Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يَظْهَرُ لِي أنَّ جُمْلَةَ وإذا قِيلَ لَهم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ إخْبارٌ عَنْ بَعْضِ عَجِيبِ أحْوالِهِمْ، ومِن تِلْكَ الأحْوالِ أنَّهم قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في حِينِ أنَّهم مُفْسِدُونَ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى أقْرَبِ الجُمَلِ المُلِظَّةِ لِأحْوالِهِمْ وإنْ كانَ ذَلِكَ آيِلًا في المَعْنى إلى كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ في قَوْلِهِ ﴿مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] و”إذا“ هُنا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَتْ مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ كَما أنَّها هُنا لِلْماضِي ولَيْسَتْ لِلْمُسْتَقْبَلِ وذَلِكَ كَثِيرٌ فِيها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] الآيَةَ.

ومِن نُكَتِ القُرْآنِ المَغْفُولِ عَنْها تَقْيِيدُ هَذا الفِعْلِ بِالظَّرْفِ فَإنَّ الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَحَلَّ المَذَمَّةِ هو أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ، ولَكِنْ عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ أنَّ هَذا القَوْلَ يَكُونُ قائِلُوهُ أجْدَرَ بِالمَذَمَّةِ حِينَ يَقُولُونَهُ في جَوابِ مَن يَقُولُ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ فَإنَّ هَذا الجَوابَ الصّادِرَ مِنَ المُفْسِدِينَ لا يَنْشَأُ إلّا عَنْ مَرَضِ القَلْبِ وأفَنِ الرَّأْيِ، لِأنَّ شَأْنَ الفَسادِ أنْ لا يَخْفى ولَئِنْ خَفِيَ فالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ واعْتِقادُ أنَّهُ صَلاحٌ بَعْدَ الإيقاظِ إلَيْهِ والمَوْعِظَةِ، إفْراطٌ في الغَباوَةِ أوِ المُكابَرَةِ وجَهْلٌ فَوْقَ جَهْلٍ.

وعِنْدِي أنَّ هَذا هو المُقْتَضِي لِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى جُمْلَةِ قالُوا. . .، لِأنَّهُ أهَمُّ إذْ هو مَحَلُّ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، ونُكَتُ الإعْجازِ لا تَتَناهى.

صفحة ٢٨٤

والقائِلُ لَهم ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بَعْضُ مَن وقَفَ عَلى حالِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمُ اطِّلاعٌ عَلى شُؤُونِهِمْ لِقَرابَةٍ أوْ صُحْبَةٍ، فَيُخْلِصُونَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ والمَوْعِظَةَ رَجاءَ إيمانِهِمْ ويَسْتُرُونَ عَلَيْهِمْ خَشْيَةً عَلَيْهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ وعِلْمًا بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُغْضِي عَنْ زَلّاتِهِمْ كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وفِي جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ما يُفِيدُ أنَّ الَّذِينَ قالُوا لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم مُفْسِدُونَ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى حَرْفِ ”إنَّما“ كَما سَيَأْتِي ويَدُلُّ لِذَلِكَ عِنْدِي بِناءُ فِعْلِ قِيلَ لِلْمَجْهُولِ بِحَسَبِ ما يَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ القائِلُ لَهُمُ اللَّهُ والرَّسُولُ إذْ لَوْ نَزَلَ الوَحْيُ وبَلَّغَ إلى مُعَيَّنِينَ مِنهم لَعُلِمَ كُفْرُهم ولَوْ نَزَلَ مُجْمَلًا كَما تَنْزِلُ مَواعِظُ القُرْآنِ لَمْ يَسْتَقِمْ جَوابُهم بِقَوْلِهِمْ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ.

وقَدْ عَنَّ لِي في بَيانِ إيقاعِهِمُ الفَسادَ أنَّهُ مَراتِبٌ: أوَّلُها إفْسادُهم أنْفُسَهم بِالإصْرارِ عَلى تِلْكَ الأدْواءِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها فِيما مَضى وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ المَذامِّ ويَتَوَلَّدُ مِنَ المَفاسِدِ.

الثّانِيَةُ: إفْسادُهُمُ النّاسَ بِبَثِّ تِلْكَ الصِّفاتِ، والدَّعْوَةِ إلَيْها، وإفْسادُهم أبْناءَهم وعِيالَهم في اقْتِدائِهِمْ بِهِمْ في مَساوِيهِمْ كَما قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا …

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾

رَدٌّ عَلَيْهِمْ في غُرُورِهِمْ وحَصْرِهِمْ أنْفُسَهم في الصَّلاحِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ القَصْرِ هو أبْلَغُ فِيهِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي قالُوهُ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُسْنَدِ يُفِيدُ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ فَيُفِيدُ قَوْلُهُ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ قَصْرَ الإفْسادِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ في غَيْرِهِمْ وذَلِكَ يَنْفِي حَصْرَهم أنْفُسَهم في الإصْلاحِ ويَنْقُضُهُ وهو جارٍ عَلى قانُونِ النَّقْضِ وعَلى أُسْلُوبِ القَصْرِ الحاصِلِ بِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وإنْ كانَ الرَّدُّ قَدْ يَكْفِي فِيهِ أنْ يُقالَ إنَّهم مُفْسِدُونَ بِدُونِ صِيغَةِ قَصْرٍ، إلّا أنَّهُ

صفحة ٢٨٦

قَصَرَ لِيُفِيدَ ادِّعاءَ نَفْيِ الإفْسادِ عَنْ غَيْرِهِمْ. وقَدْ يُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ المُنافِقِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ يَنْتَظِمُ في عِدادِ المُصْلِحِينَ لِأنَّ شَأْنَ المُفْسِدِ عُرْفًا أنْ لا يَكُونَ مُصْلِحًا إذِ الإفْسادُ هَيِّنُ الحُصُولِ وإنَّما يَصُدُّ عَنْهُ الوازِعُ فَإذا خَلَعَ المَرْءُ عَنْهُ الوازِعَ وأخَذَ في الإفْسادِ هانَ عَلَيْهِ الإفْسادُ ثُمَّ تَكَرَّرَ حَتّى يُصْبِحَ سَجِيَّةً ودَأْبًا لا يَكادُ يُفارِقُ مَوْصُوفَهُ.

