Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 151–160 of 286

151

كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًۭا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom and teaching you that which you did not know.

﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكُمُ آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

تَشْبِيهٌ لِلْعِلَّتَيْنِ مِن قَوْلِهِ ولِأُتِمَّ وقَوْلِهِ ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ أيْ ذَلِكَ مِن نِعْمَتِي عَلَيْكم كَنِعْمَةِ إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجُعِلَ الإرْسالُ مُشَبَّهًا بِهِ لِأنَّهُ أسْبَقُ وأظْهَرُ تَحْقِيقًا لِلْمُشَبَّهِ؛أيْ أنَّ المَبادِئَ دَلَّتْ عَلى الغاياتِ وهَذا كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ» ونُكِّرَ ”رَسُولٌ“ لِلتَّعْظِيمِ ولِتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفاتُ الَّتِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها نِعْمَةٌ خاصَّةٌ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ فِيكم وما بَعْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ ومِن قَوْمِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى تَيْسِيرًا لِهِدايَتِهِمْ؛ وهَذا عَلى نَحْوِ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلى عُمُومِ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] أيْ جِنْسِهِمُ الإنْسانِيِّ لِأنَّ ذَلِكَ آنَسُ لَهم مِمّا لَوْ كانَ رَسُولُهم مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] .

ولِذَلِكَ عُلِّقَ بِفِعْلِ أرْسَلْنا حَرْفُ ”في“ ولَمْ يُعَلَّقْ بِهِ حَرْفُ ”إلى“ كَما في قَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥]، لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ احْتِجاجٍ وهَذا مَقامُ امْتِنانٍ فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ ما بِهِ تَمامُ المِنَّةِ وهي أنْ جَعَلَ رَسُولَهم فِيهِمْ ومِنهم، أيْ هو مَوْجُودٌ في قَوْمِهِمْ وهو عَرَبِيٌّ مِثْلُهم، والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ هُمُ العَرَبُ أيِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فالأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ يَوْمَئِذٍ تَتَكَلَّمُ بِلِسانٍ واحِدٍ سَواءٌ في ذَلِكَ العَدْنانِيُّونَ والقَحْطانِيُّونَ ومَن تَبِعَهم مِنَ الأحْلافِ والمَوالِي مِثْلِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وبِلالٍ الحَبَشِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ الإسْرائِيلِيِّ، إذْ نِعْمَةُ الرِّسالَةِ في الإبْلاغِ والإفْهامِ، فالرَّسُولُ يُكَلِّمُهم بِلِسانِهِمْ فَيَفْهَمُونَ جَمِيعَ مَقاصِدِهِ، ويُدْرِكُونَ إعْجازَ القُرْآنِ، ويَفُوزُونَ بِمَزِيَّةِ

صفحة ٤٩

نَقْلِ هَذا الدِّينِ إلى الأُمَمِ، وهَذِهِ المَزِيَّةُ يَنالُها كُلُّ مَن يَعْلَمُ اللِّسانَ العَرَبِيَّ كَغالِبِ الأُمَمِ الإسْلامِيَّةِ، وبِذَلِكَ كانَ تَبْلِيغُ الإسْلامِ بِواسِطَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ فَيَكُونُ نَقْلُهُ مُتَواتِرًا، ويَسْهُلُ انْتِشارُهُ سَرِيعًا.

والرَّسُولُ: المُرْسَلُ فَهو فَعُولٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مِثْلُ ذَلُولٍ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ مُطابَقَةِ مَوْصُوفِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

وقَوْلُهُ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمُ آياتِنا﴾ أيْ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ وسَمّاهُ أوَّلًا آياتٍ بِاعْتِبارِ كَوْنِ كُلِّ كَلامٍ مِنهُ مُعْجِزَةً، وسَمّاهُ ثانِيًا كِتابًا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ كِتابَ شَرِيعَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] .

وعَبَّرَ بِـ يَتْلُو لِأنَّ نُزُولَ القُرْآنِ مُسْتَمِرٌّ، وقِراءَةُ النَّبِيءِ لَهُ …

