Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 181–190 of 286

181

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَمَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

Then whoever alters the bequest after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

صفحة ١٥٢

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

الضَّمائِرُ البارِزَةُ في (بَدَّلَهُ) و(سَمِعَهُ) و(إثْمُهُ) و(يُبَدِّلُونَهُ) عائِدَةٌ إلى القَوْلِ أوِ الكَلامِ الَّذِي يَقُولُهُ المُوصِي، ودَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الوَصِيَّةِ، وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (سَمِعَهُ) إذْ إنَّما تُسْمَعُ الأقْوالُ، وقِيلَ هي عائِدَةٌ إلى الإيصاءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (الوَصِيَّةُ) أيْ: كَما يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِنَ الفِعْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا إلى المَعْرُوفِ، والمَعْنى: فَمَن بَدَّلَ الوَصِيَّةَ الواقِعَةَ بِالمَعْرُوفِ؛ لِأنَّ الإثْمَ في تَبْدِيلِ المَعْرُوفِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الآتِي: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] .

والمُرادُ مِنَ التَّبْدِيلِ هُنا الإبْطالُ أوِ النَّقْصُ؛ وماصَدَقُ ”مَن بَدَّلَهُ“ هو الَّذِي بِيَدِهِ تَنْفِيذُ الوَصِيَّةِ مِن خاصَّةِ الوَرَثَةِ كالأبْناءِ، ومِنَ الشُّهُودِ عَلَيْها بِإشْهادٍ مِنَ المُوصِي أوْ بِحُضُورِ مَوْطِنِ الوَصِيَّةِ، كَما في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] فالتَّبْدِيلُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّبْدِيلِ جَعْلُ شَيْءٍ في مَكانِ شَيْءٍ آخَرَ، والنَّقْضُ يَسْتَلْزِمُ الإتْيانَ بِضِدِّ المَنقُوضِ وتَقْيِيدَ التَّبْدِيلِ بِظَرْفِ ”بَعْدَ ما سَمِعَهُ“؛ تَعْلِيلٌ لِلْوَعِيدِ، أيْ: لِأنَّهُ بَدَّلَ ما سَمِعَهُ وتَحَقَّقَهُ، وإلّا فَإنَّ التَّبْدِيلَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا في مَعْلُومٍ مَسْمُوعٍ؛ إذْ لا تَتَوَجَّهُ النُّفُوسُ إلى المَجْهُولِ.

والقَصْرُ في قَوْلِهِ: (﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾) إضافِيٌّ؛ لِنَفْيِ الإثْمِ عَنِ المُوصِي، وإلّا فَإنَّ إثْمَهُ أيْضًا يَكُونُ عَلى الَّذِي يَأْخُذُ ما لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ المُوصِي مَعَ عِلْمِهِ إذا حاباهُ مُنَفِّذُ الوَصِيَّةِ أوِ الحاكِمُ: فَإنَّ الحُكْمَ لا يُحِلُّ حَرامًا، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَإنَّما أقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ» وإنَّما انْتَفى الإثْمُ عَنِ المُوصِي؛ لِأنَّهُ اسْتَبْرَأ لِنَفْسِهِ حِينَ أوْصى بِالمَعْرُوفِ، فَلا وِزْرَ عَلَيْهِ في مُخالَفَةِ النّاسِ بَعْدَهُ لَما أوْصى بِهِ، إذْ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] .

والمَقْصُودُ مِن هَذا القَصْرِ إبْطالُ تَعَلُّلِ بَعْضِ النّاسِ بِتَرْكِ الوَصِيَّةِ بِعِلَّةِ خِيفَةِ ألّا يُنَفِّذَها المَوْكُولُ إلَيْهِمْ تَنْفِيذُها؛ أيْ: فَعَلَيْكم بِالإيصاءِ، ووُجُوبُ التَّنْفِيذِ مُتَعَيِّنٌ عَلى ناظِرِ الوَصِيَّةِ، فَإنْ بَدَّلَهُ فَعَلَيْهِ إثْمُهُ، وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أنَّ هَذا التَّبْدِيلَ يَمْنَعُهُ الشَّرْعُ، ويَضْرِبُ وُلاةُ الأُمُورِ عَلى يَدِ مَن يُحاوِلُ هَذا التَّبْدِيلَ؛ لِأنَّ الإثْمَ لا يُقَرِّرُ شَرْعًا.

صفحة ١٥٣

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ وإنْ تَحَيَّلَ النّاسُ لِإبْطالِ الحُقُوقِ بِوُجُوهِ الحِيَلِ، وجارُوا بِأنْواعِ الجَوْرِ فاللَّهُ سَمِيعٌ وصِيَّةَ المُوصِي ويَعْلَمُ فِعْلَ المُبَدِّلِ، وإذا كانَ سَمِيعًا عَلِيمًا وهو …

Al-Baqara 2:181Listen in Qur'an →
182

فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍۢ جَنَفًا أَوْ إِثْمًۭا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them, there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى الحُكْمِ الَّذِي تَقَدَّمَهُ وهو تَحْرِيمُ التَّبْدِيلِ، فَكَما تَفَرَّعَ عَنِ الأمْرِ بِالعَدْلِ في الوَصِيَّةِ وعِيدُ المُبَدِّلِ لَها، وتَفَرَّعَ عَنْ وعِيدِ المُبَدِّلِ الإذْنُ في تَبْدِيلٍ هو مِنَ المَعْرُوفِ، وهو تَبْدِيلُ الوَصِيَّةِ الَّتِي فِيها جَوْرٌ وحَيْفٌ بِطَرِيقَةِ الإصْلاحِ بَيْنَ المُوصى لَهم وبَيْنَ مَن نالَهُ الحَيْفُ مِن تِلْكَ الوَصِيَّةِ بِأنْ كانَ جَدِيرًا بِالإيصاءِ إلَيْهِ فَتَرَكَهُ المُوصِي أوْ كانَ جَدِيرًا بِمِقْدارٍ فَأجْحَفَ بِهِ المُوصِي؛ لِأنَّ آيَةَ الوَصِيَّةِ حَصَرَتْ قِسْمَةَ تَرِكَةِ المَيِّتِ في اتِّباعِ وصِيَّتِهِ وجَعَلَتْ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلى أمانَتِهِ بِالمَعْرُوفِ، فَإذا حافَ حَيْفًا واضِحًا وجَنَفَ عَنِ المَعْرُوفِ أُمِرَ وُلاةُ الأُمُورِ بِالصُّلْحِ. ومَعْنى (خافَ) هُنا الظَّنُّ والتَّوَقُّعُ؛ لِأنَّ ظَنَّ المَكْرُوهِ خَوْفٌ، فَأطْلَقَ الخَوْفَ عَلى لازِمِهِ، وهو الظَّنُّ والتَّوَقُّعُ، إشارَةً إلى أنَّ ما تَوَقَّعَهُ المُتَوَقِّعُ مِن قَبِيلِ المَكْرُوهِ، والقَرِينَةُ هي أنَّ الجَنَفَ والإثْمَ لا يُخِيفانِ أحَدًا، ولا سِيَّما مَن لَيْسَ مِن أهْلِ الوَصِيَّةِ وهو المُصْلِحُ بَيْنَ أهْلِها، ومِن إطْلاقِ الخَوْفِ في مِثْلِ هَذا - قَوْلُ أبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ:

أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقَها

أيْ: أظُنُّ وأعْلَمُ شَيْئًا مَكْرُوهًا، ولِذا قالَ قَبْلَهُ:

تَرْوِي عِظامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُها

والجَنَفُ: الحَيْفُ والمَيْلُ والجَوْرُ، وفِعْلُهُ كَفَرِحَ.

والإثْمُ المَعْصِيَةُ، فالمُرادُ مِنَ الجَنَفِ هُنا تَفْضِيلُ مَن لا يَسْتَحِقُّ التَّفْضِيلَ عَلى غَيْرِهِ مِنَ القَرابَةِ المُساوِي لَهُ أوِ الأحَقِّ، فَيَشْمَلُ ما كانَ مِن ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، ولَكِنَّهُ في الواقِعِ حَيْفٌ في الحَقِّ، والمُرادُ بِالإثْمِ ما كانَ قَصْدُ المُوصِي بِهِ حِرْمانَ مَن يَسْتَحِقُّ أوْ تَفْضِيلَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.

صفحة ١٥٤

والإصْلاحُ: جَعْلُ الشَّيْءِ صالِحًا، يُقالُ: أصْلَحَهُ؛ أيْ: جَعَلَهُ صالِحًا، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ بِالمُراضاةِ؛ لِأنَّهُ يَجْعَلُهم صالِحَيْنِ بَعْدَ أنْ فَسَدُوا، ويُقالُ: أصْلَحَ بَيْنَهم بِتَضْمِينِهِ مَعْنى دَخَلَ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِبَيْنَ في الآيَةِ عائِدٌ إلى المُوصِي والمُوصى لَهُمُ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ: (مُوصٍ) إذْ يَقْتَضِي مُوصًى لَهم، ومَعْنى ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أنَّهُ لا يَلْحَقُهُ حَرَجٌ مِن تَغْيِيرِ الوَصِيَّةِ؛ لِأنَّهُ تَغْيِيرٌ إلى ما فِيهِ خَيْرٌ.

والمَعْنى: أنَّ مَن وجَدَ في وصِيَّةِ المُوصِي إضْرارًا بِبَعْضِ أقْرِبائِهِ، بِأنْ حَرَمَهُ مَن وصِيَّتِهِ أوْ قَدَّمَ عَلَيْهِ مَن هو أبْعَدُ نَسَبًا، أوْ أوْصى إلى غَنِيٍّ مِن أقْرِبائِهِ وتَرَكَ فَقِيرَهم فَسَعى في إصْلاحِ ذَلِكَ، وطَلَبَ مِنَ المُوصِي تَبْدِيلَ وصِيَّتِهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سَعى في إصْلاحٍ بَيْنَهم، أوْ حَدَثَ شِقاقٌ بَيْنَ الأقْرَبِينَ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي؛ لِأنَّهُ آثَرَ بَعْضَهم، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ تَنْوِيهٌ بِالمُحافَظَةِ عَلى تَنْفِيذِ وصايا المُوصِينَ حَتّى جَعَلَ تَغْيِيرَ جَوْرِهِمْ مُحْتاجًا لِلْإذْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ مَغْفُورٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (﴿مُوصٍ﴾) عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلِ ”أوْصى“، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ (مُوَصٍّ) بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ …

Al-Baqara 2:182Listen in Qur'an →
183

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]

حُكْمُ الصِّيامِ حُكْمٌ عَظِيمٌ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ تَعالى لِلْأُمَّةِ، وهو مِنَ العِباداتِ الرّامِيَةِ إلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ ورِياضَتِها، وفي ذَلِكَ صَلاحُ حالِ الأفْرادِ فَرْدًا فَرْدًا؛ إذْ مِنها يَتَكَوَّنُ المُجْتَمَعُ، وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنْ سابِقَتِها لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضٍ آخَرَ، وافْتُتِحَتْ بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِما في النِّداءِ مِن إظْهارِ العِنايَةِ بِما سَيُقالُ بَعْدَهُ.

والقَوْلُ في مَعْنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ ودَلالَتُهُ عَلى الوُجُوبِ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآيَةَ.

والصِّيامُ، ويُقالُ الصَّوْمُ: هو في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ: اسْمٌ لِتَرْكِ جَمِيعِ الأكْلِ وجَمِيعِ الشُّرْبِ وقُرْبانِ النِّساءِ مُدَّةً مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ بِنِيَّةِ الِامْتِثالِ لِأمْرِ اللَّهِ أوْ لِقَصْدِ التَّقَرُّبِ بِنَذْرٍ لِلتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ.

