Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 191–200 of 286

191

وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

And kill them wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al- Haram until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾

هَذا أمْرٌ بِقَتْلِ مَن يُعْثَرُ عَلَيْهِ مِنهم وإنْ لَمْ يَكُنْ في ساحَةِ القِتالِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِقِتالِ مَن يُقاتِلُهم، عَمَّمَ المَواقِعَ والبِقاعَ زِيادَةً في أحْوالِ القَتْلِ وتَصْرِيحًا بِتَعْمِيمِ الأماكِنِ، فَإنَّ أهَمِّيَّةَ هَذا الغَرَضِ تَبْعَثُ عَلى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِاقْتِضاءِ عُمُومِ الأشْخاصِ تَعْمِيمَ الأمْكِنَةِ لِيَكُونَ المُسْلِمُونَ مَأْذُونِينَ بِذَلِكَ فَكُلُّ مَكانٍ يَحُلُّ فِيهِ العَدُوُّ فَهو مَوْضِعُ قِتالٍ فالمَعْنى: واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم إنْ قاتَلُوكم.

وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وإنْ كانَتْ هي مُكَمِّلَةً لَها بِاعْتِبارِ أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ قَتْلٌ خاصٌّ غَيْرُ قِتالِ الوَغى، فَحَصَلَتِ المُغايِرَةُ المُقْتَضِيَةُ العَطْفَ، ولِذَلِكَ قالَ هُنا: ”واقْتُلُوهم“، ولَمْ يَقُلْ: ”وقاتِلُوهم“

صفحة ٢٠٢

مِثْلَ الآيَةِ قَبْلَها تَنْبِيهًا عَلى قَتْلِ المُحارِبِ ولَوْ كانَ وقْتَ العُثُورِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُباشِرٍ لِلْقِتالِ، وأنَّهُ مَن خَرَجَ مُحارِبًا فَهو قاتِلٌ، وإنْ لَمْ يَقْتُلْ.

و(ثَقِفْتُمُوهم) بِمَعْنى لَقِيتُمُوهم لِقاءَ حَرْبٍ، وفِعْلُهُ كَفَرِحَ، وفَسَّرَهُ في الكَشّافِ بِأنَّهُ وُجُودٌ عَلى حالَةِ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ: يَحِلُّ لَكم حِينَئِذٍ أنْ تُخْرِجُوهم مِن مَكَّةَ الَّتِي أخْرَجُوكم مِنها، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ ووَعْدٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَيَكُونُ هَذا اللِّقاءُ لِهَذِهِ البُشْرى في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ لِيَسْعَوْا إلَيْهِ حَتّى يُدْرِكُوهُ وقَدْ أدْرَكُوهُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وفِيهِ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِالنَّصْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ تَذْيِيلٌ و”ألْ“ فِيهِ لِلْجِنْسِ تَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْراقِ في المَقامِ الخِطابِيِّ، وهو حُجَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ونَفْيٌ لِلتَّبِعَةِ عَنْهم في القِتالِ بِمَكَّةَ إنِ اضْطُرُّوا إلَيْهِ.

والفِتْنَةُ إلْقاءُ الخَوْفِ واخْتِلالُ نِظامِ العَيْشِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] إشارَةٌ إلى ما لَقِيَهُ المُؤْمِنُونَ في مَكَّةَ مِنَ الأذى بِالشَّتْمِ والضَّرْبِ والسُّخْرِيَةِ إلى أنْ كانَ آخِرُهُ الإخْراجَ مِنَ الدِّيارِ والأمْوالِ، فالمُشْرِكُونَ مَحْقُوقُونَ مِن قَبْلُ، فَإذا خَفَرُوا العَهْدَ اسْتَحَقُّوا المُؤاخَذَةَ بِما مَضى فِيما كانَ الصُّلْحُ مانِعًا مِن مُؤاخَذَتِهِمْ عَلَيْهِ؛ وإنَّما كانَتِ الفِتْنَةُ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ لَتَكَرُّرِ إضْرارِها بِخِلافِ ألَمِ القَتْلِ، ويُرادُ مِنها أيْضًا الفِتْنَةُ المُتَوَقَّعَةُ بِناءً عَلى تَوَقُّعِ أنْ يَصُدُّوهم عَنِ البَيْتِ أوْ أنْ يَغْدُرُوا بِهِمْ إذا حَلُّوا بِمَكَّةَ، ولِهَذا اشْتَرَطَ المُسْلِمُونَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ أنَّهم يَدْخُلُونَ العامَ القابِلَ بِالسُّيُوفِ في قِرابِها، والمَقْصِدُ مِن هَذا إعْلانُ عُذْرِ المُسْلِمِينَ في قِتالِهِمُ المُشْرِكِينَ وإلْقاءُ بُغْضِ المُشْرِكِينَ في قُلُوبِهِمْ حَتّى يَكُونُوا عَلى أهُبَّةِ قِتالِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهم بِصُدُورٍ حَرِجَةٍ حَنِقَةٍ.

ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ خُصُوصَ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أعَمَّ مِنَ الكَلامِ المُذَيَّلِ.

* * *

صفحة ٢٠٣

﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ …

Al-Baqara 2:191Listen in Qur'an →
192

فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And if they cease, then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾

هَذا أمْرٌ بِقَتْلِ مَن يُعْثَرُ عَلَيْهِ مِنهم وإنْ لَمْ يَكُنْ في ساحَةِ القِتالِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِقِتالِ مَن يُقاتِلُهم، عَمَّمَ المَواقِعَ والبِقاعَ زِيادَةً في أحْوالِ القَتْلِ وتَصْرِيحًا بِتَعْمِيمِ الأماكِنِ، فَإنَّ أهَمِّيَّةَ هَذا الغَرَضِ تَبْعَثُ عَلى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِاقْتِضاءِ عُمُومِ الأشْخاصِ تَعْمِيمَ الأمْكِنَةِ لِيَكُونَ المُسْلِمُونَ مَأْذُونِينَ بِذَلِكَ فَكُلُّ مَكانٍ يَحُلُّ فِيهِ العَدُوُّ فَهو مَوْضِعُ قِتالٍ فالمَعْنى: واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم إنْ قاتَلُوكم.

وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وإنْ كانَتْ هي مُكَمِّلَةً لَها بِاعْتِبارِ أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ قَتْلٌ خاصٌّ غَيْرُ قِتالِ الوَغى، فَحَصَلَتِ المُغايِرَةُ المُقْتَضِيَةُ العَطْفَ، ولِذَلِكَ قالَ هُنا: ”واقْتُلُوهم“، ولَمْ يَقُلْ: ”وقاتِلُوهم“

صفحة ٢٠٢

مِثْلَ الآيَةِ قَبْلَها تَنْبِيهًا عَلى قَتْلِ المُحارِبِ ولَوْ كانَ وقْتَ العُثُورِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُباشِرٍ لِلْقِتالِ، وأنَّهُ مَن خَرَجَ مُحارِبًا فَهو قاتِلٌ، وإنْ لَمْ يَقْتُلْ.

و(ثَقِفْتُمُوهم) بِمَعْنى لَقِيتُمُوهم لِقاءَ حَرْبٍ، وفِعْلُهُ كَفَرِحَ، وفَسَّرَهُ في الكَشّافِ بِأنَّهُ وُجُودٌ عَلى حالَةِ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ: يَحِلُّ لَكم حِينَئِذٍ أنْ تُخْرِجُوهم مِن مَكَّةَ الَّتِي أخْرَجُوكم مِنها، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ ووَعْدٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَيَكُونُ هَذا اللِّقاءُ لِهَذِهِ البُشْرى في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ لِيَسْعَوْا إلَيْهِ حَتّى يُدْرِكُوهُ وقَدْ أدْرَكُوهُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وفِيهِ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِالنَّصْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ تَذْيِيلٌ و”ألْ“ فِيهِ لِلْجِنْسِ تَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْراقِ في المَقامِ الخِطابِيِّ، وهو حُجَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ونَفْيٌ لِلتَّبِعَةِ عَنْهم في القِتالِ بِمَكَّةَ إنِ اضْطُرُّوا إلَيْهِ.

والفِتْنَةُ إلْقاءُ الخَوْفِ واخْتِلالُ نِظامِ العَيْشِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] إشارَةٌ إلى ما لَقِيَهُ المُؤْمِنُونَ في مَكَّةَ مِنَ الأذى بِالشَّتْمِ والضَّرْبِ والسُّخْرِيَةِ إلى أنْ كانَ آخِرُهُ الإخْراجَ مِنَ الدِّيارِ والأمْوالِ، فالمُشْرِكُونَ مَحْقُوقُونَ مِن قَبْلُ، فَإذا خَفَرُوا العَهْدَ اسْتَحَقُّوا المُؤاخَذَةَ بِما مَضى فِيما كانَ الصُّلْحُ مانِعًا مِن مُؤاخَذَتِهِمْ عَلَيْهِ؛ وإنَّما كانَتِ الفِتْنَةُ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ لَتَكَرُّرِ إضْرارِها بِخِلافِ ألَمِ القَتْلِ، ويُرادُ مِنها أيْضًا الفِتْنَةُ المُتَوَقَّعَةُ بِناءً عَلى تَوَقُّعِ أنْ يَصُدُّوهم عَنِ البَيْتِ أوْ أنْ يَغْدُرُوا بِهِمْ إذا حَلُّوا بِمَكَّةَ، ولِهَذا اشْتَرَطَ المُسْلِمُونَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ أنَّهم يَدْخُلُونَ العامَ القابِلَ بِالسُّيُوفِ في قِرابِها، والمَقْصِدُ مِن هَذا إعْلانُ عُذْرِ المُسْلِمِينَ في قِتالِهِمُ المُشْرِكِينَ وإلْقاءُ بُغْضِ المُشْرِكِينَ في قُلُوبِهِمْ حَتّى يَكُونُوا عَلى أهُبَّةِ قِتالِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهم بِصُدُورٍ حَرِجَةٍ حَنِقَةٍ.

ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ خُصُوصَ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أعَمَّ مِنَ الكَلامِ المُذَيَّلِ.

* * *

صفحة ٢٠٣

﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ …

Al-Baqara 2:192Listen in Qur'an →
193

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] worship is [acknowledged to be] for Allah. But if they cease, then there is to be no aggression except against the oppressors.

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ ألّا تُعْطَفَ هَذِهِ الجُمْلَةُ؛ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ لِما أُجْمِلَ مِن غايَةِ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ، ولَكِنَّها عُطِفَتْ لِما وقَعَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ الجُمْلَةِ المُبَيِّنَةِ. . .

وقَدْ تَضَمَّنَتِ الجُمَلُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١] إلى هُنا تَفْصِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] لِأنَّ عُمُومَ ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] تَنْشَأُ عَنْهُ احْتِمالاتٌ في الأحْوالِ والأزْمِنَةِ والبِقاعِ، وقَدِ انْقَضى بَيانُ أحْوالِ البِقاعِ وأفْضَتِ التَّوْبَةُ الآنَ إلى بَيانِ تَحْدِيدِ الأحْوالِ بِغايَةِ ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ.