وحَرْفُ ألا لِلتَّنْبِيهِ إعْلانًا لِوَصْفِهِمْ بِالإفْسادِ.

وقَدْ أكَّدَ قَصْرَ الفَسادِ عَلَيْهِمْ بِضَمِيرِ الفَصْلِ أيْضًا - كَما أكَّدَ بِهِ القَصْرَ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا ودُخُولُ (إنَّ) عَلى الجُمْلَةِ وقَرْنُها بِألا المُفِيدَةِ لِلتَّنْبِيهِ وذَلِكَ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وتَقْوِيَتِهِ دَلالَةً عَلى سَخَطِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فَإنَّ أدَواتِ الِاسْتِفْتاحِ مِثْلَ: ”ألا“، ”وأما“ لَمّا كانَ شَأْنُها أنْ يُنَبَّهَ بِها السّامِعُونَ دَلَّتْ عَلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وإشاعَتِهِ وإعْلانِهِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَدُلَّ عَلى أبْلَغِيَّةِ ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ أوْ غَيْرِهِما، ويَدُلُّ ذَلِكَ أيْضًا عَلى كَمالِ ظُهُورِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ لِلْعِيانِ لِأنَّ أدَواتِ التَّنْبِيهِ شارَكَتْ أسْماءَ الإشارَةِ في تَنْبِيهِ المُخاطَبِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ مَحْمَلُهُ مَحْمَلُ قَوْلِهِ تَعالى قَبْلَهُ (﴿وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]) فَإنَّ أفْعالَهُمُ الَّتِي يَبْتَهِجُونَ بِها ويَزْعُمُونَها مُنْتَهى الحِذْقِ والفِطْنَةِ وخِدْمَةِ المَصْلَحَةِ الخالِصَةِ آيِلَةٌ إلى فَسادٍ عامٍّ لا مَحالَةَ إلّا أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا إلى ذَلِكَ لِخَفائِهِ ولِلْغِشاوَةِ الَّتِي أُلْقِيَتْ عَلى قُلُوبِهِمْ مِن أثَرِ النِّفاقِ ومُخالَطَةِ عُظَماءِ أهْلِهِ، فَإنَّ حالَ القَرِينِ وسَخافَةَ المَذْهَبِ تَطْمِسُ عَلى العُقُولِ النَّيِّرَةِ وتَخِفُّ بِالأحْلامِ الرّاجِحَةِ حَتّى تَرى حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ. ومَوْقِعُ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ هُنا لِأنَّ الكَلامَ دَفْعٌ لِما أثْبَتُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الخُلُوصِ لِلْإصْلاحِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ.

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ هو مِن تَمامِ المَقُولِ قَبْلَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ بِالعَطْفِ والقائِلِ، ويَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ القائِلُ أيْضًا طائِفَةً مِنَ المُنافِقِينَ يُشِيرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإقْلاعِ عَنِ النِّفاقِ لِأنَّهم ضَجِرُوهُ وسَئِمُوا كُلَفَهُ ومُتَّقَياتِهِ، وكَلَّتْ أذْهانُهم مِنَ ابْتِكارِ الحِيَلِ واخْتِلاقِ الخَطَلِ. وحَذْفُ مَفْعُولِ آمَنُوا اسْتِغْناءً عَنْهُ بِالتَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أوْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ. وقَوْلُهُ ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾

صفحة ٢٨٧

الكافُ فِيهِ لِلتَّشْبِيهِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ، واللّامُ في النّاسِ لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ. والمُرادُ بِالنّاسِ مَن عَدا المُخاطَبِينَ، كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ في الإغْراءِ بِالفِعْلِ والحَثِّ عَلَيْهِ لِأنَّ شَأْنَ النُّفُوسِ أنْ تُسْرِعَ إلى التَّقْلِيدِ والِاقْتِداءِ بِمَن يَسْبِقُها في الأمْرِ، فَلِذَلِكَ يَأْتُونَ بِهاتِهِ الكَلِمَةِ في مَقامِ الإغْراءِ أوِ التَّسْلِيَةِ أوِ الِائْتِساءِ. قالَ عَمْرُو ابْنُ البَرّاقَةِ النِّهْمِيُّ:

ونَنْصُرُ مَوْلانا ونَعْلَمُ أنَّهُ كَما النّاسِ مَجْرُومٌ عَلَيْهِ وجارِمُ

وقَوْلُهُ ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ اسْتِفْهامٌ لِلْإنْكارِ، قَصَدُوا مِنهُ التَّبَرُّؤَ مِنَ الإيمانِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وجَعَلُوا الإيمانَ المُتَبَرَّأ مِنهُ شَبِيهًا بِإيمانِ السُّفَهاءِ تَشْنِيعًا لَهُ وتَعْرِيضًا بِالمُسْلِمِينَ بِأنَّهم حَمَلَهم عَلى الإيمانِ سَفاهَةُ عُقُولِهِمْ، ودَلُّوا عَلى أنَّهم عَلِمُوا مُرادَ مَن يَقُولُ لَهم: كَما آمَنَ النّاسُ، أنَّهُ يَعْنِي بِالنّاسِ المُسْلِمِينَ. والسُّفَهاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ وهو المُتَّصِفُ بِالسَّفاهَةِ. والسَّفاهَةُ خِفَّةُ العَقْلِ وقِلَّةُ ضَبْطِهِ لِلْأُمُورِ قالَ السَّمَوْألُ:

