قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ لِلْعُلَماءِ:
لْأوَّلُ: أنَّ المُرادَ - بِالَّذِينَ يُقاتِلُونَكم مِن شَأْنِهِمُ القِتالُ؛ أيْ: دُونَ غَيْرِهِمْ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والشُّيُوخِ الفانِيَةِ وأصْحابِ الصَّوامِعِ.
الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآياتِ السَّيْفِ الدّالَّةِ عَلى قِتالِهِمْ مُطْلَقًا.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ تَهْيِيجُ المُسْلِمِينَ وتَحْرِيضُهم عَلى قِتالِ الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهم: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرْتُكم بِقِتالِهِمْ، هم خُصُومُكم وأعْداؤُكُمُ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم، وأظْهَرُها الأوَّلُ، وعَلى القَوْلِ الثّالِثِ فالمَعْنى يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ إلّا إذا قاتَلُوهم، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قِتالِ الكُفّارِ مُطْلَقًا قاتَلُوا أمْ لا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] .
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ٦] .
والجَوابُ عَنْ هَذا بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: وهو أحْسَنُها وأقْرَبُها، أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ تَهْيِيجُ المُسْلِمِينَ وتَحْرِيضُهم عَلى قِتالِ الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهم: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرْتُكم بِقِتالِهِمْ هم خُصُومُكم وأعْداؤُكُمُ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهَذا مِن جِهَةِ النَّظَرِ ظاهِرٌ حَسَنٌ جِدًّا، وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ البالِغَةِ في التَّشْرِيعِ، أنَّهُ إذا أرادَ تَشْرِيعَ أمْرٍ عَظِيمٍ عَلى النُّفُوسِ رُبَّما يَشْرَعُهُ تَدْرِيجًا لِتَخِفَّ صُعُوبَتُهُ بِالتَّدْرِيجِ، فالخَمْرُ مَثَلًا لَمّا كانَ تَرْكُها شاقًّا عَلى النُّفُوسِ الَّتِي اعْتادَتْها، ذَكَرَ أوَّلًا بَعْضَ مَعائِبِها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] .
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَرَّمَها في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٣] .
ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتِ النُّفُوسُ بِتَحْرِيمِها في الجُمْلَةِ حَرَّمَها تَحْرِيمًا باتًّا بِقَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] .
وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ لَمّا كانَ شاقًّا عَلى النُّفُوسِ شَرَعَهُ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإطْعامِ ثُمَّ رَغَّبَ في الصَّوْمِ مَعَ التَّخْيِيرِ بِقَوْلِهِ: وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم [البقرة: ١٨٤]، ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتْ بِهِ النُّفُوسُ أوْجَبَهُ إيجابًا حَتْمًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] .
وَكَذَلِكَ القِتالُ عَلى هَذا القَوْلِ شاقٌّ …