Al-Baqara 2:151Listen in Qur'an →
152

فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عاطِفَةُ جُمْلَةِ الأمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ وشُكْرِهِ عَلى جُمَلِ النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ؛ أيْ إذْ قَدْ أنْعَمْتُ عَلَيْكم بِهاتِهِ النِّعَمِ فَأنا آمُرُكم بِذِكْرِي، وقَوْلُهُ ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ فِعْلانِ مُشْتَقّانِ مِنَ الذِّكْرِ بِكَسْرِ الذّالِ ومِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّها، والكُلُّ مَأْمُورٌ بِهِ لِأنَّنا مَأْمُورُونَ بِتَذَكُّرِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الأفْعالِ لِنَذْكُرَ أوامِرَهُ ونَواهِيَهُ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ومَأْمُورُونَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى بِألْسِنَتِنا في جُمَلٍ تَدُلُّ عَلى حَمْدِهِ وتَقْدِيسِهِ والدَّعْوَةِ إلى طاعَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ» والذِّكْرُ في قَوْلِهِ أذْكُرْكم يَجِيءُ عَلى المَعْنَيَيْنِ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ في قَوْلِهِ اذْكُرُونِي عَلى الوَجْهَيْنِ لِأنَّ الذِّكْرَ لا يَتَعَلَّقُ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى فالتَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا عَظَمَتِي وصِفاتِي وثَنائِي وما تَرَتَّبَ عَلَيْها مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، أوِ اذْكُرُوا نِعَمِي ومَحامِدِي، وهو تَقْدِيرٌ مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ، وأمّا أذْكُرْكم فَهو مَجازٌ، أيْ أُعامِلْكم مُعامَلَةَ مَن لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ بِزِيادَةِ النِّعَمِ والنَّصْرِ والعِنايَةِ في الدُّنْيا، وبِالثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في الآخِرَةِ، أوْ أخْلُقْ ما يَفْهَمُ مِنهُ النّاسُ في المَلَأِ الأعْلى وفي الأرْضِ فَضْلَكم والرِّضى عَنْكم، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وحُسْنَ مَصِيرِكم في الآخِرَةِ، لِأنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيَّيْنِ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّ تَعْدِيَتَهُ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا عَلى طَرِيقِ دَلالَةِ

صفحة ٥١

الِاقْتِضاءِ إذْ لَيْسَ المُرادُ تَذَكُّرَ الذَّواتِ ولا ذِكْرَ أسْمائِها بَلِ المُرادُ تَذَكُّرُ ما يَنْفَعُهم إذا وصَلَ إلَيْهِمْ وذِكْرُ فَضائِلِهِمْ.

وقَوْلُهُ واشْكُرُوا لِي أمْرٌ بِالشُّكْرِ الأعَمِّ مِنَ الذِّكْرِ مِن وجْهٍ أوْ مُطْلَقًا، وتَعْدِيَتُهُ لِلْمَفْعُولِ بِاللّامِ هو الأفْصَحُ وتُسَمّى اللّامُ لامَ التَّبْلِيغِ ولامَ التَّبْيِينِ كَما قالُوا نَصَحَ لَهُ ونَصَحَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى فَتَعْسًا لَهم وقَوْلِ النّابِغَةِ:

شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمى وأثْنَيْتُ جاهِدًا وعَطَّلْتُ أعْراضَ العُبَيْدِ بْنِ عامِرِ

وقَوْلِهِ ولا تَكْفُرُونَ نَهْيٌ عَنِ الكُفْرانِ لِلنِّعْمَةِ، والكُفْرانُ مَراتِبُ أعْلاها جَحْدُ النِّعْمَةِ وإنْكارُها ثُمَّ قَصْدُ إخْفائِها، ثُمَّ السُّكُوتُ عَنْ شُكْرِها غَفْلَةً وهَذا أضْعَفُ المَراتِبِ وقَدْ يُعْرِضُ عَنْ غَيْرِ سُوءِ قَصْدٍ لَكِنَّهُ تَقْصِيرٌ.

قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ عَطْفُ قَوْلِهِ ولا تَكْفُرُونِ بِدَلِيلٍ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالشُّكْرِ مُطْلَقٌ أيْ لِأنَّ الأمْرَ لا يَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ فَلا عُمُومَ لَهُ فَيَصْدُقُ بِشُكْرِهِ يَوْمًا واحِدًا فَلَمّا قالَ ولا تَكْفُرُونِ أفادَ النَّهْيَ عَنِ الكُفْرِ دائِمًا، اهـ، يُرِيدُ لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّهْيِ يَعُمُّ، مِثْلَ الفِعْلِ في سِياقِ النَّفْيِ لِأنَّ النَّهْيَ أخُو النَّفْيِ.

Al-Baqara 2:152Listen in Qur'an →
153

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allah is with the patient.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾

هَذِهِ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ تَكْمِلَةً لِدَفْعِ المَطاعِنِ في شَأْنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَلَهُ أشَدُّ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] .

وهُوَ اعْتِراضٌ مُطْنِبٌ ابْتُدِئَ بِهِ إعْدادُ المُسْلِمِينَ لِما هم أهْلُهُ مِن نَصْرِ دِينِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما خَوَّلَهم مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ في الآياتِ السّالِفَةِ مِن جَعْلِهِمْ أُمَّةً وسَطًا وشُهَداءَ عَلى

صفحة ٥٢

النّاسِ، وتَفْضِيلِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى اسْتِقْبالِ أفْضَلِ بُقْعَةٍ، وتَأْيِيدِهِمْ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ، وأمْرِهِمْ بِالِاسْتِخْفافِ بِالظّالِمِينَ وأنْ لا يَخْشَوْهم، وتَبْشِيرِهِمْ بِأنَّهُ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وهَداهم، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، وهَداهم إلى الِامْتِثالِ لِلْأحْكامِ العَظِيمَةِ كالشُّكْرِ والذِّكْرِ، فَإنَّ الشُّكْرَ والذِّكْرَ بِهِما تَهْيِئَةُ النُّفُوسِ إلى عَظِيمِ الأعْمالِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ كُلِّهُ أمَرَهم هُنا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ونَبَّهَهم إلى أنَّهُما عَوْنٌ لِلنَّفْسِ عَلى عَظِيمِ الأعْمالِ، فَناسَبَ تَعْقِيبَها بِها، وأيْضًا فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ أُناسًا مُتَصَدُّونَ لِشَغْبِهِمْ وتَشْكِيكِهِمْ والكَيْدِ لَهم، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ.