نَخافُ أنْ تَسْفَهَ أحْلامُنا ∗∗∗ فَنَخْمُلَ الدَّهْرَ مَعَ الخامِلِ

والعَرَبُ تُطْلِقُ السَّفاهَةَ عَلى أفَنِ الرَّأْيِ وضَعْفِهِ، وتُطْلِقُها عَلى سُوءِ التَّدْبِيرِ لِلْمالِ. قالَ تَعالى ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] وقالَ ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةَ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ مِن ضَعْفِ الرَّأْيِ. ووَصْفُهُمُ المُؤْمِنِينَ بِالسَّفاهَةِ بُهْتانٌ لِزَعْمِهِمْ أنَّ مُخالَفَتَهم لا تَكُونُ إلّا لِخِفَّةٍ في عُقُولِهِمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِتَحْقِيرِهِمْ، كَيْفَ وفي المُسْلِمِينَ سادَةُ العَرَبِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وهَذِهِ شَنْشَنَةُ أهْلِ الفَسادِ والسَّفَهِ أنْ يَرْمُوا المُصْلِحِينَ بِالمُذِمّاتِ بُهْتانًا ووَقاحَةً لِيُلْهُوهم عَنْ تَتَبُّعِ مَفاسِدِهِمْ ولِذَلِكَ قالَ أبُو الطَّيِّبِ:

وإذا أتَتْكَ مَذَمَّتِي مِن ناقِصٍ ∗∗∗ فَهي الشَّهادَةُ لِي بِأنِّيَ كامِلٌ

ولَيْسَ في هاتِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى حُكْمِ الزِّنْدِيقِ إذا ظَهَرَ عَلَيْهِ وعُرِفَتْ زَنْدَقَتُهُ إثْباتًا، ولا نَفْيًا لِأنَّ القائِلِينَ لَهم: آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ، هم مِن أقارِبِهِمْ أوْ خاصَّتِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُفْشُوا أمْرَهم فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ظُهُورِ نِفاقِهِمْ لِلرَّسُولِ بِوَجْهٍ مُعْتادٍ ولَكِنَّهُ شَيْءٌ أطْلَعَ

صفحة ٢٨٨

عَلَيْهِ نَبِيئَهُ، وكانَتِ المُصْلِحَةُ في سَتْرِهِ، وقَدِ اطَّلَعَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ بِمُخالَطَتِهِمْ وعَلِمُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ الإعْراضَ عَنْ إذاعَةِ ذَلِكَ فَكانَتِ الآيَةُ غَيْرَ دالَّةٍ عَلى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ النِّفاقِ والزَّنْدَقَةِ.

* * *

﴿ألا إنَّهم …

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾

عُطِفَ ﴿وإذا لَقُوا﴾ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا﴾ [البقرة: ١١] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] والكَلامُ في الظَّرْفِيَّةِ والزَّمانِ سَواءٌ.

والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿وإذا خَلَوْا﴾ فَبِذَلِكَ كانَ مُفِيدًا فائِدَةً زائِدَةً عَلى ما في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] الآيَةَ، فَلَيْسَ ما هُنا تَكْرارًا مَعَ ما هُناكَ، لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا وصْفُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وإيهامِهِمْ أنَّهم مِنهم ولِقائِهِمْ بِوُجُوهِ الصّادِقِينَ، فَإذا فارَقُوهم وخَلَصُوا إلى قَوْمِهِمْ وقادَتِهِمْ خَلَعُوا ثَوْبَ التَّسَتُّرِ وصَرَّحُوا بِما يُبْطِنُونَ. ونُكْتَةُ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا﴾ [البقرة: ١١] ومَعْنى قَوْلِهِمْ آمَنّا أيْ كُنّا مُؤْمِنِينَ، فالمُرادُ مِنَ الإيمانِ في قَوْلِهِمْ آمَنّا الإيمانُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هو مَجْمُوعُ الأوْصافِ الِاعْتِقادِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ الَّتِي تَلَقَّبَ بِها المُؤْمِنُونَ وعُرِفُوا بِها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيْ كُنّا عَلى دِينِ اليَهُودِيَّةِ فَلا مُتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ آمَنّا حَتّى يَحْتاجَ لِتَوْجِيهِ حَذْفِهِ أوْ تَقْدِيرِهِ، أوْ أُرِيدَ: آمَنّا بِما آمَنتُمْ بِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ولِقاؤُهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا هو حُضُورُهم مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ ومَجالِسَ المُؤْمِنِينَ. ومَعْنى ﴿قالُوا آمَنّا﴾ أظْهَرُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ لا بِعَقْدِ القَلْبِ، أيْ نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الإسْلامِ وغَيْرِها مِمّا يُتَرْجِمُ عَنِ الإيمانِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذا لَقُوا﴾ والمَقْصُودُ هو هَذا المَعْطُوفُ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَتَمْهِيدٌ لَهُ كَما عَلِمْتَ، وذَلِكَ ظاهِرٌ مِنَ السِّياقِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ المَقْصُودَ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا في حالِ اسْتِهْزاءٍ يُصَرِّحُونَ بِقَصْدِهِ إذا خَلَوْا، بِدَلِيلِ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهم يَأْبَوْنَ مِنَ الإيمانِ ويَقُولُونَ ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣] إنْكارًا لِذَلِكَ، وواوُ العَطْفِ صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى المَعِيَّةِ وغَيْرِها بِحَسَبَ السِّياقِ، وذَلِكَ أنَّ السِّياقَ في بَيانِ ما لَهم مِن وجْهَيْنِ وجْهٍ مَعَ المُؤْمِنِينَ ووَجْهٍ مَعَ قادَتِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَجْعَلْ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ في

صفحة ٢٩٠

صُورَةِ الحالِ كَأنْ يُقالَ: قائِلِينَ لِشَياطِينِهِمْ إذا خَلَوْا، ولَمْ نَحْمِلِ الواوَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا خَلَوْا﴾ عَلى الحالِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مَضْمُونَ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ لَمّا كانَ صالِحًا لِأنْ يُعْتَبَرَ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً دالَّةً عَلى النِّفاقِ قُصِدَ بِالعَطْفِ اسْتِقْلالُ كِلْتَيْهِما لِأنَّ الغَرَضَ تَعْدادُ مَساوِيهِمْ فَإنَّ مَضْمُونَ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ مُنادٍ وحْدُهُ بِنِفاقِهِمْ في هاتِهِ الحالَةِ.

كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وإذا لَقُوا﴾ الدّالُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الأصْلَ اتِّحادُ مَوْقِعِ الجُمْلَتَيْنِ المُتَماثِلَتَيْنِ لَفْظًا. ولِما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في وجْهِ العُدُولِ عَنِ الإتْيانِ بِالحالِ.