صفحة ١٥٥

والصِّيامُ اسْمٌ مَنقُولٌ مِن مَصْدَرِ فَعّالٍ، وعَيْنُهُ واوٌ قُلِبَتْ ياءً لِأجْلِ كَسْرَةِ فاءِ الكَلِمَةِ، وقِياسُ المَصْدَرِ الصَّوْمُ، وقَدْ ورَدَ المَصْدَرانِ في القُرْآنِ، فَلا يُطْلَقُ الصِّيامُ حَقِيقَةً في اللُّغَةِ إلّا عَلى تَرْكِ كُلِّ طَعامٍ وشَرابٍ، وأُلْحِقَ بِهِ في الإسْلامِ تَرْكُ قُرْبانِ كُلِّ النِّساءِ، فَلَوْ تَرَكَ أحَدٌ بَعْضَ أصْنافِ المَأْكُولِ أوْ بَعْضَ النِّساءِ؛ لَمْ يَكُنْ صِيامًا كَما قالَ العَرْجِيُّ:

فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكم وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا

ولِلصِّيامِ إطْلاقاتٌ أُخْرى مَجازِيَّةٌ كَإطْلاقِهِ عَلى إمْساكِ الخَيْلِ عَنِ الجَرْيِ في قَوْلِ النّابِغَةِ:

خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما

وأُطْلِقَ عَلى تَرْكِ شُرْبِ حِمارِ الوَحْشِ الماءَ، وقالَ لَبِيَدٌ يَصِفُ حِمارَ الوَحْشِ وأتانَهُ في إثْرِ فَصْلِ الشِّتاءِ حَيْثُ لا تَشْرَبُ الحُمُرُ ماءً لِاجْتِزائِها بِالمَرْعى الرَّطْبِ:

حَتّى إذا سَلَخا جُمادى سِتَّةً ∗∗∗ جَزْءًا فَطالَ صِيامُهُ وصِيامُها

والظّاهِرُ أنَّ اسْمَ الصَّوْمِ في اللُّغَةِ حَقِيقَةٌ في تَرْكِ الأكْلِ والشُّرْبِ بِقَصْدِ القُرْبَةِ، فَقَدْ عَرَفَ العَرَبُ الصَّوْمَ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ اليَهُودِ في صَوْمِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ كَما سَنَذْكُرُهُ.

وقَوْلُ الفُقَهاءِ: إنَّ الصَّوْمَ في اللُّغَةِ مُطْلَقُ الإمْساكِ وإنَّ إطْلاقَهُ عَلى الإمْساكِ عَنِ الشَّهْوَتَيْنِ اصْطِلاحٌ شَرْعِيٌّ - لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِأقْوالِ أهْلِ اللُّغَةِ كَما في الأساسِ وغَيْرِهِ، وأمّا إطْلاقُ الصَّوْمِ عَلى تَرْكِ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ أُمِّ عِيسى: ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] فَلَيْسَ إطْلاقًا لِلصَّوْمِ عَلى تَرْكِ الكَلامِ ولَكِنَّ المُرادَ أنَّ الصَّوْمَ كانَ يَتْبَعُهُ تَرْكُ الكَلامِ عَلى وجْهِ الكَمالِ والفَضْلِ.

فالتَّعْرِيفُ في الصِّيامِ في الآيَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكم جِنْسُ الصِّيامِ المَعْرُوفِ. وقَدْ كانَ العَرَبُ يَعْرِفُونَ الصَّوْمَ، فَقَدْ جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ يَوْمُ عاشُوراءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الجاهِلِيَّةِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ قَوْلُها «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُهُ»، وعَنِ …

Al-Baqara 2:183Listen in Qur'an →
184

أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers excess - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾

تَعْقِيبٌ لِحُكْمِ العَزِيمَةِ بِحُكْمِ الرُّخْصَةِ، فالفاءُ لِتَعْقِيبِ الأخْبارِ لا لِلتَّفْرِيعِ، وتَقْدِيمُهُ هُنا قَبْلَ ذِكْرِ بَقِيَّةِ تَقْدِيرِ الصَّوْمِ تَعْجِيلٌ بِتَطْمِينِ نُفُوسِ السّامِعِينَ، لِئَلّا يَظُنُّوا وُجُوبَ الصَّوْمِ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ.

والمَرِيضُ مَن قامَ بِهِ المَرَضُ، وهو انْحِرافُ المِزاجِ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ الطَّبِيعِيِّ بِحَيْثُ تَثُورُ في الجَسَدِ حُمًّى أوْ وجَعٌ أوْ فَشَلٌ.

وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في تَحْدِيدِ المَرَضِ المُوجِبِ لِلْفِطْرِ، فَأمّا المَرَضُ الغالِبُ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ المَرِيضُ مَعَهُ الصَّوْمَ بِحالٍ بِحَيْثُ يَخْشى الهَلاكَ أوْ مُقارَبَتَهُ، فَلا خِلافَ بَيْنَهم في أنَّهُ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ بَلْ يُوجِبُ الفِطْرَ، وأمّا المَرَضُ الَّذِي دُوَنَ ذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِهِ فَذَهَبَ مُحَقِّقُو الفُقَهاءِ إلى أنَّهُ المَرَضُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ مَعَ الصِّيامِ مَشَقَّةٌ زائِدَةٌ عَلى مَشَقَّةِ الصَّوْمِ لِلصَّحِيحِ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ المُعْتادَيْنِ، بِحَيْثُ يُسَبِّبُ لَهُ أوْجاعًا أوْ ضَعْفًا مُنْهِكًا أوْ تُعاوِدُهُ بِهِ أمْراضٌ ساكِنَةٌ أوْ يَزِيدُ في انْحِرافِهِ إلى حَدِّ المَرَضِ أوْ يُخافُ تَمادِي المَرَضِ بِسَبَبِهِ. وهَذا قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَهم في التَّعْبِيرِ، وأعْدَلُ العِباراتِ ما نُقِلَ عَنْ مالِكٍ، لِأنَّ اللَّهَ أطْلَقَ المَرَضَ ولَمْ يُقَيِّدْهُ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ ما أباحَ الفِطْرَ إلّا لِأنَّ لِذَلِكَ المَرَضِ تَأْثِيرًا في الصّائِمِ، ويَكْشِفُ ضابِطَ ذَلِكَ قَوْلُ القَرافِيِّ في الفَرْقِ الرّابِعَ عَشَرَ، إذْ قالَ: إنَّ المَشاقَّ قِسْمانِ: قِسْمٌ ضَعِيفٌ لا تَنْفَكُّ عَنْهُ تِلْكَ العِبادَةُ كالوُضُوءِ والغُسْلِ في زَمَنِ البَرْدِ وكالصَّوْمِ، وكالمُخاطَرَةِ بِالنَّفْسِ في الجِهادِ، وقِسْمٌ هو ما تَنْفَكُّ عَنْهُ العِبادَةُ، وهَذا أنْواعٌ: نَوْعٌ لا تَأْثِيرَ لَهُ في العِبادَةِ

صفحة ١٦٣

كَوَجَعِ إصْبَعٍ، فَإنَّ الصَّوْمَ لا يَزِيدُ وجَعَ الإصْبَعِ، وهَذا لا التِفاتَ إلَيْهِ، ونَوْعٌ لَهُ تَأْثِيرٌ شَدِيدٌ مَعَ العِبادَةِ كالخَوْفِ عَلى النَّفْسِ والأعْضاءِ والمَنافِعِ، وهَذا يُوجِبُ سُقُوطَ تِلْكَ العِبادَةِ، ونَوْعٌ يَقْرُبُ مِن هَذا فَيُوجِبُ ما يُوجِبُهُ.

