Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 171–180 of 286

171

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries cattle or sheep - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ تَلَقِّيَهُمُ الدَّعْوَةَ إلى اتِّباعِ الدِّينِ بِالإعْراضِ إلى أنْ بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠]، وذَكَرَ فَسادَ عَقِيدَتِهِمْ إلى أنْ بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] الآيَةَ، فالمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المَضْرُوبِ لَهُمُ المَثَلُ هُنا هو عَيْنُ المُرادِ مِنَ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وعَيْنُ المُرادِ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥] وعَيْنُ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، وعَيْنُ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ في قَوْلِهِ

صفحة ١١١

وإذا قِيلَ لَهم، عُقِّبَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِتَمْثِيلِ فَظِيعِ حالِهِمْ إبْلاغًا في البَيانِ واسْتِحْضارًا لَهم بِالمِثالِ، وفائِدَةُ التَّمْثِيلِ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] .

وإنَّما عَطَفَهُ بِالواوِ هُنا ولَمْ يُفَصِّلْهُ كَما فُصِّلَ قَوْلُهُ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] لِأنَّهُ أُرِيدَ هُنا جَعْلُ هَذِهِ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً لَهم في تَلَقِّي دَعْوَةِ الإسْلامِ ولَوْ لَمْ يَعْطِفْهُ لَما صَحَّ ذَلِكَ.

والمَثَلُ هُنا لَمّا أُضِيفَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا كانَ ظاهِرًا في تَشْبِيهِ حالِهِمْ عِنْدَ سَماعِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم إلى الإسْلامِ بِحالِ الأنْعامِ عِنْدَ سَماعِ دَعْوَةِ مَن يَنْعِقُ بِها في أنَّهم لا يَفْهَمُونَ إلّا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَدْعُوهم إلى مُتابَعَتِهِ مِن غَيْرِ تَبَصُّرٍ في دَلائِلِ صِدْقِهِ وصِحَّةِ دِينِهِ، فَكُلٌّ مِنَ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ والحالَةِ المُشَبَّهِ بِها يَشْتَمِلُ عَلى أشْياءَ: داعٍ ومَدْعُوٍّ ودَعْوَةٍ، وفَهْمٍ وإعْراضٍ وتَصْمِيمٍ، وكُلٌّ مِن هاتِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي أجْزاءُ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ المُشَبَّهِ بِهِ، وهَذا مِن أبْدَعِ التَّمْثِيلِ وقَدْ أوْجَزَتْهُ الآيَةُ إيجازًا بَدِيعًا، والمَقْصُودُ ابْتِداءً هو تَشْبِيهُ حالِ الكُفّارِ لا مَحالَةَ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ تَشْبِيهُ حالِ النَّبِيءِ وحالِ دَعْوَتِهِ، ولِلْكُفّارِ هُنا حالَتانِ: إحْداهُما حالَةُ الإعْراضِ عَنْ داعِي الإسْلامِ، والثّانِيَةُ حالَةُ الإقْبالِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الحالَتَيْنِ الآيَةُ السّابِقَةُ وهي قَوْلُهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] وأعْظَمُهُ عِبادَةُ الأصْنامِ، فَجاءَ هَذا المَثَلُ بَيانًا لِما طُوِيَ في الآيَةِ السّابِقَةِ.

فَإنْ قُلْتَ: مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ غَنَمِ الَّذِي يَنْعِقُ؛ لِأنَّ الكُفّارَ هُمُ المُشَبَّهُونَ والَّذِي يَنْعَقُ يُشْبِهُهُ داعِي الكُفّارِ فَلِماذا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ ؟ وهَلْ هَذا الأُسْلُوبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَشْبِيهُ النَّبِيءِ ﷺ في دُعائِهِ لَهم بِالَّذِي يَنْعِقُ ؟ قُلْتُ: كِلا الأمْرَيْنِ مُنْتَفٍ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: ومَثَلُ الَّذِينَ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: …

Al-Baqara 2:171Listen in Qur'an →
172

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

O you who have believed, eat from the good things which We have provided for you and be grateful to Allah if it is [indeed] Him that you worship.

صفحة ١١٤

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

اعْتِراضٌ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ بِالِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِإباحَةِ ما في الأرْضِ مِنَ الطَّيِّباتِ جَرَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ، فَقَدِ انْتَقَلَ مِن تَوْبِيخِ أهْلِ الشِّرْكِ عَلى أنْ حَرَّمُوا ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّباتِ إلى تَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن مَثَلِ ذَلِكَ مَعَ بَيانِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ المَطْعُوماتِ، وقَدْ أُعِيدَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨] بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ لِيَكُونَ خِطابُ المُسْلِمِينَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، ولِهَذا كانَ الخِطابُ هُنا بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والكَلامُ عَلى الطَّيِّباتِ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

وقَوْلُهُ واشْكُرُوا لِلَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ بِأكْلِ الطَّيِّباتِ الدّالِّ عَلى الإباحَةِ والِامْتِنانِ، والأمْرُ في اشْكُرُوا لِلْوُجُوبِ لِأنَّ شُكْرَ المُنَعِمِ واجِبٌ.

وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الشُّكْرِ بِحَرْفِ اللّامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى واشْكُرُوا لِي.

والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِأنَّ في الِاسْمِ الظّاهِرِ إشْعارًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّهُ يُومِئُ إلى ألّا تُشْكَرَ الأصْنامُ؛ لِأنَّها لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا مِمّا عَلى الأرْضِ بِاعْتِرافِ المُشْرِكِينَ أنْفُسِهِمْ فَلا تَسْتَحِقُّ شُكْرًا. وهَذا مِن جَعْلِ اللَّقَبِ ذا مَفْهُومٍ بِالقَرِينَةِ، إذِ الضَّمِيرُ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ إلّا في مَواضِعَ.

ولِذَلِكَ جاءَ بِالشَّرْطِ فَقالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيِ اشْكُرُوهُ عَلى ما رَزَقَكم إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِأنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ أيْ إنْ كُنْتُمْ هَذا الفَرِيقَ وهَذِهِ سَجِيَّتُكم، ومِن شَأْنِ ”كانَ“ إذا جاءَتْ وخَبَرُها جُمْلَةٌ مُضارِعِيَّةٌ أنْ تَدُلَّ عَلى الِاتِّصافِ بِالعُنْوانِ لا عَلى الوُقُوعِ بِالفِعْلِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أيْ إنْ كانَ هَذا العِلْمُ مِن صِفاتِكم، والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ لا تُشْرِكُونَ مَعَهُ في العِبادَةِ غَيْرَهُ فاشْكُرُوهُ وحْدَهُ.

فالمُرادُ بِالعِبادَةِ هُنا الِاعْتِقادُ بِالإلَهِيَّةِ والخُضُوعُ والِاعْتِرافُ ولَيْسَ المُرادُ بِها الطّاعاتِ الشَّرْعِيَّةَ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ ما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ واشْكُرُوا.

Al-Baqara 2:172Listen in Qur'an →
173

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

صفحة ١١٥

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، ذَلِكَ أنَّ الإذْنَ بِأكْلِ الطَّيِّباتِ يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ ما هي الطَّيِّباتُ فَجاءَ هَذا الِاسْتِئْنافُ مُبَيِّنًا المُحَرَّماتِ وهي أضْدادُ الطَّيِّباتِ، لِتُعْرَفَ الطَّيِّباتُ بِطَرِيقِ المُضادَّةِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الحَصْرِ، وإنَّما سَلَكَ طَرِيقَ بَيانِ ضِدَّ الطَّيِّباتِ لِلِاخْتِصارِ؛ فَإنَّ المُحَرَّماتِ قَلِيلَةٌ، ولِأنَّ في هَذا الحَصْرِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنَ الطَّيِّباتِ وأحَلُّوا المَيْتَةَ والدَّمَ، ولَمّا كانَ القَصْرُ هُنا حَقِيقِيًّا لِأنَّ المُخاطَبَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وهم لا يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ما يُشْرَعُ لَهم، لَمْ يَكُنْ في هَذا القَصْرِ قَلْبُ اعْتِقادِ أحَدٍ وإنَّما حَصَلَ الرَّدُّ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ. وإنَّما بِمَعْنى ”ما وإلّا“ أيْ ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا المَيْتَةَ وما عُطِفَ عَلَيْها، ومَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ أنَّ المَقْصُودَ ما حَرَّمَ مِنَ المَأْكُولاتِ.

والحَرامُ: المَمْنُوعُ مَنعًا شَدِيدًا.

والمَيْتَةُ بِالتَّخْفِيفِ هي في أصْلِ اللُّغَةِ الذّاتُ الَّتِي أصابَها المَوْتُ فَمُخَفَّفُها ومُشَدَّدُها سَواءٌ كالمَيِّتِ والمَيْتِ، ثُمَّ خُصَّ المُخَفَّفُ مَعَ التَّأْنِيثِ بِالدّابَّةِ الَّتِي تُقْصَدُ ذَكاتُها إذا ماتَتْ بِدُونِ ذَكاةٍ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا مِن نَقْلِ الشَّرْعِ، وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ قِبَلَ الشَّرْعِ وهو الظّاهِرُ بِدَلِيلِ إطْلاقِها في القُرْآنِ عَلى هَذا المَعْنى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ المَيْتَةَ بِتَخْفِيفِ الياءِ وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ الياءِ.

وإضافَةُ التَّحْرِيمِ إلى ذاتِ المَيْتَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها هو مِنَ المَسْألَةِ المُلَقَّبَةِ في أُصُولِ الفِقْهِ بِإضافَةِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ إلى الأعْيانِ، ومَحْمَلُهُ عَلى تَحْرِيمِ ما يُقْصَدُ مِن تِلْكَ العَيْنِ بِاعْتِبارِ نَوْعِها نَحْوُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أوْ بِاعْتِبارِ المَقامِ نَحْوُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَيُقَدَّرُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مُضافٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أوْ يُقالُ: أُقِيمَ اسْمُ الذّاتِ مَقامَ الفِعْلِ المَقْصُودِ مِنها لِلْمُبالَغَةِ، فَإذا تَعَيَّنَ ما تَقْصِدُ لَهُ قُصِرَ التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ عَلى ذَلِكَ، وإلّا عُمِّمَ احْتِياطًا، فَنَحْوُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مُتَعَيَّنٌ لِحُرْمَةِ تَزَوُّجِهِنَّ وما هو مِن تَوابِعِ ذَلِكَ كَما اقْتَضاهُ السِّياقُ، فَلا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ يَحْرُمَ تَقْبِيلُهُنَّ أوْ مُحادَثَتُهُنَّ، ونَحْوُ: فاجْتَنِبُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَيْسِرِ

صفحة ١١٦

والأزْلامُ مُتَعَيَّنٌ لِاجْتِنابِ اللَّعِبِ بِها دُونَ نَجاسَةِ ذَواتِها، والمَيْتَةُ هُنا عامٌّ؛ لِأنَّهُ مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ، فَتَحْرِيمُ أكْلِ المَيْتَةِ هو نَصُّ الآيَةِ وصَرِيحُها لِوُقُوعِ فِعْلِ حَرَّمَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] وهَذا القَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَماءِ الإسْلامِ، واخْتَلَفُوا فِيما عَدا الأكْلِ مِن الِانْتِفاعِ بِأجْزاءِ المَيْتَةِ كالِانْتِفاعِ بِصُوفِها وما لا يَتَّصِلُ بِلَحْمِها مِمّا كانَ يُنْتَزَعُ مِنها في وقْتِ حَياتِها، فَقالَ مالِكٌ: يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِذَلِكَ، ولا يُنْتَفَعُ بِقَرْنِها وأظْلافِها ورِيشِها وأنْيابِها …

Al-Baqara 2:173Listen in Qur'an →
174

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Indeed, they who conceal what Allah has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allah will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

عَوْدٌ إلى مُحاجَّةِ أهْلِ الكِتابِ لاحِقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ [البقرة: ١٥٩] بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] تَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِمّا أحْدَثَهُ اليَهُودُ في دِينِهِمْ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم، وتَحْلِيلِ بَعْضِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا أرادُوا التَّوْسِيعَ والتَّضْيِيقَ تَرَكُوا أنْ يَقْرَءُوا مِن كِتابِهِمْ ما غَيَّرُوا العَمَلَ بِأحْكامِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] كَما فَعَلُوا في تَرْكِ قِراءَةِ حُكْمِ رَجْمِ الزّانِي في التَّوْراةِ حِينَ دَعا النَّبِيءُ ﷺ أحَدَ اليَهُودِ لِيَقْرَأ ذَلِكَ الحُكْمَ مِنَ التَّوْراةِ فَوَضَعَ اليَهُودِيُّ يَدَهُ عَلى الكَلامِ الوارِدِ في ذَلِكَ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الحُدُودِ ولِجَرَيانِهِ عَلى مُناسَبَةِ إباحَةِ ما أُبِيحَ مِنَ المَأْكُولاتِ جاءَ قَوْلُهُ هُنا ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ﴾ لِقَصْدِ المُشاكَلَةِ.

وفِي هَذا تَهْيِئَةٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى ابْتِداءِ شَرائِعِ الإسْلامِ؛ فَإنَّ هَذا الكَلامَ فِيهِ إبْطالٌ لِما شَرَعَهُ أهْلُ الكِتابِ في دِينِهِمْ فَكَوْنُ التَّخَلُّصِ مُلَوَّنًا بِلَوْنَيِ الغَرَضِ السّابِقِ والغَرَضِ اللّاحِقِ.

وعُدِلَ عَنْ تَعْرِيفِهِمْ بِغَيْرِ المَوْصُولِ إلى المَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى سَبَبِ الخَيْرِ وعِلَّتِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .

والقَوْلُ في الكِتْمانِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ [البقرة: ١٥٩] والكِتابُ المَذْكُورُ هُنا هو الكِتابُ المَعْهُودُ مِنَ السِّياقِ وهو كِتابُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، فَيُشْبِهُ أنْ تَكُونَ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والَّذِينَ يَكْتُمُونَهُ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ يَكْتُمُونَ البِشارَةَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ويَكْتُمُونَ بَعْضَ الأحْكامِ الَّتِي بَدَّلُوها.

صفحة ١٢٣

وقَوْلُهُ ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] وهو المالُ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنَ النّاسِ جَزاءً عَلى إفْتائِهِمْ بِما يُلائِمُ هَواهم مُخالِفًا لِشَرْعِهِمْ أوْ عَلى الحُكْمِ بِذَلِكَ، فالثَّمَنُ يُطْلَقُ عَلى الرِّشْوَةِ لِأنَّها ثَمَنٌ يُدْفَعُ عِوَضًا عَنْ جَوْرِ الحاكِمِ وتَحْرِيفِ المُفْتِي.

وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ﴾ جِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإشْهارِهِمْ لِئَلّا يَخْفى أمْرُهم عَلى النّاسِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ اسْتَحَقُّوهُ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وهو تَأْكِيدٌ لِلسَّبَبِيَّةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالمَوْصُولِ، وفِعْلُ يَأْكُلُونَ مُسْتَعارٌ لِأخْذِ الرِّشا المُعَبَّرِ عَنْها بِالثَّمَنِ والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في زَمانِ الحالِ، أيْ ما يَأْكُلُونَ وقْتَ كِتْمانِهِمْ واشْتِرائِهِمْ إلّا النّارَ …

Al-Baqara 2:174Listen in Qur'an →
175

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are in pursuit of the Fire!

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾

إنْ جَعَلْتَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً ثانِيًا لِجُمْلَةٍ هي خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ وهو اسْمُ إنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] فالقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ وهو ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] ونُكْتَةُ تَكْرِيرِهِ أنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِأحْكامٍ أُخْرى

صفحة ١٢٥

غَيْرِ الحُكْمِ السّابِقِ وأنَّ تِلْكَ الأحْكامَ لِأهَمِّيَّتِها يَنْبَغِي ألّا تُجْعَلَ مَعْطُوفَةً تابِعَةً لِلْحُكْمِ الأوَّلِ بَلْ تُفْرَدُ بِالحُكْمِيَّةِ.

