩] عَنْ عِزِّ الحُضُورِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يَعْنِي التّارِكِينَ الدُّخُولَ في السَّلْمِ، وقالَ الفَخْرُ الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ بِناءً عَلى أنَّهُمُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السَّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ وكُتُبِهِ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ وعَلى أنَّ السِّلْمَ أُرِيدَ بِهِ الإسْلامُ، ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ عَلى هَذا القَوْلِ هي هي.

فَإنْ كانَ الضَّمِيرُ لِمَن يُعْجِبُكَ أوْ لَهُ ولِمَن يَشْرِي نَفْسَهُ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ العَجِيبَتَيْنِ في الخَيْرِ والشَّرِّ تُثِيرانِ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ جَزاءِ كِلا الفَرِيقَيْنِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ جَوابًا لِذَلِكَ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الَّذِينَ آمَنُوا فَجُمْلَةُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلتَّحْرِيضِ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ خَشْيَةَ يَوْمِ الجَزاءِ أوْ طَمَعًا في ثَوابِهِ وإنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلَّذِينَ زَلُّوا مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٩] فالجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] لِأنَّ مَعْناهُ فَإنْ زَلَلْتُمْ فاللَّهُ لا يُفْلِتُكم لِأنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وعَدَمُ الإفْلاتِ يَشْتَمِلُ عَلى إتْيانِ أمْرِ اللَّهِ والمَلائِكَةِ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى اليَهُودِ فَهو تَوْبِيخٌ لَهم عَلى مُكابَرَتِهِمْ عَنِ الِاعْتِرافِ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ.

وعَلى كُلِّ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي لا تَتَنافى فَقَدْ جاءَ نَظْمُ قَوْلِهِ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ نَظْمًا جامِعًا لِلْمَحامِلِ كُلِّها مِمّا هو أثَرٌ مِن آثارِ إعْجازِ هَذا الكَلامِ المَجِيدِ الدّالِّ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِكُلِّ شَيْءٍ.

وحَرْفُ هَلْ مُفِيدٌ الِاسْتِفْهامَ ومُفِيدٌ التَّحْقِيقَ ويُظْهِرُ أنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ …

Al-Baqara 2:210Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.