Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 121–130 of 286

121

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital. They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

صفحة ٦٩٦

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ [البقرة: ١٢٠] مَعَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] لِتَضَمُّنِهِ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَيْسُوا يَوْمَئِذٍ عَلى شَيْءٍ مِنَ الهُدى كَأنَّ سائِلًا سَألَ كَيْفَ وهم مُتَمَسِّكُونَ بِشَرِيعَةٍ ومَنِ الَّذِي هو عَلى هُدًى مِمَّنِ اتَّبَعَ هاتَيْنِ الشَّرِيعَتَيْنِ ؟

فَأُجِيبُ بِأنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وتَلَوْهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا في آخِرِ الكَلامِ لِبَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِقَصْدِ إبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم عَلى التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ بِالكِتابِ. وهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] إلَخْ. وهو صَدْرُ هاتِهِ المُحاوَراتِ وما تَخَلَّلَها مِنَ الأمْثالِ والعِبَرِ والبَيانِ. فَقَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ وجَوابٌ قاطِعٌ لِمَعْذِرَتِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ وهو مِن بابِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. ولِأحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها في مَعْنى الجَوابِ، ولِأنَّ المَحْكِيَّ بِها مُبايِنٌ لِما يُقابِلُهُ المُتَضَمِّنُ لَهُ قَوْلُهُ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١] ولَمّا انْتُقِلَ مِنهُ إلَيْهِ وهو قَوْلُهُ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] وقَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] وقَوْلُهُ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ حالٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إذْ هُمُ الآنَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ. وانْتَصَبَ حَقَّ تِلاوَتِهِ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، وإضافَتُهُ إلى المَصْدَرِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ تِلاوَةً حَقًّا.

والحَقُّ هُنا ضِدُّ الباطِلِ أيْ تِلاوَةً مُسْتَوْفِيَةً قِوامَ نَوْعِها لا يَنْقُصُها شَيْءٌ مِمّا يُعْتَبَرُ في التِّلاوَةِ وتِلْكَ هي التِّلاوَةُ بِفَهْمِ مَقاصِدِ الكَلامِ المَتْلُوِّ فَإنَّ الكَلامَ يُرادُ مِنهُ إفْهامُ السّامِعِ فَإذا تَلاهُ القارِئُ ولَمْ يَفْهَمْ جَمِيعَ ما أرادَهُ قائِلُهُ كانَتْ تِلاوَتُهُ غامِضَةً، فَحَقُّ التِّلاوَةِ هو العِلْمُ بِما في المَتْلُوِّ.

وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ جُمْلَةٌ هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو اسْمُ المَوْصُولِ، وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في تَعْرِيفِهِمْ دُونَ الضَّمِيرِ وغَيْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الأوْصافَ المُتَقَدِّمَةَ الَّتِي اسْتُحْضِرُوا

صفحة ٦٩٧

بِواسِطَتِها حَتّى أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِاتِّصافِهِمْ بِها هي المُوجِبَةُ لِجَدارَتِهِمْ بِالحُكْمِ المُسْنَدِ لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى حَدِّ (﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]) فَلا شَكَّ أنَّ تِلاوَتَهُمُ الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ تُثْبِتُ لَهم أوْحَدِيَّتَهم بِالإيمانِ بِذَلِكَ الكِتابِ لِأنَّ إيمانَ غَيْرِهِمْ بِهِ كالعَدَمِ. فالقَصْرُ ادِّعائِيٌّ. فَضَمِيرُ ”بِهِ“ راجِعٌ إلى الكِتابِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وإذا كانُوا هُمُ المُؤْمِنِينَ بِهِ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِانْطِباقِ الصِّفاتِ الَّتِي في كُتُبِهِمْ عَلَيْهِ ولِأنَّهم مَأْخُوذٌ عَلَيْهِمُ العَهْدُ أنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ المُقَفّى وأنْ يَجْتَهِدُوا في التَّمْيِيزِ بَيْنَ الصّادِقِ مِنَ …

Al-Baqara 2:121Listen in Qur'an →
122

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

أُعِيدَ نِداءُ بَنِي إسْرائِيلَ نِداءَ التَّنْبِيهِ والإنْذارِ والتَّذْكِيرِ عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ الماضِي لِأجْلِهِ فَإنَّهُ ابْتَدَأ نِداءَهم أوَّلًا بِمِثْلِ هاتِهِ المَوْعِظَةِ في ابْتِداءِ التَّذْكِيرِ

صفحة ٦٩٨

بِأحْوالِهِمُ الكَثِيرَةِ خَيْرِها وشَرِّها عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] فَذِكْرُ مِثْلِ هاتِهِ الجُمْلَةِ هُناكَ كَذِكْرِ المَطْلُوبِ في صِناعَةِ المَنطِقِ قَبْلَ إقامَةِ البُرْهانِ، وذِكْرُها هُنا كَذِكْرِ النَّتِيجَةِ في المَنطِقِ عَقِبَ البُرْهانِ تَأْيِيدًا لِما تَقَدَّمَ وفَذْلَكَةً لَهُ وهو مِن ضُرُوبِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.

