Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 161–170 of 286

161

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allah and of the angels and the people, all together,

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ لِإفادَةِ حالِ فَرِيقٍ آخَرَ مُشارِكٍ لِلَّذِي قَبْلَهُ في اسْتِحْقاقِ لَعْنَةِ اللَّهِ واللّاعِنِينَ وهي لَعْنَةٌ أُخْرى.

وهَذا الفَرِيقُ هُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّ الكُفْرَ يُطْلَقُ كَثِيرًا في القُرْآنِ مُرادًا بِهِ الشِّرْكُ قالَ تَعالى ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ قُرِنُوا سابِقًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ

صفحة ٧٣

قالَ تَعالى ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] الآيَةَ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] فَلَمّا اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ بِبَيانِ لَعْنَةِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ عُقُوبَةِ المُشْرِكِينَ أيْضًا فالقَوْلُ في الِاسْتِئْنافِ هُنا كالقَوْلِ في الِاسْتِئْنافِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] مِن كَوْنِهِ بَيانِيًّا أوْ مُجَرَّدًا.

وقالَ الفَخْرُ: الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ وهو شامِلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُمُونَ وغَيْرِهِمْ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أيْ لِما فِيها مِن تَعْمِيمِ الحُكْمِ بَعْدَ إناطَتِهِ بِبَعْضِ الأفْرادِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ المُرادَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا خُصُوصَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ وماتُوا عَلى ذَلِكَ وأنَّهُ ذَكَرَ لَعْنَتَهم أحْياءً ثُمَّ لَعَنْتَهم أمْواتًا، وهو بَعِيدٌ عَنْ مَعْنى الآيَةِ لِأنَّ إعادَةَ ”وكَفَرُوا“ لا نُكْتَةَ لَها لِلِاسْتِغْناءِ بِأنْ يُقالَ: والَّذِينَ ماتُوا وهم كُفّارٌ، عَلى أنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ مَفادُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مَعَ اسْتِثْنائِها، واللَّعْنَةُ لا يَظْهَرُ أثَرُها إلّا بَعْدَ المَوْتِ فَلا مَعْنى لِجَعْلِها لَعْنَتَيْنِ، ولِأنَّ تَعْقِيبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ هُنا المُشْرِكُونَ لِتَظْهَرَ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ.

وإنَّما قالَ هُنا والنّاسِ أجْمَعِينَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُهم أهْلُ الكِتابِ وسائِرُ المُتَدَيِّنِينَ المُوَحِّدِينَ لِلْخالِقِ بِخِلافِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أُنْزِلَ مِنَ البَيِّناتِ فَإنَّما يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ والصّالِحُونَ مِن أهْلِ دِينِهِمْ كَما تَقَدَّمَ وتَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ، وعُمُومُ النّاسِ عُرْفِيٌّ أيِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ.

وقَوْلُهُ خالِدِينَ فِيها تَصْرِيحٌ بِلازِمِ اللَّعْنَةِ الدّائِمَةِ فالضَّمِيرُ عائِدٌ لِجَهَنَّمَ لِأنَّها مَعْرُوفَةٌ مِنَ المُقامِ مِثْلُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦]، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اللَّعْنَةِ ويُرادَ أثَرُها ولازِمُها.

وقَوْلُهُ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ أيْ لِأنَّ كُفْرَهم عَظِيمٌ يَصُدَّهم عَنْ خَيْراتٍ كَثِيرَةٍ بِخِلافِ كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ.

والإنْظارُ: الإمْهالُ، نَظَرَهُ نَظْرَةً أمْهَلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ولا هم يُمْهَلُونَ في نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا وهو عَذابُ القَتْلِ إذْ لا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ دُونَ الجِزْيَةِ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] وهي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ. …

Al-Baqara 2:161Listen in Qur'an →
162

خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ لِإفادَةِ حالِ فَرِيقٍ آخَرَ مُشارِكٍ لِلَّذِي قَبْلَهُ في اسْتِحْقاقِ لَعْنَةِ اللَّهِ واللّاعِنِينَ وهي لَعْنَةٌ أُخْرى.

وهَذا الفَرِيقُ هُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّ الكُفْرَ يُطْلَقُ كَثِيرًا في القُرْآنِ مُرادًا بِهِ الشِّرْكُ قالَ تَعالى ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ قُرِنُوا سابِقًا مَعَ أهْلِ الكِتابِ

صفحة ٧٣

قالَ تَعالى ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] الآيَةَ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] فَلَمّا اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ بِبَيانِ لَعْنَةِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ عُقُوبَةِ المُشْرِكِينَ أيْضًا فالقَوْلُ في الِاسْتِئْنافِ هُنا كالقَوْلِ في الِاسْتِئْنافِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] مِن كَوْنِهِ بَيانِيًّا أوْ مُجَرَّدًا.