فَإذا انْتَهَتِ الفِتْنَةُ فَتِلْكَ غايَةُ القِتالِ؛ أيْ: إنْ خاسُوا بِالعَهْدِ وخَفَرُوا الذِّمَّةَ في المُدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم عَلى تَرْكِ القِتالِ فَقَدْ أصْبَحْتُمْ في حِلٍّ مِن عَهْدِهِمْ، فَلَكم أنْ تُقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أُخْرى مِن بَعْدُ يَفْتِنُونَكم بِها، وحَتّى يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، فَهَذا كُلُّهُ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، فَإعادَةُ فِعْلِ (وقاتِلُوهم) لِتُبْنى عَلَيْهِ الغايَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وبِتِلْكَ الغايَةِ حَصَلَتِ المُغايَرَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وهي الَّتِي بِاعْتِبارِها ساغَ عَطْفُهُ عَلى مِثْلِهِ، فَـ ”حَتّى“ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ﴾ إمّا أنْ تُجْعَلَ لِلْغايَةِ مُرادِفَةَ ”إلى“، وإمّا أنْ تُجْعَلَ بِمَعْنى كَيِ التَّعْلِيلِيَّةِ، وهُما مُتَلازِمانِ؛ لِأنَّ القِتالَ لَمّا غُيَّ بِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنَّ الغايَةَ هي المَقْصِدُ، ومَتّى كانَتِ الغايَةُ غَيْرَ حِسِّيَّةٍ نَشَأ عَنْ (حَتّى) مَعْنى التَّعْلِيلِ، فَإنَّ العِلَّةَ غايَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] .

وأيًّاما كانَ فالمُضارِعُ مَنصُوبٌ بَعْدَ (حَتّى) بِـ ”أنْ“ مُضْمَرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ الغايَةِ.

صفحة ٢٠٨

والفِتْنَةُ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا، والمُرادُ بِها هُنا كالمُرادِ بِها هُنالِكَ، ولَمّا وقَعَتْ هُنا في سِياقِ النَّفْيِ عَمَّتْ جَمِيعَ الفِتَنِ، فَلِذَلِكَ ساوَتِ المَذْكُورَةُ هُنا المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] فَإعادَةُ الفِتْنَةِ مُنَكَّرَةً هُنا لا يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، كَما هو الشّائِعُ بَيْنَ المُعْرِبِينَ في أنَّ المَعْرِفَةَ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَهي غَيْرُ الأُولى؛ لِأنَّ وُقُوعَها في سِياقِ النَّفْيِ أفادَ العُمُومَ فَشَمَلَ جَمِيعَ أفْرادِ الفِتْنَةِ مُساوِيًا لِلْفِتْنَةِ المُعَرَّفَةِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ إلّا أنَّهُ اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، فَتَقَيَّدَ بِثَلاثَةِ قُيُودٍ بِالقَرِينَةِ؛ أيْ: حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ مِنهم لِلْمُسْلِمِينَ في أمْرِ الدِّينِ، وإلّا فَقَدَ وقَعَتْ فِتَنٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنْفُسِهِمْ كَما في حَدِيثِ «ثُمَّ فِتْنَةٌ لا يَبْقى بَيْتٌ مِنَ العَرَبِ إلّا دَخَلَتْهُ» .

وانْتِفاءُ الفِتْنَةِ يَتَحَقَّقُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا بِأنْ يَدْخُلَ المُشْرِكُونَ في الإسْلامِ فَتَزُولَ فِتْنَتُهم فِيهِ، وإمّا …

Al-Baqara 2:193Listen in Qur'an →
194

ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَٰتُ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

[Fighting in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month, and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allah and know that Allah is with those who fear Him.

صفحة ٢١٠

﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فُصِلَتْ عَنْ سَوابِقِها؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ تَعْمِيمَ الأمْكِنَةِ وأخْرَجَ مِنها المَسْجِدَ الحَرامَ في حالَةٍ خاصَّةٍ كانَ السّامِعُ بِحَيْثُ يَتَساءَلُ عَمّا يُماثِلُ البِقاعَ الحَرامَ وهو الأزْمِنَةُ الحَرامُ أعْنِي الأشْهُرَ الحُرُمَ الَّتِي يُتَوَقَّعُ حَظْرُ القِتالِ فِيها.

فَإنْ كانَ هَذا تَشْرِيعًا نازِلًا عَلى غَيْرِ حادِثَةٍ فَهو اسْتِكْمالٌ واسْتِفْصالٌ لِما تَدْعُو الحاجَةُ إلى بَيانِهِ في هَذا المَقامِ المُهِمِّ، وإنْ كانَ نازِلًا عَلى سَبَبٍ كَما قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ في عامِ القَضِيَّةِ لَمّا قَصَدُوا مَكَّةَ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ مُعْتَمِرِينَ خَشَوْا ألّا يَفِيَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ بِدُخُولِ مَكَّةَ أوْ أنْ يَغْدُرُوهم ويَتَعَرَّضُوا لَهم بِالقِتالِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ وهم في شَهْرٍ حَرامٍ، فَإنْ دافَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمُ انْتَهَكُوا حُرْمَةَ الشَّهْرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أوْ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ: أنَهَيْتَ يا مُحَمَّدُ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأرادُوا قِتالَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ أيْ: إنِ اسْتَحَلُّوا قِتالَكم في الشَّهْرِ الحَرامِ فَقاتِلُوهم؛ أيْ: أباحَ اللَّهُ لَهم قِتالَ المُدافَعَةِ، فَإطْلاقُ الشَّهْرِ هُنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ - واضِحُ التَّقْدِيرِ مِنَ المَقامِ ومِن وصْفِهِ بِالحَرامِ، والتَّقْدِيرُ حُرْمَةُ الشَّهْرِ الحَرامِ، وتَكْرِيرُ لَفْظِ الشَّهْرِ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنهُ التَّعَدُّدُ بَلِ التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ جِهَةِ إبْطالِ حُرْمَتِهِ؛ أيِ: انْتِهاكُهم حُرْمَتَهُ تُسَوِّغُ لَكُمُ انْتِهاكَ حُرْمَتِهِ.

وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ أنَّ قُرَيْشًا صَدَّتْهم عَنِ البَيْتِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ، ويَسَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الرُّجُوعَ عامَ القَضِيَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ، فَقالَ لَهم: هَذا الشَّهْرُ الَّذِي دَخَلْتُمْ فِيهِ بَدَلٌ عَنِ الَّذِي صُدِدْتُمْ فِيهِ، ونُقِلَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، يَعْنِي أنَّهُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: ”يَوْمٌ بِيَوْمٍ والحَرْبُ سِجالٌ“ .

والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ لِلتَّعْوِيضِ؛ كَقَوْلِهِمْ: صاعًا بِصاعٍ، ولَيْسَ ثَمَّةَ شَهْرانِ بَلِ المُرادُ انْتِهاكُ الحُرْمَةِ مِنهم ومِنكم وهُما انْتِهاكانِ.

صفحة ٢١١

والتَّعْرِيفُ في الشَّهْرِ هُنا في المَوْضِعَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ وهو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ حُكْمًا عامًّا، ويَشْمَلُ كُلَّ شَهْرٍ خاصٍّ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ عَلى فَرْضِ كَوْنِ المَقْصُودِ شَهْرَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إنْ كانَ المُرادُ شَهْرَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، والأشْهُرُ الحُرُمُ أرْبَعَةٌ: ثَلاثَةٌ مُتَتابِعَةٌ هي ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، وحُرْمَتُها لِوُقُوعِ الحَجِّ فِيها ذَهابًا ورُجُوعًا وأداءً، وشَهْرٌ واحِدٌ مُفْرَدٌ هو رَجَبٌ، وكانَ في الجاهِلِيَّةِ شَهْرُ العُمْرَةِ وقَدْ حَرَّمَتْهُ مُضَرٌ كُلُّها، ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: رَجَبُ مُضَرٍ، وقَدْ أُشِيرُ إلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] .

ومَعْنى كَوْنِها قِصاصًا؛ أيْ: …

Al-Baqara 2:194Listen in Qur'an →
195

وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

And spend in the way of Allah and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allah loves the doers of good.

﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] إلَخْ، فَإنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِقِتالِ عَدُوِّهِمْ، وكانَ العَدُوُّ أوْفَرَ مِنهم عُدَّةَ حَرْبٍ أيْقَظَهم إلى الِاسْتِعْدادِ بِإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فالمُخاطَبُونَ بِالأمْرِ بِالإنْفاقِ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ لا خُصُوصَ المُقاتِلِينَ.

ووَجْهُ الحاجَةِ إلى هَذا الأمْرِ مَعَ أنَّ الِاسْتِعْدادَ لِلْحَرْبِ مَرْكُوزٌ في الطِّباعِ - تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهم قَدْ يُقَصِّرُونَ في الإتْيانِ عَلى مُنْتَهى الِاسْتِعْدادِ لِعَدُوٍّ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهم قَدْ مُلِئَتْ قُلُوبُهم إيمانًا بِاللَّهِ وثِقَةً بِهِ، ومُلِئَتْ أسْماعُهم بِوَعْدِ اللَّهِ إيّاهُمُ النَّصْرَ وأخِيرًا بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] نُبِّهُوا عَلى أنَّ تَعَهُّدَ اللَّهِ لَهم بِالتَّأْيِيدِ والنَّصْرِ لا يُسْقِطُ عَنْهم أخْذَ العُدَّةِ المَعْرُوفَةِ، فَلا يَحْسَبُوا أنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِبَذْلِ الوُسْعِ لِوَسائِلِ النَّصْرِ الَّتِي هي أسْبابٌ ناطَ اللَّهُ تَعالى بِها مُسَبَّباتِها عَلى حَسَبِ الحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضاها النِّظامُ الَّذِي سَنَّهُ اللَّهُ في الأسْبابِ ومُسَبَّباتِها، فَتَطَلُّبُ المُسَبَّباتِ دُونَ أسْبابِها غَلَطٌ وسُوءُ أدَبٍ مَعَ خالِقِ الأسْبابِ ومُسَبَّباتِها كَيْ لا يَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا لِمُوسى ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فالمُسْلِمُونَ إذا بَذَلُوا وُسْعَهم، ولَمْ يُفَرِّطُوا في شَيْءٍ ثُمَّ ارْتَبَكُوا في أمْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فاللَّهُ ناصِرُهم، ومُؤَيِّدُهم فِيما لا قِبَلَ لَهم بِتَحْصِيلِهِ، ولَقَدْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وهم أذِلَّةٌ؛ إذْ هم يَوْمَئِذٍ جُمْلَةُ المُسْلِمِينَ وإذْ لَمْ يُقَصِّرُوا في شَيْءٍ، فَأمّا أقْوامٌ يُتْلِفُونَ أمْوالَ المُسْلِمِينَ في شَهَواتِهِمْ، ويُفِيتُونَ الفُرَصَ وقْتَ الأمْنِ فَلا يَسْتَعِدُّونَ لِشَيْءٍ ثُمَّ يَطْلُبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ والظَّفَرَ، فَأُولَئِكَ قَوْمٌ مَغْرُورُونَ، ولِذَلِكَ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أعْداءَهم بِتَفْرِيطِهِمْ، ولَعَلَّهُ يَتَدارَكُهم في خِلالِ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ فِيما يَرْجِعُ إلى اسْتِبْقاءِ الدِّينِ، والإنْفاقُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]

صفحة ٢١٣

وسَبِيلُ اللَّهِ طَرِيقُهُ، والطَّرِيقُ إذا أُضِيفَ إلى شَيْءٍ فَإنَّما يُضافُ إلى ما يُوصِلُ إلَيْهِ، ولَمّا عُلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يَصِلُ إلَيْهِ النّاسُ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الطَّرِيقِ العَمَلَ المُوصِلَ إلى مَرْضاةِ اللَّهِ وثَوابِهِ، فَهو مَجازٌ في اللَّفْظِ ومَجازٌ في الإسْنادِ، وقَدْ غَلَبَ سَبِيلُ اللَّهِ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ في الجِهادِ، أيِ: القِتالِ لِلذَّبِّ عَنْ دِينِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ النَّفَقَةَ تَكُونُ بِإعْطاءِ العَتادِ والخَيْلِ والزّادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَظْرُوفٌ لِلْجِهادِ عَلى وجْهِ المَجازِ ولَيْسَتْ ”في“ هُنا مُسْتَعْمَلَةً لِلتَّعْلِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ، عُقِّبَ الأمْرُ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالنَّهْيِ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي لَها عَواقِبُ ضارَّةٌ إبْلاغًا لِلنَّصِيحَةِ والإرْشادِ لِئَلّا يَدْفَعَ بِهِمْ يَقِينُهم بِتَأْيِيدِ اللَّهِ إيّاهم إلى التَّفْرِيطِ في وسائِلِ الحَذَرِ مِن غَلَبَةِ العَدُوِّ، …

Al-Baqara 2:195Listen in Qur'an →
196

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍۢ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And complete the Hajj and 'umrah for Allah. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity or sacrifice. And when you are secure, then whoever performs 'umrah [during the Hajj months] followed by Hajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during Hajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Haram. And fear Allah and know that Allah is severe in penalty.

﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾

هَذا عَوْدٌ إلى الكَلامِ عَلى العُمْرَةِ فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] إلَخْ، وما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ أوِ اعْتِراضٌ، عَلى أنَّ عَطْفَ الأحْكامِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ لِلْمُناسَبَةِ طَرِيقَةٌ قُرْآنِيَّةٌ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَطْفًا عَلى الَّتِي قَبْلَها عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

ولا خِلافَ في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ حِينَ صَدَّ المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ عَنِ البَيْتِ كَما سَيَأْتِي في حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وقَدْ كانُوا ناوِينَ العُمْرَةَ وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الحَجُّ

صفحة ٢١٧

فالمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو العُمْرَةُ، وإنَّما ذُكِرَ الحَجُّ عَلى وجْهِ الإدْماجِ تَبْشِيرًا بِأنَّهم سَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الحَجِّ فِيما بَعْدُ، وهَذا مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ.

والإتْمامُ إكْمالُ الشَّيْءِ والإتْيانُ عَلى بَقايا ما بَقِيَ مِنهُ حَتّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَهُ.

ومِثْلُ هَذا الأمْرِ المُتَعَلِّقِ بِوَصْفِ فِعْلٍ يَقَعُ في كَلامِهِمْ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: وهو الأكْثَرُ أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ تَحْصِيلَ وصْفٍ خاصٍّ لِلْفِعْلِ المُتَعَلِّقِ بِهِ الوَصْفُ كالإتْمامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ﴾ أيْ: كَمِّلُوهُ إنْ شَرَعْتُمْ فِيهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عَلى ما اخْتَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٤] ومِثْلُهُ أنْ تَقُولَ: أسْرِعِ السِّيَرَ لِلَّذِي يَسِيرُ سَيْرًا بَطِيئًا، وثانِيهِما: أنْ يَجِيءَ الأمْرُ بِوَصْفِ الفِعْلِ مُرادًا بِهِ تَحْصِيلُ الفِعْلِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: أسْرِعِ السَّيْرَ فادْعُ لِي فُلانًا، تُخاطِبُ بِهِ مُخاطَبًا لَمْ يَشْرَعْ في السَّيْرِ بَعْدُ، فَأنْتَ تَأْمُرُهُ بِإحْداثِ سَيْرٍ سَرِيعٍ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: وسِّعْ فَمَ الرَّكِيَّةِ - وقَوْلُهم: وسِّعْ كُمَّ الجُبَّةِ وضَيِّقْ جَيْبَها؛ أيْ: أوْجِدْها كَذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وهَذا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ التَّعْبِيرِ لَيْسَ بِكِنايَةٍ ولا مَجازٍ، ولَكِنَّهُ أمْرٌ بِمَجْمُوعِ شَيْئَيْنِ وهو أقَلُّ؛ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ بِصِيغَةِ الأمْرِ ابْتِداءً هو الحَدَثُ الَّذِي مِنهُ مادَّةُ تِلْكَ الصِّيغَةِ.

والآيَةُ تَحْتَمِلُ الِاسْتِعْمالَيْنِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَهي أمْرٌ بِإكْمالِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، بِمَعْنى ألّا يَكُونَ حَجًّا وعُمْرَةً مَشُوبَيْنِ بِشَغَبٍ وفِتْنَةٍ واضْطِرابٍ، أوْ هي أمْرٌ بِإكْمالِهِما وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْهُما بَعْدَ الإهْلالِ بِهِما، ولا يَصُدُّهم عَنْهُما شَنَآنُ العَدُوِّ، وإنْ كانَ الثّانِي فَهي أمْرٌ بِالإتْيانِ بِهِما تامَّيْنِ؛ أيْ: مُسْتَكْمِلَيْنِ ما شُرِعَ فِيهِما.

والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها، وكَأنَّ هَذا التَّحْرِيضَ مُشِيرٌ إلى أنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ هُنا هُما الصَّرُورَةُ في الحَجِّ، وكَذا في العُمْرَةِ عَلى القَوْلِ بِوُجُوبِها.

واللّامُ في الحَجِّ والعُمْرَةِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، وهُما عِبادَتانِ مَشْهُورَتانِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ …

Al-Baqara 2:196Listen in Qur'an →
197

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Hajj is [during] well-known months, so whoever has made Hajj obligatory upon himself therein [by entering the state of ihram], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during Hajj. And whatever good you do - Allah knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allah. And fear Me, O you of understanding.

صفحة ٢٣١

﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلْإعْلامِ بِتَفْصِيلِ مَناسِكِ الحَجِّ، والَّذِي أراهُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَإنَّ تِلْكَ الآيَةَ نَزَلَتْ بِفَرْضِ الحَجِّ إجْمالًا، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها بَيانُ أعْمالِهِ، وهو بَيانٌ مُؤَخَّرٌ عَنِ المُبَيَّنِ، وتَأْخِيرُ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ واقِعٌ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَيَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في سَنَةَ تِسْعٍ، تَهْيِئَةً لِحَجِّ المُسْلِمِينَ مَعَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وبَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ونُزُولِ آيَةِ ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] نَحْوَ مِن ثَلاثِ سِنِينَ، فَتَكُونُ - فِيما نَرى - مِنَ الآياتِ الَّتِي أمَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَضْعِها في هَذا المَوْضِعِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ أعْمالِ الحَجِّ وأعْمالِ العُمْرَةِ.