وذَهَبَ ابْنُ سِيرِينَ وعَطاءٌ: والبُخارِيُّ إلى أنَّ المَرَضَ وهو الوَجَعُ والِاعْتِلالُ يُسَوِّغُ الفِطْرَ ولَوْ لَمْ يَكُنِ الصَّوْمُ مُؤَثِّرًا فِيهِ شِدَّةً أوْ زِيادَةً؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المَرَضَ سَبَبَ الفِطْرِ، كَما جَعَلَ السَّفَرَ سَبَبَ الفِطْرِ مِن غَيْرِ أنْ تَدْعُوَ إلى الفِطْرِ ضَرُورَةٌ كَما في السَّفَرِ، يُرِيدُونَ أنَّ العِلَّةَ هي مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ الزّائِدَةِ غالِبًا، قِيلَ: دَخَلَ بَعْضُهم عَلى ابْنِ سِيرِينَ في نَهارِ رَمَضانَ وهو يَأْكُلُ فَلَمّا فَرَغَ قالَ: إنَّهُ وجَعَتْنِي إصْبَعِي هَذِهِ فَأفْطَرْتُ، وعَنِ البُخارِيِّ قالَ: اعْتَلَلْتُ بِنَيْسابُورَ عِلَّةً خَفِيفَةً في رَمَضانَ فَعادَنِي إسْحاقُ ابْنُ راهَوَيْهِ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ لِي: أفْطَرْتَ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ: نَعَمْ أخْبَرَنا عَبْدانُ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: مِن أيِّ المَرَضِ أُفْطِرُ ؟ قالَ: مِن أيِّ مَرَضٍ كانَ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ وقِيلَ: إذا لَمْ يَقْدِرِ المَرِيضُ عَلى الصَّلاةِ قائِمًا أفْطَرَ، وإنَّما هَذِهِ حالَةٌ خاصَّةٌ تَصْلُحُ مِثالًا ولا تَكُونُ شَرْطًا، …

Al-Baqara 2:184Listen in Qur'an →
185

شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

The month of Ramadhan [is that] in which was revealed the Qur'an, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the new moon of] the month, let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allah intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allah for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾

قَدْ عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَكْمِلَةٌ لِلْآياتِ السّابِقَةِ وأنْ لا نَسْخَ في خِلالِ هاتِهِ الآياتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هي؛ أيِ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ شَهْرُ رَمَضانَ، والجُمْلَةُ

صفحة ١٦٩

مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيًّا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] يُثِيرُ سُؤالَ السّامِعِ عَنْ تَعْيِينِ هَذِهِ الأيّامِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ مُجاهِدٍ ”شَهْرًا“ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ”أيّامًا“: بَدَلَ تَفْصِيلٍ.

وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ إذا تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ما فِيهِ تَفْصِيلٌ وتَبْيِينٌ لِأحْوالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فَهم يَحْذِفُونَ ضَمِيرَهُ، وإذا جَوَّزْتَ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ نَسْخًا لِصَدْرِ الآيَةِ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هي شَهْرُ رَمَضانَ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ شَهْرُ رَمَضانَ مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، واقْتِرانُ الخَبَرِ بِالفاءِ حِينَئِذٍ مُراعاةٌ لِوَصْفِ المُبْتَدَأِ بِالمَوْصُولِ الَّذِي هو شَبِيهٌ بِالشَّرْطِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، أوْ عَلى زِيادَةِ الفاءِ في الخَبَرِ كَقَوْلِهِ:

وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهم أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، وكِلا هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ضَعِيفٌ.

والشَّهْرُ جُزْءٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِن تَقْسِيمِ السَّنَةِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [التوبة: ٣٦] والشَّهْرُ يَبْتَدِئُ مِن ظُهُورِ الهِلالِ إلى المُحاقِ، ثُمَّ ظُهُورِ الهِلالِ مَرَّةً أُخْرى، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الشُّهْرَةِ؛ لِأنَّ الهِلالَ يَظْهَرُ لَهم فَيُشْهِرُونَهُ لِيَراهُ النّاسُ فَيَثْبُتُ الشَّهْرُ عِنْدَهم.

ورَمَضانُ: عَلَمٌ ولَيْسَ مَنقُولًا؛ إذْ لَمْ يُسْمَعْ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ الفَعْلانِ مِن رَمِضَ - بِكَسْرِ المِيمِ - إذا احْتَرَقَ؛ لِأنَّ الفَعْلانَ يَدُلُّ عَلى الِاضْطِرابِ ولا مَعْنى لَهُ هُنا، وقِيلَ: هو مَنقُولٌ عَنِ المَصْدَرِ. ورَمَضانُ عَلَمٌ عَلى الشَّهْرِ التّاسِعِ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ العَرَبِيَّةِ القَمَرِيَّةِ المُفْتَتَحَةِ بِالمُحَرَّمِ؛ فَقَدْ كانَ العَرَبُ يَفْتَتِحُونَ أشْهُرَ العامِ بِالمُحَرَّمِ؛ لِأنَّ نِهايَةَ العامِ عِنْدَهم هي انْقِضاءُ الحَجِّ ومُدَّةُ الرُّجُوعِ إلى آفاقِهِمْ، ألا تَرى أنَّ لَبَيْدًا جَعَلَ جُمادى الثّانِيَةَ وهو نِهايَةُ فَصْلِ الشِّتاءِ شَهْرًا سادِسًا إذْ قالَ:

حَتّى إذا سَلَخا جُمادى سِتَّةً ∗∗∗ جُزْءًا فَطالَ صِيامُهُ وصِيامُها

ورَمَضانُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّمْضاءِ وهي الحَرارَةُ، لِأنَّ رَمَضانَ أوَّلُ أشْهُرِ الحَرارَةِ بِناءً عَلى ما كانَ مِنَ النَّسِيءِ في السَّنَةِ عِنْدَ العَرَبِ إذْ كانَتِ