وكُلُّها مُتَماسِكَةٌ مُتَناسِبَةُ الِانْتِقالِ عَدا آيَةِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى قَوْلِهِ ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَسَيَأْتِي تَبْيِينُنا لِمَوْقِعِها.

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِالنِّداءِ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِخَبَرٍ مُهِمٍّ عَظِيمٍ، فَإنَّ شَأْنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهُولُ المُخاطَبَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَها ما يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِها لِتَسْتَأْنِسَ بِها قَبْلَ أنْ تَفْجَأها.

وفِي افْتِتاحِ هَذا الخِطابِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ إيذانٌ بِأنَّهُ سَيُعْقَبُ بِالنَّدْبِ إلى عَمَلٍ عَظِيمٍ وبَلْوًى شَدِيدَةٍ، وذَلِكَ تَهْيِئَةٌ لِلْجِهادِ، ولَعَلَّهُ إعْدادٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرى، فَإنَّ ابْتِداءَ المَغازِي كانَ قُبَيْلَ زَمَنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إذْ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ في رَجَبٍ أوْ شَعْبانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ وكانَتْ غَزْوَةُ بُواطَ والعُشَيْرَةِ وبَدْرٍ الأُولى في رَبِيعٍ وجُمادى مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِما قِتالٌ، وكانَتْ بَدْرٌ الكُبْرى في رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ فَكانَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أنَّ ما وقَعَ …

Al-Baqara 2:153Listen in Qur'an →
154

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌۭ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ

And do not say about those who are killed in the way of Allah, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾

هَذِهِ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ تَكْمِلَةً لِدَفْعِ المَطاعِنِ في شَأْنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَلَهُ أشَدُّ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] .

وهُوَ اعْتِراضٌ مُطْنِبٌ ابْتُدِئَ بِهِ إعْدادُ المُسْلِمِينَ لِما هم أهْلُهُ مِن نَصْرِ دِينِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما خَوَّلَهم مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ في الآياتِ السّالِفَةِ مِن جَعْلِهِمْ أُمَّةً وسَطًا وشُهَداءَ عَلى

صفحة ٥٢

النّاسِ، وتَفْضِيلِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى اسْتِقْبالِ أفْضَلِ بُقْعَةٍ، وتَأْيِيدِهِمْ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ، وأمْرِهِمْ بِالِاسْتِخْفافِ بِالظّالِمِينَ وأنْ لا يَخْشَوْهم، وتَبْشِيرِهِمْ بِأنَّهُ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وهَداهم، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، وهَداهم إلى الِامْتِثالِ لِلْأحْكامِ العَظِيمَةِ كالشُّكْرِ والذِّكْرِ، فَإنَّ الشُّكْرَ والذِّكْرَ بِهِما تَهْيِئَةُ النُّفُوسِ إلى عَظِيمِ الأعْمالِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ كُلِّهُ أمَرَهم هُنا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ونَبَّهَهم إلى أنَّهُما عَوْنٌ لِلنَّفْسِ عَلى عَظِيمِ الأعْمالِ، فَناسَبَ تَعْقِيبَها بِها، وأيْضًا فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ أُناسًا مُتَصَدُّونَ لِشَغْبِهِمْ وتَشْكِيكِهِمْ والكَيْدِ لَهم، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ.

وكُلُّها مُتَماسِكَةٌ مُتَناسِبَةُ الِانْتِقالِ عَدا آيَةِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى قَوْلِهِ ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَسَيَأْتِي تَبْيِينُنا لِمَوْقِعِها.

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِالنِّداءِ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِخَبَرٍ مُهِمٍّ عَظِيمٍ، فَإنَّ شَأْنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهُولُ المُخاطَبَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَها ما يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِها لِتَسْتَأْنِسَ بِها قَبْلَ أنْ تَفْجَأها.

وفِي افْتِتاحِ هَذا الخِطابِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ إيذانٌ بِأنَّهُ سَيُعْقَبُ بِالنَّدْبِ إلى عَمَلٍ عَظِيمٍ وبَلْوًى شَدِيدَةٍ، وذَلِكَ تَهْيِئَةٌ لِلْجِهادِ، ولَعَلَّهُ إعْدادٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرى، فَإنَّ ابْتِداءَ المَغازِي كانَ قُبَيْلَ زَمَنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إذْ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ في رَجَبٍ أوْ شَعْبانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ وكانَتْ غَزْوَةُ بُواطَ والعُشَيْرَةِ وبَدْرٍ الأُولى في رَبِيعٍ وجُمادى مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِما قِتالٌ، وكانَتْ بَدْرٌ الكُبْرى في رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ فَكانَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أنَّ ما وقَعَ …