والشَّياطِينُ جَمْعُ شَيْطانٍ - جَمْعُ …

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾

لَمْ تُعْطَفْ هاتِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلَها لِأنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وذَلِكَ أنَّ السّامِعَ لِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ: آمَنّا، وقَوْلِهِمْ لِشَياطِينِهِمْ: إنّا مَعَكم إلَخْ. يَقُولُ: لَقَدْ راجَتْ حِيلَتُهم عَلى المُسْلِمِينَ الغافِلِينَ عَنْ كَيْدِهِمْ، وهَلْ يَتَفَطَّنُ مُتَفَطِّنٌ في المُسْلِمِينَ لِأحْوالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، أوْ هَلْ يَرُدُّ لَهم ما رامُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَنِ الَّذِي يَتَوَلّى مُقابَلَةَ صُنْعِهِمْ ؟ فَكانَ لِلِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ غايَةُ الفَخامَةِ والجَزالَةِ. وهو أيْضًا واقِعٌ مَوْقِعَ الِاعْتِراضِ، والأكْثَرُ في الِاعْتِراضِ تَرْكُ العاطِفِ. وذِكْرُ: يَسْتَهْزِئُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ مُجازاةٌ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ. ولِأجَلِ اعْتِبارِ الِاسْتِئْنافِ قُدِّمَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ. ولَمْ يَقُلْ يَسْتَهْزِئُ اللَّهُ بِهِمْ، لِأنَّ مِمّا يَجُولُ في خاطِرِ السّائِلِ أنْ يَقُولَ: مَنِ الَّذِي يَتَوَلّى مُقابَلَةَ سُوءِ صَنِيعِهِمْ فَأُعْلِمَ أنَّ الَّذِي يَتَوَلّى ذَلِكَ هو رَبُّ العِزَّةِ تَعالى. وفي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُنْتَصِرِ لَهم وهُمُ المُؤْمِنُونَ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ هُنا لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ قَصْرُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا كانَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ الإيجابِ يَأْتِي لِتَقَوِّي الحُكْمِ ويَأْتِي لِلْقَصْرِ عَلى رَأْيِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ وصاحِبِ الكَشّافِ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ [المزمل: ٢٠] في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، كانَ الجَمْعُ بَيْنَ قَصْدِ التَّقَوِّي وقَصْدِ التَّخْصِيصِ جائِزًا في مَقاصِدِ الكَلامِ البَلِيغِ، وقَدْ جَوَّزَهُ في الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] في سُورَةِ الجِنِّ؛ لِأنَّ ما يُراعِيهِ البَلِيغُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ لا يَتْرُكُ حَمْلَ الكَلامِ البَلِيغِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِأبْلَغِ كَلامٍ، ولِذَلِكَ يُقالُ النُّكَتُ لا تَتَزاحَمُ.

كانَ المُنافِقُونَ يَغُرُّهم ما يَرَوْنَ مِن صَفْحِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْهم وإعْراضِ المُؤْمِنِينَ عَنِ التَّنازُلِ لَهم فَيَحْسَبُونَ رَواجَ حِيلَتِهِمْ ونِفاقِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ

صفحة ٢٩٤

﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] فَتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لا لِقَصْدِ التَّقَوِّي إذْ لا مُقْتَضى لَهُ.

وفِعْلُ (يَسْتَهْزِئُ) المُسْنَدُ إلى اللَّهِ لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ لِأنَّ المُرادَ هُنا أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ في الدُّنْيا ما يُسَمّى بِالِاسْتِهْزاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ ولَمْ يَقَعِ اسْتِهْزاءٌ حَقِيقِيٌّ في الدُّنْيا فَهو إمّا تَمْثِيلٌ لِمُعامَلَةِ اللَّهِ إيّاهم في مُقابَلَةِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، بِما يُشْبِهُ فِعْلَ المُسْتَهْزِئِ بِهِمْ وذَلِكَ بِالإمْلاءِ لَهم حَتّى يَظُنُّوا أنَّهم سَلِمُوا مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ فَيَظُنُّوا أنَّ اللَّهَ راضٍ عَنْهم أوْ أنَّ أصْنامَهم نَفَعُوهم حَتّى إذا نَزَلَ بِهِمْ عَذابُ …

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾

الإشارَةُ إلى ﴿مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] وما عُطِفَ عَلى صِلَتِهِ مِن صِفاتِهِمْ وجِيءَ بِاسْمِ إشارَةِ الجَمْعِ لِأنَّ ماصَدَقَ‌ (مَن) هو فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ، وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِتُفِيدَ تَقْرِيرَ مَعْنى ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] فَمَضْمُونُها بِمَنزِلَةِ التَّوْكِيدِ، وذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي الفَصْلَ، ولِتُفِيدَ تَعْلِيلَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِسائِلٍ عَنِ العِلَّةِ، وهي أيْضًا فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ السّابِقَةِ الشّارِحَةِ لِأحْوالِهِمْ، وشَأْنُ الفَذْلَكَةِ عَدَمُ العَطْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكُلُّ هَذِهِ الِاعْتِباراتِ مُقْتَضٍ لِعَدَمِ العَطْفِ فَفِيها ثَلاثَةُ مُوجِباتٍ لِلْفَصْلِ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن نَظْمِ الكَلامِ مُقابِلُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ومُقابِلُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] الآيَةَ، واسْمُ الإشارَةِ هُنا غَيْرُ مُشارٍ بِهِ إلى ذَواتٍ ولَكِنْ إلى صِنْفٍ اجْتَمَعَتْ فِيهِمُ الصِّفاتُ الماضِيَةُ فانْكَشَفَتْ أحْوالُهم حَتّى صارُوا كالحاضِرِينَ تُجاهَ السّامِعِ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِمْ، وهَذا اسْتِعْمالٌ كَثِيرُ الوُرُودِ في الكَلامِ البَلِيغِ.