وهِيَ وِصايَةٌ بِفَرائِضِ الحَجِّ وسُنَنِهِ، ومِمّا يَحِقُّ أنْ يُراعى في أدائِهِ وذُكِرَ - ما أرادَ اللَّهُ الوِصايَةَ بِهِ مِن أرْكانِهِ وشَعائِرِهِ.

وقَدْ ظَهَرَتْ عِنايَةُ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ العِبادَةِ العَظِيمَةِ؛ إذْ بَسَطَ تَفاصِيلَها وأحْوالَها مَعَ تَغْيِيرِ ما أدْخَلَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ فِيها.

ووَصَفَ الأشْهُرَ بِمَعْلُوماتٍ حِوالَةً عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلْعَرَبِ مِن قَبْلُ، فَهي مِنَ المَوْرُوثَةِ عِنْدَهم عَنْ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، وهي مِن مَبْدَأِ شَوّالٍ إلى نِهايَةِ أيّامِ المُحَرَّمِ، وبَعْضُها بَعْضُ الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ لِأنَّهم حَرَّمُوا قَبْلَ يَوْمِ الحَجِّ شَهْرًا وأيّامًا وحَرَّمُوا بَعْدَهُ بَقِيَّةَ ذِي الحِجَّةِ والحَرامِ كُلِّهِ، لِتَكُونَ الأشْهُرُ الحُرُمُ مُدَّةً كافِيَةً لِرُجُوعِ الحَجِيجِ إلى آفاقِهِمْ، وأمّا رَجَبُ فَإنَّما حَرَّمَتْهُ مُضَرُ؛ لِأنَّهُ شَهْرُ العُمْرَةِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ أيْ: في أشْهُرٍ، لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ: مُدَّةُ الحَجِّ أشْهُرٌ، وهو كَقَوْلِ العَرَبِ: الرَّطْبُ شَهْرا رَبِيعٍ.

والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ تَهْوِينًا لِمُدَّةِ تَرْكِ الرَّفَثِ والفُسُوقِ والجِدالِ، لِصُعُوبَةِ تَرْكِ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، ولِذَلِكَ قُلِّلَتْ بِجَمْعِ القِلَّةِ، فَهو نَظِيرُ ما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ: أنَّ عائِشَةَ قالَتْ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ يا ابْنَ أُخْتِي إنَّما هي

صفحة ٢٣٢

عَشْرُ لَيالٍ، فَإنْ تَخَلَّجَ في نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ، تَعْنِي أكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن تَعْيِينِ أشْهُرِ الحَجِّ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] الآيَةَ، وقِيلَ: المَقْصُودُ بَيانُ وقْتِ الحَجِّ، ولا أنْثَلِجُ لَهُ.

والأشْهُرُ المَقْصُودَةُ هي شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ لا غَيْرَ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أنَّ ذا الحِجَّةِ كُلَّهُ شَهْرٌ، أوِ العَشْرُ الأوائِلُ مِنهُ أوِ التِّسْعُ فَقَطْ، أوْ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنهُ، فَقالَ بِالأوَّلِ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ والزُّهْرِيُّ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وهو رِوايَةُ ابْنِ المُنْذِرِ، عَنْ مالِكٍ، وقالَ بِالثّانِي ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وأبُو …

Al-Baqara 2:197Listen in Qur'an →
198

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ

There is no blame upon you for seeking bounty from your Lord [during Hajj]. But when you depart from 'Arafat, remember Allah at al- Mash'ar al-Haram. And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.

﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِمُناسَبَةِ النَّهْيِ عَنْ أعْمالٍ في الحَجِّ تُنافِي المَقْصِدَ مِنهُ، فَنَقَلَ الكَلامَ إلى إباحَةِ ما كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنهُ في الحَجِّ وهو التِّجارَةُ بِبَيانِ أنَّها لا تُنافِي المَقْصِدَ الشَّرْعِيَّ إبْطالًا لِما كانَ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ؛ إذْ كانُوا يَرَوْنَ التِّجارَةَ لِلْمُحْرِمِ بِالحَجِّ حَرامًا.

فالفَضْلُ هُنا هو المالُ، وابْتِغاءُ الفَضْلِ التِّجارَةُ لِأجْلِ الرِّبْحِ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]

وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا خَرَجُوا مِن سُوقِ ذِي المَجازِ إلى مَكَّةَ حَرُمَ عِنْدَهُمُ البَيْعُ والشِّراءُ قالَ النّابِغَةُ:

كادَتْ تُساقِطُنِي رَحْلِي ومِيثَرَتِي بِذِي المَجازِ ولَمْ تُحْسِسْ بِهِ نَغَما

مِن صَوْتِ حِرْمِيَّةٍ قالَتْ وقَدْ ظَعَنُوا ∗∗∗ هَلْ في مُخِفِّيكُمُ مَن يَشْتَرِي أدَما

قُلْتُ لَها وهي تَسْعى تَحْتَ لَبَّتِها ∗∗∗ لا تَحْطِمَنَّكِ إنَّ البَيْعَ قَدْ زَرِما

أيِ: انْقَطَعَ البَيْعُ وحَرُمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَتْ عُكاظُ ومَجَنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقًا في الجاهِلِيَّةِ فَتَأثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المَواسِمِ فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مَوْسِمِ الحَجِّ) ا هـ. أيْ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ بِزِيادَةِ (في مَوْسِمِ الحَجِّ)