وقالَ الفَخْرُ: الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ وهو شامِلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُمُونَ وغَيْرِهِمْ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أيْ لِما فِيها مِن تَعْمِيمِ الحُكْمِ بَعْدَ إناطَتِهِ بِبَعْضِ الأفْرادِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ المُرادَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا خُصُوصَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ وماتُوا عَلى ذَلِكَ وأنَّهُ ذَكَرَ لَعْنَتَهم أحْياءً ثُمَّ لَعَنْتَهم أمْواتًا، وهو بَعِيدٌ عَنْ مَعْنى الآيَةِ لِأنَّ إعادَةَ ”وكَفَرُوا“ لا نُكْتَةَ لَها لِلِاسْتِغْناءِ بِأنْ يُقالَ: والَّذِينَ ماتُوا وهم كُفّارٌ، عَلى أنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ مَفادُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مَعَ اسْتِثْنائِها، واللَّعْنَةُ لا يَظْهَرُ أثَرُها إلّا بَعْدَ المَوْتِ فَلا مَعْنى لِجَعْلِها لَعْنَتَيْنِ، ولِأنَّ تَعْقِيبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ هُنا المُشْرِكُونَ لِتَظْهَرَ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ.

وإنَّما قالَ هُنا والنّاسِ أجْمَعِينَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُهم أهْلُ الكِتابِ وسائِرُ المُتَدَيِّنِينَ المُوَحِّدِينَ لِلْخالِقِ بِخِلافِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أُنْزِلَ مِنَ البَيِّناتِ فَإنَّما يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ والصّالِحُونَ مِن أهْلِ دِينِهِمْ كَما تَقَدَّمَ وتَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ، وعُمُومُ النّاسِ عُرْفِيٌّ أيِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ.

وقَوْلُهُ خالِدِينَ فِيها تَصْرِيحٌ بِلازِمِ اللَّعْنَةِ الدّائِمَةِ فالضَّمِيرُ عائِدٌ لِجَهَنَّمَ لِأنَّها مَعْرُوفَةٌ مِنَ المُقامِ مِثْلُ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦]، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اللَّعْنَةِ ويُرادَ أثَرُها ولازِمُها.

وقَوْلُهُ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ أيْ لِأنَّ كُفْرَهم عَظِيمٌ يَصُدَّهم عَنْ خَيْراتٍ كَثِيرَةٍ بِخِلافِ كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ.

والإنْظارُ: الإمْهالُ، نَظَرَهُ نَظْرَةً أمْهَلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ولا هم يُمْهَلُونَ في نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا وهو عَذابُ القَتْلِ إذْ لا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ دُونَ الجِزْيَةِ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] وهي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ. …

Al-Baqara 2:162Listen in Qur'an →
163

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ

And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١] .

والمُناسَبَةُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما يَنالُهم عَلى الشِّرْكِ مِنَ اللَّعْنَةِ والخُلُودِ في النّارِ بَيَّنَ أنَّ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ وأشْرَكُوا هو إلَهٌ واحِدٌ وفي هَذا العَطْفِ زِيادَةُ تَرْجِيحٍ لِما انْتَمَيْناهُ مِن كَوْنِ المُرادِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِإلَهٍ واحِدٍ.

والخِطابُ بِكافِ الجَمْعِ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى خِطابُهُ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ أوْ بَعْدَهُ مِن كُلِّ قارِئٍ لِلْقُرْآنِ وسامِعٍ فالضَّمِيرُ عامٌّ، والمَقْصُودُ بِهِ ابْتِداءً المُشْرِكُونَ لِأنَّهم جَهِلُوا أنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا.

والإلَهُ في كَلامِ العَرَبِ هو المَعْبُودُ ولِذَلِكَ تَعَدَّدَتِ الآلِهَةُ عِنْدَهم وأُطْلِقَ لَفْظُ الإلَهِ عَلى كُلِّ صَنَمٍ عَبَدُوهُ وهو إطْلاقٌ ناشِئٌ عَنِ الضَّلالِ في حَقِيقَةِ الإلَهِ لِأنَّ عِبادَةَ مَن لا يُغْنِي عَنْ نَفْسِهِ ولا عَنْ عابِدِهِ شَيْئًا عَبَثٌ وغَلَطٌ، فَوَصْفُ الإلَهِ هُنا بِالواحِدِ لِأنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ هو المَعْبُودُ بِحَقٍّ فَلَيْسَ إطْلاقُ الإلَهِ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ نَقَلًا في لُغَةِ الإسْلامِ ولَكِنَّهُ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ.

وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن إطْلاقِ جَمْعِ الآلِهَةِ عَلى أصْنامِهِمْ فَهو في مَقامِ التَّغْلِيطِ لِزَعْمِهِمْ نَحْوُ ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]، والقَرِينَةُ هي الجَمْعُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُطْلَقْ في القُرْآنِ الإلَهُ بِالإفْرادِ عَلى المَعْبُودِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وبِهَذا تَسْتَغْنِي عَنْ إكْدادِ عَقْلِكَ في تَكَلُّفاتٍ تَكَلَّفَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ .

والإخْبارُ عَنْ إلَهِكم بِـ إلَهٍ تَكْرِيرٌ لِيَجْرِيَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِواحِدٍ والمَقْصُودُ: وإلَهُكم واحِدٌ لَكِنَّهُ وسَّطَ لَفْظَ إلَهٍ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ في المُخْبَرِ عَنْهُ كَما تَقُولُ: عالَمُ المَدِينَةِ عالَمٌ فائِقٌ. ولِيَجِيءَ ما كانَ أصْلُهُ خَبَرًا مَجِيءَ النَّعْتِ فَيُفِيدُ أنَّهُ وصْفٌ ثابِتٌ لِلْمَوْصُوفِ لِأنَّهُ صارَ نَعْتًا

صفحة ٧٥

إذْ أصْلُ النَّعْتِ أنْ يَكُونَ وصْفًا ثابِتًا وأصْلُ الخَبَرِ أنْ يَكُونَ وصْفًا حادِثًا، وهَذا اسْتِعْمالٌ مُتَّبَعٌ في فَصِيحِ الكَلامِ أنْ يُعادَ الِاسْمُ أوِ الفِعْلُ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِيُبْنى عَلَيْهِ وصْفٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ كَقَوْلِهِ إلَهًا واحِدًا وقَوْلِهِ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى. . . . والتَّنْكِيرُ في إلَهٍ لِلنَّوْعِيَّةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَقْرِيرُ مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ، ولَيْسَ لِلْإفْرادِ لِأنَّ الإفْرادَ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ واحِدٌ خِلافًا لِصاحِبِ المِفْتاحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] إذْ جَعَلَ التَّنْكِيرَ في إلَهٍ لِلْإفْرادِ وجَعَلَ تَفْسِيرَهُ بِالواحِدِ بَيانًا لِلْوَحْدَةِ لِأنَّ المَصِيرَ إلى الإفْرادِ في القَصْدِ مِنَ التَّنْكِيرِ مَصِيرٌ لا يَخْتارُهُ البَلِيغُ ما وجَدَ عَنْهُ مَندُوحَةً.

وقَوْلُهُ لا إلَهَ إلّا هو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الوَحْدَةِ وتَنْصِيصٌ عَلَيْها لِرَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ الكَمالَ كَقَوْلِهِمْ في المُبالَغَةِ: هو نَسِيجُ وحْدِهِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ إلَهَ المُسْلِمِينَ خاصَّةً كَما يَتَوَهَّمُهُ …

Al-Baqara 2:163Listen in Qur'an →
164

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

Indeed, in the creation of the heavens and earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allah has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and the earth are signs for a people who use reason.

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .

مَوْقِعُ هاتِهِ الآيَةِ عَقِبَ سابِقَتِها مَوْقِعُ الحُجَّةِ مِنَ الدَّعْوى، ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَنَ أنَّ الإلَهَ إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ غَيْرُهُ، وهي قَضِيَّةٌ مِن شَأْنِها أنْ تُتَلَقّى بِالإنْكارِ مِن كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَناسَبَ إقامَةَ الحُجَّةِ لِمَن لا يَقْتَنِعُ فَجاءَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ الَّتِي لا يَسَعُ النّاظِرَ إلّا التَّسْلِيمُ إلَيْها.

فَـ إنَّ هُنا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِلَفْتِ الأنْظارِ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لِأنَّهم لَمْ يَجْرُوا عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ.

ولَيْسَتْ إنَّ هُنا بِمُؤْذِنَةٍ بِتَعْلِيلٍ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها صالِحًا لِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها بِحَيْثُ يَكُونُ المَوْقِعُ لِفاءِ العَطْفِ فَحِينَئِذٍ يُغْنِي وُقُوعُ

صفحة ٧٧

”إنَّ“ عَنِ الإتْيانِ بِفاءِ العَطْفِ كَما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] .

والمَقْصُودُ مِن هاتِهِ الآيَةِ إثْباتُ دَلائِلِ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ ولِذَلِكَ ذُكِرَتْ إثْرَ ذِكْرِ الوَحْدانِيَّةِ لِأنَّها إذا أُثْبِتَتْ بِها الوَحْدانِيَّةُ ثَبَتَ الوُجُودُ بِالضَّرُورَةِ.

فالآيَةُ صالِحَةٌ لِلرَّدِّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ دَهْرِيِّهِمْ ومُشْرِكِهِمْ والمُشْرِكُونَ هُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً، وقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ في هاتِهِ الآيَةِ دَلائِلَ كُلُّها واضِحَةٌ مِن أصْنافِ المَخْلُوقاتِ وهي مَعَ وُضُوحِها تَشْتَمِلُ عَلى أسْرارٍ يَتَفاوَتُ النّاسُ في دَرْكِها حَتّى يَتَناوَلَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ العُقَلاءِ مِقْدارَ الأدِلَّةِ مِنها عَلى قَدْرِ قَرائِحِهِمْ وعُلُومِهِمْ.

والخَلْقُ هُنا بِمَعْنى المَصْدَرِ واخْتِيرَ هُنا لِأنَّهُ جامِعٌ لِكُلِّ ما فِيهِ عِبْرَةٌ مِن مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولِلْعِبْرَةِ أيْضًا في نَفْسِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ مِن تَكْوِينِ السَّماواتِ والأرْضِ والنِّظامِ الجامِعِ بَيْنَها فَكَما أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مِنها أوْ فِيها هو آيَةٌ وعِبْرَةٌ فَكَذَلِكَ مَجْمُوعُ خَلْقِها، ولَعَلَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما يُعَبَّرُ عَنْهُ في عِلْمِ الهَيْئَةِ بِالنِّظامِ الشَّمْسِيِّ وهو النِّظامُ المُنْضَبِطُ في أحْوالِ الأرْضِ مَعَ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالسَّماواتِ.