وقَدْ أُعِيدَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالألْفاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ بِها هُنالِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى نُكْتَةِ التَّكْرِيرِ لِلتَّذْكِيرِ، ولَمْ يُخالِفْ بَيْنَ الآيَتَيْنِ إلّا في التَّرْتِيبِ بَيْنَ العَدْلِ والشَّفاعَةِ، فَهُنالِكَ قَدَّمَ (﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وأخَّرَ (﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وهُنا قَدَّمَ ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ وأخَّرَ لَفْظَ الشَّفاعَةِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَنْفَعُها وهو تَفَنُّنٌ، والتَّفَنُّنُ في الكَلامِ تَنْتَفِي بِهِ سَآمَةُ الإعادَةِ مَعَ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ التَّكْرِيرِ، وقَدْ حَصُلَ مَعَ التَّفَنُّنِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ إذْ جاءَتِ الشَّفاعَةُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مُسْنَدًا إلَيْها المَقْبُولِيَّةُ فَقُدِّمَتْ عَلى العَدْلِ بِسَبَبِ نَفْيِ قَبُولِها، ونَفْيُ قَبُولِ الشَّفاعَةِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ أخْذِ الفِداءِ، فَعَطَفَ نَفْيَ أخَذِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ. وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدَّمَ الفِداءَ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ المَقْبُولِيَّةُ، ونَفْيُ قَبُولِ الفِداءِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ، فَعَطَفَ نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ عَلى نَفْيِ قَبُولِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ أيْضًا. والحاصِلُ أنَّ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ أنْ يَكُونَ مَقْبُولًا قَدْ جُعِلَ في الآيَتَيْنِ أوَّلًا وذُكِرَ الآخَرُ بَعْدَهُ. وأمّا نَفْيُ القَبُولِ مَرَّةً عَنِ الشَّفاعَةِ ومَرَّةً عَنِ العَدْلِ فَلِأنَّ أحْوالَ الأقْوامِ في طَلَبِ الفِكاكِ عَنِ الجُناةِ تَخْتَلِفُ فَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الفِداءَ فَإذا لَمْ يُقْبَلْ قَدَّمُوا الشُّفَعاءَ. ومَرَّةً يُقَدِّمُونَ الشُّفَعاءَ فَإذا لَمْ تُقْبَلْ شَفاعَتُهم عَرَضُوا الفِداءَ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ مُرادٌ مِنهُ أنَّهُ لا عَدْلَ فَيُقْبَلُ ولا شَفاعَةَ شَفِيعٍ يَجِدُونَهُ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ لِأنَّ دَفْعَ الفِداءِ مُتَعَذِّرٌ وتَوَسُّطَ الشَّفِيعِ لِمِثْلِهِمْ مَمْنُوعٌ إذْ لا يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَيَكُونُ نَفْيُ نَفْعِ الشَّفاعَةِ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِ

عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ

يُرِيدُ أنَّها كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المَوْصُوفِ بِنَفْيِ صِفَتِهِ المُلازِمَةِ

صفحة ٦٩٩

لَهُ كَقَوْلِهِمْ

ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ

. وهو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ المَناطِقَةُ بِأنَّ السّالِبَةَ تَصْدُقُ مَعَ نَفْيِ المَوْضُوعِ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأمّا أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالًا في أصْلِ العَرَبِيَّةِ فَلا والمَناطِقَةُ تَبِعُوا فِيهِ أسالِيبَ اليُونانِ.

والقَوْلُ في بَقِيَّةِ الآياتِ …

Al-Baqara 2:122Listen in Qur'an →
123

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

أُعِيدَ نِداءُ بَنِي إسْرائِيلَ نِداءَ التَّنْبِيهِ والإنْذارِ والتَّذْكِيرِ عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ الماضِي لِأجْلِهِ فَإنَّهُ ابْتَدَأ نِداءَهم أوَّلًا بِمِثْلِ هاتِهِ المَوْعِظَةِ في ابْتِداءِ التَّذْكِيرِ

صفحة ٦٩٨

بِأحْوالِهِمُ الكَثِيرَةِ خَيْرِها وشَرِّها عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] فَذِكْرُ مِثْلِ هاتِهِ الجُمْلَةِ هُناكَ كَذِكْرِ المَطْلُوبِ في صِناعَةِ المَنطِقِ قَبْلَ إقامَةِ البُرْهانِ، وذِكْرُها هُنا كَذِكْرِ النَّتِيجَةِ في المَنطِقِ عَقِبَ البُرْهانِ تَأْيِيدًا لِما تَقَدَّمَ وفَذْلَكَةً لَهُ وهو مِن ضُرُوبِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.

وقَدْ أُعِيدَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالألْفاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ بِها هُنالِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى نُكْتَةِ التَّكْرِيرِ لِلتَّذْكِيرِ، ولَمْ يُخالِفْ بَيْنَ الآيَتَيْنِ إلّا في التَّرْتِيبِ بَيْنَ العَدْلِ والشَّفاعَةِ، فَهُنالِكَ قَدَّمَ (﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وأخَّرَ (﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]) وهُنا قَدَّمَ ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ وأخَّرَ لَفْظَ الشَّفاعَةِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَنْفَعُها وهو تَفَنُّنٌ، والتَّفَنُّنُ في الكَلامِ تَنْتَفِي بِهِ سَآمَةُ الإعادَةِ مَعَ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ التَّكْرِيرِ، وقَدْ حَصُلَ مَعَ التَّفَنُّنِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ إذْ جاءَتِ الشَّفاعَةُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مُسْنَدًا إلَيْها المَقْبُولِيَّةُ فَقُدِّمَتْ عَلى العَدْلِ بِسَبَبِ نَفْيِ قَبُولِها، ونَفْيُ قَبُولِ الشَّفاعَةِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ أخْذِ الفِداءِ، فَعَطَفَ نَفْيَ أخَذِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ. وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدَّمَ الفِداءَ لِأنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ المَقْبُولِيَّةُ، ونَفْيُ قَبُولِ الفِداءِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ، فَعَطَفَ نَفْيَ نَفْعِ الشَّفاعَةِ عَلى نَفْيِ قَبُولِ الفِداءِ لِلِاحْتِراسِ أيْضًا. والحاصِلُ أنَّ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ أنْ يَكُونَ مَقْبُولًا قَدْ جُعِلَ في الآيَتَيْنِ أوَّلًا وذُكِرَ الآخَرُ بَعْدَهُ. وأمّا نَفْيُ القَبُولِ مَرَّةً عَنِ الشَّفاعَةِ ومَرَّةً عَنِ العَدْلِ فَلِأنَّ أحْوالَ الأقْوامِ في طَلَبِ الفِكاكِ عَنِ الجُناةِ تَخْتَلِفُ فَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الفِداءَ فَإذا لَمْ يُقْبَلْ قَدَّمُوا الشُّفَعاءَ. ومَرَّةً يُقَدِّمُونَ الشُّفَعاءَ فَإذا لَمْ تُقْبَلْ شَفاعَتُهم عَرَضُوا الفِداءَ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ مُرادٌ مِنهُ أنَّهُ لا عَدْلَ فَيُقْبَلُ ولا شَفاعَةَ شَفِيعٍ يَجِدُونَهُ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ لِأنَّ دَفْعَ الفِداءِ مُتَعَذِّرٌ وتَوَسُّطَ الشَّفِيعِ لِمِثْلِهِمْ مَمْنُوعٌ إذْ لا يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَيَكُونُ نَفْيُ نَفْعِ الشَّفاعَةِ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِ

عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ

يُرِيدُ أنَّها كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المَوْصُوفِ بِنَفْيِ صِفَتِهِ المُلازِمَةِ

صفحة ٦٩٩

لَهُ كَقَوْلِهِمْ

ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ

. وهو ما يُعَبِّرُ عَنْهُ المَناطِقَةُ بِأنَّ السّالِبَةَ تَصْدُقُ مَعَ نَفْيِ المَوْضُوعِ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأمّا أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالًا في أصْلِ العَرَبِيَّةِ فَلا والمَناطِقَةُ تَبِعُوا فِيهِ أسالِيبَ اليُونانِ.

والقَوْلُ في بَقِيَّةِ الآياتِ …

Al-Baqara 2:123Listen in Qur'an →
124

۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham was tried by his Lord with commands and he fulfilled them. [Allah] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allah] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِيَ الظّالِمِينَ﴾

لَمّا كَمُلَتِ الحُجَجُ نُهُوضًا عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ ومُشْرِكِي العَرَبِ في عَمِيقِ ضَلالِهِمْ بِإعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، وتَبْيِنِ سُوءِ نَواياهُمُ الَّتِي حالَتْ دُونَ الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ والِانْتِفاعِ بِفَضْلِهِ، وسَجَّلَ ذَلِكَ عَلى زُعَماءِ المُعانِدِينَ أعْنِي اليَهُودَ ابْتِداءً بِقَوْلِهِ يا بَنِي إسْرائِيلَ مَرَّتَيْنِ، وأدْمَجَ مَعَهُمُ النَّصارى اسْتِطْرادًا مَقْصُودًا، ثُمَّ أُنْصِفَ المُنْصِفُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ يَتْلُونَ الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ، انْتَقَلَ إلى تَوْجِيهِ التَّوْبِيخِ والتَّذْكِيرِ إلى العَرَبِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أفْضَلُ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وأنَّهم يَتَعَلَّقُونَ بِمِلَّتِهِ، وأنَّهم زَرْعُ إسْماعِيلَ وسَدَنَةُ البَيْتِ الَّذِي بَناهُ، وكانُوا قَدْ وُخِزُوا بِجانِبٍ مِنَ التَّعْرِيضِ في خِلالِ المُحاوَراتِ الَّتِي جَرَتْ مَعَ أهْلِ الكِتابِ لِلصِّفَةِ الَّتِي جَمَعَتْهم وإيّاهم مِن حَسَدِ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ عَلى ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِن خَيْرٍ، ومِن قَوْلِهِمْ: لَيْسَ المُسْلِمُونَ عَلى شَيْءٍ، ومِن قَوْلِهِمُ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا، ومِن قَوْلِهِمْ: لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ.

فَلَمّا أخَذَ اليَهُودُ والنَّصارى حَظَّهم مِنَ الإنْذارِ والمَوْعِظَةِ كامِلًا فِيما اخْتَصُّوا بِهِ، وأخَذُوا مَعَ المُشْرِكِينَ حَظَّهم مِن ذَلِكَ فِيما اشْتَرَكُوا فِيهِ تَهَيَّأ المَقامُ لِلتَّوَجُّهِ إلى مُشْرِكِي العَرَبِ لِإعْطائِهِمْ حَظَّهم مِنَ المَوْعِظَةِ كامِلًا فِيما

صفحة ٧٠٠

اخْتَصُّوا بِهِ، فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ فَضائِلِ إبْراهِيمَ ومَنزِلَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ ودَعْوَتِهِ لِعَقِبِهِ عَقِبَ ذِكْرِ أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ، هي الِاتِّحادُ في المَقْصِدِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن تَذْكِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِالنِّعَمِ، والتَّخْوِيفِ، تَحْرِيضُهم عَلى الإنْصافِ في تَلَقِّي الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ والتَّجَرُّدِ مِنَ المُكابَرَةِ والحَسَدِ وتَرْكِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِنَيْلِ السَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ.

والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ مَوْعِظَةُ المُشْرِكِينَ ابْتِداءً وبَنِي إسْرائِيلَ تَبَعًا لَهُ، لِأنَّ العَرَبَ أشَدُّ اخْتِصاصًا بِإبْراهِيمَ مِن حَيْثُ إنَّهم يَزِيدُونَ عَلى نَسَبِهِمْ إلَيْهِ بِكَوْنِهِمْ حَفَظَةَ حَرَمِهِ، ومُنْتَمِينَ قَدِيمًا لِلْحَنِيفِيَّةِ ولَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِمْ دِينٌ يُخالِفُ الحَنِيفِيَّةَ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابَيْنِ. فَحَقِيقٌ أنْ نَجْعَلَ قَوْلَهُ ”﴿وإذِ ابْتَلى﴾“ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] كَما دَلَّ عَلَيْهِ افْتِتاحُهُ بِإذْ عَلى نَحْوِ افْتِتاحِ ذِكْرِ خَلْقِ آدَمَ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فَإنَّ الأوَّلَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الخَلْقِ الأوَّلِ وقَدْ وقَعَ عَقِبَ التَّعَجُّبِ مِن كُفْرِ المُشْرِكِينَ بِالخالِقِ في قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ثُمَّ عُقِّبَتْ تِلْكَ التَّذْكِرَةُ بِإنْذارِ مَن يَكْفُرُ بِآياتِ اللَّهِ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ، ثُمَّ خُصَّ مِن بَيْنِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ عُهِدَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى عَهْدُ الإيمانِ وتَصْدِيقُ الرَّسُولِ الَّذِي يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، …