صفحة ١٧٠

السَّنَةُ تَنْقَسِمُ إلى سِتَّةِ فُصُولٍ كُلُّ فَصْلٍ مِنها شَهْرانِ: الفَصْلُ الأوَّلُ الخَرِيفُ وشَهْراهُ مُحَرَّمٌ وصَفَرٌ، الثّانِي: رَبِيعٌ الأوَّلُ وهو وقْتُ نُضْجِ الثِّمارِ وظُهُورِ الرُّطَبِ والتَّمْرِ وشَهَراهُ شَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ وشَهْرُ رَبِيعٍ الثّانِي عَلى أنَّ الأوَّلَ والثّانِيَ وصْفٌ لِشَهْرٍ، ألا تَرى أنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ: الرُّطَبُ شَهْرَيْ رَبِيعٍ، الثّالِثُ: الشِّتاءُ وشَهْراهُ جُمادى الأُولى وجُمادى الثّانِيَةُ قالَ حاتِمٌ: …

Al-Baqara 2:185Listen in Qur'an →
186

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

And when My servants ask you, [O Muhammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾

الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ المُتَعاطِفَةِ؛ أيْ: لِتُكْمِلُوا العِدَّةَ، ﴿ولِتُكَبِّرُوا﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ثُمَّ التَفَتَ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ في مَقامِ تَبْلِيغٍ فَقالَ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾، أيِ: العِبادَ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ مَعَهم، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وتَدْعُونِ فَأسْتَجِيبُ لَكم إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِيَحْصُلَ في خِلالِ ذَلِكَ تَعْظِيمُ شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ يَسْألُهُ المُسْلِمُونَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، والإشارَةُ إلى جَوابِ مَن عَسى أنْ يَكُونُوا سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ عَنْ كَيْفِيَّةِ الدُّعاءِ هَلْ يَكُونُ جَهْرًا أوْ سِرًّا، ولِيَكُونَ نَظْمُ الآيَةِ مُؤْذِنًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِما يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أكْرَمَهم فَقالَ: وإذا سَألُوا عَنْ حَقِّهِمْ عَلَيَّ فَإنِّي قَرِيبٌ مِنهم أُجِيبُ دَعْوَتَهم، وجُعِلَ هَذا الخَيْرُ مُرَتَّبًا عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم يَهْجِسُ هَذا في نُفُوسِهِمْ بَعْدَ أنْ يَسْمَعُوا الأمْرَ بِالإكْمالِ والتَّكْبِيرِ والشُّكْرِ أنْ يَقُولُوا: هَلْ لَنا جَزاءً عَلى ذَلِكَ ؟ وأنَّهم قَدْ يَحْجِمُونَ عَنْ سُؤالِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: (﴿وإذا سَألَكَ﴾) الصَّرِيحُ بِأنَّ هَذا سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ.

واسْتِعْمالُ مِثْلِ هَذا الشَّرْطِ مَعَ مادَّةِ السُّؤالِ؛ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ - اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ البُلَغاءِ قالَ عَلْقَمَةُ:

فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ

والعُلَماءُ يَفْتَتِحُونَ المَسائِلَ المُهِمَّةَ في كُتُبِهِمْ بِكَلِمَةِ ”فَإنْ قُلْتَ“ وهو اصْطِلاحُ الكَشّافِ. ويُؤَيِّدُ هَذا تَجْرِيدُ الجَوابِ مِن كَلِمَةِ ”قُلْ“ الَّتِي ذُكِرَتْ في مَواقِعِ السُّؤالِ مِنَ القُرْآنِ نَحْوَ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] مَعَ ما في هَذا النَّظْمِ العَجِيبِ مِن زِيادَةِ إخْراجِ الكَلامِ في صُورَةِ الحُكْمِ الكُلِّيِّ إذْ جاءَ بِحُكْمٍ عامٍّ

صفحة ١٧٩

فِي سِياقِ الشَّرْطِ فَقالَ: (﴿سَألَكَ عِبادِي﴾) وقالَ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاع﴾ ولَوْ قِيلَ: ولْيَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهم؛ لَكانَ حُكْمًا جُزْئِيًّا خاصًّا بِهِمْ، فَقَدْ ظَهَرَ وجْهُ اتِّصالِ الآيَةِ بِالآياتِ قَبْلَها، ومُناسَبَتِها لَهُنَّ، وارْتِباطِها بِهِنَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُنالِكَ اعْتِراضُ جُمْلَةٍ.

وقِيلَ: إنَّها جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اقْتَرَنَتْ بِالواوِ بَيْنَ أحْكامِ الصِّيامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وأنَّهُ خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، قِيلَ: إنَّهُ ذَكَرَ الدُّعاءَ هُنا بَعْدَ ذِكْرِ الشُّكْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الدُّعاءَ يَجِبُ أنْ يَسْبِقَهُ الثَّناءُ.

والعِبادُ الَّذِينَ أُضِيفُوا إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في بَيانِ أحْكامِ الصَّوْمِ ولَوازِمِهِ وجَزائِهِ وهو مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، وكَذَلِكَ اصْطِلاحُ القُرْآنِ غالِبًا في ذِكْرِ العِبادِ مُضافًا لِضَمِيرِ الجَلالَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] بِمَعْنى المُشْرِكِينَ فاقْتَضاهُ أنَّهُ في …

Al-Baqara 2:186Listen in Qur'an →
187

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are clothing for you and you are clothing for them. Allah knows that you used to deceive yourselves, so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allah has decreed for you. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the sunset. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allah, so do not approach them. Thus does Allah make clear His ordinances to the people that they may become righteous.

﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

انْتِقالٌ في أحْكامِ الصِّيامِ إلى بَيانِ أعْمالٍ في بَعْضِ أزْمِنَةِ رَمَضانَ قَدْ يُظَنُّ أنَّها تُنافِي عِبادَةَ الصِّيامِ، ولِأجْلِ هَذا الِانْتِقالِ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الجُمَلِ السّابِقَةِ.