والسَّماواتُ جَمْعُ سَماءٍ والسَّماءُ إذا أُطْلِقَتْ مُفْرَدَةً فالمُرادُ بِها الجَوُّ المُرْتَفِعُ فَوْقَنا الَّذِي يَبْدُو كَأنَّهُ قُبَّةٌ زَرْقاءُ وهو الفَضاءُ العَظِيمُ الَّذِي تَسْبَحُ فِيهِ الكَواكِبُ وذَلِكَ المُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦]، ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [البقرة: ٢٢] .

وإذا جُمِعَتْ فالمُرادُ بِها أجْرامٌ عَظِيمَةٌ ذاتُ نِظامٍ خاصٍّ مِثْلُ الأرْضِ وهي السَّيّاراتُ العَظِيمَةُ المَعْرُوفَةُ والَّتِي عُرِفَتْ مِن …

Al-Baqara 2:164Listen in Qur'an →
165

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًۭا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّۭا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ

And [yet], among the people are those who take other than Allah as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allah. But those who believe are stronger in love for Allah. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allah and that Allah is severe in punishment.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ تَضَمَّنَتْ أنَّ قَوْمًا يَعْقِلُونَ اسْتَدَلُّوا بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى أنَّ اللَّهَ واحِدٌ فَوَحَّدُوهُ، فَناسَبَ أنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ شَأْنَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا لِذَلِكَ فاتَّخَذُوا لِأنْفُسِهِمْ شُرَكاءَ مَعَ قِيامِ تِلْكَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ، فَهَؤُلاءُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِ اللَّهِ هُمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم آنِفًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١] الآياتِ.

وقَوْلُهُ مِنَ النّاسِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ الإخْبارِ بِهِ وفائِدَةَ تَقْدِيمهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وعَطْفُهُ عَلى ذِكْرِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وتَقْدِيمُ الخَبَرِ وكَوْنُ الخَبَرِ مِنَ النّاسِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن شَأْنِهِمْ.

و”مَن“ في قَوْلِهِ مَن يَتَّخِذُ ماصَدَقُها فَرِيقٌ لا فَرْدٌ بِدَلِيلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ .

والمُرادُ بِالأنْدادِ الأمْثالُ في الأُلُوهِيَّةِ والعِبادَةِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى النِّدِّ بِكَسْرِ النُّونِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . وقَوْلُهُ مِن دُونِ اللَّهِ مَعْناهُ مَعَ اللَّهِ لِأنَّ ”دُونَ“ تُؤْذِنُ بِالحَيْلُولَةِ بِمَعْنى وراءَ فَإذا قالُوا اتَّخَذَهُ دُونَ اللَّهِ فالمَعْنى أنَّهُ أفْرَدَهُ وأعْرَضَ عَنِ اللَّهِ، وإذا قالُوا: اتَّخَذَهُ مِن دُونِ اللَّهِ فالمَعْنى أنَّهُ جَعَلَهُ بَعْضَ حائِلٍ عَنِ اللَّهِ أيْ أشْرَكَهُ مَعَ اللَّهِ لِأنَّ الإشْراكَ يَسْتَلْزِمُ الإعْراضَ عَنِ اللَّهِ في أوْقاتِ الشُّغْلِ بِعِبادَةِ ذَلِكَ الشَّرِيكِ.

صفحة ٩٠

وقَوْلُهُ مِن دُونِ اللَّهِ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَتَّخِذُ، وقَوْلُهُ يُحِبُّونَهم بَدَلٌ مَن يَتَّخِذُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِأنَّ الِاتِّخاذَ يَشْتَمِلُ عَلى المَحَبَّةِ والعِبادَةِ ويَجُوزُ كَوْنُهُ صِفَةً لِمَن، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ أنْدادًا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِأنَّ فِيهِ إيهامَ الضَّمائِرِ لِاحْتِمالِ أنْ يُفْهَمَ أنَّ المُحِبَّ هُمُ الأنْدادُ يُحِبُّونَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن مَن تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ في هَذا الِاتِّخاذِ وهو اتِّخاذُ أنْدادٍ سَوَّوْها بِاللَّهِ تَعالى في مَحَبَّتِها والِاعْتِقادِ فِيها.