وإنْ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً مُسْتَقِلًّا مَعَ جُمْلَتِهِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ سَبَبِ انْغِماسِهِمْ في عَذابِ النّارِ؛ لِأنَّهُ وعِيدٌ عَظِيمٌ جِدًّا يَسْتَوْجِبُ أنْ يَسْألَ عَنْهُ السّائِلُ فَيُبَيَّنُ بِأنَّهم أخَذُوا الضَّلالَ ونَبَذُوا الهُدى واخْتارُوا العَذابَ ونَبَذُوا المَغْفِرَةَ، ومَجِيءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ اسْمَ إشارَةٍ لِتَفْظِيعِ حالِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُشِيرُ لَهم بِوَصْفِهِمُ السّابِقِ وهو كِتْمانُ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ.

ومَعْنى اشْتِراءِ الضَّلالَةِ بِالهُدى في كِتْمانِ الكِتابِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ أخْفَوْها أوْ أفْسَدُوها بِالتَّأْوِيلِ فَقَدِ ارْتَفَعَ مَدْلُولُها المَقْصُودُ مِنها وإذا ارْتَفَعَ مَدْلُولُها نُسِيَ العَمَلُ بِها فَأقْدَمَ النّاسُ عَلى ما حَذَّرْتَهم مِنهُ، فَفي كِتْمانِهِمْ حَقٌّ رُفِعَ وباطِلٌ وُضِعَ.

ومَعْنى اشْتِراءِ العَذابِ بِالمَغْفِرَةِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ الكِتْمانَ عَنْ عَمْدٍ وعِلْمٍ بِسُوءِ عاقِبَتِهِ، فَهم قَدْ رَضُوا بِالعَذابِ وإضاعَةِ المَغْفِرَةِ فَكَأنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا بِالمَغْفِرَةِ العَذابَ، والقَوْلُ في مَعْنى اشْتَرَوْا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] .

وقَوْلُهُ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن شِدَّةِ صَبْرِهِمْ عَلى عَذابِ النّارِ، ولَمّا كانَ شَأْنُ التَّعْجِيبِ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنْ مُشاهَدَةِ صَبْرِهِمْ عَلى العَذابِ وهَذا الصَّبْرُ غَيْرُ حاصِلٍ في وقْتِ نُزُولِ هاتِهِ الآيَةِ بَنى التَّعْجِيبَ عَلى تَنْزِيلِ غَيْرِ الواقِعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لِشِدَّةِ اسْتِحْضارِ السّامِعِ إيّاهُ بِما وُصِفَ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ الماضِيَةِ، وهَذا مِن طُرُقِ جَعْلِ المُحَقَّقِ الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ، ومِنهُ التَّعْبِيرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي وتَنْزِيلُ المُتَخَيَّلِ مَنزِلَةَ الشّاهِدِ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:

تَبَصَّرْ خَلِيلِي هَلْ تَرى مَن ظَعائِنٍ تَحَمَّلْنَ بِالعَلْياءِ مِن فَوْقِ جُرْثُمِ

بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّهُ وقَفَ بِالدّارِ بَعْدَ عِشْرِينَ حَجَّةً، وقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:

دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي ∗∗∗ بِذِي الطَّيِّسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيا

وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] عَلى جَعْلِ لَتَرَوُنَّ جَوابَ لَوْ.

Al-Baqara 2:175Listen in Qur'an →
176

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ

That is [deserved by them] because Allah has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

صفحة ١٢٦

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾

جِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِرَبْطِ الكَلامِ اللّاحِقِ بِالسّابِقِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في أمْثالِهِ إذا طالَ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْءِ وما ارْتَبَطَ بِهِ مِن حُكْمٍ أوْ عِلَّةٍ أوْ نَحْوِهِما كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

وذَلِكَ مِن تِلْقاءِ مِثْلِكَ رائِعُ

بَعْدَ قَوْلِهِ:

أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي

والكَلامُ السّابِقُ الأظْهَرُ أنَّهُ قَوْلُهُ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] والمَعْنى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ عَلى كِتْمانِهِمْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ فَكِتْمانُهم شَيْئًا مِنَ الكِتابِ كِتْمانٌ لِلْحَقِّ وذَلِكَ فَسادٌ وتَغْيِيرٌ لِمُرادِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما يُكْتَمُ مِنَ الحَقِّ يَخْلُفُهُ الباطِلُ كَما بَيَّناهُ آنِفًا فَحَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ لِكِتْمانِهِ، لِأنَّهُ مُخالِفُ مُرادِ اللَّهِ مِن تَنْزِيلِهِ، وعَلَيْهِ فالكِتابُ في قَوْلِهِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ﴾ هو عَيْنُ الكِتابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] وهو كِتابُهُمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لِيَكُونَ المَوْضُوعُ في العِلَّةِ والحُكْمِ المُعَلَّلِ واحِدًا، وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ فُصِّلَتْ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لِجَرَيانِها مِنها مَجْرى العِلَّةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ السّابِقُ هو الكِتْمانَ المَأْخُوذَ مِن يَكْتُمُونَ، أيْ إنَّما كَتَمُوا ما كَتَمُوا بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ فَعَلِمُوا أنَّهُ عَلى النَّعْتِ الَّذِي بِشَّرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ التَّوْراةِ. والمَعْنى أنَّهم كَتَمُوا دَلائِلَ صِدْقِ النَّبِيءِ حَسَدًا وعِنادًا؛ لِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ، فالكِتابُ هُنا غَيْرُ الكِتابِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] .

والجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِاسْتِغْرابِ تَعَمُّدِهِمْ كِتْمانَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ وإنَّ هَذا الصُّنْعَ الشَّنِيعَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ سَبَبٍ عَظِيمٍ، فَبُيِّنَ بُقُولِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ .

وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ تَذْيِيلٌ ولَكِنَّهُ عَطَفَ بِالواوِ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَكْمِلَةَ وصْفِ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ووَعِيدَهم، والمُرادُ بِالَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَيْنُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ والَّذِينَ اشْتَرَوْا، فالمَوْصُولاتُ كُلُّها عَلى نَسَقٍ واحِدٍ.

صفحة ١٢٧

والمُرادُ مِنَ الكِتابِ المَجْرُورِ بِفي يُحْتَمَلُ أنَّهُ المُرادُ مِنَ الكِتابِ في قَوْلِهِ نَزَّلَ الكِتابَ فَهو القُرْآنُ فَيَكُونُ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِيُناسِبَ اسْتِقْلالَ جُمْلَةِ التَّذْيِيلِ بِذاتِها ويَكُونُ المُرادُ بِاخْتَلَفُوا عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أوِ اخْتَلَفُوا فِيما يَصِفُونَ بِهِ القُرْآنَ مِن تَكْذِيبٍ بِهِ كُلِّهِ أوْ تَكْذِيبِ ما لا يُوافِقُ هَواهم وتَصْدِيقِ ما يُؤَيِّدُ كُتُبَهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ المَجْرُورِ بِفي هو المُرادُ مِنَ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ يَعْنِي التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أيِ اخْتَلَفُوا في الَّذِي يَقْرَءُونَهُ والَّذِي يُغَيِّرُونَهُ وفي الإيمانِ بِالإنْجِيلِ والإيمانِ بِالتَّوْراةِ، ومِنَ المُحْتَمَلِ أنْ …

Al-Baqara 2:176Listen in Qur'an →
177

۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۦنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allah, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakah; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنِ البِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيئِينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمُ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ .

صفحة ١٢٨

قَدَّمَنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] أنَّ قَوْلَهُ (﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢]، وأنَّهُ خِتامٌ لِلْمُحاجَّةِ في شَأْنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وأنَّ ما بَيْنَ هَذا وذَلِكَ كُلُّهُ اعْتِراضٌ أُطْنِبَ فِيهِ وأُطِيلَ لِأخْذِ مَعانِيهِ بَعْضِها بِحُجَزِ بَعْضٍ.

فَهَذا إقْبالٌ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ وحَسَدِهِمُ المُؤْمِنِينَ عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ مُرادٌ مِنهُ تَلْقِينُ المُسْلِمِينَ الحُجَّةَ عَلى أهْلِ الكِتابِ في تَهْوِيلِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ إبْطالَ القِبْلَةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها فَفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ.

فَأهْلُ الكِتابِ رَأوْا أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ البِرِّ بِاسْتِقْبالِهِمْ قِبْلَتَهم فَلَمّا تَحَوَّلُوا عَنْها لَمَزُوهم بِأنَّهم أضاعُوا أمْرًا مِن أُمُورِ البِرِّ، يَقُولُ عَدِّ عَنْ هَذا وأعْرِضُوا عَنْ تَهْوِيلِ الواهِنِينَ، وهَبُوا أنَّ قِبْلَةَ الصَّلاةِ تَغَيَّرَتْ أوْ كانَتِ الصَّلاةُ بِلا قِبْلَةٍ أصْلًا فَهَلْ ذَلِكَ أمْرٌ لَهُ أثَرٌ في تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ واتِّصافِها بِالبِرِّ ؟ فَذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ اقْتِصارٌ عَلى أشْهَرِ الجِهاتِ أوْ هو لِلْإشارَةِ إلى قِبْلَةِ اليَهُودِ وقِبْلَةِ النَّصارى لِإبْطالِ تَهْوِيلِ الفَرِيقَيْنِ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ الخِطابَ.

والبِرُّ: سِعَةُ الإحْسانِ وشِدَّةُ المَرْضاةِ والخَيْرُ الكامِلُ الشّامِلُ، ولِذَلِكَ تُوصَفُ بِهِ الأفْعالُ القَوِيَّةُ الإحْسانِ، فَيُقالُ: بِرُّ الوالِدَيْنِ وبِرُّ الحَجَّ وقالَ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، والمُرادُ بِهِ هُنا بِرُّ العَبْدِ رَبَّهُ بِحُسْنِ المُعامَلَةِ في تَلَقِّي شَرائِعِهِ وأوامِرِهِ.

