Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 141–150 of 286

141

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا لِزِيادَةِ رُسُوخِ مَدْلُولِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ اهْتِمامًا بِما تَضَمَّنُهُ لِكَوْنِهِ مَعْنًى لَمْ يَسْبِقْ سَماعُهُ لِلْمُخاطَبِينَ فَلَمْ يَقْتَنِعْ فِيهِ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ ومِثْلُ هَذا التَّكْرِيرِ وارِدٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ لَبِيدٌ:

فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةِ يُشَبُّ ضِرامُها

مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُها

فَإنَّهُ لَمّا شَبَّهَ الغُبارَ المُتَطايِرَ بِالنّارِ المَشْبُوبَةِ واسْتَطْرَدَ بِوَصْفِ النّارِ بِأنَّها هَبَّتْ عَلَيْها رِيحُ الشَّمالِ وزادَتْها دُخانًا وأوْقَدَتْ بِالعَرْفَجِ الرَّطِيبِ لِكَثْرَةِ دُخّانِهِ، أعادَ التَّشْبِيهَ ثانِيًا لِأنَّهُ غَرِيبٌ مُبْتَكَرٌ.

Al-Baqara 2:141Listen in Qur'an →
142

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah, which they used to face?" Say, "To Allah belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."

صفحة ٥

سُورَةُ البَقَرَةِ

﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

قَدْ خَفِيَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الآيِ الَّتِي بَعْدَها لِأنَّ الظّاهِرَ مِنها أنَّها إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ وأنَّ القِبْلَةَ المَذْكُورَةَ فِيها هي القِبْلَةُ الَّتِي كانَتْ في أوَّلِ الهِجْرَةِ بِالمَدِينَةِ، وهي اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ وأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْها هو نَسْخُها بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ فَكانَ الشَّأْنُ أنْ يُتَرَقَّبَ طَعْنُ الطّاعِنِينَ في هَذا التَّحْوِيلِ بَعْدَ وُقُوعِ النَّسْخِ أيْ بَعْدَ الآياتِ النّاسِخَةِ لِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ لِما هو مَعْلُومٌ مِن دَأبِهِمْ مِنَ التَّرَصُّدِ لِلطَّعْنِ في تَصَرُّفاتِ المُسْلِمِينَ فَإنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ مُتَتابِعَةً، والأصْلُ مُوافَقَةُ التِّلاوَةِ لِلنُّزُولِ في السُّورَةِ الواحِدَةِ إلّا ما ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ مُتَأخِّرًا ويُتْلى مُتَقَدِّمًا.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالقِبْلَةِ المُحَوَّلَةِ القِبْلَةُ المَنسُوخَةُ وهي اسْتِقْبالُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ أعْنِي الشَّرْقَ وهي قِبْلَةُ اليَهُودِ، ولَمْ يَشْفِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وأصْحابِ أسْبابِ النُّزُولِ الغَلِيلَ في هَذا عَلى أنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الآيِ الَّذِي قَبْلَها غَيْرُ واضِحَةٍ، فاحْتاجَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى تَكَلُّفِ إبْدائِها.

والَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَهْمِي أنَّ مُناسَبَةَ وُقُوعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا مُناسَبَةٌ بَدِيعَةٌ، وهي أنَّ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها تَكَرَّرَ فِيها التَّنْوِيهُ بِإبْراهِيمَ ومِلَّتِهِ والكَعْبَةِ وأنَّ مَن يَرْغَبُ عَنْها قَدْ سَفِهَ نَفْسَهُ، فَكانَتْ مَثارًا لِأنْ يَقُولَ المُشْرِكُونَ: ما ولّى مُحَمَّدًا وأتْباعَهُ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها بِمَكَّةَ أيِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ مَعَ أنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ويَأْبى عَنِ اتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَكَيْفَ تَرَكَ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ واسْتَقْبَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ولِأنَّهُ قَدْ تَكَرَّرَتِ الإشارَةُ في الآياتِ السّابِقَةِ إلى هَذا الغَرَضِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] . وقَوْلِهِ. ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] كَما ذَكَرْناهُ هُنالِكَ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنهم فَأنْبَأ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِمْ وأتى فِيهِ بِهَذا المَوْقِعِ العَجِيبِ وهو أنْ جَعَلَهُ بَعْدَ الآياتِ المُثِيرَةِ لَهُ وقَبْلَ الآياتِ الَّتِي