والمُرادُ بِالأنْدادِ هُنا وفي مَواقِعِهِ مِنَ القُرْآنِ، الأصْنامُ لا الرُّؤَساءُ كَما قِيلَ، وعادَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ جَماعَةِ العُقَلاءِ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ يُحِبُّونَهم لِأنَّ الأصْنامَ لَمّا اعْتَقَدُوا أُلُوهِيَّتَها فَقَدْ صارَتْ جَدِيرَةً بِضَمِيرِ العُقَلاءِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في العَرَبِيَّةِ ولَوْ بِدُونِ هَذا التَّأْوِيلِ، والمَحَبَّةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو مَيْلُ النَّفْسِ إلى الحُسْنِ عِنْدَها بِمُعايَنَةٍ أوْ سَماعٍ أوْ حُصُولِ نَفْعٍ مُحَقَّقٍ أوْ مَوْهُومٍ لِعَدَمِ انْحِصارِ المَحَبَّةِ في مَيْلِ النَّفْسِ إلى المَرْئِيّاتِ خِلافًا لِبَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، فَإنَّ المَيْلَ إلى الخُلُقِ - بِضَمِّ الخاءِ - الحَسَنِ وإلى الفِعْلِ الحَسَنِ والكَمالِ، مَحَبَّةٌ أشَدُّ مِن مَحَبَّةِ مَحاسِنِ الذّاتِ فَتَشْتَرِكُ هَذِهِ المَعانِي في إطْلاقِ اسْمِ المَحَبَّةِ عَلَيْها …

Al-Baqara 2:165Listen in Qur'an →
166

إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾

إذْ ظَرْفٌ وقَعَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ظَرْفِ إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أيْ لَوْ تَراهم في هَذَيْنِ الحالَيْنِ حالَ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وهي حالَةٌ فَظِيعَةٌ، وتَشْتَمِلُ عَلى حالِ اتِّخاذٍ لَهم وتَبْرِيءِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وهي حالَةٌ شَنِيعَةٌ وهُما حاصِلانِ في زَمَنٍ واحِدٍ.

وجِيءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ ”إذْ“ هُنا ماضِيًا مَعَ أنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ في المَعْنى لِأنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، فَإنْ دَرَجْتَ عَلى أنَّ ”إذْ“ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها ظَرْفًا لِلْماضِي عَلى رَأْيِ جُمْهُورِ النُّحاةِ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّحْقِيقِ مِثْلَ الفِعْلِ الماضِي الَّذِي مَعَها فَتَكُونُ تَرْشِيحًا لِلتَّبَعِيَّةِ، وإنْ دَرَجْتَ عَلى أنَّها تَرِدُ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ وهو الأصَحُّ ونَسَبَهُ في التَّسْهِيلِ إلى بَعْضِ النُّحاةِ، ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] عَلى أنْ يَكُونَ إذْ تَحُسُّونَهم هو المَوْعُودَ بِهِ، وقالَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، فَيَكُونُ المَجازُ في فِعْلِ تَبَرَّأ خاصَّةً.

صفحة ٩٧

والتَّبَرُّؤُ تَكَلُّفُ البَراءَةِ وهي التَّباعُدُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِ قُرْبِهِ أنْ يَكُونَ مُضِرًّا ولِذَلِكَ يُقالُ: تَبارّا إذا أبْعَدَ كُلٌّ الآخَرَ مِن تَبِعَةٍ مُحَقَّقَةٍ أوْ مُتَوَقَّعَةٍ.

والَّذِينَ اتُّبِعُوا بِالبِناءِ إلى المَجْهُولِ هُمُ الَّذِينَ ضَلَّلُوا المُشْرِكِينَ ونَصَّبُوا لَهُمُ الأنْصابَ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَقَدْ أشْعَرَ قَوْلُهُ اتُّبِعُوا أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ إلى مُتابَعَتِهِمْ، وأيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ أيْ نُجازِيهِمْ عَلى إخْلافِهِمْ.

ومَعْنى بَراءَتِهِمْ مِنهم تَنَصُّلُهم مِن مَواعِيدِ نَفْعِهِمْ في الآخِرَةِ الَّذِي وعَدُوهم في الدُّنْيا والشَّفاعَةِ فِيهِمْ، وصَرَفُهم عَنِ الِالتِحاقِ بِهِمْ حِينَ هُرِعُوا إلَيْهِمْ.

وجُمْلَةُ ورَأوُا العَذابَ حالِيَّةٌ أيْ تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، ومَعْنى رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ أنَّهم رَأوْا أسْبابَهُ وعَلِمُوا أنَّهُ أُعِدَّ لِمَن أضَلَّ النّاسَ فَجَعَلُوا يَتَباعَدُونَ مِن أتْباعِهِمْ لِئَلّا يَحِقَّ عَلَيْهِمْ عَذابُ المُضَلِّلِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ العَذابِ مَجازًا في إحْساسِ التَّعْذِيبِ كالمَجازِ في قَوْلِهِ تَعالى يَمَسُّهُمُ العَذابُ، فَمَوْقِعُ الحالِ هَنا حَسَنٌ جِدًّا وهي مُغْنِيَةٌ عَنِ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المُقامُ لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنْ مُوجِبِ هَذا التَّبَرُّؤِ فَإنَّهُ غَرِيبٌ فَيُقالُ: رَأوُا العَذابَ، فَلَمّا أُرِيدَ تَصْوِيرُ الحالِ وتَهْوِيلُ الِاسْتِفْظاعِ عُدِلَ عَنِ الِاسْتِئْنافِ إلى الحالِ قَضاءً لِحَقِّ التَّهْوِيلِ واكْتِفاءً بِالحالِ عَنِ الِاسْتِئْنافِ لِأنَّ مَوْقِعَهُما مُتَقارِبٌ، ولا تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ تَبَرَّأ لِأنَّ مَعْناها حِينَئِذٍ يَصِيرُ إعادَةً لِمَعْنى جُمْلَةِ ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ ( فَتَصِيرُ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لَها ويَفُوتُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ. وضَمِيرُ رَأوُا ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ …

Al-Baqara 2:166Listen in Qur'an →
167

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allah show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾

إذْ ظَرْفٌ وقَعَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ظَرْفِ إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أيْ لَوْ تَراهم في هَذَيْنِ الحالَيْنِ حالَ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وهي حالَةٌ فَظِيعَةٌ، وتَشْتَمِلُ عَلى حالِ اتِّخاذٍ لَهم وتَبْرِيءِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وهي حالَةٌ شَنِيعَةٌ وهُما حاصِلانِ في زَمَنٍ واحِدٍ.

وجِيءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ ”إذْ“ هُنا ماضِيًا مَعَ أنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ في المَعْنى لِأنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، فَإنْ دَرَجْتَ عَلى أنَّ ”إذْ“ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها ظَرْفًا لِلْماضِي عَلى رَأْيِ جُمْهُورِ النُّحاةِ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّحْقِيقِ مِثْلَ الفِعْلِ الماضِي الَّذِي مَعَها فَتَكُونُ تَرْشِيحًا لِلتَّبَعِيَّةِ، وإنْ دَرَجْتَ عَلى أنَّها تَرِدُ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ وهو الأصَحُّ ونَسَبَهُ في التَّسْهِيلِ إلى بَعْضِ النُّحاةِ، ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] عَلى أنْ يَكُونَ إذْ تَحُسُّونَهم هو المَوْعُودَ بِهِ، وقالَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، فَيَكُونُ المَجازُ في فِعْلِ تَبَرَّأ خاصَّةً.

صفحة ٩٧

والتَّبَرُّؤُ تَكَلُّفُ البَراءَةِ وهي التَّباعُدُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي مِن شَأْنِ قُرْبِهِ أنْ يَكُونَ مُضِرًّا ولِذَلِكَ يُقالُ: تَبارّا إذا أبْعَدَ كُلٌّ الآخَرَ مِن تَبِعَةٍ مُحَقَّقَةٍ أوْ مُتَوَقَّعَةٍ.

والَّذِينَ اتُّبِعُوا بِالبِناءِ إلى المَجْهُولِ هُمُ الَّذِينَ ضَلَّلُوا المُشْرِكِينَ ونَصَّبُوا لَهُمُ الأنْصابَ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَقَدْ أشْعَرَ قَوْلُهُ اتُّبِعُوا أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ إلى مُتابَعَتِهِمْ، وأيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ أيْ نُجازِيهِمْ عَلى إخْلافِهِمْ.

ومَعْنى بَراءَتِهِمْ مِنهم تَنَصُّلُهم مِن مَواعِيدِ نَفْعِهِمْ في الآخِرَةِ الَّذِي وعَدُوهم في الدُّنْيا والشَّفاعَةِ فِيهِمْ، وصَرَفُهم عَنِ الِالتِحاقِ بِهِمْ حِينَ هُرِعُوا إلَيْهِمْ.

وجُمْلَةُ ورَأوُا العَذابَ حالِيَّةٌ أيْ تَبَرَّءُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، ومَعْنى رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ أنَّهم رَأوْا أسْبابَهُ وعَلِمُوا أنَّهُ أُعِدَّ لِمَن أضَلَّ النّاسَ فَجَعَلُوا يَتَباعَدُونَ مِن أتْباعِهِمْ لِئَلّا يَحِقَّ عَلَيْهِمْ عَذابُ المُضَلِّلِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ العَذابِ مَجازًا في إحْساسِ التَّعْذِيبِ كالمَجازِ في قَوْلِهِ تَعالى يَمَسُّهُمُ العَذابُ، فَمَوْقِعُ الحالِ هَنا حَسَنٌ جِدًّا وهي مُغْنِيَةٌ عَنِ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المُقامُ لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنْ مُوجِبِ هَذا التَّبَرُّؤِ فَإنَّهُ غَرِيبٌ فَيُقالُ: رَأوُا العَذابَ، فَلَمّا أُرِيدَ تَصْوِيرُ الحالِ وتَهْوِيلُ الِاسْتِفْظاعِ عُدِلَ عَنِ الِاسْتِئْنافِ إلى الحالِ قَضاءً لِحَقِّ التَّهْوِيلِ واكْتِفاءً بِالحالِ عَنِ الِاسْتِئْنافِ لِأنَّ مَوْقِعَهُما مُتَقارِبٌ، ولا تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ تَبَرَّأ لِأنَّ مَعْناها حِينَئِذٍ يَصِيرُ إعادَةً لِمَعْنى جُمْلَةِ ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ ( فَتَصِيرُ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لَها ويَفُوتُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ. وضَمِيرُ رَأوُا ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ …

Al-Baqara 2:167Listen in Qur'an →
168

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌ

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو كالخاتِمَةِ لِتَشْوِيهِ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ مِن أُصُولِ دِينِهِمْ وفُرُوعِهِ الَّتِي ابْتَدَأ الكَلامُ فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١] الآيَةَ، إذْ ذَكَرَ كُفْرَهم إجْمالًا ثُمَّ أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] واسْتَدَلَّ عَلى إبْطالِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآياتِ ثُمَّ وصَفَ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ووَصَفَ حالَهم وحَسْرَتَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَوَصَفَ هُنا بَعْضَ مَساوِئِ دِينِ أهْلِ الشِّرْكِ فِيما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِمّا أخْرَجَ اللَّهُ لَهم مِنَ الأرْضِ، وناسَبَ ذِكْرَهُ هُنا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِدْلالُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ والِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآيَةَ، وهو تَمْهِيدٌ وتَلْخِيصٌ لِما يَعْقُبُهُ مَن ذِكْرِ شَرائِعِ الإسْلامِ في الأطْعِمَةِ وغَيْرِها الَّتِي سَتَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] .