وذَكَرُوا لِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَلامًا مُضْطَرِبًا غَيْرَ مُبِينٍ، فَرَوى أبُو داوُدَ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: كانَ المُسْلِمُونَ إذا نامَ أحَدُهم إذا صَلّى العِشاءَ وسَهِرَ بَعْدَها لَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يُباشِرْ أهْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ عُمَرُ يُرِيدُ امْرَأتَهُ فَقالَتْ: إنِّي قَدْ نِمْتُ فَظَنَّ أنَّها تَعْتَلُّ فَباشَرَها، ورَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ

صفحة ١٨١

بْنِ عازِبٍ أنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ جاءَ إلى مَنزِلِهِ بَعْدَ الغُرُوبِ يُرِيدُ طَعامَهُ فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: حَتّى نُسَخِّنَ لَكَ شَيْئًا فَنامَ فَجاءَتِ امْرَأتُهُ فَوَجَدْتُهُ نائِمًا، فَقالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ فَلَمّا انْتَصَفَ النَّهارُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مِنَ الجُوعِ، وفي كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضانَ كانُوا لا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضانَ كُلَّهُ، وكانَ رِجالٌ يَخُونُونَ أنْفُسَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، ووَقَعَ لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ مِثْلَ ما وقَعَ لِعُمَرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ تِلْكَ الأحْداثِ، فَقِيلَ: كانَ تَرْكُ الأكْلِ ومُباشَرَةِ النِّساءِ مِن بَعْدِ النَّوْمِ أوْ مِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ حُكْمًا مَشْرُوعًا بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نُسِخَ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وأنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنْ يَكُونَ هَذا نَسْخًا لِشَيْءٍ تَقَرَّرَ في شَرْعِنا وقالَ: هو نَسْخٌ لِما كانَ في شَرِيعَةِ النَّصارى.

وما شُرِعَ الصَّوْمُ إلّا إمْساكًا في النَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ فَلا أحْسِبُ أنَّ الآيَةَ إنْشاءٌ لِلْإباحَةِ، ولَكِنَّها إخْبارٌ عَنِ الإباحَةِ المُتَقَرِّرَةِ في أصْلِ تَوْقِيتِ الصِّيامِ بِالنَّهارِ، والمَقْصُودُ مِنها إبْطالُ شَيْءٍ تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُسْلِمِينَ وهو أنَّ الأكْلَ بَيْنَ اللَّيْلِ لا يَتَجاوَزُ وقْتَيْنِ؛ وقْتَ الإفْطارِ ووَقْتَ السُّحُورِ، وجَعَلُوا وقْتَ الإفْطارِ هو ما بَيْنَ المَغْرِبِ إلى العَشاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنامُونَ إثْرَ صَلاةِ العِشاءِ وقِيامِها فَإذا صَلُّوا العِشاءَ لَمْ يَأْكُلُوا إلّا أكْلَةَ السَّحُورِ وأنَّهم كانُوا في أمْرِ الجِماعِ كَشَأْنِهِمْ في أمْرِ الطَّعامِ وأنَّهم لَمّا اعْتادُوا جَعْلَ النَّوْمِ مَبْدَأ وقْتِ الإمْساكِ اللَّيْلِيِّ ظَنُّوا أنَّ النَّوْمَ إنْ حَصَلَ في غَيْرِ إبّانِهِ المُعْتادِ يَكُونُ أيْضًا مانِعًا مِنَ الأكْلِ والجِماعِ إلى وقْتِ السُّحُورِ، وإنَّ وقْتَ السُّحُورِ لا يُباحُ فِيهِ إلّا الأكْلُ دُونَ الجِماعِ؛ إذْ كانُوا يَتَأثَّمُونَ مِنَ الإصْباحِ في رَمَضانَ عَلى جَنابَةٍ، وقَدْ جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يَرى ذَلِكَ يَعْنِي بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَعَلَّ هَذا قَدْ سَرى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ كَما يَقْتَضِيهِ ما رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، ولَعَلَّهُمُ التَزَمُوا ذَلِكَ ولَمْ يَسْألُوا عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ بَعْضَ شَهْرِ رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ …

Al-Baqara 2:187Listen in Qur'an →
188

وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، والمُناسَبَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ [البقرة: ١٨٧] تَحْذِيرٌ مِنَ الجُرْأةِ عَلى مُخالَفَةِ الصِّيامِ بِالإفْطارِ غَيْرِ المَأْذُونِ فِيهِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ الأكْلِ الحَرامِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ أكْلٌ آخَرُ مُحَرَّمٌ وهو أكْلُ المالِ بِالباطِلِ، والمُشاكَلَةُ زادَتِ المُناسَبَةَ قُوَّةً، هَذا مِن جُمْلَةِ عِدادِ الأحْكامِ المَشْرُوعَةِ لِإصْلاحِ ما اخْتَلَّ مِن أحْوالِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى نَظائِرِهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ أصْلُ تَشْرِيعٍ عَظِيمٌ لِلْأمْوالِ في الإسْلامِ.

كانَ أكْلُ المالِ بِالباطِلِ شِنْشِنَةً مَعْرُوفَةً لِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ، بَلْ كانَ أكْثَرُ أحْوالِهِمُ المالِيَّةِ، فَإنَّ اكْتِسابَهم كانَ مِنَ الإغارَةِ ومِنَ المَيْسِرِ، ومِن غَصْبِ القَوِيِّ مالَ الضَّعِيفِ، ومِن أكْلِ الأوْلِياءِ أمْوالَ الأيْتامِ واليَتامى، ومِنَ الغُرُورِ والمُقامَرَةِ، ومِنَ المُراباةِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الباطِلِ الَّذِي لَيْسَ مِن طِيبِ نَفْسٍ، والأكْلُ حَقِيقَتُهُ إدْخالُ الطَّعامِ إلى المَعِدَةِ مِنَ الفَمِ وهو هُنا لِلْأخْذِ بِقَصْدِ الِانْتِفاعِ دُونَ إرْجاعٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأخْذَ يُشْبِهُ الأكْلَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، ولِذَلِكَ لا يُطْلَقُ عَلى إحْراقِ مالِ الغَيْرِ اسْمُ الأكْلِ ولا يُطْلَقُ عَلى القَرْضِ والوَدِيعَةِ اسْمُ الأكْلِ، ولَيْسَ الأكْلُ هُنا اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً؛ إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ هَيْئَةِ آخِذِ مالِ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ بِقَصْدِ عَدَمِ إرْجاعِهِ وهَيْئَةِ الأكْلِ كَما لا يَخْفى.