صفحة ٦

أُنْزِلَتْ إلَيْهِ في نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ والأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ في الصَّلاةِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، لِئَلّا يَكُونَ القُرْآنُ الَّذِي فِيهِ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ نازِلًا بَعْدَ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ فَيَشْمَخُوا بِأُنُوفِهِمْ، يَقُولُونَ غَيَّرَ مُحَمَّدٌ قِبْلَتَهُ مِن أجْلِ اعْتِراضِنا عَلَيْهِ فَكانَ لِمَوْضِعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أفْضَلُ تَمَكُّنٍ وأوْثَقُ رَبْطٍ، وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ نُزُولِها قَبْلَ آيَةِ النَّسْخِ وهي قَوْلُهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآياتِ؛ لِأنَّ مَقالَةَ المُشْرِكِينَ أوْ تَوَقُّعَها حاصِلٌ قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ وناشِئٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ والكَعْبَةِ.

فالمُرادُ بِالسُّفَهاءِ: المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَبْيِينُهُ بِقَوْلِهِ ﴿مِنَ النّاسِ﴾، فَقَدْ عُرِفَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ النّازِلِ …

Al-Baqara 2:142Listen in Qur'an →
143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And thus we have made you a just community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels. And indeed, it is difficult except for those whom Allah has guided. And never would Allah have caused you to lose your faith. Indeed Allah is, to the people, Kind and Merciful.

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ إلَخْ، الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ وهي مِن قَبِيلِ الواوِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ، فالآيَةُ السّابِقَةُ لَمّا أشارَتْ إلى أنَّ الَّذِينَ هُدُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هُمُ المُسْلِمُونَ، وأنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ لَهم ناسَبَ أنْ يَسْتَطْرِدَ لِذِكْرِ فَضِيلَةٍ أُخْرى لَهم هي خَيْرٌ مِمّا تَقَدَّمَ وهي فَضِيلَةُ كَوْنِ المُسْلِمِينَ عُدُولًا خِيارًا

صفحة ١٥

لِيَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ لِأنَّ الآياتِ الواقِعَةَ بَعْدَها هي في ذِكْرِ أمْرِ القِبْلَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِأمْرِ القِبْلَةُ.

وقَوْلُهُ كَذَلِكَ مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ واسْمِ الإشارَةِ فَيَتَعَيَّنُ تَعَرُّفُ المُشارِ إلَيْهِ وما هو المُشَبَّهُ بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. فاخْتَلَفَ شارِحُوهُ في تَقْرِيرِ كَلامِهِ وتَبْيِينِ مُرادِهِ: فَقالَ البَيْضاوِيُّ: الإشارَةُ إلى المَفْهُومِ، أيْ ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] أيْ كَما جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا أوْ كَما جَعَلَنا قِبْلَتَكم أفْضَلَ قِبْلَةٍ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا. اهـ، أيْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يُومِئُ إلى أنَّ المَهْدِيَّ هُمُ المُسْلِمُونَ وإلى أنَّ المَهْدِيَّ إلَيْهِ هو اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ وقْتَ قَوْلِ السُّفَهاءِ ما ولّاهم، عَلى ما قَدَّمْناهُ، وهَذا يَجْعَلُ الكافَ باقِيَةً عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلى وصْفِ الكَشّافِ الجَعْلِ بِالعَجِيبِ كَأنَّهُ رَأى أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَتَعَيَّنُ لِلْحَمْلِ عَلى أكْثَرَ مِنَ الإشارَةِ وإنْ كانَ إشارَةَ البَعِيدِ فَهو يُسْتَعْمَلُ غالِبًا مِن دُونِ إرادَةِ بُعْدٍ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُشارُ إلَيْهِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْنًى تَقَدَّمَ في الكَلامِ السّابِقِ، فالإشارَةُ حِينَئِذٍ إلى مَذْكُورٍ مُتَقَرِّرٍ في العِلْمِ فَهي جارِيَةٌ عَلى سَنَنِ الإشاراتِ. وحَمَلَ شُرّاحُ الكَشّافِ الكافَ عَلى غَيْرِ ظاهِرِ التَّشْبِيهِ، فَأمّا الطِّيبِيُّ والقُطْبُ فَقالا: الكافُ فِيهِ اسْمٌ بِمَعْنى مِثْلِ مُنْتَصِبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِجَعَلْناكم؛ أيْ مِثْلُ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم فَلَيْسَ تَشْبِيهًا ولَكِنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالَةٍ والمُشارُ إلَيْهِ ما يُفْهَمُ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ يَهْدِي وهو الأمْرُ العَجِيبُ الشَّأْنِ أيِ الهُدى التّامُّ، ووَجْهُ الإتْيانِ بِإشارَةِ البَعِيدِ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ وهو الَّذِي عَناهُ في الكَشّافِ بِالجَعْلِ العَجِيبِ، فالتَّعْظِيمُ هُنا لِبَداعَةِ الأمْرِ وعَجابَتِهِ، ثُمَّ إنَّ القُطْبَ ساقَ كَلامًا نَقَضَ بِهِ صَدْرَ كَلامِهِ.