ولَيْسَ في هَذِهِ الإشارَةِ إشْعارٌ بِبُعْدٍ أوْ قُرْبٍ حَتّى تُفِيدَ تَحْقِيرًا ناشِئًا عَنِ البُعْدِ لِأنَّ هَذا مِن أسْماءِ الإشارَةِ الغالِبَةِ في كَلامِ العَرَبِ فَلا عُدُولَ فِيها حَتّى يَكُونَ العُدُولُ لِمَقْصِدٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] ولِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ هُنا غَيْرُ مَحْسُوسٍ حَتّى يَكُونَ لَهُ مَرْتَبَةٌ مُعَيَّنَةٌ فَيَكُونُ العُدُولُ عَنْ لَفْظِها لِقَصْدِ مَعْنًى ثانٍ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] مَعَ قُرْبِ الكِتابِ لِلنّاطِقِ بِآياتِهِ عُدُولٌ عَنْ إشارَةِ القَرِيبِ إلى البَعِيدِ فَأفادَ التَّعْظِيمَ. وعَكْسُ هَذا قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:

مَتّى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِيَ إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها

فَإنَّ المَوْتَ بَعِيدٌ عَنْهُ فَحَقُّهُ أنْ يُشِيرَ إلَيْهِ بِاسْمِ البَعِيدِ، وعَدَلَ عَنْهُ إلى إشارَةِ القَرِيبِ لِإظْهارِ اسْتِخْفافِهِ بِهِ.

صفحة ٢٩٨

والِاشْتِراءُ افْتِعالٌ مِنَ الشَّرْيِ وفِعْلُهُ شَرى الَّذِي هو بِمَعْنى باعَ كَما أنَّ اشْتَرى بِمَعْنى ابْتاعَ، فاشْتَرى وابْتاعَ كِلاهُما مُطاوِعٌ لِفِعْلِهِ المُجَرَّدِ. أشارَ أهْلُ اللِّسانِ إلى أنَّ فاعِلَ هَذِهِ المُطاوَعَةِ هو الَّذِي قَبِلَ الفِعْلَ والتَزَمَهُ فَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ آخِذٌ شَيْئًا لِرَغْبَةٍ فِيهِ، ولَمّا كانَ مَعْنى البَيْعِ مُقْتَضِيًا آخِذِينَ وباذِلِينَ كانَ كُلٌّ مِنهُما بائِعًا ومُبْتاعًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، فَفِعْلُ باعَ مَنظُورٌ فِيهِ ابْتِداءً إلى مَعْنى البَذْلِ، والفِعْلُ ابْتاعَ مَنظُورٌ فِيهِ ابْتِداءً إلى مَعْنى الأخْذِ فَإنِ اعْتَبَرَهُ المُتَكَلِّمُ آخِذًا لِما صارَ بِيَدِهِ عَبَّرَ عَنْهُ بِمُبْتاعٍ ومُشْتَرٍ، وإنِ اعْتَبَرَهُ باذِلًا لِما خَرَجَ مِن يَدِهِ مِنَ العِوَضِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِبائِعٍ وشارٍ، وبِهَذا يَكُونُ الفِعْلانِ جارِيَيْنِ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ.

وقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ شَرى يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى اشْتَرى والَّذِي جَرَّأهم عَلى ذَلِكَ سُوءُ التَّأمُّلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ …

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

صفحة ٣٠٢

﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾

أعْقَبَتْ تَفاصِيلَ صِفاتِهِمْ بِتَصْوِيرِ مَجْمُوعِها في صُورَةٍ واحِدَةٍ، بِتَشْبِيهِ حالِهِمْ بِهَيْئَةٍ مَحْسُوسَةٍ وهَذِهِ طَرِيقَةُ تَشْبِيهِ التَّمْثِيلِ، إلْحاقًا لِتِلْكَ الأحْوالِ المَعْقُولَةِ بِالأشْياءِ المَحْسُوسَةِ، لِأنَّ النَّفْسَ إلى المَحْسُوسِ أمِيلُ.

وإتْمامًا لِلْبَيانِ بِجَمْعِ المُتَفَرِّقاتِ في السَّمْعِ، المِطالَةُ في اللَّفْظِ، في صُورَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّ لِلْإجْمالِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ وقْعًا مِن نُفُوسِ السّامِعِينَ. وتَقْرِيرُ الجَمْعِ ما تَقَدَّمَ في الذِّهْنِ بِصُورَةٍ تُخالِفُ ما صُوِّرَ سالِفًا لِأنَّ تَجَدُّدَ الصُّورَةِ عِنْدَ النَّفْسِ أحَبُّ مِن تَكَرُّرِها.

قالَ في الكَشّافِ: ولِضَرْبِ العَرَبِ الأمْثالَ واسْتِحْضارِ العُلَماءِ المَثَلَ والنَّظائِرَ شَأْنٌ لَيْسَ بِالخَفِيِّ في إبْرازِ خَبِيّاتِ المَعانِي ورَفْعِ الأسْتارِ عَنِ الحَقائِقِ حَتّى تُرِيَكَ المُتَخَيَّلَ في صُورَةِ المُحَقَّقِ والمُتَوَهَّمَ في مَعْرِضِ المُتَيَقَّنِ والغائِبَ كالمَشاهَدِ.

واسْتِدْلالًا عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ مَجْمُوعُ تِلْكَ الصِّفاتِ مِن سُوءِ الحالَةِ وخَيْبَةِ السَّعْيِ وفَسادِ العاقِبَةِ، فَمِن فَوائِدِ التَّشْبِيهِ قَصْدُ تَفْظِيعِ المُشَبَّهِ. وتَقْرِيبًا لِما في أحْوالِهِمْ في الدِّينِ مِنَ التَّضادِّ والتَّخالُفِ بَيْنَ ظاهِرٍ جَمِيلٍ وباطِنٍ قَبِيحٍ بِصِفَةِ حالٍ عَجِيبَةٍ مِن أحْوالِ العالَمِ، فَإنَّ مِن فائِدَةِ التَّشْبِيهِ إظْهارَ إمْكانِ المُشَبَّهِ، وتَنْظِيرَ غَرائِبِهِ بِمِثْلِها في المُشَبَّهِ بِهِ.