والأمْوالُ: جَمْعُ مالٍ، ونُعَرِّفُهُ بِأنَّهُ: ما بِقَدْرِهِ يَكُونُ قَدْرُ إقامَةِ نِظامِ مَعاشِ أفْرادِ النّاسِ في تَناوُلِ الضَّرُورِيّاتِ والحاجاتِ والتَّحْسِينِيّاتِ بِحَسَبِ مَبْلَغِ حَضارَتِهِمْ حاصِلًا بِكَدْحٍ. فَلا يُعَدُّ الهَواءُ مالًا، ولا ماءُ المَطَرِ والأوْدِيَةِ والبِحارِ مالًا، ولا التُّرابُ مالًا، ولا كُهُوفُ الجِبالِ وظِلالُ الأشْجارِ مالًا، ويُعَدُ الماءُ المُحْتَفَرُ بِالآبارِ مالًا، وتُرابُ المُقاطِعِ مالًا، والحَشِيشُ والحَطَبُ مالًا، وما يَنْحِتُهُ المَرْءُ لِنَفْسِهِ في جَبَلٍ مالًا.

صفحة ١٨٨

والمالُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: النَّوْعُ الأوَّلُ ما تَحْصُلُ تِلْكَ الإقامَةُ بِذاتِهِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ وهو الأطْعِمَةُ كالحُبُوبِ، والثِّمارِ، والحَيَوانِ لِأكْلِهِ ولِلِانْتِفاعِ بِصُوفِهِ وشَعْرِهِ ولَبَنِهِ وجُلُودِهِ ولِرُكُوبِهِ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، وقالَ: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] وقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ الإبِلَ مالًا قالَ زُهَيْرٌ:

صَحِيحاتِ مالٍ طالِعاتٍ بِمَخْرَمِ

وقالَ عُمَرُ: لَوْلا المالُ الَّذِي أحْمِلُ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ ما حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِن بِلادِهِمْ شِبْرًا، وهَذا النَّوْعُ هو أعْلى أنْواعِ الأمْوالِ وأثْبَتُها؛ لِأنَّ المَنفَعَةَ حاصِلَةٌ بِهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى أحْوالِ المُتَعامِلِينَ ولا عَلى اصْطِلاحاتِ المُنَظِّمِينَ، فَصاحِبُهُ يَنْتَفِعُ بِهِ زَمَنَ السِّلْمِ وزَمَنَ الحَرْبِ، وفي وقْتِ الثِّقَةِ ووَقْتِ الخَوْفِ، وعِنْدَ رِضا النّاسِ عَلَيْهِ وعَدَمِهِ، وعِنْدَ احْتِياجِ النّاسِ وعَدَمِهِ، وفي الحَدِيثِ «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مالِي مالِي …

Al-Baqara 2:188Listen in Qur'an →
189

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the new moons. Say, "They are measurements of time for the people and for Hajj." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allah. And enter houses from their doors. And fear Allah that you may succeed.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ شَرائِعِ الأحْكامِ الرّاجِعَةِ إلى إصْلاحِ النِّظامِ، دَعا إلَيْهِ ما حَدَثَ مِنَ السُّؤالِ، فَقَدْ رَوى الواحِدِيُّ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ أحَدَ اليَهُودِ سَألَ أنْصارِيًّا عَنْ الأهِلَّةِ وأحْوالِها في الدِّقَّةِ إلى أنْ تَصِيرَ بَدْرًا ثُمَّ تَتَناقَصُ حَتّى تَخْتَفِيَ، فَسَألَ الأنْصارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويَظْهَرُ أنَّ نُزُولَها مُتَأخِّرٌ عَنْ نُزُولِ آياتِ فَرْضِ الصِّيامِ بِبِضْعِ سِنِينَ؛ لِأنَّ آيَةَ ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ مُتَّصِلَةٌ بِها. وسَيَأْتِي أنَّ تِلْكَ الآيَةَ نَزَلَتْ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ أوْ عامِ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ

فَمُناسَبَةُ وضْعِها في هَذا المَوْضِعِ هي تَوْقِيتُ الصِّيامِ بِحُلُولِ شَهْرِ رَمَضانَ، فَكانَ مِنَ المُناسَبَةِ ذِكْرُ المَواقِيتِ لِإقامَةِ نِظامِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ. ومِن كَمالِ النِّظامِ ضَبْطُ الأوْقاتِ، ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أيْضًا نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ شُرِعَ الحَجُّ؛ أيْ: بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ .

وابْتُدِئَتِ الآيَةُ بِـ (يَسْألُونَكَ) لِأنَّ هُنالِكَ سُؤالًا واقِعًا عَنْ أمْرِ الأهِلَّةِ، وجَمِيعُ الآياتِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِـ (يَسْألُونَكَ) هي مُتَضَمِّنَةٌ لِأحْكامٍ وقَعَ السُّؤالُ عَنْها، فَيَكُونُ مَوْقِعُها في القُرْآنِ مَعَ آياتٍ تُناسِبُها نَزَلَتْ في وقْتِها أوْ قُرِنَتْ بِها. ورُوِيَ أنَّ الَّذِي سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ

صفحة ١٩٤

وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ الأنْصارِيُّ فَقالا: ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَمْتَلِئَ ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ، قالَ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ لِهَذا السَّبَبِ عَلى إسْنادٍ.

وجَمَعَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (يَسْألُونَكَ) مَعَ أنَّ المَرْوِيَّ أنَّ الَّذِي سَألَهُ رَجُلانِ، نَظَرًا لِأنَّ المَسْئُولَ عَنْهُ يَهُمُّ جَمِيعَ السّامِعِينَ أثْناءَ تَشْرِيعِ الأحْكامِ؛ ولِأنَّ مِن تَمامِ ضَبْطِ النِّظامِ أنْ يَكُونَ المَسْئُولُ عَنْهُ قَدْ شاعَ بَيْنَ النّاسِ واسْتَشْرَفَ كَثِيرٌ مِنهم لِمَعْرِفَتِهِ، سَواءٌ في ذَلِكَ مَن سَألَ بِالقَوْلِ ومَن سَألَ نَفْسَهُ، وذَكَرَ فَوائِدَ خَلْقِ الأهِلَّةِ في هَذا المَقامِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْحَجِّ وقْتًا مِنَ الأشْهُرِ لا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَ وذَلِكَ تَمْهِيدًا لِإبْطالِ ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ النَّسِيءِ في أشْهُرِ الحَجِّ في بَعْضِ السِّنِينَ.