Al-Baqara 2:154Listen in Qur'an →
155

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ

And We will surely test you with something of fear and hunger and a loss of wealth and lives and fruits, but give good tidings to the patient,

﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾

عَطَفَ لَنَبْلُوَنَّكم عَلى قَوْلِهِ ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] عَطْفَ المَقْصِدِ عَلى المُقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ولَنَبْلُوَنَّكم عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآياتِ لِيُعْلِمَ المُسْلِمِينَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ ومَنزِلَةَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ لَحاقِ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِأسْبابِها، وأنَّ تِلْكَ المَصائِبَ مَظْهَرٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ فَيَنالُونَ بِذَلِكَ بَهْجَةَ نُفُوسِهِمْ بِما أصابَهم في مَرْضاةِ اللَّهِ ويَزْدادُونَ بِهِ رِفْعَةً وزَكاءً، ويَزْدادُونَ يَقِينًا بِأنَّ اتِّباعَهم لِهَذا الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِنَوالَ حُظُوظٍ في الدُّنْيا، ويَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ ثَوابٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] الآيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِيَكُونَ نَصِيحَةً لِعِلاجِ الأمْرَيْنِ تَمامِ النِّعْمَةِ والهُدى والِابْتِلاءِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ ما يُصَيِّرُ الجَمِيعَ خَبَرًا بِقَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ .

وجِيءَ بِكَلِمَةِ شَيْءٍ تَهْوِينًا لِلْخَبَرِ المُفْجِعِ، وإشارَةً إلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذا الِابْتِلاءِ وبَيْنَ الجُوعِ والخَوْفِ اللَّذَيْنِ سَلَّطَهُما اللَّهُ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ عُقُوبَةً، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] ولِذَلِكَ جاءَ هُنا بِكَلِمَةِ شَيْءٍ وجاءَ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ، وهو أنِ اسْتَعارَ لَها اللِّباسَ اللّازِمَ لِلّابِسِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ مِن أسْماءِ الأجْناسِ

صفحة ٥٥

العالِيَةِ العامَّةِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى اسْمِ جِنْسٍ أوْ بُيِّنَتْ بِهِ عُلِمَ أنَّ المُتَكَلِّمَ ما زادَ كَلِمَةَ شَيْءٍ قَبْلَ اسْمِ ذَلِكَ الجِنْسِ إلّا لِقَصْدِ التَّقْلِيلِ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُ بَعْدَها لَوْ شاءَ المُتَكَلِّمُ لَأغْنى غَناءَها، فَما ذَكَرَ كَلِمَةَ شَيْءٍ إلّا والقَصْدُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ تَنْكِيرَ اسْمِ الجِنْسِ لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ ولا لِلتَّنْوِيعِ، فَبَقِيَ لَهُ الدَّلالَةُ عَلى التَّحْقِيرِ وهَذا كَقَوْلِ السَّرِيِّ مُخاطِبًا لِأبِي إسْحاقَ الصّابِي:

فَشَيْئًا مِن دَمِ العُنْقُو دِ أجْعَلُهُ مَكانَ دَمِي

فَقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ عُدُولٌ عَنْ أنْ يَقُولَ: بِخَوْفٍ وجُوعٍ، أمّا لَوْ ذَكَرَ لَفْظَ شَيْءٍ مَعَ غَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ كَما إذا أُتْبِعَ بِوَصْفٍ أوْ لَمْ يُتْبَعْ أوْ أُضِيفَ لِغَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ فَهو حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّنْوِيعِ نَحْوُ قَوْلِ قُحَيْطٍ العِجْلِيِّ:

فَلا تَطْمَعْ أبَيْتَ اللَّعْنَ فِيها ∗∗∗ ومَنَعُكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ

فَقَدْ فَسَّرَهُ المَرْزُوقِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ مَعْنى بِشَيْءٍ بِمَعْنًى مِنَ المَعانِي مِن غَلَبَةٍ أوْ مَعازَةٍ أوْ فِداءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وقَدْ يَكُونُ بَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المُقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهو الدِّيَةُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ أوْ هو العَفْوُ عَلى تَفْسِيرٍ آخَرَ، وقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

ومِن مالِئٍ …

Al-Baqara 2:155Listen in Qur'an →
156

ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who, when disaster strikes them, say, "Indeed we belong to Allah, and indeed to Him we will return."

﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾

عَطَفَ لَنَبْلُوَنَّكم عَلى قَوْلِهِ ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] عَطْفَ المَقْصِدِ عَلى المُقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ولَنَبْلُوَنَّكم عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآياتِ لِيُعْلِمَ المُسْلِمِينَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ ومَنزِلَةَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ لَحاقِ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِأسْبابِها، وأنَّ تِلْكَ المَصائِبَ مَظْهَرٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ فَيَنالُونَ بِذَلِكَ بَهْجَةَ نُفُوسِهِمْ بِما أصابَهم في مَرْضاةِ اللَّهِ ويَزْدادُونَ بِهِ رِفْعَةً وزَكاءً، ويَزْدادُونَ يَقِينًا بِأنَّ اتِّباعَهم لِهَذا الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِنَوالَ حُظُوظٍ في الدُّنْيا، ويَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ ثَوابٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] الآيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِيَكُونَ نَصِيحَةً لِعِلاجِ الأمْرَيْنِ تَمامِ النِّعْمَةِ والهُدى والِابْتِلاءِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ ما يُصَيِّرُ الجَمِيعَ خَبَرًا بِقَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ .

وجِيءَ بِكَلِمَةِ شَيْءٍ تَهْوِينًا لِلْخَبَرِ المُفْجِعِ، وإشارَةً إلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذا الِابْتِلاءِ وبَيْنَ الجُوعِ والخَوْفِ اللَّذَيْنِ سَلَّطَهُما اللَّهُ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ عُقُوبَةً، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] ولِذَلِكَ جاءَ هُنا بِكَلِمَةِ شَيْءٍ وجاءَ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ، وهو أنِ اسْتَعارَ لَها اللِّباسَ اللّازِمَ لِلّابِسِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ مِن أسْماءِ الأجْناسِ

صفحة ٥٥

العالِيَةِ العامَّةِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى اسْمِ جِنْسٍ أوْ بُيِّنَتْ بِهِ عُلِمَ أنَّ المُتَكَلِّمَ ما زادَ كَلِمَةَ شَيْءٍ قَبْلَ اسْمِ ذَلِكَ الجِنْسِ إلّا لِقَصْدِ التَّقْلِيلِ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُ بَعْدَها لَوْ شاءَ المُتَكَلِّمُ لَأغْنى غَناءَها، فَما ذَكَرَ كَلِمَةَ شَيْءٍ إلّا والقَصْدُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ تَنْكِيرَ اسْمِ الجِنْسِ لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ ولا لِلتَّنْوِيعِ، فَبَقِيَ لَهُ الدَّلالَةُ عَلى التَّحْقِيرِ وهَذا كَقَوْلِ السَّرِيِّ مُخاطِبًا لِأبِي إسْحاقَ الصّابِي:

فَشَيْئًا مِن دَمِ العُنْقُو دِ أجْعَلُهُ مَكانَ دَمِي

فَقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ عُدُولٌ عَنْ أنْ يَقُولَ: بِخَوْفٍ وجُوعٍ، أمّا لَوْ ذَكَرَ لَفْظَ شَيْءٍ مَعَ غَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ كَما إذا أُتْبِعَ بِوَصْفٍ أوْ لَمْ يُتْبَعْ أوْ أُضِيفَ لِغَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ فَهو حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّنْوِيعِ نَحْوُ قَوْلِ قُحَيْطٍ العِجْلِيِّ:

فَلا تَطْمَعْ أبَيْتَ اللَّعْنَ فِيها ∗∗∗ ومَنَعُكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ

فَقَدْ فَسَّرَهُ المَرْزُوقِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ مَعْنى بِشَيْءٍ بِمَعْنًى مِنَ المَعانِي مِن غَلَبَةٍ أوْ مَعازَةٍ أوْ فِداءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وقَدْ يَكُونُ بَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المُقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهو الدِّيَةُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ أوْ هو العَفْوُ عَلى تَفْسِيرٍ آخَرَ، وقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

ومِن مالِئٍ …

Al-Baqara 2:156Listen in Qur'an →
157

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ

Those are the ones upon whom are blessings from their Lord and mercy. And it is those who are the [rightly] guided.

﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾

عَطَفَ لَنَبْلُوَنَّكم عَلى قَوْلِهِ ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] عَطْفَ المَقْصِدِ عَلى المُقَدِّمَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ولَنَبْلُوَنَّكم عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآياتِ لِيُعْلِمَ المُسْلِمِينَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ ومَنزِلَةَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ لَحاقِ المَصائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِأسْبابِها، وأنَّ تِلْكَ المَصائِبَ مَظْهَرٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّسْلِيمِ لِقَضائِهِ فَيَنالُونَ بِذَلِكَ بَهْجَةَ نُفُوسِهِمْ بِما أصابَهم في مَرْضاةِ اللَّهِ ويَزْدادُونَ بِهِ رِفْعَةً وزَكاءً، ويَزْدادُونَ يَقِينًا بِأنَّ اتِّباعَهم لِهَذا الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِنَوالَ حُظُوظٍ في الدُّنْيا، ويَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ ثَوابٌ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] الآيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ لِيَكُونَ نَصِيحَةً لِعِلاجِ الأمْرَيْنِ تَمامِ النِّعْمَةِ والهُدى والِابْتِلاءِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْهِ ما يُصَيِّرُ الجَمِيعَ خَبَرًا بِقَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ .

وجِيءَ بِكَلِمَةِ شَيْءٍ تَهْوِينًا لِلْخَبَرِ المُفْجِعِ، وإشارَةً إلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذا الِابْتِلاءِ وبَيْنَ الجُوعِ والخَوْفِ اللَّذَيْنِ سَلَّطَهُما اللَّهُ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ عُقُوبَةً، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] ولِذَلِكَ جاءَ هُنا بِكَلِمَةِ شَيْءٍ وجاءَ هُنالِكَ بِما يَدُلُّ عَلى المُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ، وهو أنِ اسْتَعارَ لَها اللِّباسَ اللّازِمَ لِلّابِسِ، لِأنَّ كَلِمَةَ ”شَيْءٍ“ مِن أسْماءِ الأجْناسِ

صفحة ٥٥

العالِيَةِ العامَّةِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى اسْمِ جِنْسٍ أوْ بُيِّنَتْ بِهِ عُلِمَ أنَّ المُتَكَلِّمَ ما زادَ كَلِمَةَ شَيْءٍ قَبْلَ اسْمِ ذَلِكَ الجِنْسِ إلّا لِقَصْدِ التَّقْلِيلِ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُ بَعْدَها لَوْ شاءَ المُتَكَلِّمُ لَأغْنى غَناءَها، فَما ذَكَرَ كَلِمَةَ شَيْءٍ إلّا والقَصْدُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ تَنْكِيرَ اسْمِ الجِنْسِ لَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ ولا لِلتَّنْوِيعِ، فَبَقِيَ لَهُ الدَّلالَةُ عَلى التَّحْقِيرِ وهَذا كَقَوْلِ السَّرِيِّ مُخاطِبًا لِأبِي إسْحاقَ الصّابِي:

فَشَيْئًا مِن دَمِ العُنْقُو دِ أجْعَلُهُ مَكانَ دَمِي

فَقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ عُدُولٌ عَنْ أنْ يَقُولَ: بِخَوْفٍ وجُوعٍ، أمّا لَوْ ذَكَرَ لَفْظَ شَيْءٍ مَعَ غَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ كَما إذا أُتْبِعَ بِوَصْفٍ أوْ لَمْ يُتْبَعْ أوْ أُضِيفَ لِغَيْرِ اسْمِ جِنْسٍ فَهو حِينَئِذٍ يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّنْوِيعِ نَحْوُ قَوْلِ قُحَيْطٍ العِجْلِيِّ:

فَلا تَطْمَعْ أبَيْتَ اللَّعْنَ فِيها ∗∗∗ ومَنَعُكَها بِشَيْءٍ يُسْتَطاعُ

فَقَدْ فَسَّرَهُ المَرْزُوقِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ مَعْنى بِشَيْءٍ بِمَعْنًى مِنَ المَعانِي مِن غَلَبَةٍ أوْ مَعازَةٍ أوْ فِداءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وقَدْ يَكُونُ بَيانُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المُقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَهو الدِّيَةُ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ أوْ هو العَفْوُ عَلى تَفْسِيرٍ آخَرَ، وقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

ومِن مالِئٍ …

Al-Baqara 2:157Listen in Qur'an →
158

۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ

Indeed, as-Safa and al-Marwah are among the symbols of Allah. So whoever makes Hajj to the House or performs 'umrah - there is no blame upon him for walking between them. And whoever volunteers good - then indeed, Allah is appreciative and Knowing.

﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾

هَذا كَلامٌ وقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ مُحاجَّةِ أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في أمْرِ القِبْلَةِ، نَزَلَ هَذا بِسَبَبِ تَرَدُّدٍ واضْطِرابٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أمْرِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ وذَلِكَ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ الآتِي، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَ الآياتِ الَّتِي نَقْرَؤُها بَعْدَها، لِأنَّ الحَجَّ لَمْ يَكُنْ قَدْ فُرِضَ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإلْحاقِها بِبَعْضِ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِها بِمُدَّةِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها هو أنَّ العُدُولَ عَنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ يُشْبِهُ فِعْلَ مَن عَبَّرَ عَنْهم بِالسُّفَهاءِ مِنَ القِبْلَةِ وإنْكارِ

صفحة ٥٩

العُدُولِ عَنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ إلْحاقِها بِهَذا المَكانِ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ في أثْناءِ الِاعْتِراضِ، فَقَدْ كانَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِن أعْمالِ الحَجِّ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى هاجَرَ وابْنِها إسْماعِيلَ إذْ أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ العَطَشِ كَما في حَدِيثِ البُخارِيِّ في كِتابِ بَدْءِ الخَلْقِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أنْ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ لَمّا تَرَكَها إبْراهِيمُ بِمَوْضِعِ مَكَّةَ ومَعَها ابْنُها وهو رَضِيعٌ وتَرَكَ لَها جِرابًا مِن تَمْرٍ وسِقاءً فِيهِ ماءٌ، فَلَمّا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابْنُها وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوّى فانْطَلَقَتْ كَراهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفا أقْرَبَ جَبَلٍ يَلِيها فَقامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ أحَدًا فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا وأتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها فَنَظَرَتْ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ أحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: فَلِذَلِكَ سَعى النّاسُ بَيْنَهُما، فَسَمِعَتْ صَوْتًا فَقالَتْ في نَفْسِها صَهٍ ثُمَّ تَسَمَّعَتْ أيْضًا فَقالَتْ قَدْ أسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غُواثٌ، فَإذا هي بِالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ حَتّى ظَهَرَ الماءُ فَشَرِبَتْ وأرْضَعَتْ ولَدَها»، فَيُحْتَمَلُ أنَّ إبْراهِيمَ سَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَذَكُّرًا لِشُكْرِ النِّعْمَةِ وأمَرَ بِهِ إسْماعِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ إسْماعِيلَ ألْحَقَهُ بِأفْعالِ الحَجِّ، أوْ أنَّ مَن جاءَ مِن أبْنائِهِ فَعَلَ ذَلِكَ فَتَقَرَّرَ في الشَّعائِرِ عِنْدَ قُرَيْشٍ لا مَحالَةَ.