وأمّا القَزْوِينِيُّ صاحِبُ الكَشْفِ والتَّفْتَزانِيُّ فَبَيَّناهُ بِأنَّ الكافَ مُقْحَمَةٌ كالزّائِدَةِ لا تَدُلُّ عَلى تَمْثِيلٍ ولا تَشْبِيهٍ فَيَصِيرُ اسْمُ الإشارَةِ عَلى هَذا نائِبًا مَنابَ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ لِجَعَلْناكم، كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ الجَعْلَ جَعَلْناكم أيْ فَعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى اسْمِ إشارَتِهِ النّائِبِ عَنْهُ لِإفادَةِ عَجابَةِ هَذا الجَعْلِ بِما مَعَ اسْمِ الإشارَةِ مِن عَلامَةِ البُعْدِ المُتَعَيِّنِ فِيها لِبُعْدِ المَرْتَبَةِ. والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَقْصُودٌ مِنهُ المُبالَغَةُ بِإيهامِ أنَّهُ لَوْ أرادَ المُشَبِّهُ أنْ …

Al-Baqara 2:143Listen in Qur'an →
144

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

We have certainly seen the turning of your face, [O Muhammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] are, turn your faces toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture well know that it is the truth from their Lord. And Allah is not unaware of what they do.

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وإفْضاءٌ لِشَرْعِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ونَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ المُفْتَتَحُ بِقَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] بَعْدَ أنْ مَهَّدَ اللَّهُ بِما تَقَدَّمَ مِن أفانِينِ التَّهْيِئَةِ وإعْدادِ النّاسِ إلى تَرَقُّبِهِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ﴾ [البقرة: ١٢٠] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ [البقرة: ١٢٥] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] . و”قَدْ“ في كَلامِ العَرَبِ لِلتَّحْقِيقِ ألا تَرى أهْلَ المَعانِي نَظَّرُوا ”هَلْ“ في الِاسْتِفْهامِ بِقَدْ في الخَبَرِ، فَقالُوا مِن أجْلِ ذَلِكَ إنَّ ”هَلْ“ لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ فَحَرْفُ ”قَدْ“ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الفِعْلِ فَهي مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ ”إنَّ“ مَعَ الأسْماءِ ولِذَلِكَ قالَ الخَلِيلُ: إنَّها جَوابٌ لِقَوْمٍ يَنْتَظِرُونَ الخَبَرَ ولَوْ أخْبَرُوهم لا يَنْتَظِرُونَهُ لَمْ يَقُلْ قَدْ فَعَلَ كَذا اهـ. ولَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ حَتّى يَحْتاجَ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ بِهِ كانَ الخَبَرُ بِهِ مَعَ تَأْكِيدِهِ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِهِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ لِدَفْعِ الِاسْتِبْطاءِ عَنْهُ

صفحة ٢٧

وأنْ يُطَمْئِنَهُ لِأنَّ النَّبِيءَ كانَ حَرِيصًا عَلى حُصُولِهِ ويَلْزَمُ ذَلِكَ الوَعْدُ بِحُصُولِهِ فَتَحْصُلُ كِنايَتانِ مُتَرَتِّبَتانِ.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ مَعَ ”قَدْ“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والمَقْصُودُ تَجَدُّدُ لازِمِهِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ اللّازِمِ وهو الوَعْدُ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ غَلَبَ عَلى ”قَدِ“ الدّاخِلَةِ عَلى المُضارِعِ أنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ مِثْلَ رُبَّما يَفْعَلُ. قالَ عُبَيْدُ بْنُ الأبْرَصِ:

قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ

وسَتَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. والتَّقَلُّبُ مُطاوِعُ قَلَّبَهُ إذا حَوَّلَهُ وهو مِثْلُ قَلَبَهُ بِالتَّخْفِيفِ، فالمُرادُ بِتَقْلِيبِ الوَجْهِ الِالتِفاتُ بِهِ أيْ تَحْوِيلُهُ مِن جِهَتِهِ الأصْلِيَّةِ فَهو هُنا تَرْدِيدُهُ في السَّماءِ، وقَدْ أخَذُوا مِنَ العُدُولِ إلى صِيغَةِ التَّفْعِيلِ الدّالَةِ عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ في هَذا التَّحْوِيلِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِما في هَذا التَّحْوِيلِ مِنَ التَّرَقُّبِ والشِّدَّةِ فالتَّفْعِيلُ لِقُوَّةِ الكَيْفِيَّةِ، قالُوا كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقَعُ في رَوْعِهِ إلْهامًا أنَّ اللَّهَ سَيُحَوِّلُهُ إلى مَكَّةَ فَكانَ يُرَدِّدُ وجْهَهُ في السَّماءِ فَقِيلَ يَنْتَظِرُ نُزُولَ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ، وعِنْدِي أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ تَقْلِيبُ وجْهِهِ عِنْدَ تَهَيُّؤِ نُزُولِ الآيَةِ وإلّا لَما كانَ يَتَرَقَّبُ جِبْرِيلَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنهُ هَذا التَّقْلِيبُ.

والفاءُ في ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فاءُ التَّعْقِيبِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ بِالصَّراحَةِ بَعْدَ التَّمْهِيدِ لَها بِالكِتابَةِ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾، والتَّوْلِيَةُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما ولّاهم عَنْ …

Al-Baqara 2:144Listen in Qur'an →
145

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.

﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، والمُناسَبَةُ أنَّهم يَعْلَمُونَ ولا يَعْلَمُونَ فَلَمّا أُفِيدَ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في إفادَتِهِ التَّعْرِيضَ بِأنَّهم مُكابِرُونَ ناسَبَتْ أنْ يُحَقِّقَ نَفْيُ الطَّمَعِ في اتِّباعِهِمُ القِبْلَةَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَطْمَعَ السّامِعُ بِاتِّباعِهِمْ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أحَقِّيَّتَها، فَلِذا أُكِّدَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى نَفْيِ اتِّباعِهِمْ بِالقَسَمِ واللّامِ المُوَطِّئَةِ، وبِالتَّعْلِيقِ عَلى أقْصى ما يُمْكِنُ عادَةً.

والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٤] عَيْنُ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] عَلى ما تَقَدَّمَ فَإنَّ ما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم يَكُونُ قُدْوَةً لِعامَّتِهِمْ فَإذا لَمْ يَتَّبِعْ أحْبارُهم قِبْلَةَ الإسْلامِ فَأجْدَرُ بِعامَّتِهِمْ أنْ لا يَتِّبِعُوها.

ووَجْهُ الإظْهارِ في مَقامَ الإضْمارِ هُنا الإعْلانُ بِمَذَمَّتِهِمْ حَتّى تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صَرِيحَةً في تَناوُلِهِمْ كَما هو الشَّأْنُ في الإظْهارِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ زِيادَةَ العِنايَةِ والتَّمَكُّنِ في الذِّهْنِ.

والمُرادُ ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾: آياتٌ مُتَكاثِرَةٌ، والمُرادُ بِالآيَةِ: الحُجَّةُ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ هو قِبْلَةُ الحَنِيفِيَّةِ.