قالَ في الكَشّافِ: ولِأمْرٍ ما أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ أمْثالَهُ وفَشَتْ في كَلامِ رَسُولِهِ ﷺ وكَلامِ الأنْبِياءِ والحُكَماءِ، قالَ تَعالى ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] اهـ.

والتَّمْثِيلُ مَنزَعٌ جَلِيلٌ بَدِيعٌ مِن مَنازِعِ البُلَغاءِ لا يَبْلُغُ إلى مَحاسِنِهِ غَيْرُ خاصَّتِهِمْ. وهو هُنا مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ لا مِنَ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ فِيهِ ذِكْرَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ وأداةِ التَّشْبِيهِ وهي لَفْظُ ”مَثَلٍ“ .

فَجُمْلَةُ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ واقِعَةٌ مِنَ الجُمَلِ الماضِيَةِ مَوْقِعَ البَيانِ والتَّقْرِيرِ والفَذْلَكَةِ، فَكانَ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَبْلَها كَمالُ الِاتِّصالِ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، والحالَةُ الَّتِي وقَعَ تَمْثِيلُها سَيَجِيءُ بَيانُها في آخِرِ تَفْسِيرِ الآيَةِ.

وأصْلُ المَثَلِ بِفَتْحَتَيْنِ هو النَّظِيرُ والمُشابِهُ، ويُقالُ أيْضًا: مِثْلُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ

صفحة ٣٠٣

ويُقالُ مَثِيلٌ كَما يُقالُ شِبْهٌ وشَبَهٌ وشَبِيهٌ، وبَدَلٌ وبِدْلٌ، وبَدِيلٌ، ولا رابِعَ لِهَذِهِ الكَلِماتِ في مَجِيءِ فَعَلٍ وفِعْلٍ وفَعِيلٍ بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَدِ اخْتَصَّ لَفْظُ المَثَلِ ”بِفَتْحَتَيْنِ“ بِإطْلاقِهِ عَلى الحالِ الغَرِيبَةِ الشَّأْنِ؛ لِأنَّها بِحَيْثُ تُمَثِّلُ لِلنّاسِ وتُوَضِّحُ وتُشَبِّهُ سَواءٌ شُبِّهَتْ كَما هُنا، أمْ لَمْ تُشَبَّهْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] وبِإطْلاقِهِ عَلى قَوْلٍ يَصْدُرُ في حالٍ غَرِيبَةٍ فَيُحْفَظُ ويَشِيعُ بَيْنَ النّاسِ لِبَلاغَةٍ وإبْداعٍ فِيهِ، فَلا يَزالُ النّاسُ يَذْكُرُونَ الحالَ الَّتِي قِيلَ فِيها ذَلِكَ القَوْلُ تَبَعًا لِذِكْرِهِ، وكَمْ مِن حالَةٍ عَجِيبَةٍ حَدَثَتْ ونُسِيَتْ لِأنَّها لَمْ يَصْدُرْ فِيها مِن قَوْلٍ بَلِيغٍ ما يَجْعَلُها مَذْكُورَةً تَبَعًا لِذِكْرِهِ فَيُسَمّى مَثَلًا، وأمْثالُ العَرَبِ بابٌ مِن أبْوابِ …

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾

أخْبارٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿مَثَلُهُمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى (الَّذِي اسْتَوْقَدَ) لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ بِهِ أوَّلُ التَّشْبِيهِ وآخِرُهُ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] يَقْتَضِي أنَّ المُسْتَوْقِدَ ذُو بَصَرٍ وإلّا لَما تَأتّى مِنهُ الِاسْتِيقادُ، وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في هَذا المَقامِ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ عِنْدَ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا مَوْصُوفًا بِأوْصافٍ أوْ أخْبارٍ جَعَلُوهُ كَأنَّهُ قَدْ عُرِفَ لِلسّامِعِ فَيَقُولُونَ: فُلانٌ أوْ فَتًى أوْ رَجُلٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ: هو فُلانٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦] ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [النبإ: ٣٧] التَّقْدِيرُ هو رَبُّ السَّماواتِ، عَدَلَ عَنْ جَعْلِ ”رَبُّ“ بَدَلًا مِن ”رَبِّكَ“، وقَوْلُ الحَماسِيِّ:

سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هي جَلَّتِ

فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرُ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلِّتِ

وسَمّى السَّكّاكِيُّ هَذا الحَذْفَ ”الحَذْفَ الَّذِي اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ الوارِدُ عَلى تَرْكِهِ“ .

والإخْبارُ عَنْهم بِهَذِهِ الأخْبارِ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ؛ شُبِّهُوا في انْعِدامِ آثارِ الإحْساسِ مِنهم بِالصُّمِّ البُكْمِ العُمْيِ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الصِّفاتُ الثَّلاثُ وذَلِكَ شَأْنُ الأخْبارِ الوارِدَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ بَعْدَ مُبْتَدَأٍ هو اسْمٌ دالٌّ عَلى جَمْعٍ، فالمَعْنى كُلُّ واحِدٍ مِنهم كالأصَمِّ الأبْكَمِ

صفحة ٣١٤

الأعْمى ولَيْسَ المَعْنى عَلى التَّوْزِيعِ، فَلا يُفْهَمُ أنَّ بَعْضَهم كالأصَمِّ وبَعْضَهم كالأبْكَمِ وبَعْضَهم كالأعْمى، ولَيْسَ هو مِنَ الِاسْتِعارَةِ عِنْدَ مُحَقِّقِي أهْلِ البَيانِ.

قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يُسَمّى ما في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ قُلْتُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، والمُحَقِّقُونَ عَلى تَسْمِيَتِهِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا لا اسْتِعارَةً لِأنَّ المُسْتَعارَ لَهُ مَذْكُورٌ وهُمُ المُنافِقُونَ. اهـ أيْ لِأنَّ الِاسْتِعارَةَ تَعْتَمِدُ عَلى لَفْظِ المُسْتَعارِ مِنهُ أوِ المُسْتَعارِ لَهُ في جُمْلَةِ الِاسْتِعارَةِ، فَمَتى ذُكِرا مَعًا فَهو تَشْبِيهٌ، ولا يَضُرُّ ذِكْرُ لَفْظِ المُسْتَعارِ لَهُ في غَيْرِ جُمْلَةِ الِاسْتِعارَةِ لِظُهُورِ أنَّهُ لَوْلا العِلْمُ بِالمُسْتَعارِ لَهُ في الكَلامِ لَما ظَهَرَتِ الِاسْتِعارَةُ، ولِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَ ابْنِ العَمِيدِ:

قامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ ∗∗∗ نَفْسٌ أعَزُّ عَلَيَّ مِن نَفْسِي

قامَتْ تُظَلِّلُنِي ومِن عَجَبٍ ∗∗∗ شَمَّسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ

أنَّ قَوْلَهُ: ”شَمْسٌ“ اسْتِعارَةٌ ولَمْ يَمْنَعْهم مِن ذَلِكَ ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ قَبْلُ في قَوْلِهِ: نَفْسٌ أعَزُّ، وضَمِيرُها في قَوْلِهِ: قامَتْ تُظَلِّلُنِي، وكَذا إذا كانَ لَفْظُ المُسْتَعارِ غَيْرَ مَقْصُودِ ابْتِناءِ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مانِعًا مِنَ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِ أبِي الحَسَنِ ابْنِ طَباطَبا:

لا تَعْجَبُوا مِن بِلَي غَلالَتِهِ ∗∗∗ قَدْ زَرَّ أزْرارَهُ عَلى القَمَرِ

فَإنَّ الضَّمِيرَ لَمْ يُذْكَرْ لِيُبْنى عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ، بَلْ جاءَ التَّشْبِيهُ عَقِبَهُ.

والصُّمُّ والبُكْمُ والعُمْيُ جَمْعُ أصَمَّ وأعْمى وأبْكَمَ وهم مَنِ اتَّصَفَ بِالصَّمَمِ والبَكَمِ والعَمى. فالصَّمَمُ انْعِدامُ إحْساسِ السَّمْعِ عَمَّنْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ سَمِيعًا، …

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾

عَطْفٌ عَلى التَّمْثِيلِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] أُعِيدَ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ وبِمُراعاةِ أوْصافٍ أُخْرى فَهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُنافِقِينَ المُخْتَلِطَةِ بَيْنَ جَواذِبَ ودَوافِعَ

صفحة ٣١٥

- حِينَ يُجاذِبُ نُفُوسَهم جاذِبُ الخَيْرِ عِنْدَ سَماعِ مَواعِظِ القُرْآنِ وإرْشادِهِ، وجاذِبُ الشَّرِّ مِن أعْراقِ النُّفُوسِ والسُّخْرِيَةِ بِالمُسْلِمِينَ - بِحالِ صَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ اخْتَلَطَتْ فِيهِ غُيُوثٌ وأنْوارٌ ومُزْعِجاتٌ وأكْدارٌ، جاءَ عَلى طَرِيقَةِ بُلَغاءِ العَرَبِ في التَّفَنُّنِ في التَّشْبِيهِ وهم يَتَنافَسُونَ فِيهِ لاسِيَّما التَّمْثِيلِيُّ مِنهُ وهي طَرِيقَةٌ تَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الواصِفِ مِنَ التَّوْصِيفِ والتَّوَسُّعِ فِيهِ.

وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ مِنِ اسْتِعْمالِهِمْ فَرَأيْتُهم قَدْ يَسْلُكُونَ طَرِيقَةَ عَطْفِ تَشْبِيهٍ عَلى تَشْبِيهٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ في مُعَلَّقَتِهِ:

أصاحِ تَرى بَرْقًا أُرِيكَ ومِيضَهُ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ

يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحِ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ السَّلِيطُ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ

وقَوْلِ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ يَصِفُ راحِلَتَهُ:

فَلَها هِبابٌ في الزِّمامِ كَأنَّها ∗∗∗ صَهْباءُ خَفَّ مَعَ الجَنُوبِ جِهامُها

أوْ مُلْمِعٍ وسَقَتْ لِأحْقَبَ لاحَهُ ∗∗∗ طَرْدُ الفُحُولِ وضَرْبُها وكِدامُها

وكَثُرَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ في نَحْوِهِ بَأوْ دُونَ الواوِ، وأوْ مَوْضُوعَةٌ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ فَيَتَوَلَّدُ مِنها مَعْنى التَّسْوِيَةِ، ورُبَّما سَلَكُوا في إعادَةِ التَّشْبِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِفْهامِ بِالهَمْزَةِ أيْ لِتَخْتارَ التَّشْبِيهَ بِهَذا أمْ بِذَلِكَ، وذَلِكَ كَقَوْلِ لَبِيدٍ عَقِبَ البَيْتَيْنِ السّابِقِ ذِكْرُهُما:

أفَتِلْكَ أمْ وحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ ∗∗∗ خَذَلَتْ وهادِيَةُ الصِّوارِ قِوامُها

وقالَ ذُو الرُّمَّةِ في تَشْبِيهِ سَيْرِ ناقَتِهِ الحَثِيثِ:

وثْبَ المُسَحَّجُ مِن عاناتِ مُعَقُلَةٍ ∗∗∗ كَأنَّهُ مُسْتَبانُ الشَّكِّ أوْ جَنِبُ

صفحة ٣١٦

ثُمَّ قالَ:

أذاكَ أمْ نَمِشٌ بِالوَشْيِ أكْرُعُهُ ∗∗∗ مُسَفَّعُ الخَدِّ غادٍ ناشِعٌ شَبَبُ

ثُمَّ قالَ:

أذاكَ أمْ خاضِبٌ بِالسِّيِّ مَرْتَعُهُ ∗∗∗ أبُو ثَلاثِينَ أمْسى وهْوَ مُنْقَلِبُ

ورُبَّما عَطَفُوا بِالواوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] الآيَةَ ثُمَّ قالَ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل: ٧٦] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠] ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] الآيَةَ. بَلْ ورُبَّما جَمَعُوا بِلا عَطْفٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] وهَذِهِ تَفَنُّناتٌ جَمِيلَةٌ في الكَلامِ البَلِيغِ، فَما ظَنُّكَ بِها إذا وقَعَتْ في التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، فَإنَّهُ لِعِزَّتِهِ مُفْرَدًا تَعِزُّ اسْتِطاعَةُ تَكْرِيرِهِ.