Al-Baqara 2:124Listen in Qur'an →
125

وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِۦمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ

And [mention] when We made the House a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform Tawaf and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخَذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ تَدَرُّجٌ في ذِكْرِ مَنقَبَةِ إبْراهِيمَ إذْ جَعَلَ اللَّهُ بَيْتَهُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ، وإذْ أضافَها إلى جَلالَتِهِ فَقالَ بَيْتِي، واسْتِهْلالٌ لِفَضِيلَةِ القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ، فالواوُ عاطِفَةٌ عَلى ابْتَلى وأُعِيدَتْ إذْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى

صفحة ٧٠٨

اسْتِقْلالِ القِصَّةِ وأنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ تُعَدَّ بِنِيَّةٍ أُخْرى، ولا التِفاتَ إلى حُصُولِ مَضْمُونِ هَذِهِ بَعْدَ حُصُولِ الأُخْرى أوْ قَبْلَهُ إذْ لا غَرَضَ في ذَلِكَ في مَقامِ ذِكْرِ الفَضائِلِ، ولِأنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا. والبَيْتُ اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَكانِ المُتَّخَذِ مَسْكَنًا لِواحِدٍ أوْ عَدَدٍ مِنَ النّاسِ في غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ. وهو مَكانٌ مِنَ الأرْضِ يُحِيطُ بِهِ ما يُمَيِّزُهُ عَنْ بَقِيَّةِ بُقْعَتِهِ مِنَ الأرْضِ لِيَكُونَ السّاكِنُ مُسْتَقِلًّا بِهِ لِنَفْسِهِ ولِمَن يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ مُسْتَقِرًّا لَهُ وكُنّا يَكُنَّهُ مِنَ البَرْدِ والحَرِّ وساتِرًا يَسْتَتِرُ فِيهِ عَنِ النّاسِ ومَحَطًّا لِأثاثِهِ وشُئُونِهِ، وقَدْ يَكُونُ خاصًّا وهو الغالِبُ وقَدْ يَكُونُ لِجَماعَةٍ مِثْلَ دارِ النَّدْوَةِ في العَرَبِ وخَيْمَةِ الِاجْتِماعِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ يَكُونُ مُحِيطَ البَيْتِ مِن حَجَرٍ وطِينٍ كالكَعْبَةِ ودارِ النَّدْوَةِ، وقَدْ يَكُونُ مِن أدِيمٍ مِثْلَ القِبابِ، وقَدْ يَكُونُ مِن نَسِيجِ صُوفٍ أوْ شَعْرٍ قالَ تَعالى ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها﴾ [النحل: ٨٠] ولا يَكُونُ بَيْتًا إلّا إذا كانَ مَسْتُورًا أعْلاهُ عَنِ الحَرِّ والقَرِّ وذَلِكَ بِالسَّقْفِ لِبُيُوتِ الحَجَرِ وبُيُوتِ الأدِيمِ والخِيامِ.

والبَيْتُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى الكَعْبَةِ كَما غُلِبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا. وأصْلُ ألِ الَّتِي في الأعْلامِ بِالغَلَبَةِ هي ألِ العَهْدِيَّةِ وذَلِكَ إذا كَثُرَ عَهْدُ فَرْدٍ مِن أفْرادِ جِنْسٍ بَيْنَ طائِفَةٍ أوْ قَوْمٍ صارَ اسْمُ جِنْسِهِ مَعَ ألِ العَهْدِيَّةِ كالعَلَمِ لَهُ ثُمَّ قَدْ يَتَعَهَّدُونَ مَعَ ذَلِكَ المَعْنى الأصْلِيِّ كَما في النَّجْمِ لِلثُّرَيّا والكِتابِ لِلْقُرْآنِ والبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ، وقَدْ يُنْسى المَعْنى الأصْلِيَّ إمّا بِقِلَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ كالصَّعِقِ عَلَمٌ عَلى خُوَيْلِدِ بْنِ نُفَيْلٍ وإمّا بِانْحِصارِ الجِنْسِ فِيهِ كالشَّمْسِ.

والكَعْبَةُ بَيْتٌ بَناهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ شَرِيكٍ فَيَأْوِي إلَيْهِ مَن يَدِينُ بِالتَّوْحِيدِ، ويَطُوفُ بِهِ مَن يَقْصِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ أضافَهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ هَذا المَعْنى كَما قالَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وفي قَوْلِهِ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقَدْ عُرِفَتِ الكَعْبَةُ باسِمِ البَيْتِ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ قالَ زُهَيْرٌ:

فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ

والمَثابَةُ مَفْعَلَةٌ مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ ويُقالُ مَثابَةٌ ومُثابٌ مِثْلَ مَقامَةٍ ومَقامٍ، والمُرادُ بِالمَثابَةِ أنَّهُ يَقْصِدُهُ النّاسُ بِالتَّعْظِيمِ ويَلُوذُونَ بِهِ. والمُرادُ مِنَ النّاسِ سُكّانُ مَكَّةَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ وكُلُّ مَن يُجاوِرُهم ويَدْخُلُ في حَلِفِهِمْ، فَتَعْرِيفُ النّاسِ لِلْجِنْسِ المَعْهُودِ، وتَعْلِيقٌ لِلنّاسِ بِمَثابَةٍ عَلى التَّوْزِيعِ أيْ يَزُورُهُ ناسٌ …

Al-Baqara 2:125Listen in Qur'an →
126

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allah and the Last Day." [Allah] said. "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

عَطْفٌ عَلى وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِإفائِدَةِ مَنقَبَةٍ ثالِثَةٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في اسْتِجابَةِ دَعَوْتِهِ بِفَضْلِ مَكَّةَ والنِّعْمَةِ عَلى ساكِنِيها إذا شَكَرُوا، وتَنْبِيهٌ ثالِثٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ لِيَتَذَكَّرُوا دَعْوَةَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ المُشْعِرَةِ بِحِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ حَتّى خَصَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ بِدَعْوَتِهِ المُؤْمِنِينَ فَيَعْرِضُ المُشْرِكُونَ أنْفُسَهم عَلى الحالِ الَّتِي سَألَها أبُوهم فَيَتَّضِحُ لَهم أنَّهم عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ، وفي ذَلِكَ بَعْثٌ لَهم عَلى الِاتِّصافِ بِذَلِكَ لِأنَّ لِلنّاسِ رَغْبَةً في الِاقْتِداءِ بِأسْلافِهِمْ وحَنِينًا إلى أحْوالِهِمْ، وفي ذَلِكَ كُلُّهُ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّ ما يُدْلُونَ بِهِ مِنَ النَّسَبِ لِإبْراهِيمَ ومِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ ومِن شَعائِرِ الحَجِّ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ، كَما عَرَضَ بِالآياتِ قَبْلَ ذَلِكَ بِاليَهُودِ والنَّصارى وذَلِكَ في قَوْلِهِ هُنا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ وبِهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ المَنقَبَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”هَذا بَلَدًا“ مُرادٌ بِهِ المَوْضِعُ القائِمُ بِهِ إبْراهِيمُ حِينَ دُعائِهِ وهو المَكانُ الَّذِي جَعَلَ بِهِ امْرَأتَهُ وابْنَهُ وعَزَمَ عَلى بِناءِ الكَعْبَةِ فِيهِ إنْ كانَ الدُّعاءُ قَبْلَ البِناءِ، أوِ الَّذِي بُنِيَ فِيهِ الكَعْبَةُ إنْ كانَ الدُّعاءُ بَعْدَ البِناءِ، فَإنَّ الِاسْتِحْضارَ بِالذّاتِ مُغْنٍ عَنِ الإشارَةِ الحِسِّيَّةِ

صفحة ٧١٤

بِاليَدِ لِأنَّ تَمْيِيزَهُ عِنْدَ المُخاطَبِ مُغْنٍ عَنِ الإشارَةِ إلَيْهِ فَإطْلاقُ اسْمِ الإشارَةِ حِينَئِذٍ واضِحٌ.

وأصْلُ أسْماءِ الإشارَةِ أنْ يَسْتَغْنِيَ بِها عَنْ زِيادَةِ تَبْيِينِ المُشارِ إلَيْهِ تَبْيِينًا لَفْظِيًّا لِأنَّ الإشارَةَ بَيانٌ، وقَدْ يَزِيدُونَ الإشارَةَ بَيانًا فَيَذْكُرُونَ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ اسْمًا يُعْرَبُ عَطْفَ بَيانٍ أوْ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ قُصِدَ اسْتِحْضارُهُ مِن بَعْضِ أوْصافِهِ كَقَوْلِكَ: هَذا الرَّجُلُ يَقُولُ كَذا، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ إنْ تَرَكْتَ الإشارَةَ بِاليَدِ اعْتِمادًا عَلى حُضُورِ المُرادِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ عَدَلَ هُنا عَنْ بَيانِ المُشارِ إلَيْهِ اكْتِفاءً عَنْهُ بِما هو واقِعٌ عِنْدِ الدُّعاءِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ دَعا دَعْوَتَهُ وهو في المَوْضِعِ الَّذِي بَنى فِيهِ الكَعْبَةَ لِأنَّ الغَرَضَ لَيْسَ تَفْصِيلَ حالَةِ الدُّعاءِ إنَّما هو بَيانُ اسْتِجابَةِ دُعائِهِ وفَضِيلَةِ مَحَلِّ الدَّعْوَةِ وجَعْلِ مَكَّةَ بَلَدًا آمِنًا ورِزْقِ أهْلِهِ مِنَ الثَّمَراتِ، وتِلْكَ عادَةُ القُرْآنِ في الإعْراضِ عَمّا لا تَعَلُّقَ بِهِ بِالمَقْصُودِ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا جَعَلَ البَلَدَ مَفْعُولًا ثانِيًا اسْتَغْنى عَنْ بَيانِ اسْمِ الإشارَةِ، وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ لَمّا جَعَلَ ”آمِنًا“ مَفْعُولًا ثانِيًا بَيَّنَ اسْمَ الإشارَةِ بِلَفْظِ البَلَدِ، فَحَصَلَ مِنَ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْراهِيمَ دَعا لِبَلَدٍ بِأنْ يَكُونَ آمِنًا.

والبَلَدُ المَكانُ المُتَّسِعُ مِنَ الأرْضِ المُتَحَيِّزِ عامِرًا أوْ غامِرًا، وهو أيْضًا الأرْضُ مُطْلَقًا، قالَ …

Al-Baqara 2:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed You are the Hearing, the Knowing.

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

هَذِهِ مَنقَبَةٌ ثالِثَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَذْكِيرٌ بِشَرَفِ الكَعْبَةِ، ووَسِيلَةٌ ثالِثَةٌ إلى التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨] إلَخْ، وتَمْهِيدٌ لِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ إنْكارَهُمُ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ الَّذِي يَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ولِأجْلِ اسْتِقْلالِها بِهاتِهِ المَقاصِدِ الثَّلاثَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآياتُ قَبْلَها عُطِفَتْ عَلى سَوابِقِها مَعَ الِاقْتِرانِ بِإذْ تَنْبِيهًا عَلى الِاسْتِقْلالِ.

وخُولِفَ الأُسْلُوبُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ في حِكايَةِ الماضِي أنْ يَكُونَ بِالفِعْلِ الماضِي بِأنْ يَقُولَ وإذْ رَفَعَ إلى كَوْنِهِ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.

صفحة ٧١٨

وحِكايَتُها كَأنَّها مُشاهَدَةٌ لِأنَّ المُضارِعَ دالٌّ عَلى زَمَنِ الحالِ فاسْتِعْمالُهُ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ الماضِي بِالحالِ لِشُهْرَتِهِ ولِتَكَرُّرِ الحَدِيثِ عَنْهُ بَيْنَهم فَإنَّهم لِحُبِّهِمْ إبْراهِيمَ وإجْلالِهِمْ إيّاهُ لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ مَناقِبَهُ وأعْظَمَها بِناءُ الكَعْبَةِ فَشَبَّهَ الماضِي لِذَلِكَ بِالحالِ ولِأنَّ ما مَضى مِنَ الآياتِ في ذِكْرِ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] إلى هُنا مِمّا يُوجِبُ امْتِلاءَ أذْهانِ السّامِعِينَ بِإبْراهِيمَ وشُئُونِهِ حَتّى كَأنَّهُ حاضِرٌ بَيْنَهم وكَأنَّ أحْوالَهُ حاضِرَةٌ مُشاهَدَةٌ، وكَلِمَةُ إذْ قَرِينَةٌ عَلى هَذا التَّنْزِيلِ لِأنَّ غالِبَ الِاسْتِعْمالِ أنْ يَكُونَ لِلزَّمَنِ الماضِي وهَذا مَعْنى قَوْلِ النُّحاةِ أنَّ إذْ تَخْلُصُ المُضارِعَ إلى الماضِي. والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي أساسُ البِناءِ المُوالِي لِلْأرْضِ الَّذِي بِهِ ثَباتُ البِناءِ، أُطْلِقَ عَلَيْها هَذا اللَّفْظُ لِأنَّها أشْبَهَتِ القاعِدَ في اللُّصُوقِ بِالأرْضِ فَأصْلُ تَسْمِيَةِ القاعِدَةِ مَجازٌ عَنِ اللُّصُوقِ بِالأرْضِ ثُمَّ عَنْ إرادَةِ الثَّباتِ في الأرْضِ وهاءُ التَّأْنِيثِ فِيها لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ هاءِ عَلامَةٍ. ورَفْعُ القَواعِدِ إبْرازُها مِنَ الأرْضِ والِاعْتِلاءُ بِها لِتَصِيرَ جِدارًا لِأنَّ البِناءَ يَتَّصِلُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ويَصِيرُ كالشَّيْءِ الواحِدِ فالجِدارُ إذا اتَّصَلَ بِالأساسِ صارَ الأساسُ مُرْتَفِعًا، ويَجُوزُ جَعْلُ القَواعِدِ بِمَعْنى جُدْرانِ البَيْتِ كَما سَمَّوْها بِالأرْكانِ ورَفَعُها إطالَتُها، وقَدْ جَعَلَ ارْتِفاعَ جُدْرانِ البَيْتِ تِسْعَةَ أذْرُعٍ.

ويَجُوزُ أنْ يُفادَ مِنَ اخْتِيارِ مادَّةِ الرَّفْعِ دُونَ مادَّةِ الإطالَةِ ونَحْوَها مَعْنى التَّشْرِيفِ، وفي إثْباتِ ذَلِكَ لِلْقَواعِدِ كِنايَةٌ عَنْ ثُبُوتِهِ لِلْبَيْتِ، وفي إسْنادِ الرَّفْعِ بِهَذا المَعْنى إلى إبْراهِيمَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ إبْراهِيمَ سَبَبُ الرَّفْعِ المَذْكُورِ أيْ بِدُعائِهِ المُقارِنِ لَهُ.

وعَطْفُ إسْماعِيلَ عَلى إبْراهِيمَ تَنْوِيهٌ بِهِ إذْ كانَ مُعاوِنَهُ ومُناوِلَهُ.

ولِلْإشارَةِ إلى التَّفاوُتِ بَيْنَ عَمَلِ إبْراهِيمَ وعَمَلِ إسْماعِيلَ أُوقِعَ العَطْفُ عَلى الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِ المَفْعُولِ والمُتَعَلِّقاتِ، وهَذا مِن خُصُوصِيّاتِ العَرَبِيَّةِ في أُسْلُوبِ العَطْفِ فِيما ظَهَرَ لِي ولا يَحْضُرُنِي الآنَ مِثْلَهُ في كَلامِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّكَ إذا أرَدْتَ أنْ تَدُلَّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الفاعِلِينَ في صُدُورِ الفِعْلِ تَجْعَلُ عَطْفَ …

Al-Baqara 2:127Listen in Qur'an →
128

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of repentance, the Merciful.

﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

فائِدَةُ تَكْرِيرِ النِّداءِ بِقَوْلِهِ ”رَبَّنا“ إظْهارُ الضَّراعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وإظْهارُ أنَّ كُلَّ دَعْوى مِن هاتِهِ الدَّعَواتِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُكَرِّرِ النِّداءَ إلّا عِنْدَ الِانْتِقالِ مِن دَعْوَةٍ إلى أُخْرى

صفحة ٧٢٠

فَإنَّ الدَّعْوَةَ الأُولى لِطَلَبِ تَقَبُّلِ العَمَلِ والثّانِيَةَ لِطَلَبِ الِاهْتِداءِ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ هُنا والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] رَسُولًا والمُرادُ ”بِمُسْلِمَيْنِ لَكَ“ المُنْقادانِ إلى اللَّهِ تَعالى إذِ الإسْلامُ الِانْقِيادُ، ولَمّا كانَ الِانْقِيادُ لِلْخالِقِ بِحَقٍّ يَشْمَلُ الإيمانَ بِوُجُودِهِ وأنْ لا يُشْرِكَ في عِبادَتِهِ غَيْرَهُ ومَعْرِفَةَ صِفاتِهِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها فِعْلُهُ كانَتْ حَقِيقَةُ الإسْلامِ مُلازِمَةً لِحَقِيقَةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، ووَجْهُ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ إسْلامًا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] فَإنَّهُ فَكَّكَ بَيْنَهُما لِأنَّ إسْلامَهم كانَ عَنْ خَوْفٍ لا عَنِ اعْتِقادٍ، فالإيمانُ والإسْلامُ مُتَغايِرانِ مَفْهُومًا وبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ في الماصَدَقَ، فالتَّوْحِيدُ في زَمَنِ الفَتْرَةِ إيمانٌ لا يُتَرَقَّبُ مِنهُ انْقِيادٌ إذِ الِانْقِيادُ إنَّما يَحْصُلُ بِالأعْمالِ، وانْقِيادُ المَغْلُوبِ المُكْرَهِ إسْلامٌ لَمْ يَنْشَأْ عَنِ اعْتِقادِ إيمانٍ، إلّا أنَّ صُورَتَيِ الِانْفِرادِ في الإيمانِ والإسْلامِ نادِرَتانِ.

ألْهَمَ اللَّهُ إبْراهِيمَ اسْمَ الإسْلامِ ثُمَّ ادَّخَرَهُ بَعْدَهُ لِلدِّينِ المُحَمَّدِيِّ فَنُسِيَ هَذا الِاسْمُ بَعْدَ إبْراهِيمَ ولَمْ يُلَقَّبْ بِهِ دِينٌ آخَرُ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ إتْمامًا لِلْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ وسَيَجِيءُ بَيانٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ومَعْنى طَلَبِ أنْ يَجْعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ هو طَلَبُ الزِّيادَةِ في ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ وطَلَبِ الدَّوامِ عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ مِن قَبْلُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (مِن ذُرِّيَّتِنا) و(مُسْلِمَةً) مَعْمُولَيْنِ لِفِعْلِ ”اجْعَلْنا“ بِطَرِيقِ العَطْفِ، وهَذا دُعاءٌ بِبَقاءِ دِينِهِما في ذُرِّيَّتِهِما، و”مِن“ في قَوْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِنا لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما سَألا ذَلِكَ لِبَعْضِ الذُّرِّيَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الحِرْصِ عَلى حُصُولِ الفَضِيلَةِ لِلذُرِّيَّةِ وبَيْنَ الأدَبِ في الدُّعاءِ لِأنَّ نُبُوءَةَ إبْراهِيمَ تَقْتَضِي عِلْمَهُ بِأنَّهُ سَتَكُونُ ذُرِّيَّتُهُ أُمَمًا كَثِيرَةً وأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ في هَذا العالَمِ جَرَتْ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو مِنِ اشْتِمالِهِ عَلى الأخْيارِ والأشْرارِ فَدَعا اللَّهَ بِالمُمْكِنِ عادَةً وهَذا مِن أدَبِ الدُّعاءِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]

ومِن هُنا ابْتُدِئَ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ واتَّبَعُوا الشِّرْكَ، والتَّمْهِيدُ لِشَرَفِ الدِّينِ …

Al-Baqara 2:128Listen in Qur'an →
129

رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might, the Wise."

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

كُرِّرَ النِّداءُ لِأنَّهُ عَطْفُ غَرَضٍ آخَرَ في هَذا الدُّعاءِ وهو غَرَضُ الدُّعاءِ بِمَجِيءِ الرِّسالَةِ في ذُرِّيَّتِهِ لِتَشْرِيفِهِمْ وحِرْصًا عَلى تَمامِ هَدْيِهِمْ.

وإنَّما قالَ ”فِيهِمْ“ ولَمْ يَقُلْ ”لَهم“ لِتَكُونَ الدَّعْوَةُ بِمَجِيءِ رَسُولٍ بِرِسالَةٍ عامَّةٍ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ الرَّسُولُ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ، ولِذَلِكَ حَذَفَ مُتَعَلِّقَ رَسُولًا لِيَعُمَّ، فالنِّداءُ في قَوْلِهِ رَبَّنا وابْعَثِ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمَلِ الدَّعَواتِ المُتَعاطِفَةِ، ومَظْهَرُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ كِلَيْهِما، وأمّا غَيْرُهُ مِن رُسُلِ غَيْرِ العَرَبِ فَلَيْسُوا مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، وشُعَيْبٌ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، وهُودٌ وصالِحٌ هُما مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ فَلَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ولا مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ.

صفحة ٧٢٣

وجاءَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ ١٧ مِنَ التَّكْوِينِ ظَهَرَ الرَّبُّ لِإبْرامَ أيْ إبْراهِيمَ وقالَ لَهُ أنا اللَّهُ القَدِيرُ سِرْ أمامِي وكُنْ كامِلًا فَأجْعَلُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكَ وأُكَثِّرُكَ كَثِيرًا جِدًّا وفي فِقْرَةِ ٢٠ وأمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ ها أنا أُبارِكُهُ وأُثَمِّرُهُ وأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. وذَكَرَ عَبْدُ الحَقِّ الإسْلامِيُّ السَّبْتِيُّ الَّذِي كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ هو وأوْلادُهُ وأهْلُهُ في سَبْتَةَ وكانَ مَوْجُودًا بِها سَنَةَ ٧٣٦ سِتٍّ وثَلاثِينَ وسَبْعِمِائَةٍ في كِتابٍ لَهُ سَمّاهُ الحُسامُ المَحْدُودُ في الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ: أنَّ كَلِمَةَ ”كَثِيرًا جِدًّا“ أصْلُها في النَّصِّ العِبْرانِيِّ ”مادا مادا“ وأنَّها رَمْزٌ في التَّوْراةِ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ بِحِسابِ الجُمَّلِ لِأنَّ عَدَدَ حُرُوفِ ”مادا مادا“ بِحِسابِ الجُمَّلِ عِنْدَ اليَهُودِ تَجْمَعُ عَدَدَ اثْنَيْنِ وتِسْعِينَ وهو عَدَدُ حُرُوفِ مُحَمَّدٍ. اهـ. وتَبِعَهُ عَلى هَذا البَقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ.

ومَعْنى ”يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ“ يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ قِراءَةَ تَذْكِيرٍ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِكِتابٍ فِيهِ شَرْعٌ.

فالآياتُ جَمْعُ آيَةٍ وهي الجُمْلَةُ مِن جُمَلِ القُرْآنِ، سُمِّيَتْ آيَةً لِدَلالَتِها عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِمَجْمُوعِ ما فِيها مِن دَلالَةِ صُدُورِ مِثْلِها مِن أُمِّيٍ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وما نُسِجَتْ عَلَيْهِ مِن نَظْمٍ أعْجَزَ النّاسَ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ صِفاتِهِ دَلالَةً لَمْ تَتْرُكْ مَسْلَكًا لِلضَّلالِ في عَقائِدِ الأُمَّةِ بِحَيْثُ أمِنَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنَ الإشْراكِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حِجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكم هَذا» . وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ”يَتْلُو“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَتَكَرَّرُ تِلاوَتُهُ.

”والحِكْمَةَ“ العِلْمُ بِاللَّهِ ودَقائِقِ شَرائِعِهِ وهي مَعانِي الكِتابِ وتَفْصِيلُ مَقاصِدِهِ، وعَنْ مالِكٍ: الحِكْمَةُ مَعْرِفَةُ الفِقْهِ والدِّينِ والِاتِّباعِ لِذَلِكَ، وعَنِ الشّافِعِيِّ الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكِلاهُما ناظِرٌ إلى أنَّ عَطْفَ الحِكْمَةِ عَلى الكِتابِ يَقْتَضِي شَيْئًا مِنَ المُغايَرَةِ بِزِيادَةِ مَعْنًى وسَيَجِيءُ تَفْصِيلُ مَعْنى الحِكْمَةِ عِنْدَ …

Al-Baqara 2:129Listen in Qur'an →
130

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِۦمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

مُوقِعُ هاتِهِ الآياتِ مِن سَوابِقِها مُوقِعُ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ وإذِ ابْتَلى إلى هَنا عَلِمَ أنَّ صاحِبَ هاتِهِ الفَضائِلِ لا يَعْدِلُ عَنْ دِينِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ إلّا سَفِيهُ العَقْلِ أفِنَ الرَّأْيِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ عَلى سَوابِقِها بِالفاءِ وإنَّما عَدَلَ مِنَ الفاءِ إلى الواوِ لِيَكُونَ مَدْلُولُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ في تَكْمِيلِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وفي أنَّ هَذا الحُكْمَ حَقِيقٌ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ لا مِن خُصُوصِ ما حَكى عَنْهُ في الآياتِ السّالِفَةِ وفي التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ حادُوا عَنِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ مُتَضَمِّنًا لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، والدَّلالَةُ عَنِ التَّفْرِيعِ لا تَفُوتُ لِأنَّ وُقُوعَ الجُمْلَةِ بَعْدَ سَوابِقِها مُتَضَمِّنَةٌ هَذا المَعْنى دَلِيلٌ عَلى أنَّها نَتِيجَةٌ لِما تَقَدَّمَ كَما تَقُولُ أحْسَنَ فُلانٌ تَدْبِيرَ المُهِمِّ وهو رَجُلٌ حَكِيمٌ ولا تَحْتاجُ إلى أنْ تَقُولَ فَهو رَجُلٌ حَكِيمٌ.

والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، واسْتِعْمالُهُ في الإنْكارِ قَدْ يَكُونُ مَعَ جَوازِ إرادَةِ قَصْدِ الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ كِنايَةً، وقَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ جَوازِ إرادَةِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ مَجازًا في الإنْكارِ ويَكُونُ مَعْناهُ مَعْنى النَّفْيِ، والأظْهَرُ أنَّهُ هُنا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ العِلْمِ بِفَضْلِها ووُضُوحِها أمْرٌ مُنْكَرٌ مُسْتَبْعَدٌ.

ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنْكِرِ المُسْتَبْعَدِ أنْ يَسْألَ عَنْ فاعِلِهِ اسْتُعْمِلَ الِاسْتِفْهامُ في مَلْزُومِهِ وهو الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُئِلَ عَنْ هَذا المَعْرَضِ لَكانَ السُّؤالُ وجِيهًا، والِاسْتِثْناءُ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ النَّفْيِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ كِنائِيَّيْنِ، أوْ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ وهُما الإنْكارُ.

والِاسْتِفْهامُ لا يَجِيءُ فِيهِ ما قالُوا في اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ

صفحة ٧٢٥

فِي حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أوْ في مَجازَيْهِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنى الكِنائِيِّ بِطَرِيقِ العَقْلِ بِخِلافِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَوْضُوعِ لَهُما الحَقِيقِيُّ وعَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ إذِ الَّذِينَ رَأوْا ذَلِكَ مَنَعُوا بِعِلَّةِ أنَّ قَصْدَ الدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى الآخَرِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ فَإذا دَلَّ عَلى مَعْنى تَمَّتْ دَلالَتُهُ وأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَجازِيَّيْنِ دَلالَةٌ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ فَتَقْضِي أنَّهُ نُقِلَ مِن مَدْلُولِهِ الحَقِيقِيِّ إلى مَدْلُولٍ مَجازِيٍّ وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ، وقَدْ أبْطَلْنا ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ، أمّا المَعْنى الكِنائِيِّ فالدَّلالَةُ عَلَيْهِ عَقْلِيَّةٌ سَواءٌ بَقِيَ اللَّفْظُ دالًّا عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أمْ تَعَطَّلَتْ دَلالَتُهُ عَلَيْهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اسْتِعْمالَ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى الإنْكارِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما تَكَرَّرَ في كُلِّ كِنايَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيها …

Al-Baqara 2:130Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.