والسُّؤالُ: طَلَبَ أحَدٌ مِن آخَرَ بَذْلَ شَيْءٍ أوْ إخْبارًا بِخَبَرٍ، فَإذا كانَ طَلَبَ بَذْلٍ عُدِّيَ فِعْلُ السُّؤالِ بِنَفْسِهِ، وإذا كانَ طَلَبَ إخْبارٍ عُدِّيَ الفِعْلُ بِحَرْفِ (عَنْ) أوْ ما يَنُوبُ مَنابَهُ، وقَدْ تَكَرَّرَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ آياتٌ مُفْتَتَحَةٌ بِـ (يَسْألُونَكَ) وهي سَبْعُ آياتٍ غَيْرُ بَعِيدٍ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، جاءَ بَعْضُها غَيْرَ مَعْطُوفٍ بِحَرْفِ العَطْفِ وهي أرْبَعٌ، وبَعْضُها مَعْطُوفًا بِهِ وهي الثَّلاثُ الأواخِرُ مِنها، وأمّا غَيْرُ المُفْتَتَحَةِ بِحَرْفِ العَطْفِ فَلا حاجَةَ إلى تَبْيِينِ تَجَرُّدِها عَنِ العاطِفِ؛ لِأنَّها في اسْتِئْنافِ أحْكامٍ لا مُقارَنَةَ بَيْنَها وبَيْنَ مَضْمُونِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها فَكانَتْ جَدِيرَةً بِالفَصْلِ دُونَ عَطْفٍ، ولا يَتَطَلَّبُ لَها سِوى المُناسَبَةِ لِمَواقِعِها.

وأمّا الجُمَلُ الثَّلاثُ الأواخِرُ المُفْتَتَحَةُ بِالعاطِفِ فَكُلُّ واحِدَةٍ مِنها مُشْتَمِلَةٌ عَلى …

Al-Baqara 2:189Listen in Qur'an →
190

وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Fight in the way of Allah those who fight you but do not transgress. Indeed. Allah does not like transgressors.

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .

جُمْلَةُ (وقاتِلُوا) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَيْسَ البِرُّ﴾ [البقرة: ١٨٩] إلَخْ، وهو اسْتِطْرادٌ دَعا إلَيْهِ اسْتِعْدادُ

صفحة ٢٠٠

النَّبِيءِ ﷺ لِعُمْرَةِ القَضاءِ سَنَةَ سِتٍّ، وتَوَقُّعُ المُسْلِمِينَ غَدْرَ المُشْرِكِينَ بِالعَهْدِ، وهو قِتالٌ مُتَوَقَّعٌ لِقَصْدِ الدِّفاعِ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِالقِتالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] في سُورَةِ الحَجِّ ورَجَّحَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ وآيَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أرْسَلَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ إلى أهْلِ مَكَّةَ»، فَأرْجَفَ بِأنَّهم قَتَلُوهُ، فَبايَعَ النّاسُ الرَّسُولَ عَلى المَوْتِ في قِتالِ العَدُوِّ ثُمَّ انْكَشَفَ الأمْرُ عَنْ سَلامَةِ عُثْمانَ.

ونُزُولُ هَذِهِ الآياتِ عَقِبَ الآياتِ الَّتِي أشارَتْ إلى الإحْرامِ بِالعُمْرَةِ والَّتِي نَراها نَزَلَتْ في شَأْنِ الخُرُوجِ إلى الحُدَيْبِيَةِ، يُنْبِئُ بِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ أضْمَرُوا صَدَّ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ ثُمَّ أعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ لَمّا رَأوْا تَهَيُّؤَ المُسْلِمِينَ لِقِتالِهِمْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١] إرْشادٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِما فِيهِ صَلاحٌ لَهم يَوْمَئِذٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا انْقَضَتِ الآياتُ المُتَكَلِّمَةُ عَنِ القِتالِ عادَ الكَلامُ إلى الغَرَضِ الَّذِي فارَقَتْهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآياتِ، عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ ضَرْبُ مُدَّةٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ لا يُقاتِلُ فَرِيقٌ مِنهُمُ الآخَرَ، فَخافَ المُسْلِمُونَ عامَ عُمْرَةِ القَضاءِ أنْ يَغْدِرَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ إذا حَلُّوا بِبَلَدِهِمْ وألّا يَفُوا لَهم فَيَصُدُّوهم عَنِ العُمْرَةِ، فَأُمِرُوا بِقِتالِهِمْ إنْ هم فَعَلُوا ذَلِكَ.

وهَذا إذْنٌ في قِتالِ الدِّفاعِ لِدَفْعِ هُجُومِ العَدُوِّ ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَها آيَةُ ”بَراءَةٌ“ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ناسِخَةٌ لِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ مَن يَرى نَسْخَ المَفْهُومِ ولا يَرى الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ نَسْخًا، وهي أيْضًا ناسِخَةٌ لَها عِنْدَ مَن يَرى الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ نَسْخًا ولا يَرى نَسْخَ المَفْهُومِ، وهي وإنْ نَزَلَتْ لِسَبَبٍ خاصٍّ فَهي عامَّةٌ في كُلِّ حالٍ يُبادِئُ المُشْرِكُونَ فِيهِ المُسْلِمِينَ بِالقِتالِ؛ لِأنَّ السَّبَبَ لا يُخَصَّصُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ومُجاهِدٍ أنَّ هاتِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمُ الَّذِينَ هم مُتَهَيِّئُونَ لِقِتالِكم؛ أيْ: لا تُقاتِلُوا الشُّيُوخَ والنِّساءَ والصِّبْيانَ؛ أيِ: القَيْدُ لِإخْراجِ طائِفَةٍ مِنَ المُقاتِلِينَ لا لِإخْراجِ المُحاجِزِينَ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ كُلُّهم، فَإنَّهم بِصَدَدِ أنْ يُقاتِلُوا. ذَكَرَهُ في الكَشّافِ؛ أيْ: فَفِعْلُ ”يُقاتِلُونَكم“ مُسْتَعْمَلٌ في مُقارَفَةِ الفِعْلِ والتَّهَيُّؤِ لَهُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]

والمُقاتَلَةُ مُفاعَلَةٌ وهي حُصُولُ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ، ولَمّا كانَ فِعْلُها وهو القَتْلُ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ مِن جانِبَيْنِ؛ لِأنَّ أحَدَ …

Al-Baqara 2:190Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.