وأوْ عَطَفَتْ لَفْظَ صَيِّبٍ عَلى الَّذِي اسْتَوْقَدَ بِتَقْدِيرِ ”مَثَلِ“ بَيْنِ الكافِ وصَيِّبٍ. وإعادَةُ حَرْفِ التَّشْبِيهِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ المُغْنِي عَنْ إعادَةِ العامِلِ، وهَذا التَّكْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِهِمْ وحُسْنُهُ هُنا أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى اخْتِلافِ الحالَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ كَما سَنُبَيِّنُهُ، وهم في الغالِبِ لا يُكَرِّرُونَهُ في العَطْفِ.

والتَّمْثِيلُ هُنا لِحالِ المُنافِقِينَ حِينَ حُضُورِهِمْ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَماعِهِمُ القُرْآنَ وما …

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾

عَطْفٌ عَلى التَّمْثِيلِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] أُعِيدَ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ وبِمُراعاةِ أوْصافٍ أُخْرى فَهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُنافِقِينَ المُخْتَلِطَةِ بَيْنَ جَواذِبَ ودَوافِعَ

صفحة ٣١٥

- حِينَ يُجاذِبُ نُفُوسَهم جاذِبُ الخَيْرِ عِنْدَ سَماعِ مَواعِظِ القُرْآنِ وإرْشادِهِ، وجاذِبُ الشَّرِّ مِن أعْراقِ النُّفُوسِ والسُّخْرِيَةِ بِالمُسْلِمِينَ - بِحالِ صَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ اخْتَلَطَتْ فِيهِ غُيُوثٌ وأنْوارٌ ومُزْعِجاتٌ وأكْدارٌ، جاءَ عَلى طَرِيقَةِ بُلَغاءِ العَرَبِ في التَّفَنُّنِ في التَّشْبِيهِ وهم يَتَنافَسُونَ فِيهِ لاسِيَّما التَّمْثِيلِيُّ مِنهُ وهي طَرِيقَةٌ تَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الواصِفِ مِنَ التَّوْصِيفِ والتَّوَسُّعِ فِيهِ.

وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ مِنِ اسْتِعْمالِهِمْ فَرَأيْتُهم قَدْ يَسْلُكُونَ طَرِيقَةَ عَطْفِ تَشْبِيهٍ عَلى تَشْبِيهٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ في مُعَلَّقَتِهِ:

أصاحِ تَرى بَرْقًا أُرِيكَ ومِيضَهُ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ

يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحِ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ السَّلِيطُ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ

وقَوْلِ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ يَصِفُ راحِلَتَهُ:

فَلَها هِبابٌ في الزِّمامِ كَأنَّها ∗∗∗ صَهْباءُ خَفَّ مَعَ الجَنُوبِ جِهامُها

أوْ مُلْمِعٍ وسَقَتْ لِأحْقَبَ لاحَهُ ∗∗∗ طَرْدُ الفُحُولِ وضَرْبُها وكِدامُها

وكَثُرَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ في نَحْوِهِ بَأوْ دُونَ الواوِ، وأوْ مَوْضُوعَةٌ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ فَيَتَوَلَّدُ مِنها مَعْنى التَّسْوِيَةِ، ورُبَّما سَلَكُوا في إعادَةِ التَّشْبِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِفْهامِ بِالهَمْزَةِ أيْ لِتَخْتارَ التَّشْبِيهَ بِهَذا أمْ بِذَلِكَ، وذَلِكَ كَقَوْلِ لَبِيدٍ عَقِبَ البَيْتَيْنِ السّابِقِ ذِكْرُهُما:

أفَتِلْكَ أمْ وحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ ∗∗∗ خَذَلَتْ وهادِيَةُ الصِّوارِ قِوامُها

وقالَ ذُو الرُّمَّةِ في تَشْبِيهِ سَيْرِ ناقَتِهِ الحَثِيثِ:

وثْبَ المُسَحَّجُ مِن عاناتِ مُعَقُلَةٍ ∗∗∗ كَأنَّهُ مُسْتَبانُ الشَّكِّ أوْ جَنِبُ

صفحة ٣١٦

ثُمَّ قالَ:

أذاكَ أمْ نَمِشٌ بِالوَشْيِ أكْرُعُهُ ∗∗∗ مُسَفَّعُ الخَدِّ غادٍ ناشِعٌ شَبَبُ

ثُمَّ قالَ:

أذاكَ أمْ خاضِبٌ بِالسِّيِّ مَرْتَعُهُ ∗∗∗ أبُو ثَلاثِينَ أمْسى وهْوَ مُنْقَلِبُ

ورُبَّما عَطَفُوا بِالواوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] الآيَةَ ثُمَّ قالَ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل: ٧٦] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠] ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] الآيَةَ. بَلْ ورُبَّما جَمَعُوا بِلا عَطْفٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] وهَذِهِ تَفَنُّناتٌ جَمِيلَةٌ في الكَلامِ البَلِيغِ، فَما ظَنُّكَ بِها إذا وقَعَتْ في التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، فَإنَّهُ لِعِزَّتِهِ مُفْرَدًا تَعِزُّ اسْتِطاعَةُ تَكْرِيرِهِ.

وأوْ عَطَفَتْ لَفْظَ صَيِّبٍ عَلى الَّذِي اسْتَوْقَدَ بِتَقْدِيرِ ”مَثَلِ“ بَيْنِ الكافِ وصَيِّبٍ. وإعادَةُ حَرْفِ التَّشْبِيهِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ المُغْنِي عَنْ إعادَةِ العامِلِ، وهَذا التَّكْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِهِمْ وحُسْنُهُ هُنا أنَّ فِيهِ إشارَةً إلى اخْتِلافِ الحالَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ كَما سَنُبَيِّنُهُ، وهم في الغالِبِ لا يُكَرِّرُونَهُ في العَطْفِ.

والتَّمْثِيلُ هُنا لِحالِ المُنافِقِينَ حِينَ حُضُورِهِمْ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَماعِهِمُ القُرْآنَ وما …

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.