ونَفْيُ البِرِّ عَنِ اسْتِقْبالِ الجِهاتِ مَعَ أنَّ مِنها ما هو مَشْرُوعٌ كاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ: إمّا لِأنَّهُ مِنَ الوَسائِلِ لا مِنَ المَقاصِدِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الِاشْتِغالُ بِهِ قُصارى هِمَّةِ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ أسْقَطَهُ اللَّهُ عَنِ النّاسِ في حالِ العَجْزِ والنِّسْيانِ وصَلَواتِ النَّوافِلِ عَلى الدّابَّةِ في السَّفَرِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿ولَكِنِ البِرُّ مَن آمَنَ﴾ إلَخْ فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أهَمِّ مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وفِيهِ جِماعُ صَلاحِ النَّفْسِ والجَماعَةِ ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ [التوبة: ١٩] الآياتِ فَيَكُونُ النَّفْيُ عَلى مَعْنى نَفْيِ الكَمالِ، وإمّا لِأنَّ المَنفِيَّ عَنْهُ البِرَّ هو اسْتِقْبالُ قِبْلَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى فَقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ في أصْلِ دِينِهِمْ ولَكِنَّهُ شَيْءٌ اسْتَحْسَنَهُ أنْبِياؤُهم …

Al-Baqara 2:177Listen in Qur'an →
178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female. But whoever overlooks from his brother anything, then there should be a suitable follow-up and payment to him with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that will have a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾

أُعِيدَ الخِطابُ بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ لِأنَّ هَذا صِنْفٌ مِنَ التَّشْرِيعِ لِأحْكامٍ ذاتِ بالٍ في صَلاحِ المُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ، واسْتِتْبابِ نِظامِهِ وأمْنِهِ حِينَ صارَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الهِجْرَةِ جَماعَةً ذاتَ اسْتِقْلالٍ بِنَفْسِها ومَدِينَتِها، فَإنَّ هاتِهِ الآياتِ كانَتْ مِن أوَّلِ ما أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ عامَ الهِجْرَةِ، كَما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] الآيَةَ.

تِلْكَ أحْكامٌ مُتَتابِعَةٌ مِن إصْلاحِ أحْوالِ الأفْرادِ وأحْوالِ المُجْتَمَعِ، وابْتُدِئَ بِأحْكامِ القِصاصِ؛ لِأنَّ أعْظَمَ شَيْءٍ مِنِ اخْتِلالِ الأحْوالِ اخْتِلالُ حِفْظِ نُفُوسِ الأُمَّةِ، وقَدْ أفْرَطَ العَرَبُ في إضاعَةِ هَذا الأصْلِ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَن لَهُ إلْمامٌ بِتارِيخِهِمْ وآدابِهِمْ وأحْوالِهِمْ، فَقَدْ بَلَغَ بِهِمْ تَطَرُّفُهم في ذَلِكَ إلى وشْكِ الفَناءِ لَوْ طالَ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَدارَكْهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِنِعْمَةِ الإسْلامِ،

صفحة ١٣٥

فَكانُوا يُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ لِغَنِيمَةِ أنْعامِهِ وعَبِيدِهِ ونِسائِهِ فَيُدافِعُ المُغارُ عَلَيْهِ، وتَتْلَفُ نُفُوسٌ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ طَلَبُ الثّاراتِ، فَيَسْعى كُلُّ مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ في قَتْلِ قاتِلِ ولِيِّهِ، وإنْ أعْوَزَهُ ذَلِكَ قَتَلَ بِهِ غَيْرَهُ مِن واحِدٍ كُفْءٍ لَهُ، أوْ عَدَدًا يَراهم لا يُوازُونَهُ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ بِالتَّكايُلِ في الدَّمِ؛ أيْ: كَأنَّ دَمَ الشَّرِيفِ يُكالُ بِدِماءٍ كَثِيرَةٍ فَرُبَّما قَدَّرُوهُ بِاثْنَيْنِ أوْ بِعَشَرَةٍ أوْ بِمِائَةٍ، وهَكَذا يَدُورُ الأمْرُ ويَتَزايَدُ تَزايُدًا فاحِشًا حَتّى يَصِيرَ تَفانِيًا قالَ زُهَيْرٌ:

تَدارَكْتُما عَبْسًا وذُبْيانَ بَعَدَ ما تَفانَوْا ودَقُّوا بَيْنَهم عِطْرَ مَنشِمِ

ويَنْتَقِلُ الأمْرُ مِن قَبِيلَةٍ إلى قَبِيلَةٍ بِالوَلاءِ والنَّسَبِ والحِلْفِ والنُّصْرَةِ، حَتّى صارَتِ الإحَنُ فاشِيَّةً فَتَخاذَلُوا بَيْنَهم واسْتَنْصَرَ بَعْضُ القَبائِلِ عَلى بَعْضٍ، فَوَجَدَ الفُرْسُ والرُّومُ مَدْخَلًا إلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهم فَحَكَمُوهم وأرْهَبُوهم، وإلى هَذا الإشارَةُ واللَّهُ أعْلَمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ [آل عمران: ١٠٣] أيْ: كُنْتُمْ أعْداءً بِأسْبابِ الغاراتِ والحُرُوبِ فَألَفَّ بَيْنَكم بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، وكُنْتُمْ عَلى وشْكِ الهَلاكِ فَأنْقَذَكم مِنهُ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلْهَلاكِ العاجِلِ الَّذِي لا يُبْقِي شَيْئًا بِحُفْرَةِ النّارِ، فالقائِمُ عَلى حافَّتِها لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَلاكِ إلّا أقَلُّ حَرَكَةٍ.

فَمَعْنى (كُتِبَ عَلَيْكم) أنَّهُ حَقٌّ لازِمٌ لِلْأُمَّةِ لا مَحِيدَ عَنِ الأخْذِ بِهِ، فَضَمِيرُ ”عَلَيْكم“ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ عَلى الجُمْلَةِ، لِمَن تَوَجَّهَ لَهُ حَقُّ القِصاصِ، ولَيْسَ المُرادُ: عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ القِصاصُ؛ لِأنَّ ولِيَّ الدَّمِ لَهُ العَفْوُ عَنْ دَمِ ولِيِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ وأصْلُ الكِتابَةِ نَقْشُ الحُرُوفِ في حَجَرٍ أوْ رَقٍّ أوْ ثَوْبٍ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ النَّقْشُ يُرادُ بِهِ التَّوَثُّقُ لِما نُقِشَ بِهِ ودَوامُ تَذَكُّرِهِ …

Al-Baqara 2:178Listen in Qur'an →
179

وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.

﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

تَذْيِيلٌ لَهاتِهِ الأحْكامِ الكُبْرى طَمْأنَ بِهِ نُفُوسَ الفَرِيقَيْنِ أوْلِياءَ الدَّمِ والقاتِلِينَ في قَبُولِ أحْكامِ القِصاصِ، فَبَيَّنَ أنَّ في القِصاصِ حَياةً، والتَّنْكِيرُ في (حَياةٌ) لِلتَّعْظِيمِ بِقَرِينَةِ المَقامِ؛ أيْ: في القِصاصِ حَياةٌ لَكم؛ أيْ: لِنُفُوسِكم؛ فَإنَّ فِيهِ ارْتِداعَ النّاسِ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ، فَلَوْ أُهْمِلَ

صفحة ١٤٥

حُكْمُ القِصاصِ لَما ارْتَدَعَ النّاسُ؛ لِأنَّ أشَدَّ ما تَتَوَقّاهُ نُفُوسُ البَشَرِ مِنَ الحَوادِثِ هو المَوْتُ، فَلَوْ عَلِمَ القاتِلُ أنَّهُ يَسْلَمُ مِنَ المَوْتِ، لَأقْدَمَ عَلى القَتْلِ مُسْتَخِفًّا بِالعُقُوباتِ كَما قالَ سَعْدُ بْنُ ناشِبٍ لَمّا أصابَ دَمًا وهَرَبَ فَعاقَبَهُ أمِيرُ البَصْرَةِ بِهَدْمِ دارِهِ بِها:

سَأغْسِلُ عَنِّي العارَ بِالسَّيْفِ جالِبًا عَلِيَّ قَضاءَ اللَّهِ ما كانَ جالِبا

وأذْهَلُ عَنْ دارِي وأجْعَلُ هَدْمَها ∗∗∗ لِعِرْضِي مِن باقِي المَذَمَّةِ حاجِبا

ويَصْغُرُ في عَيْنِي تِلادِي إذا انْثَنَتْ ∗∗∗ يَمِينِي بِإدْراكِ الَّذِي كُنْتُ طالِبا

ولَوْ تُرِكَ الأمْرُ لِلْأخْذِ بِالثَّأْرِ كَما كانَ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ لَأفْرَطُوا في القَتْلِ وتَسَلْسَلَ الأمْرُ كَما تَقَدَّمَ، فَكانَ في مَشْرُوعِيَّةِ القِصاصِ حَياةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الجانِبَيْنِ، ولَيْسَ التَّرْغِيبُ في أخْذِ مالِ الصُّلْحِ والعَفْوِ بِناقِضٍ لِحِكْمَةِ القِصاصِ؛ لِأنَّ الِازْدِجارَ يَحْصُلُ بِتَخْيِيرِ الوَلِيِّ في قَبُولِ الدِّيَةِ فَلا يَطْمَئِنُّ مُضْمِرُ القَتْلِ إلى عَفْوِ الوَلِيِّ إلّا نادِرًا، وكَفى بِهَذا في الِازْدِجارِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ تَنْبِيهٌ بِحَرْفِ النِّداءِ عَلى التَّأمُّلِ في حِكْمَةِ القِصاصِ، ولِذَلِكَ جِيءَ في التَّعْرِيفِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم مِن أهْلِ العُقُولِ الكامِلَةِ؛ لِأنَّ حِكْمَةَ القِصاصِ لا يُدْرِكُها إلّا أهْلُ النَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ إذْ هو في بادِئِ الرَّأْيِ كَأنَّهُ عُقُوبَةٌ بِمِثْلِ الجِنايَةِ؛ لِأنَّ في القِصاصِ رَزِيَّةً ثانِيَةً لَكِنَّهُ عِنْدَ التَّأمُّلِ هو حَياةٌ لا رَزِيَّةٌ لِلْوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.

وقالَ: (﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾) إكْمالًا لِلْعِلَّةِ؛ أيْ: تَقْرِيبًا لِأنْ تَتَّقُوا فَلا تَتَجاوَزُوا في أخْذِ الثَّأْرِ حَدَّ العَدْلِ والإنْصافِ. و”لَعَلَّ“ لِلرَّجاءِ، وهي هُنا تَمْثِيلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] إلى قَوْلِهِ: (﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]) في أوَّلِ السُّورَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ فاقَ ما كانَ سائِرًا مَسْرى المَثَلِ عِنْدَ العَرَبِ، وهو قَوْلُهم: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، وقَدْ بَيَّنَهُ السَّكّاكِيُّ في مِفْتاحِ العُلُومِ وذَيَّلَهُ مَن جاءَ بَعْدَهُ مِن عُلَماءِ المَعانِي، ونَزِيدُ عَلَيْهِمْ: أنَّ لَفْظَ القِصاصِ قَدْ دَلَّ عَلى إبْطالِ التَّكايُلِ بِالدِّماءِ، وعَلى إبْطالِ قَتْلِ واحِدٍ مِن قَبِيلَةِ القاتِلِ إذا لَمْ يَظْفَرُوا بِالقاتِلِ، وهَذا لا تُفِيدُهُ كَلِمَتُهُمُ الجامِعَةُ.