فالخِطابُ بِـ ”يا أيُّها النّاسُ“ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما هو شَأْنُ خِطابِ القُرْآنِ بِـ ”﴿يا أيُّها النّاسُ﴾“ .

والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ ولَيْسَ لِلْوُجُوبِ ولا لِلْإباحَةِ، إذْ لَيْسَ الكُفّارُ بِأهْلٍ لِلْخِطابِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَقَوْلُهُ ”كُلُوا“ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾) .

صفحة ١٠٢

وقَوْلُهُ حَلالًا طَيِّبًا تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ فِيما أعْنَتُوا بِهِ أنْفُسَهم فَحَرَمُوها مِن نِعَمٍ طَيِّبَةٍ افْتِراءً عَلى اللَّهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ إباحَتِهِ في الإسْلامِ وتَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأوْصافِ الأفْعالِ الَّتِي هي مَناطُ الحِلِّ والتَّحْرِيمِ.

والمَقْصُودُ إبْطالُ ما اخْتَلَقُوهُ مِن مَنعِ أكْلِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِي، وما حَكى اللَّهُ عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨] الآياتِ.

قِيلَ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ أيْ مِمّا ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ.

و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِمّا في الأرْضِ“ لِلتَّبْعِيضِ، فالتَّبْعِيضُ راجِعٌ إلى كَوْنِ المَأْكُولِ بَعْضًا مِن كُلِّ نَوْعٍ، ولَيْسَ راجِعًا إلى كَوْنِ المَأْكُولِ أنْواعًا دُونَ أنْواعٍ، لِأنَّهُ يُفَوِّتُ غَرَضَ الآيَةِ، فَما في الأرْضِ عامٌّ خَصَّصَهُ الوَصْفُ بِقَوْلِهِ ”﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾“ فَخَرَجَتِ المُحَرَّماتُ الثّابِتُ تَحْرِيمُها بِالكِتابِ أوِ السُّنَّةِ.

وقَوْلُهُ ”﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾“ حالانِ مِن ما المَوْصُولَةِ، أوَّلُهُما لِبَيانِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ والثّانِي لِبَيانِ عِلَّتِهِ، …

Al-Baqara 2:168Listen in Qur'an →
169

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He only orders you to evil and immorality and to say about Allah what you do not know.

﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو كالخاتِمَةِ لِتَشْوِيهِ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ مِن أُصُولِ دِينِهِمْ وفُرُوعِهِ الَّتِي ابْتَدَأ الكَلامُ فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١] الآيَةَ، إذْ ذَكَرَ كُفْرَهم إجْمالًا ثُمَّ أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] واسْتَدَلَّ عَلى إبْطالِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآياتِ ثُمَّ وصَفَ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ووَصَفَ حالَهم وحَسْرَتَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَوَصَفَ هُنا بَعْضَ مَساوِئِ دِينِ أهْلِ الشِّرْكِ فِيما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِمّا أخْرَجَ اللَّهُ لَهم مِنَ الأرْضِ، وناسَبَ ذِكْرَهُ هُنا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِدْلالُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ والِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآيَةَ، وهو تَمْهِيدٌ وتَلْخِيصٌ لِما يَعْقُبُهُ مَن ذِكْرِ شَرائِعِ الإسْلامِ في الأطْعِمَةِ وغَيْرِها الَّتِي سَتَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] .

فالخِطابُ بِـ ”يا أيُّها النّاسُ“ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما هو شَأْنُ خِطابِ القُرْآنِ بِـ ”﴿يا أيُّها النّاسُ﴾“ .

والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ ولَيْسَ لِلْوُجُوبِ ولا لِلْإباحَةِ، إذْ لَيْسَ الكُفّارُ بِأهْلٍ لِلْخِطابِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَقَوْلُهُ ”كُلُوا“ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾) .

صفحة ١٠٢

وقَوْلُهُ حَلالًا طَيِّبًا تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ فِيما أعْنَتُوا بِهِ أنْفُسَهم فَحَرَمُوها مِن نِعَمٍ طَيِّبَةٍ افْتِراءً عَلى اللَّهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ إباحَتِهِ في الإسْلامِ وتَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأوْصافِ الأفْعالِ الَّتِي هي مَناطُ الحِلِّ والتَّحْرِيمِ.

والمَقْصُودُ إبْطالُ ما اخْتَلَقُوهُ مِن مَنعِ أكْلِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِي، وما حَكى اللَّهُ عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨] الآياتِ.