وإطْلاقُ لَفْظِ ”كُلِّ“ عَلى الكَثْرَةِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

صفحة ٣٦

فَيالَكَ مِن لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَهُ بِكُلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ

وأصْلُهُ مَجازٌ لِجَعْلِ الكَثِيرِ مِن أفْرادِ شَيْءٍ مُشابِهًا لِمَجْمُوعِ عُمُومِ أفْرادِهِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ فَصارَ مَعْنًى مِن مَعانِي ”كُلِّ“ لا يَحْتاجُ اسْتِعْمالُهُ إلى قَرِينَتِهِ ولا إلى اعْتِبارِ تَشْبِيهِ العَدَدِ الكَثِيرِ مِن أفْرادِ الجِنْسِ بِعُمُومِ جَمِيعِ أفْرادِهِ حَتّى إنَّهُ يَرِدُ فِيما لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ عُمُومُ أفْرادٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ هُنا ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ فَإنَّ الآياتِ لا يُتَصَوَّرُ لَها عَدَدٌ يُحاطُ بِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ٦٩] وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧]، وقالَ النّابِغَةُ:

بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي ∗∗∗ إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ

وتَكَرَّرَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في قَوْلِ عَنْتَرَةَ:

جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ

سَحًّا وتَسْكابًا فَكُلُّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ يَجْرِي إلَيْها الماءُ لَمْ يَتَصَرَّمِ

وصاحِبُ القامُوسِ قالَ في مادَّةِ ”كُلِّ“: وقَدْ جاءَ اسْتِعْمالُ ”كُلِّ“ بِمَعْنى ”بَعْضِ“ ضِدٌّ، فَأثْبَتَ الخُرُوجَ عَنْ مَعْنى الإحاطَةِ ولَكِنَّهُ جازَفَ في قَوْلِهِ بِمَعْنى ”بَعْضِ“ وكانَ الأصْوَبُ أنْ يَقُولَ بِمَعْنى ”كَثِيرٍ“ .

والمَعْنى: أنَّ إنْكارَهم أحَقِّيَّةُ الكَعْبَةِ بِالِاسْتِقْبالِ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ حَتّى تُزِيلَهُ الحُجَّةُ ولَكِنَّهُ مُكابَرَةٌ وعِنادٌ فَلا جَدْوى في إطْنابِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ.

وإضافَةُ ”قِبْلَةٍ“ إلى ضَمِيرِ …

Al-Baqara 2:145Listen in Qur'an →
146

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Those to whom We gave the Scripture know him as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلَخْ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] إلَخِ اعْتِراضُ اسْتِطْرادٍ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ مَطاعِنِ أهْلِ الكِتابِ في القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ، فَإنَّ طَعْنَهم كانَ عَنْ مُكابَرَةٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ القِبْلَةَ الإسْلامِيَّةَ حَقٌّ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فاسْتَطْرَدَ بِأنَّ طَعْنَهم في القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ ما هو إلّا مِن مَجْمُوعِ طَعْنِهِمْ في الإسْلامِ وفي النَّبِيءِ ﷺ، والدَّلِيلُ عَلى الِاسْتِطْرادِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨]، فَقَدْ عادَ الكَلامُ إلى اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ.

فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ لا يَعُودُ إلى تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَتِ الجُمْلَةُ تَكْرِيرًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، بَلْ هو عائِدٌ إمّا إلى الرَّسُولِ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِمُعادٍ مُناسِبٍ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، لَكِنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ وتَكَرَّرَ خِطابُهُ فِيهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقَوْلِهِ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] فالإتْيانُ بِالضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ مِنَ الِالتِفاتِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ، وإمّا أنْ يَعُودَ إلى الحَقِّ في قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ فَيَشْمَلُ

صفحة ٤٠

رِسالَةَ الرَّسُولِ وجَمِيعَ ما جاءَ بِهِ، وإمّا إلى العِلْمِ في قَوْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] .

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ تَشْبِيهٌ في جَلاءِ المَعْرِفَةِ وتَحَقُّقِها فَإنَّ مَعْرِفَةَ المَرْءِ بِعَلائِقِهِ مَعْرِفَةٌ لا تَقْبَلُ اللَّبْسَ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:

فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ تَشْبِيهًا لِشِدَّةِ القُرْبِ البَيِّنِ.

وخَصَّ الأبْناءَ لِشِدَّةٍ تَعَلُّقِ الآباءِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّمَلِّي مِن رُؤْيَتِهِمْ كَثِيرًا فَتَتَمَكَّنُ مَعْرِفَتُهم فَمَعْرِفَةُ هَذا الحَقِّ ثابِتَةٌ لِجَمِيعِ عُلَمائِهِمْ.

وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ ”يَعْلَمُونَهُ“ إلى يَعْرِفُونَهُ لِأنَّ المَعْرِفَةَ تَتَعَلَّقُ غالِبًا بِالذَّواتِ والأُمُورِ المَحْسُوسَةِ قالَ تَعالى ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] وقالَ زُهَيْرٌ:

فَلَأْيًا عَرَفَتُ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ وتَقُولُ: عَرَفْتُ فُلانًا، لا تَقُولُ عَرَفْتُ عِلْمَ فُلانٍ، إلّا إذا أرَدْتَ أنَّ عِلْمَهُ صارَ كالمُشاهَدِ عِنْدَكَ، ولِهَذا لا يُعَدّى فِعْلُ العِرْفانِ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما تُعَدّى أفْعالُ الظَّنِّ والعِلْمِ، ولِهَذا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِصِفَةِ العِلْمِ فَيُقالُ ”العَلِيمُ“، ولا يُوصَفُ بِصِفَةِ المَعْرِفَةِ فَلا يُقالُ اللَّهُ يَعْرِفُ كَذا، فالمَعْنى: يَعْرِفُونَ صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ وعَلاماتِهِ المَذْكُورَةَ في كُتُبِهِمْ، ويَعْرِفُونَ الحَقَّ كالشَّيْءِ المُشاهَدِ. والمُرادُ بُقُولِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أحْبارُ اليَهُودِ والنَّصارى ولِذَلِكَ عُرِّفُوا …

Al-Baqara 2:146Listen in Qur'an →
147

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

صفحة ٤١

﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا الحَقُّ، وحَذْفُ المُسْنَدُ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذا مِمّا جَرى عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَ جَرَيانِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الدِّيارِ ”رَبْعٌ قَواءٌ“ وبَعْدَ ذِكْرِ المَمْدُوحِ ”فَتًى“ ونَحْوُ ذَلِكَ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ. وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ نَهى عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ الشّاكِّينَ في ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِن هَذا. والتَّعْرِيفُ في الحَقِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ كَما في قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ وقَوْلِهِمُ: الكَرَمُ في العَرَبِ، هَذا التَّعْرِيفُ لِجُزْئَيِ الجُمْلَةِ الظّاهِرِ والمُقَدَّرِ يُفِيدُ قَصْرَ الحَقِيقَةِ عَلى الَّذِي يَكْتُمُونَهُ وهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ أيْ لا ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، وإظْهارُ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلْحَقِّ.

والِامْتِراءُ: افْتِعالٌ مِنَ المِراءِ وهو الشَّكُّ، والِافْتِعالُ فِيهِ لَيْسَ لِلْمُطاوَعَةِ ومَصْدَرُ المِرْيَةِ لا يُعْرِفُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بَلْ هو دائِمًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ، والمَقْصُودُ مِن خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ في قَوْلِهِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ [البقرة: ١٤٥] وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ تَحْذِيرُ الأُمَّةِ وهَذِهِ عادَةُ القُرْآنِ في كُلِّ تَحْذِيرٍ مُهِمٍّ لِيَكُونَ خِطابُ النَّبِيءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وهو أقْرَبُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ تَعالى وأوْلاهم بِكَرامَتِهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَن وقَعَ في مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الأُمَّةِ قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، ولَيْسَ لَهُ مِنَ النَّجاةِ بابٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِن كُلِّ مَن يَصْلُحُ لِهَذا الخِطابِ.

Al-Baqara 2:147Listen in Qur'an →
148

وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

For each [religious following] is a direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allah will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allah is over all things competent.

﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، فَهو مِن تَمامِ الِاعْتِراضِ، أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] مَعَ اعْتِبارِ ما اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ مِنَ الجُمَلِ، ذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ لُقِّنَ الرَّسُولُ ﷺ ما يُجِيبُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ فَضِيلَةَ قِبْلَتِهِمْ وأنَّهم عَلى الحَقِّ وأيْأسَهم مِن تَرَقُّبِ اعْتِرافِ اليَهُودِ بِصِحَّةِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ذُيِّلَ ذَلِكَ

صفحة ٤٢

بِهَذا التَّذْيِيلِ الجامِعِ لِمَعانٍ سامِيَةٍ، طَيًّا لِبِساطِ المُجادَلَةِ مَعَ اليَهُودِ في أمْرِ القِبْلَةِ، كَما يُقالُ في المُخاطَباتِ: دَعْ هَذا أوْ: عُدْ عَنْ هَذا، والمَعْنى أنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ اتِّجاهًا مِنَ الفَهْمِ والخَشْيَةِ عِنْدَ طَلَبِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ. وهَذا الكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ أيِ اتْرُكُوا مُجادَلَةَ أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ القِبْلَةِ ولا يُهِمَّنَّكم خِلافُهم فَإنَّ خِلافَ المُخالِفِ لا يُناكِدُ حَقَّ المُحِقِّ.