Al-Baqara 2:179Listen in Qur'an →
180

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

صفحة ١٤٦

(﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾)

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِبَيانِ حُكْمِ المالِ بَعْدَ مَوْتِ صاحِبِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَشْرِيعٌ ولَمْ يَفْتَتِحْ بِـ ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ لِأنَّ الوَصِيَّةَ كانَتْ مَعْرُوفَةً قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمْ يَكُنْ شَرْعُها إحْداثَ شَيْءٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ، لِذَلِكَ لا يَحْتاجُ فِيها إلى مَزِيدِ تَنْبِيهٍ لِتَلَقِّي الحُكْمِ، ومُناسَبَةُ ذِكْرِهِ أنَّهُ تَغْيِيرٌ لِما كانُوا عَلَيْهِ في أوَّلِ الإسْلامِ مِن بَقايا عَوائِدِ الجاهِلِيَّةِ في أمْوالِ الأمْواتِ، فَإنَّهم كانُوا كَثِيرًا ما يَمْنَعُونَ القَرِيبَ مِنَ الإرْثِ بِتَوَهُّمِ أنَّهُ يَتَمَنّى مَوْتَ قَرِيبِهِ لِيَرِثَهُ، ورُبَّما فَضَّلُوا بَعْضَ الأقارِبِ عَلى بَعْضٍ، ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يُفْضِي بِهِمْ إلى الإحَنِ، وبِها تَخْتَلُّ الحالَةُ الِاجْتِماعِيَّةُ بِإلْقاءِ العَداوَةِ بَيْنَ الأقارِبِ، كَما قالَ طَرَفَةُ:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشُدُّ مَضاضَةً عَلى المَرْءِ مَن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

كانَ تَغْيِيرُها إلى حالِ العَدْلِ فِيها مِن أهَمِّ مَقاصِدِ الإسْلامِ، كَما بَيَّنّا تَفْصِيلَهُ فِيما تَقَدَّمَ في آيَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] .

أمّا مُناسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ حُكْمِ القِصاصِ، فَهو جَرَيانُ ذِكْرِ مَوْتِ القَتِيلِ ومَوْتِ القاتِلِ قِصاصًا.

والقَوْلُ في (كُتِبَ) تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهو ظاهِرٌ في الوُجُوبِ قَرِيبٌ مِنَ النَّصِّ فِيهِ. وتَجْرِيدُهُ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ مَرْفُوعِهِ مُؤَنَّثًا لَفْظًا لِاجْتِماعِ مُسَوِّغَيْنِ لِلتَّجْرِيدِ، وهُما كَوْنُ التَّأْنِيثِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، ولِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِعْلِ بِفاصِلٍ، وقَدْ زَعَمَ الشَّيْخُ الرَّضِيُّ أنَّ اجْتِماعَ هَذَيْنِ المُسَوِّغَيْنِ يُرَجِّحُ تَجْرِيدَ الفِعْلِ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ والدَّرْكُ عَلَيْهِ.

ومَعْنى حُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ أسْبابِهِ وعَلاماتِهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ المَوْتَ المُتَخَيَّلَ لِلنّاسِ قَدْ حَضَرَ عِنْدَ المَرِيضِ ونَحْوِهِ لِيُصَيِّرَهُ مَيِّتًا، قالَ تَأبَّطَ شَرًّا:

والمَوْتُ خَزْيانُ يَنْظُرُ

فَإنَّ حُضُورَ الشَّيْءِ حُلُولُهُ ونُزُولُهُ وهو ضِدُّ الغَيْبَةِ، فَلَيْسَ إطْلاقُ (حَضَرَ) هُنا مِن قَبِيلِ إطْلاقِ الفِعْلِ عَلى مُقارَبَةِ الفِعْلِ نَحْوَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، ولا عَلى مَعْنى إرادَةِ الفِعْلِ كَما في ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ولَكِنَّهُ

صفحة ١٤٧

إسْنادٌ مَجازِيٌّ إلى المَوْتِ؛ لِأنَّهُ حُضُورُ أسْبابِهِ، وأمّا الحُضُورُ فَمُسْتَعارٌ لِلْعَرْوِ والظُّهُورِ، ثُمَّ إنَّ إطْلاقَ المَوْتِ عَلى أسْبابِهِ شائِعٌ قالَ رُوَيْشِدُ بْنُ كَثِيرٍ الطّائِيُّ:

وقُلْ لَهم بادِرُوا بِالعَفْوِ والتَمِسُوا قَوْلًا يُبَرِّئُكم إنِّي أنا المَوْتُ والخَيْرُ المالُ، وقِيلَ الكَثِيرُ مِنهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ مَشْرُوعَةٌ في المالِ قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الوَصِيَّةَ لا تَجِبُ إلّا في المالِ الكَثِيرِ. كانَتْ عادَةُ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ أنَّ المَيِّتَ إذا كانَ لَهُ ولَدٌ أوْ أوْلادٌ ذُكُورٌ اسْتَأْثَرُوا بِمالِهِ كُلِّهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ اسْتَأْثَرَ بِمالِهِ أقْرَبُ الذُّكُورِ لَهُ مِن أبٍ أوْ عَمٍّ أوِ ابْنِ عَمِّ الأدْنِينَ فالأدْنِينَ، وكانَ صاحِبُ …

Al-Baqara 2:180Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.