قِيلَ نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ أيْ مِمّا ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ.

و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِمّا في الأرْضِ“ لِلتَّبْعِيضِ، فالتَّبْعِيضُ راجِعٌ إلى كَوْنِ المَأْكُولِ بَعْضًا مِن كُلِّ نَوْعٍ، ولَيْسَ راجِعًا إلى كَوْنِ المَأْكُولِ أنْواعًا دُونَ أنْواعٍ، لِأنَّهُ يُفَوِّتُ غَرَضَ الآيَةِ، فَما في الأرْضِ عامٌّ خَصَّصَهُ الوَصْفُ بِقَوْلِهِ ”﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾“ فَخَرَجَتِ المُحَرَّماتُ الثّابِتُ تَحْرِيمُها بِالكِتابِ أوِ السُّنَّةِ.

وقَوْلُهُ ”﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾“ حالانِ مِن ما المَوْصُولَةِ، أوَّلُهُما لِبَيانِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ والثّانِي لِبَيانِ عِلَّتِهِ، …

Al-Baqara 2:169Listen in Qur'an →
170

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Follow what Allah has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

صفحة ١٠٦

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾

الأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، فَإنَّ المَقْصُودَ بِالخِطابِ في ذَلِكَ هُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا لِأمْرِهِ بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ، وخاصَّةً بِأنْ يَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ، والمُسْلِمُونَ مُحاشَوْنَ عَنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ المَعْطُوفَةِ زِيادَةُ تَفْظِيعٍ لِحالِ أهْلِ الشِّرْكِ، فَبَعْدَ أنْ أثْبَتَ لَهُمُ اتِّباعَهم خُطْواتِ الشَّيْطانِ فِيما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إعْراضِهِمْ عَمَّنْ يَدْعُوهم إلى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وتَشَبَّثُوا بِعَدَمِ مُخالَفَتِهِمْ ما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم، وأعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ دُونَ تَأمُّلٍ ولا تَدَبُّرٍ.

بَلْ إضْرابُ إبْطالٍ، أيْ أضْرَبُوا عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ: اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ، إضْرابَ إعْراضٍ بِدُونِ حُجَّةٍ إلّا بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم.

وفِي ضَمِيرِ لَهُمُ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] .

والمُرادُ بِما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم، ما وجَدُوهم عَلَيْهِ مِن أُمُورِ الشِّرْكِ كَما قالُوا ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] والأُمَّةُ: المِلَّةُ وأعْظَمُ ذَلِكَ عِبادَةُ الأصْنامِ.

وقَوْلُهُ أوَلَوْ كانَ ﴿آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ كَلامٌ مِن جانِبٍ آخَرَ لِلرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾، فَإنَّ المُتَكَلِّمَ لَمّا حَكاهُ عَنْهم رَدَّ قَوْلَهم هَذا بِاسْتِفْهامٍ يُقْصَدُ مِنهُ الرَّدُّ ثُمَّ التَّعْجِيبُ، فالهَمْزَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْكارِ كِنايَةً وفي التَّعْجِيبِ إيماءً، والمُرادُ بِالإنْكارِ الرَّدُّ والتَّخْطِئَةُ لا الإنْكارُ بِمَعْنى النَّفْيِ.

و”لَوْ“ لِلشَّرْطِ وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ تَقْدِيرُهُ: لاتَّبَعُوهم، والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو الِارْتِباطُ الَّذِي بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، وإنَّما صارَتِ الهَمْزَةُ لِلرَّدِّ لِأجْلِ العِلْمِ بِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ يُجابُ عَنْهُ بِالإثْباتِ بِقَرائِنِ حالِ المُخْبَرِ عَنْهُ والمُسْتَفْهِمِ.

ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِن بَدِيعِ التَّراكِيبِ العَرَبِيَّةِ وأعْلاها إيجازًا، و”لَوْ“ في مِثْلِهِ تُسَمّى وصَلْيَةً وكَذَلِكَ ”إنَّ“ إذا وقَعَتْ في مَوْقِعِ ”لَوْ“، ولِلْعُلَماءِ في مَعْنى الواوِ وأداةِ الشَّرْطِ في مِثْلِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

صفحة ١٠٧

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّها لِلْحالِ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جِنِّي والمَرْزُوقِيُّ وصاحِبُ الكَشّافِ، قالَ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:

لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا

ونَحْوٌ مِنهُ بَيْتُ الكِتابِ:

عاوِدْ هَراةَ وإنْ مَعْمُورُها خَرِبا

وذَلِكَ أنَّ الواوَ وما بَعْدَها مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ بِعاوِدْ كَما أنَّها وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ بِما قَبْلَها، وقَرِيبٌ مِن هَذا: أزُورُكَ راغِبًا فِيَّ وأُحْسِنُ إلَيْكَ شاكِرًا إلَيَّ، فَراغِبًا وشاكِرًا مَنصُوبانِ عَلى الحالِ بِما قَبْلَهُما وهُما في مَعْنى الشَّرْطِ وما قَبْلَهُما نائِبٌ عَنِ الجَوابِ المُقَدَّرِ لَهُما ألا تَرى أنَّ …

Al-Baqara 2:170Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.