وفِيهِ صَرْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنْ يَهْتَمُّوا بِالمَقاصِدِ ويَعْتَنُوا بِإصْلاحِ مُجْتَمَعِهِمْ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنِ البِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾، فَقَوْلُهُ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِاسْتِباقِ الخَيْراتِ. فَهَكَذا تَرْتِيبُ الآيَةِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ كَتَرْتِيبِ الخُطَبِ بِذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ ومَقْصِدٍ وبَيانٍ لَهُ وتَعْلِيلٍ وتَذْيِيلٍ.

و(كُلِّ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ، وهو مُبْهَمٌ يَتَعَيَّنُ بِما يُضافُ هو إلَيْهِ فَإذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ عُوِّضَ عَنْهُ تَنْوِينُ ”كُلٍّ“ وهو التَّنْوِينُ المُسَمّى تَنْوِينُ العِوَضِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى المُضافِ إلَيْهِ فَهو عِوَضٌ عَنْهُ.

وحَذْفُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ كُلُّ هُنا لِدَلالَةِ المُقامِ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُ هَذا المَحْذُوفِ: أُمَّةٌ، لِأنَّ الكَلامَ كُلَّهُ في اخْتِلافِ الأُمَمِ في أمْرِ القِبْلَةِ، وهَذا المُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ يُقَدَّرُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن لَفْظِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] أوْ يُقَدَّرُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ دُونَ لَفْظٍ تَقَدَّمَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] في سُورَةِ النِّساءِ، ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الكَلامَ عَلى تَخالُفِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ في قِبْلَةِ الصَّلاةِ، فالتَّقْدِيرُ: ولِكُلٍّ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى وِجْهَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] .

والوِجْهَةُ حَقِيقَتُها البُقْعَةُ الَّتِي يُتَوَجَّهُ إلَيْها فَهي وزْنُ فِعْلَةِ مُؤَنَّثُ فِعْلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ ذِبْحٍ، ولِكَوْنِها اسْمَ مَكانٍ لَمْ تُحْذَفِ الواوُ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ عِنْدَ اقْتِرانِ الِاسْمِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ حَذْفَ الواوِ في مِثْلِهِ …

Al-Baqara 2:148Listen in Qur'an →
149

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

So from wherever you go out [for prayer, O Muhammad] turn your face toward al- Masjid al-Haram, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allah is not unaware of what you do.

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عُطِفَ قَوْلُهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفَ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ مِن جِنْسِهِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ لا تَهاوُنَ في القِيامِ بِهِ ولَوْ في حالَةِ العُذْرِ كالسَّفَرِ، فالمُرادُ: مِن حَيْثُ خَرَجْتَ مِن كُلِّ مَكانٍ خَرَجْتَ

صفحة ٤٥

مُسافِرًا لِأنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ في الِاهْتِداءِ لِجِهَةِ الكَعْبَةِ فَرُبَّما يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ سُقُوطَ الِاسْتِقْبالِ عَنْهُ، وفي مُعْظَمِ هاتِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِأمْرِ القِبْلَةِ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] .

وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ زِيادَةُ تَحْذِيرٍ مِنَ التَّساهُلِ في أمْرِ القِبْلَةِ.

وقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وأُعِيدَ لَفْظُ الجُمْلَةِ السّالِفَةِ لِيُبْنى عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآيَةَ.

والمَقْصِدُ التَّعْمِيمُ في هَذا الحُكْمِ في السَّفَرِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّبِيءِ ﷺ .

وحَصَلَ مِن تَكْرِيرِ مُعْظَمِ الكَلِماتِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ .

وقَدْ تَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ النَّبِيءِ الكَعْبَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ المُسْلِمِينَ الكَعْبَةَ مَرَّتَيْنِ.

وتَكَرَّرَ إنَّهُ الحَقُّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ تَعْمِيمُ الجِهاتِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والقَصْدُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ والتَّحْذِيرُ مِن تَطَرُّقِ التَّساهُلِ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلْحَقِّ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، وزِيادَةً في الرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ التَّأْكِيدَ، مِن زِيادَةِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾، ومِن جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِحُكْمِ الِاسْتِقْبالِ: وهي جُمْلَةُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآياتِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ وجُمْلَةُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ الآياتِ، وفِيهِ إظْهارُ أحَقِّيَّةِ الكَعْبَةِ بِذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلى الحَقِّ لا يَزِيدُهُ إنْكارُ المُنْكِرِينَ إلّا تَصْمِيمًا، والتَّصْمِيمُ يَسْتَدْعِي إعادَةَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى ما صُمِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى التَّحَقُّقِ في مَعْنى الكَلامِ.

وقَدْ ذُكِرَ في خِلالِ ذَلِكَ مِن بَيانِ فَوائِدِ هَذا التَّحْوِيلِ وما حَفَّ بِهِ، ما يَدْفَعُ قَلِيلَ السَّآمَةِ العارِضَةِ لِسَماعِ التَّكْرارِ، فَذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ﴾ إلَخْ، وذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ إلَخْ.

صفحة ٤٦

والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وهو حُكْمُ …

Al-Baqara 2:149Listen in Qur'an →
150

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided.

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عُطِفَ قَوْلُهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفَ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ مِن جِنْسِهِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ لا تَهاوُنَ في القِيامِ بِهِ ولَوْ في حالَةِ العُذْرِ كالسَّفَرِ، فالمُرادُ: مِن حَيْثُ خَرَجْتَ مِن كُلِّ مَكانٍ خَرَجْتَ

صفحة ٤٥

مُسافِرًا لِأنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ في الِاهْتِداءِ لِجِهَةِ الكَعْبَةِ فَرُبَّما يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ سُقُوطَ الِاسْتِقْبالِ عَنْهُ، وفي مُعْظَمِ هاتِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِأمْرِ القِبْلَةِ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] .

وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ زِيادَةُ تَحْذِيرٍ مِنَ التَّساهُلِ في أمْرِ القِبْلَةِ.

وقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وأُعِيدَ لَفْظُ الجُمْلَةِ السّالِفَةِ لِيُبْنى عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآيَةَ.

والمَقْصِدُ التَّعْمِيمُ في هَذا الحُكْمِ في السَّفَرِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّبِيءِ ﷺ .

وحَصَلَ مِن تَكْرِيرِ مُعْظَمِ الكَلِماتِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ .

وقَدْ تَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ النَّبِيءِ الكَعْبَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ المُسْلِمِينَ الكَعْبَةَ مَرَّتَيْنِ.

وتَكَرَّرَ إنَّهُ الحَقُّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ تَعْمِيمُ الجِهاتِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والقَصْدُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ والتَّحْذِيرُ مِن تَطَرُّقِ التَّساهُلِ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلْحَقِّ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، وزِيادَةً في الرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ التَّأْكِيدَ، مِن زِيادَةِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾، ومِن جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِحُكْمِ الِاسْتِقْبالِ: وهي جُمْلَةُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآياتِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ وجُمْلَةُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ الآياتِ، وفِيهِ إظْهارُ أحَقِّيَّةِ الكَعْبَةِ بِذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلى الحَقِّ لا يَزِيدُهُ إنْكارُ المُنْكِرِينَ إلّا تَصْمِيمًا، والتَّصْمِيمُ يَسْتَدْعِي إعادَةَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى ما صُمِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى التَّحَقُّقِ في مَعْنى الكَلامِ.

وقَدْ ذُكِرَ في خِلالِ ذَلِكَ مِن بَيانِ فَوائِدِ هَذا التَّحْوِيلِ وما حَفَّ بِهِ، ما يَدْفَعُ قَلِيلَ السَّآمَةِ العارِضَةِ لِسَماعِ التَّكْرارِ، فَذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ﴾ إلَخْ، وذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ إلَخْ.

صفحة ٤٦

والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وهو حُكْمُ …

Al-Baqara 2:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.