وقَدْ كانَ حَوالِيَ الكَعْبَةِ في الجاهِلِيَّةِ حَجَرانِ كانا مِن جُمْلَةِ الأصْنامِ الَّتِي جاءَ بِها عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ إلى مَكَّةَ فَعَبَدَها العَرَبُ أحَدُهُما يُسَمّى إسافًا والآخَرُ يُسَمّى نائِلَةَ، كانَ أحَدُهُما مَوْضُوعًا قُرْبَ جِدارِ الكَعْبَةِ والآخَرُ مَوْضُوعًا قُرْبَ زَمْزَمَ، ثُمَّ نَقَلُوا الَّذِي قُرْبَ الكَعْبَةِ إلى جِهَةِ زَمْزَمَ، وكانَ العَرَبُ يَذْبَحُونَ لَهُما، فَلَمّا جَدَّدَ عَبْدُ المُطَّلِبِ احْتِفارَ زَمْزَمَ بَعْدَ أنْ دَثَرَتْها جُرْهُمُ حِينَ خُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ وبَنى سِقايَةَ زَمْزَمَ نَقَلَ ذَيْنَكَ الصَّنَمَيْنِ فَوَضَعَ إسافًا عَلى الصَّفا ونائِلَةَ عَلى المَرْوَةِ، وجَعَلَ المُشْرِكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أصْنامًا صَغِيرَةً …

Al-Baqara 2:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَٰبِ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ

Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allah and cursed by those who curse,

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

عَوْدٌ بِالكَلامِ إلى مَهْيَعِهِ الَّذِي فُصِلَ عَنْهُ بِما اعْتَرَضَ مِن شَرْعِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا، قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ في كَتْمِهِمْ دَلائِلَ صِدْقِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفاتِهِ وصِفاتِ دِينِهِ المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ وفي كَتْمِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ، وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ لِلْعَهْدِ، فَإنَّ المَوْصُولَ لِما يَأْتِي لَهُ المُعَرَّفُ بِاللّامِ وعَلَيْهِ فَلا عُمُومَ هُنا، وأنا أرى أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ هُنا لِلْجِنْسِ فَهو كالمُعَرَّفِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ فَيَعُمُّ ويَكُونُ مِنَ العامِّ الوارِدِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ ولا يُخَصَّصُ بِسَبَبِهِ ولَكِنَّهُ يَتَناوَلُ أفْرادَ سَبَبِهِ تَناوُلًا أوَّلِيًّا أقْوى مِن دَلالَتِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ الصّالِحِ هو لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، لِأنَّ دَلالَةَ العامِّ عَلى صُورَةِ السَّبَبِ قَطْعِيَّةٌ، ودَلالَتُهُ عَلى غَيْرِها مِمّا يَشْمَلُهُ مَفْهُومُ العامِّ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ، فَمُناسَبَةُ وقْعِ هاتِهِ الآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها كانَ مِنَ الأفانِينِ القُرْآنِيَّةِ المُتَفَنِّنَةِ عَلى ذِكْرِ ما قابَلَ بِهِ اليَهُودُ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ وتَشْبِيهِهِمْ فِيها بِحالِ سَلَفِهِمْ في مُقابَلَةِ دَعْوَةِ أنْبِيائِهِمْ مِن قَبْلُ إلى مَبْلَغِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥]

صفحة ٦٦

إلى قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٠١] الآيَةَ وما قابَلَ بِهِ أشْباهُهم مِنَ النَّصارى ومِنَ المُشْرِكِينَ الدَّعْوَةَ الإسْلامِيَّةَ، ثُمَّ أفْضى ذَلِكَ إلى الإنْحاءِ عَلى المُشْرِكِينَ قِلَّةَ وفائِهِمْ بِوَصايا إبْراهِيمَ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ وأنَّهم سَدَنَةُ بَيْتِهِ فَقالَ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] الآياتِ، فَنَوَّهَ بِإبْراهِيمَ وبِالكَعْبَةِ واسْتِقْبالِها وشَعائِرِها وتَخَلَّلَ ذَلِكَ رَدُّ ما صَدَرَ عَنِ اليَهُودِ مِن إنْكارِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] يُرِيدُ عُلَماءَهم ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَكْمِلَةِ فَضائِلِ الكَعْبَةِ وشَعائِرِها، فَلَمّا تَمَّ جَمِيعُ ذَلِكَ عَطَفَ الكَلامَ إلى تَفْصِيلِ ما رَماهم بِهِ إجْمالًا في قَوْلِهِ تَعالى وإنَّ فَرِيقًا مِنهم فَقالَ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا إلَخْ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الخَطابَةِ هي إيفاءُ الغَرَضِ المَقْصُودِ حَقَّهُ وتَقْصِيرُ الِاسْتِطْرادِ والِاعْتِراضِ الواقِعَيْنِ في أثْنائِهِ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلى ما يُهِمُّ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مِن تَفْصِيلِ اسْتِطْرادٍ أوِ اعْتِراضٍ تَخَلَّلَ الغَرَضَ المَقْصُودَ.

فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافُ كَلامٍ يَعْرِفُ مِنهُ السّامِعُ تَفْصِيلَ ما تَقَدَّمَ لَهُ إجْمالُهُ، والتَّوْكِيدُ بِـ إنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ.

والكَتْمُ والكِتْمانُ عَدَمُ الإخْبارِ بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُخْبَرَ بِهِ مِن حادِثٍ مَسْمُوعٍ أوْ مَرْئِيٍّ ومِنهُ …

Al-Baqara 2:159Listen in Qur'an →
160

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of repentance, the Merciful.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

عَوْدٌ بِالكَلامِ إلى مَهْيَعِهِ الَّذِي فُصِلَ عَنْهُ بِما اعْتَرَضَ مِن شَرْعِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا، قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ في كَتْمِهِمْ دَلائِلَ صِدْقِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفاتِهِ وصِفاتِ دِينِهِ المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ وفي كَتْمِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ، وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ لِلْعَهْدِ، فَإنَّ المَوْصُولَ لِما يَأْتِي لَهُ المُعَرَّفُ بِاللّامِ وعَلَيْهِ فَلا عُمُومَ هُنا، وأنا أرى أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ هُنا لِلْجِنْسِ فَهو كالمُعَرَّفِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ فَيَعُمُّ ويَكُونُ مِنَ العامِّ الوارِدِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ ولا يُخَصَّصُ بِسَبَبِهِ ولَكِنَّهُ يَتَناوَلُ أفْرادَ سَبَبِهِ تَناوُلًا أوَّلِيًّا أقْوى مِن دَلالَتِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ الصّالِحِ هو لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، لِأنَّ دَلالَةَ العامِّ عَلى صُورَةِ السَّبَبِ قَطْعِيَّةٌ، ودَلالَتُهُ عَلى غَيْرِها مِمّا يَشْمَلُهُ مَفْهُومُ العامِّ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ، فَمُناسَبَةُ وقْعِ هاتِهِ الآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها كانَ مِنَ الأفانِينِ القُرْآنِيَّةِ المُتَفَنِّنَةِ عَلى ذِكْرِ ما قابَلَ بِهِ اليَهُودُ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ وتَشْبِيهِهِمْ فِيها بِحالِ سَلَفِهِمْ في مُقابَلَةِ دَعْوَةِ أنْبِيائِهِمْ مِن قَبْلُ إلى مَبْلَغِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥]

صفحة ٦٦

إلى قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٠١] الآيَةَ وما قابَلَ بِهِ أشْباهُهم مِنَ النَّصارى ومِنَ المُشْرِكِينَ الدَّعْوَةَ الإسْلامِيَّةَ، ثُمَّ أفْضى ذَلِكَ إلى الإنْحاءِ عَلى المُشْرِكِينَ قِلَّةَ وفائِهِمْ بِوَصايا إبْراهِيمَ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ وأنَّهم سَدَنَةُ بَيْتِهِ فَقالَ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] الآياتِ، فَنَوَّهَ بِإبْراهِيمَ وبِالكَعْبَةِ واسْتِقْبالِها وشَعائِرِها وتَخَلَّلَ ذَلِكَ رَدُّ ما صَدَرَ عَنِ اليَهُودِ مِن إنْكارِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] يُرِيدُ عُلَماءَهم ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَكْمِلَةِ فَضائِلِ الكَعْبَةِ وشَعائِرِها، فَلَمّا تَمَّ جَمِيعُ ذَلِكَ عَطَفَ الكَلامَ إلى تَفْصِيلِ ما رَماهم بِهِ إجْمالًا في قَوْلِهِ تَعالى وإنَّ فَرِيقًا مِنهم فَقالَ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا إلَخْ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الخَطابَةِ هي إيفاءُ الغَرَضِ المَقْصُودِ حَقَّهُ وتَقْصِيرُ الِاسْتِطْرادِ والِاعْتِراضِ الواقِعَيْنِ في أثْنائِهِ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلى ما يُهِمُّ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مِن تَفْصِيلِ اسْتِطْرادٍ أوِ اعْتِراضٍ تَخَلَّلَ الغَرَضَ المَقْصُودَ.

فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافُ كَلامٍ يَعْرِفُ مِنهُ السّامِعُ تَفْصِيلَ ما تَقَدَّمَ لَهُ إجْمالُهُ، والتَّوْكِيدُ بِـ إنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ.

والكَتْمُ والكِتْمانُ عَدَمُ الإخْبارِ بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُخْبَرَ بِهِ مِن حادِثٍ مَسْمُوعٍ أوْ مَرْئِيٍّ ومِنهُ …

Al-Baqara 2:160Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.