وقَدْ كانَتْ سُوقُ عُكاظَ تَفْتَحُ مُسْتَهَلَّ ذِي القِعْدَةِ وتَدُومُ عِشْرِينَ يَوْمًا، وفِيها تُباعُ نَفائِسُ السِّلَعِ وتَتَفاخَرُ القَبائِلُ ويَتَبارى الشُّعَراءُ، فَهي أعْظَمُ أسْواقِ العَرَبِ، وكانَ مَوْقِعُها بَيْنَ نَخْلَةَ والطّائِفِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِن عُكاظَ إلى مَجَنَّةَ ثُمَّ إلى ذِي المَجازِ، والمَظْنُونُ أنَّهم يَقْضُونَ بَيْنَ هاتَيْنِ السُّوقَيْنِ بَقِيَّةَ شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ؛ لِأنَّ النّابِغَةَ ذَكَرَ أنَّهُ أقامَ بِذِي المَجازِ أرْبَعَ لَيالٍ وأنَّهُ خَرَجَ مِن ذِي المَجازِ إلى مَكَّةَ فَقالَ يَذْكُرُ راحِلَتَهُ:

صفحة ٢٣٨

باتَتْ ثَلاثَ لَيالٍ ثُمَّ واحِدَةً ∗∗∗ بِذِي المَجازِ تُراعِي مَنزِلًا زِيَما

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ خَرَجَ مِن هُنالِكَ حاجًّا فَقالَ:

كادَتْ تُساقِطُنِي رَحْلِي ومِيثَرَتِي

* * *

﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] الآيَةَ، عُطِفَ الأمْرُ عَلى النَّهْيِ، وقَوْلُهُ: (إذا أفَضْتُمْ) شَرْطٌ لِلْمَقْصُودِ وهو: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾

والإفاضَةُ هُنا: الخُرُوجُ بِسُرْعَةٍ، وأصْلُها مِن فاضَ الماءُ إذا كَثُرَ عَلى ما يَحْوِيهِ، فَبَرَزَ مِنهُ وسالَ؛ ولِذَلِكَ سَمَّوْا إجالَةَ القِداحِ في المَيْسِرِ إفاضَةً والمُجِيلَ مُفِيضًا؛ لِأنَّهُ يُخْرِجُ القِداحَ مِنَ الرَّبابَةِ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ؛ أيْ: بِدُونِ تَخَيُّرٍ ولا جَسٍّ لِيَنْظُرَ القَدَحَ الَّذِي يَخْرُجُ، وسَمَّوُا الخُرُوجَ مِن عَرَفَةَ إفاضَةً؛ لِأنَّهم يَخْرُجُونَ في وقْتٍ واحِدٍ وهم عَدَدٌ كَثِيرٌ فَتَكُونُ لِخُرُوجِهِمْ شِدَّةٌ، والإفاضَةُ أُطْلِقَتْ في هاتِهِ الآيَةِ عَلى الخُرُوجِ مِن عَرَفَةَ والخُرُوجِ مِن مُزْدَلِفَةَ.

والعَرَبُ كانُوا يُسَمُّونَ الخُرُوجَ مِن عَرَفَةَ الدَّفْعَ، ويُسَمُّونَ الخُرُوجَ مِن مُزْدَلِفَةَ إفاضَةً، وكِلا الإطْلاقَيْنِ مَجازٌ؛ لِأنَّ الدَّفْعَ هو إبْعادُ الجِسْمِ بِقُوَّةٍ، ومِن بَلاغَةِ القُرْآنِ إطْلاقُ الإفاضَةِ عَلى الخَرُوجَيْنِ؛ لِما في ”أفاضَ“ مِن قُرْبِ المُشابَهَةِ مِن حَيْثُ مَعْنى …

Al-Baqara 2:198Listen in Qur'an →
199

ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ ”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الإخْبارِيِّ لِلتَّرَقِّي في الخَبَرِ، وأنَّ الإفاضَةَ المَأْمُورَ بِها هُنا هي عَيْنُ الإضافَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] وأنَّ العَطْفَ بِـ (ثُمَّ) لِلْعَوْدَةِ إلى الكَلامِ عَلى تِلْكَ الإفاضَةِ.

فالمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ هو مُتَعَلِّقُ (أفِيضُوا) أيْ: قَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ إشارَةً إلى عَرَفاتٍ فَيَكُونُ مُتَضَمِّنًا الأمْرَ بِالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لا بِغَيْرِها إبْطالًا لِعَمَلِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا يَقِفُونَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ عَلى قُزَحَ المُسَمّى بِجَمْعٍ وبِالمَشْعَرِ الحَرامِ فَهو مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ وغَيْرُهم يَقِفُ بِعَرَفاتٍ فَيَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ في جُمْهُورِهِمْ مَن عَدا قُرَيْشًا.

عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِيَوْمِ عَرَفَةَ في المُزْدَلِفَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يُفِيضَ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ»﴾ ا هـ

صفحة ٢٤٣

فالمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: (أفِيضُوا) جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمُرادُ بِـ (النّاسِ) عُمُومُ النّاسِ، يَعْنِي مَن عَدا قُرَيْشًا ومَن كانَ مِنَ الحُمْسِ الَّذِينَ كانُوا يُفِيضُونَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ وهم قُرَيْشٌ ومَن ولَدُوا وكِنانَةُ وأحْلافُهم.

رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ لا أدْرِي قَبْلَ الفِيلِ أمْ بَعْدَهُ ابْتَدَعَتْ أمْرَ الحُمْسِ رَأْيًا قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ وقاطِنُو مَكَّةَ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ مِثْلُ حَقِّنا ولا مِثْلُ مَنزِلِنا، فَلا تُعَظِّمُوا شَيْئًا مِنَ الحِلِّ كَما تُعَظِّمُونَ الحَرَمَ، يَعْنِي لِأنَّ عَرَفَةَ مِنَ الحِلِّ فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفَّتِ العَرَبُ بِحَرَمِكم وقالُوا: قَدْ عَظَّمُوا مِنَ الحِلِّ مِثْلَ ما عَظَّمُوا مِنَ الحَرَمِ، فَلِذَلِكَ تَرَكُوا الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ والإفاضَةَ مِنها وكانَتْ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قَدْ دَخَلُوا مَعَهم في ذَلِكَ ا هـ. يَعْنِي فَكانُوا لا يُفِيضُونَ إلّا إفاضَةً واحِدَةً بِأنْ يَنْتَظِرُوا الحَجِيجَ حَتّى يَرِدُوا مِن عَرَفَةَ إلى مُزْدَلِفَةَ فَيَجْتَمِعُ النّاسُ كُلُّهم في مُزْدَلِفَةَ، ولَعَلَّ هَذا وجْهُ تَسْمِيَةِ مُزْدَلِفَةَ بِجَمْعٍ، لِأنَّها يُجْمَعُ بِها الحُمْسُ وغَيْرُهم في الإفاضَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ رَدَّتْ عَلى قُرَيْشٍ الِاقْتِصارَ عَلى الوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ الإفاضَةَ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، فَتَكُونُ ”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي والتَّرْتِيبِ في الزَّمَنِ؛ أيْ: بَعْدَ أنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ وهي مِنَ السُّنَّةِ القَدِيمَةِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يُقالُ، وكانَ عَلَيْها العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ الإجازَةُ فِيها بِيَدِ خُزاعَةَ ثُمَّ صارَتْ بَعْدَهم لِبَنِي عُدْوانَ مِن قَيْسِ عَيْلانَ، وكانَ آخِرُ مَن تَوَلّى الإجازَةَ مِنهم أبا سَيّارَةَ عُمَيْلَةَ بْنَ الأعْزَلِ أجازَ بِالنّاسِ أرْبَعِينَ سَنَةً إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةَ فَأُبْطِلَتِ الإجازَةُ وصارَ النّاسُ يَتْبَعُونَ أمِيرَ الحَجِّ، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَخْرُجُونَ مِن مُزْدَلِفَةَ يَوْمَ عاشِرِ ذِي الحِجَّةِ …

Al-Baqara 2:199Listen in Qur'an →
200

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًۭا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ

And when you have completed your rites, remember Allah like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.

﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] لِأنَّ تِلْكَ الإفاضَةَ هي الدَّفْعُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى أوْ لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، ومِنًى هي مَحَلُّ رَمْيِ الجِمارِ، وأشارَتِ الآيَةُ إلى رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ يَوْمَ عاشِرِ ذِي الحِجَّةِ فَأمَرَتْ بِأنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الرَّمْيِ، ثُمَّ الهَدْي بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ تَمَّ الحَجُّ عِنْدَ ذَلِكَ، وقُضِيَتْ مَناسِكُهُ.

وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الحاجَّ لا يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ إلّا جَمْرَةَ العَقَبَةِ مِن بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى الزَّوالِ ثُمَّ يَنْحَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَأْتِي الكَعْبَةَ فَيَطُوفُ طَوافَ الإفاضَةِ، وقَدْ تَمَّ الحَجُّ وحَلَّ لِلْحاجِّ كُلُّ شَيْءٍ إلّا قُرْبانَ النِّساءِ.

والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ، مُشْتَقٌّ مِن نَسَكَ نَسْكًا مِن بابِ نَصَرَ إذا تَعَبَّدَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة: ١٢٨] فَهو هُنا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوْ هو اسْمُ مَكانٍ، والأوَّلُ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: ”قَضَيْتُمْ“؛ لِئَلّا نَحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: عِباداتِ مَناسِكِكم.

وقَرَأ الجَمِيعُ: (مَناسِكَكم) بِفَكِّ الكافَيْنِ وقَرَأهُ السُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِإدْغامِهِما وهو الإدْغامُ الكَبِيرُ.

صفحة ٢٤٥

وقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨] أعادَ الأمْرَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِهِ وبِالِاسْتِغْفارِ تَحْضِيضًا عَلَيْهِ، وإبْطالًا لِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِفُضُولِ القَوْلِ والتَّفاخُرِ، فَإنَّهُ يَجُرُّ إلى المِراءِ والجِدالِ، والمَقْصِدُ أنْ يَكُونَ الحاجُّ مُنْغَمِسًا في العِبادَةِ فِعْلًا وقَوْلًا واعْتِقادًا.

وقَوْلُهُ: ﴿كَذِكْرِكُمُ آباءَكُمُ﴾ بَيانٌ لِصِفَةِ الذِّكْرِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذِكْرًا كَذِكْرِكم إلَخْ، إشارَةً إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاشْتِغالِ في أيّامِ مِنًى بِالتَّفاخُرِ بِالأنْسابِ ومَفاخِرِ أيّامِهِمْ، فَكانُوا يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى أيْ: مَوْضِعِهِ، وهو مَسْجِدُ الخَيْفِ وبَيْنَ الجَبَلِ؛ أيْ: جَبَلِ مِنًى الَّذِي مَبْدَؤُهُ العَقَبَةُ الَّتِي تُرْمى بِها الجَمْرَةُ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ.

وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ: كانَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ القُبَّةِ عَظِيمَ الجَفْنَةِ كَثِيرَ المالِ فَأعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ. فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ أبِيهِ، وذَكَرَ أقْوالًا نَحْوًا مِن ذَلِكَ.

والمُرادُ تَشْبِيهُ ذِكْرِ اللَّهِ بِذِكْرِ آبائِهِمْ في الكَثْرَةِ والتَّكْرِيرِ وتَعْمِيرِ أوْقاتِ الفَراغِ بِهِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يُؤْذِنُ بِالجَمْعِ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وذِكْرِ الآباءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ أصْلٌ أوْ أنَّها لِلتَّخْيِيرِ، ولَمّا كانَ المَعْطُوفُ بِها في مِثْلِ ما هُنا أوْلى بِمَضْمُونِ الفِعْلِ العامِلِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أفادَتْ ”أوْ“ مَعْنًى مِنَ التَّدَرُّجِ إلى أعْلى، فالمَقْصُودُ أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وشُبِّهَ أوَّلًا بِذِكْرِ آبائِهِمْ تَعْرِيضًا بِأنَّهم يَشْتَغِلُونَ في تِلْكَ المَناسِكِ بِذِكْرٍ لا يَنْفَعُ، وأنَّ الأجْدَرَ بِهِمْ …

Al-Baqara 2:200Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.