قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ الآيَةَ؛ أيْ: خِيارًا عُدُولًا، ويَدُلُّ لِأنَّ الوَسَطَ الخِيارُ العُدُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎هُمُ وسْطٌ يَرْضى الأنامُ لِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعْظَمِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هو شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤١، ٤٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ يَتَوَهَّمُ مِنهُ الجاهِلُ أنَّهُ تَعالى يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبارِ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - بَلْ هو تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ ما سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، وقَدْ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبارِ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: (لِيَبْتَلِيَ) دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ بِالِاخْتِبارِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا؛ لِأنَّ العَلِيمَ بِذاتِ الصُّدُورِغَنِيٌّ عَنِ الِاخْتِبارِ وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ عَظِيمٌ لِجَمِيعِ الآياتِ الَّتِي يَذْكُرُ اللَّهُ فِيها اخْتِبارَهُ لِخَلْقِهِ، ومَعْنى ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ: عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ فَلا يُنافِي أنَّهُ كانَ عالِمًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وفائِدَةُ الِاخْتِبارِ ظُهُورُ الأمْرِ لِلنّاسِ. أمّا عالِمُ السِّرِّ والنَّجْوى فَهو عالِمٌ بِكُلِّ ما سَيَكُونُ كَما لا يَخْفى.
وَقَوْلِهِ: ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أشارَ إلى أنَّ الرَّسُولَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ بِقَوْلِهِ مُخاطِبًا لَهُ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَهُ إجْماعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ﴾ أيْ: صَلاتَكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى الأصَحِّ، ويَسْتَرْوِحُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ ولا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِاعْتِبارِ دَلالَةِ الِاقْتِرانِ، والخِلافُ فِيها مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ”إلّا لِنَعْلَمَ“ يُوهِمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عالَمًا بِمَن يَتَّبَعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَهو يَعْلَمُ ما سَيَعْمَلُهُ الخَلْقُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [ ٥٣ ]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم …