Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 111–120 of 286

111

وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking, Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهْوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى ”ودَّ كَثِيرٌ“ وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] الآيَةَ اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ. والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ”إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ومَقُولُ القَوْلِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ القائِلِ فاليَهُودُ قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، والنَّصارى قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى فَجَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَ قَوْلَيْهِما عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِجَمْعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ وهو نَفْي دُخُولِ الجَنَّةِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفِ لِأجْلِ تَفْرِيعِ الِاسْتِثْناءِ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ تَفْرِيقٌ ما اخْتَصَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ وهو قَوْلُهُ هُودًا أوْ نَصارى

صفحة ٦٧٣

فَكَلِمَةُ أوْ مِن كَلامِ الحاكِي في حِكايَتِهِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ فَأوْ هُنا لِتَقْسِيمِ القَوْلَيْنِ لِيُرْجِعَ السّامِعُ كُلَّ قَوْلٍ إلى قائِلِهِ والقَرِينَةُ عَلى أنَّ أوْ لَيْسَتْ مِن مِقُولِهِمُ المَحْكِيَّ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن مِقْوَلِهِمْ لاقْتَضى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا ثِقَةَ لَهُ بِالنَّجاةِ وأنَّهُ يَعْتَقِدُ إمْكانَ نَجاةِ مُخالِفِهِ، والمَعْلُومُ مِن حالِ أهْلِ كُلِّ دِينٍ خِلافَ ذَلِكَ فَإنَّ كُلًّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا يَشُكُّ في نَجاةِ نَفْسِهِ ولا يَشُكُّ في ضَلالِ مُخالِفِهِ وهي أيْضًا قَرِينَةٌ عَلى تَعْيِينِ كُلٍّ مِن خَبَرَيْ كانَ لِبَقِيَّةِ الجُمْلَةِ المُشْتَرِكَةِ الَّتِي قالَها كُلُّ فَرِيقٍ بِإرْجاعِ هُودًا إلى مَقُولِ اليَهُودِ وإرْجاعِ نَصارى إلى مَقُولِ النَّصارى.

فَأوْ هاهُنا لِلتَّوْزِيعِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن فُرُوعِ كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ وذَلِكَ أنَّهُ إيجازٌ مُرَكَّبٌ مِن إيجازِ الحَذْفِ لِحَذْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِجَمْعِ القَوْلَيْنِ في فِعْلٍ واحِدٍ وهو قالُوا ومِن إيجازِ القَصْرِ لِأنَّ هَذا الحَذْفَ لَمّا لَمْ يَعْتَمِدْ فِيهِ عَلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ المَحُوجَةِ لِتَقْدِيرٍ وإنَّما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ مِنَ القَوْلَيْنِ بِجَلْبِ حَرْفٍ أوْ كانَتْ أوْ تَعْبِيرًا عَنِ المَحْذُوفِ بِأقَلِّ عِبارَةٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ قِسْمًا ثالِثًا مِن أقْسامِ الإيجازِ وهو إيجازُ حَذْفٍ وقَصْرٍ مَعًا.

وقَدْ جَعَلَ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ هاتِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الإجْمالِيِّ أخَذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ لِقَوْلِ صاحِبِ الكَشّافِ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ إلى كُلِّ فَرِيقِ قَوْلَهُ وأمِنّا مِنَ الإلْباسِ لِما عُلِمَ مِنَ التَّعادِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقَوْلُهُ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أرادَ بِهِ اللَّفَّ الَّذِي هو لَقَبٌ لِلْمُحَسِّنِ البَدِيعِيِّ المُسَمّى اللَّفُّ والنَّشْرُ ولِذَلِكَ تَطَلَّبُوا لِهَذا اللَّفِّ نَشْرًا وتَصْوِيرًا لِلَّفِّ في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ قالُوا مَعَ ما بَيَّنَهُ وهو لَفٌّ إجْمالِيٌّ يُبَيِّنُهُ نَشْرَهُ الآتِي بَعْدَهُ ولِذَلِكَ لَقَّبُوهُ اللَّفُّ الإجْمالِيُّ. ثُمَّ وقَعَ نَشْرُ هَذا اللَّفِّ بِقَوْلِهِ“ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ ”فَعُلِمَ مِن حَرْفِ“ أوْ ”تَوْزِيعُ النَّشْرِ إلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ جَرى …

Al-Baqara 2:111Listen in Qur'an →
112

بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Yes [on the contrary], whoever submits his face in Islam to Allah while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهْوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى ”ودَّ كَثِيرٌ“ وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] الآيَةَ اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ. والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ”إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ومَقُولُ القَوْلِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ القائِلِ فاليَهُودُ قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، والنَّصارى قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى فَجَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَ قَوْلَيْهِما عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِجَمْعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ وهو نَفْي دُخُولِ الجَنَّةِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفِ لِأجْلِ تَفْرِيعِ الِاسْتِثْناءِ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ تَفْرِيقٌ ما اخْتَصَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ وهو قَوْلُهُ هُودًا أوْ نَصارى

صفحة ٦٧٣

فَكَلِمَةُ أوْ مِن كَلامِ الحاكِي في حِكايَتِهِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ فَأوْ هُنا لِتَقْسِيمِ القَوْلَيْنِ لِيُرْجِعَ السّامِعُ كُلَّ قَوْلٍ إلى قائِلِهِ والقَرِينَةُ عَلى أنَّ أوْ لَيْسَتْ مِن مِقُولِهِمُ المَحْكِيَّ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن مِقْوَلِهِمْ لاقْتَضى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا ثِقَةَ لَهُ بِالنَّجاةِ وأنَّهُ يَعْتَقِدُ إمْكانَ نَجاةِ مُخالِفِهِ، والمَعْلُومُ مِن حالِ أهْلِ كُلِّ دِينٍ خِلافَ ذَلِكَ فَإنَّ كُلًّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا يَشُكُّ في نَجاةِ نَفْسِهِ ولا يَشُكُّ في ضَلالِ مُخالِفِهِ وهي أيْضًا قَرِينَةٌ عَلى تَعْيِينِ كُلٍّ مِن خَبَرَيْ كانَ لِبَقِيَّةِ الجُمْلَةِ المُشْتَرِكَةِ الَّتِي قالَها كُلُّ فَرِيقٍ بِإرْجاعِ هُودًا إلى مَقُولِ اليَهُودِ وإرْجاعِ نَصارى إلى مَقُولِ النَّصارى.

فَأوْ هاهُنا لِلتَّوْزِيعِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن فُرُوعِ كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ وذَلِكَ أنَّهُ إيجازٌ مُرَكَّبٌ مِن إيجازِ الحَذْفِ لِحَذْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِجَمْعِ القَوْلَيْنِ في فِعْلٍ واحِدٍ وهو قالُوا ومِن إيجازِ القَصْرِ لِأنَّ هَذا الحَذْفَ لَمّا لَمْ يَعْتَمِدْ فِيهِ عَلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ المَحُوجَةِ لِتَقْدِيرٍ وإنَّما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ مِنَ القَوْلَيْنِ بِجَلْبِ حَرْفٍ أوْ كانَتْ أوْ تَعْبِيرًا عَنِ المَحْذُوفِ بِأقَلِّ عِبارَةٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ قِسْمًا ثالِثًا مِن أقْسامِ الإيجازِ وهو إيجازُ حَذْفٍ وقَصْرٍ مَعًا.

وقَدْ جَعَلَ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ هاتِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الإجْمالِيِّ أخَذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ لِقَوْلِ صاحِبِ الكَشّافِ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ إلى كُلِّ فَرِيقِ قَوْلَهُ وأمِنّا مِنَ الإلْباسِ لِما عُلِمَ مِنَ التَّعادِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقَوْلُهُ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أرادَ بِهِ اللَّفَّ الَّذِي هو لَقَبٌ لِلْمُحَسِّنِ البَدِيعِيِّ المُسَمّى اللَّفُّ والنَّشْرُ ولِذَلِكَ تَطَلَّبُوا لِهَذا اللَّفِّ نَشْرًا وتَصْوِيرًا لِلَّفِّ في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ قالُوا مَعَ ما بَيَّنَهُ وهو لَفٌّ إجْمالِيٌّ يُبَيِّنُهُ نَشْرَهُ الآتِي بَعْدَهُ ولِذَلِكَ لَقَّبُوهُ اللَّفُّ الإجْمالِيُّ. ثُمَّ وقَعَ نَشْرُ هَذا اللَّفِّ بِقَوْلِهِ“ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ ”فَعُلِمَ مِن حَرْفِ“ أوْ ”تَوْزِيعُ النَّشْرِ إلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ جَرى …

Al-Baqara 2:112Listen in Qur'an →
113

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

The Jews say "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus the polytheists speak the same as their words. But Allah will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]“ لِزِيادَةِ بَيانِ أنَّ المُجازَفَةَ دَأْبُهم وأنَّ رَمْيَ المُخالِفِ لَهم بِأنَّهُ ضالٌّ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ فَهم يَرْمُونَ المُخالِفِينَ بِالضَّلالِ لِمُجَرَّدِ المُخالِفَةِ فَقَدِيمًا ما رَمَتِ اليَهُودُ النَّصارى بِالضَّلالِ ورَمَتِ النَّصارى اليَهُودَ بِمِثْلِهِ فَلا تَعْجَبُوا مِن حُكْمِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم بِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وفي ذَلِكَ إنْحاءٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ وتَطْمِينٍ لِخَواطِرِ المُسْلِمِينَ ودَفْعِ الشُّبْهَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يَتَّخِذُونَ مِن طَعْنِ أهْلِ الكِتابِ في الإسْلامِ حُجَّةً لِأنْفُسِهِمْ عَلى مُناوَأتِهِ وثَباتًا عَلى شِرْكِهِمْ.

والمُرادُ مِنَ القَوْلِ التَّصْرِيحُ بِالكَلامِ الدّالِّ فَهم قَدْ قالُوا هَذا بِالصَّراحَةِ حِينَ جاءَ وفْدُ نَجْرانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيهِمْ أعْيانُ دِينِهِمْ مِنَ النَّصارى فَلَمّا بَلَغَ مَقْدِمُهُمُ

صفحة ٦٧٦

اليَهُودَ أتَوْهم وهم عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَناظَرُوهم في الدِّينِ وجادَلُوهم حَتّى تَسابُّوا فَكَفَرَ اليَهُودُ بِعِيسى وبِالإنْجِيلِ وقالُوا لِلنَّصارى ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، فَكَفَرَ وفْدُ نَجْرانَ بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ وقالُوا لِلْيَهُودِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ.

وقَوْلُهم ”عَلى شَيْءٍ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ والشَّيْءُ المَوْجُودُ هُنا مُبالَغَةٌ أيْ لَيْسُوا عَلى أمْرٍ يُعْتَدُّ بِهِ. فالشَّيْءُ المَنفِيُّ هو الشَّيْءُ العُرْفِيُّ أوْ بِاعْتِبارِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأِ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعْ

أيْ لَمْ أُعْطَ شَيْئًا نافِعًا مُغْنِيًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ولَمْ أُمْنَعْ، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ: لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فالصِّيغَةُ صِيغَةُ عُمُومٍ والمُرادُ بِها في مَجارِي الكَلامِ نَفِيُ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ في الغَرَضِ الجارِي فِيهِ الكَلامُ بِحَسَبِ المَقاماتِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا كالعامِّ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ أيْ لَيْسُوا عَلى حَظٍّ مِنَ الحَقِّ فالمُرادُ هُنا لَيْسَتْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الحَقِّ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ صِحَّةِ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الكِتابِ الشَّرْعِيِّ فَكُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ رَمى الآخَرَ بِأنَّ ما عِنْدَهُ مِنَ الكِتابِ لا حَظَ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ ”﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ جِيءَ بِها لِمَزِيدِ التَّعَجُّبِ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ وكُلُّ فَرِيقٍ مِنهم يَتْلُونَ الكِتابَ وكُلُّ كِتابٍ يَتْلُونَهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَقِّ لَوِ اتَّبَعَهُ أهْلُهُ حَقَّ اتِّباعِهِ ولا يَخْلُو أهْلُ كِتابِ حَقٍّ مِن أنْ يَتَّبِعُوا بَعْضَ ما في كِتابِهِمْ أوْ جُلَّ ما فِيهِ فَلا يُصَدَّقُ قَوْلُ غَيْرِهِمْ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى الهَيْئَةِ أقْوى مِن دَلالَةِ الحالِ المُفْرَدَةِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ بِسَبَبِ اشْتِمالِها عَلى نِسْبَةٍ خَبَرِيَّةٍ تُفِيدُ أنَّ ما كانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عُدِلَ بِهِ عَنِ الخَبَرِ لِادِّعاءِ أنَّهُ مَعْلُومٌ اتِّصافُ …

Al-Baqara 2:113Listen in Qur'an →
114

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And who are more unjust than those who prevent the name of Allah from being mentioned in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] بِاعْتِبارِ ما سَبَقَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أفانِينِ أهْلِ الكِتابِ في الجُرْاءَةِ وسُوءِ المَقالَةِ أيْ أنَّ قَوْلَهم هَذا وما تَقَدَّمُهُ ظُلْمٌ ولا كَظُلْمِ مَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ وهَذا اسْتِطْرادٌ واقِعٌ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ والنَّصارى لِذِكْرِ مَساوِئِ المُشْرِكِينَ في سُوءِ تَلَقِّيهم دَعْوَةَ الإسْلامِ الَّذِي جاءَ لِهَدْيِهِمْ ونَجاتِهِمْ.

والآيَةُ نازِلَةٌ في مُشْرِكِي العَرَبِ كَما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ الآيَةَ كَما سَيَأْتِي وهي تُشِيرُ إلى مَنعِ أهْلِ مَكَّةَ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ مِنَ الدُّخُولِ لِمَكَّةَ كَما جاءَ في حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ

صفحة ٦٧٩

حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ خِفْيَةً وقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: ألا أراكَ تَطُوفُ بِالبَيْتِ آمِنًا وقَدْ أوَيْتُمُ الصِّباءَ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ.

وقِيلَ نَزَلَتْ في بُخْتُنَصَّرَ مَلِكِ أشُورَ وغَزْوِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ ثَلاثَ غَزَواتٍ أوَّلاها في سَنَةِ ٦٠٦ قَبْلَ المَسِيحِ زَمَنَ المَلِكِ يَهُوياقِيمَ مَلِكِ اليَهُودِ سَبى فِيها جَمْعًا مِن شَعْبِ إسْرائِيلَ. والثّانِيَةُ بَعْدَ ثَمانِ سِنِينَ سَبى فِيها رُؤَساءَ المَمْلَكَةِ والمَلِكَ يَهُوا كِينَ بْنَ يَهُوياقِيمَ ونَهَبَ المَسْجِدَ المُقَدَّسَ مِن جَمِيعِ نَفائِسِهِ وكُنُوزِهِ. والثّالِثَةُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ في زَمَنِ المَلِكِ صِدْقِيا فَأسَرَ المَلِكَ وسَمَلَ عَيْنَيْهِ وأحْرَقَ المَسْجِدَ الأقْصى وجَمِيعَ المَدِينَةِ وسَبى جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ وانْقَرَضَتْ بِذَلِكَ مَمْلَكَةُ يَهُوذا وذَلِكَ سَنَةَ ٥٧٨ قَبْلَ المَسِيحِ وتُسَمّى هَذِهِ الواقِعَةُ بِالسَّبْيِ الثّالِثِ فَهو في كُلِّ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ مَسْجِدَ بَيْتِ المَقْدِسِ مِن أنْ يَذْكُرَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وتَسَبَّبَ في خَرابِهِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في غَزْوِ طَيْطَسَ الرُّومانِيِّ لِأُورَشْلِيمَ سَنَةَ ٧٩ قَبْلَ المَسِيحِ فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وأحْرَقَ التَّوْراةَ وتَرَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ خَرابًا إلى أنْ بَناهُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ فَتْحِ البِلادِ الشّامِيَّةِ. وعَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لا تَظْهَرُ مُناسَبَةٌ لِذِكْرِها عَقِبَ ما تَقَدَّمَ فَلا يَنْبَغِي بِناءُ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِما.

والوَجْهُ هو التَّعْوِيلُ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى وهي المَأْثُورَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالمُناسِبَةُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ وُفِّيَ أهْلُ الكِتابِ حَقَّهم مَن فَضْحِ نَواياهم في دِينِ الإسْلامِ وأهْلِهِ وبَيانِ أنَّ تِلْكَ شَنْشَنَةٌ مُتَأصِّلَةٌ فِيهِمْ مَعَ كُلِّ مَن جاءَهم بِما يُخالِفُ هَواهم وكانَ قَدْ أشارَ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ شابُهُوهم في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] عَطَفَ الكَلامَ إلى بَيانِ ما تَفَرَّعَ عَنْ عَدَمِ وِدادَةِ المُشْرِكِينَ نُزُولِ القُرْآنِ فَبَيَّنَ أنَّ ظُلْمَهم في ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْهُ أحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَهم إذْ مَنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ وسَدُّوا طَرِيقَ الهُدى وحالُوا بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ زِيارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو فَخْرُهم وسَبَبُ …

Al-Baqara 2:114Listen in Qur'an →
115

وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And to Allah belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face of Allah. Indeed, Allah is all-Encompassing and Knowing.

﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

لَمّا جاءَ بِوَعِيدِهِمْ ووَعَدَ المُؤْمِنِينَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَسْلِيَةَ المُؤْمِنِينَ عَلى خُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ ونِكايَةَ المُشْرِكِينَ بِفَسْخِ ابْتِهاجِهِمْ بِخُرُوجِ المُؤْمِنِينَ مِنها وانْفِرادِهِمْ هم بِمَزِيَّةِ جِوارِ الكَعْبَةِ فَبَيَّنَ أنَّ الأرْضَ كُلَّها لِلَّهِ تَعالى وأنَّها ما تَفاضَلَتْ جِهاتُها إلّا بِكَوْنِها مَظِنَّةً لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى وتَذَكُّرِ نِعَمِهِ وآياتِهِ العَظِيمَةِ فَإذا كانَتْ وِجْهَةُ الإنْسانِ نَحْوَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى فَأيْنَما تَوَلّى فَقَدْ صادَفَ رِضى اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَتْ وِجْهَتَهُ الكُفْرُ والغُرُورُ والظُّلْمُ فَما يُغْنِي عَنْهُ العِياذُ بِالمَواضِعِ المُقَدَّسَةِ بَلْ هو فِيها دَخِيلٌ لا يَلْبَثُ أنْ يُقْلَعَ مِنها قالَ تَعالى ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] «وقالَ ﷺ في بَنِي إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنهم» . فالمُرادُ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ في الآيَةِ تَعْمِيمُ جِهاتِ الأرْضِ لِأنَّها تَنْقَسِمُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَسِيرِ الشَّمْسِ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَبْتَدِئُ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، وقِسْمٌ يَنْتَهِي في حَيْثُ تَغْرُبُ، وهو تَقْسِيمٌ اعْتِبارِيٌّ كانَ مَشْهُورًا عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ لِأنَّهُ المَبْنِيُّ عَلى المُشاهَدَةِ مُناسِبٌ لِجَمِيعِ النّاسِ والتَّقْسِيمُ الذّاتِيُّ لِلْأرْضِ هو تَقْسِيمُها إلى شَمالِيٍّ وجَنُوبِيٍّ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ يَنْبَنِي عَلى اخْتِلافِ آثارِ الحَرَكَةِ الأرْضِيَّةِ.

صفحة ٦٨٣

وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إذْنٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَتَوَجَّهَ في الصَّلاةِ إلى أيَّةِ جِهَةٍ شاءَ، ولَعَلَّ مُرادَ هَذا القائِلِ أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى تِلْكَ المَشْرُوعِيَّةِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قُبَيْلَ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ إذِ الشَّأْنُ تَوالِي نُزُولِ الآياتِ، وآيَةُ نَسْخِ القِبْلَةِ قَرِيبَةُ المَوْقِعِ مِن هَذِهِ، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ عامًّا كَما هو الشَّأْنُ فَتَشْمَلُ الهِجْرَةَ مِن مَكَّةَ والِانْصِرافَ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاخْتِصاصِ أيْ أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ تَعالى فَقَطْ لا لَهم، فَلَيْسَ لَهم حَقٌّ في مَنعِ شَيْءٍ مِنها عَنْ عِبادِ اللَّهِ المُخْلِصِينَ.

و”وجْهُ اللَّهِ“ بِمَعْنى الذّاتِ وهو حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ تَقُولُ: لِوَجْهِ زَيْدٍ أيْ ذاتِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ”مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ“ وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَمَلِهِ فَحَيْثُ أمَرَهم بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَرِضاهُ مَنُوطٌ بِالِامْتِثالِ لِذَلِكَ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ رِضاهُ بِهِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ في سَبِيلِ الدِّينِ لِبِلادِ الحَبَشَةِ ثُمَّ لِلْمَدِينَةِ ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الوَجْهِ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ في التَّذْيِيلِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ فَقَوْلُهُ ”واسِعٌ“ تَذْيِيلٌ لِمَدْلُولٍ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ والمُرادُ سَعَةُ مُلْكِهِ أوْ سَعَةُ تَيْسِيرِهِ والمَقْصُودُ عَظَمَةُ اللَّهِ وأنَّهُ لا جِهَةَ لَهُ وإنَّما الجِهاتُ الَّتِي يُقْصَدُ مِنها رِضى اللَّهِ تَفْضُلُ غَيْرَها وهو عَلِيمٌ بِمَن يَتَوَجَّهُ لِقَصْدِ مَرْضاتِهِ وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّها المُرادُ بِها القِبْلَةُ في الصَّلاةِ.

Al-Baqara 2:115Listen in Qur'an →
116

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ

They say, "Allah has taken a son." Exalted is He! Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,

﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾

الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بِقالُوا عائِدٌ إلى جَمِيعِ الفِرَقِ الثَّلاثِ وهي اليَهُودُ والنَّصارى والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إشارَةً إلى ضَلالٍ آخَرَ اتَّفَقَ فِيهِ الفِرَقُ الثَّلاثُ، وقَدْ قُرِئَ بِالواوِ وقالُوا عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”وقالَتِ اليَهُودُ“ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِدُونِ واوِ عَطْفٍ وكَذَلِكَ ثَبَتَتِ الآيَةُ في المُصْحَفِ الإمامِ المُوَجَّهِ إلى الشّامِ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا كَأنَّ السّامِعَ بَعْدَ أنْ سَمِعَ ما مَرَّ مِن عَجائِبِ هَؤُلاءِ الفِرَقِ الثَّلاثِ جَمْعًا وتَفْرِيقًا تَسَنّى لَهُ أنْ يَقُولَ لَقَدْ أسْمَعْتَنا مِن مُساوِيهِمْ عَجَبًا فَهَلِ انْتَهَتْ مُساوِيهِمْ أمْ لَهم مَساوٍ أُخْرى لِأنَّ ما سَمِعْناهُ مُؤْذِنٌ بِأنَّها مَساوٍ لا تَصْدُرُ إلّا عَنْ فِطَرٍ خَبِيثَةٍ.

صفحة ٦٨٤

وقَدِ اجْتَمَعَ عَلى هَذِهِ الضَّلالَةِ الفِرَقُ الثَّلاثُ كَما اتَّفَقُوا عَلى ما قَبْلَها، فَقالَتِ اليَهُودُ: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقالَ المُشْرِكُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ رُجُوعًا إلى جَمْعِهِمْ في قَرَنٍ إتْمامًا لِجَمْعِ أحْوالِهِمُ الواقِعِ في قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] وفي قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] وقَدْ خُتِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِآيَةٍ جَمَعَتِ الفَرِيقَ الثّالِثَ في مَقالَةٍ أُخْرى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٨] إلى قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] والقَوْلُ هُنا عَلى حَقِيقَتِهِ وهو الكَلامُ اللِّسانِيُّ ولِذَلِكَ نَصَبَ الجُمْلَةَ وأُرِيدَ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ أيْضًا لِأنَّ الغالِبَ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ الِاعْتِقادِ. وقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا جاءَ بِلَفْظِ ”اتَّخَذَ“ تَعْرِيضًا بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ بِأنَّ كَلامَهم لا يَلْتَئِمُ لِأنَّهم أثْبَتُوا ولَدًا لِلَّهِ ويَقُولُونَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ. والِاتِّخاذُ الِاكْتِسابُ وهو يُنافِي الوَلَدِيَّةَ إذِ الوَلَدِيَّةُ تُولَدُ بِدُونِ صُنْعٍ فَإذا جاءَ الصُّنْعُ جاءَتِ العُبُودِيَّةُ لا مَحالَةَ وهَذا التَّخالُفُ هو ما يُعَبَّرُ عَنْهُ في عِلْمِ الجَدَلِ بِفَسادِ الوَضْعِ وهو أنْ يَسْتَنْتِجَ وُجُودَ الشَّيْءِ مِن وُجُودِ ضِدِّهِ كَما يَقُولُ قائِلٌ: القَتْلُ جِنايَةٌ عَظِيمَةٌ فَلا تُكَفَّرُ مِثْلُ الرِّدَّةِ.

وأصْلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ ناشِئٌ عَنْ جَهالَةٍ وبِالنِّسْبَةِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ ناشِئٌ عَنْ تَوَغُّلِهِما في سُوءِ فَهْمِ الدِّينِ حَتّى تَوَهَّمُوا التَّشْبِيهاتِ والمَجازاتِ حَقائِقَ فَقَدْ ورَدَ وصْفُ الصّالِحِينَ بِأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ ووَرَدَ في كِتابِ النَّصارى وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أبُو عِيسى وأبُو الأُمَّةِ فَتَلَقَّفَتْهُ عُقُولٌ لا تَعْرِفُ التَّأْوِيلَ ولا تُؤَيِّدُ اعْتِقادَها بِواضِحِ الدَّلِيلِ فَظَنَّتْهُ عَلى حَقِيقَتِهِ.

جاءَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ ١٤ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ”أنْتُمْ أوْلادٌ لِلرَّبِّ إلَهِكم لا تَخْمِشُوا أجْسامَكم“ وفي إنْجِيلِ مَتّى الإصْحاحِ ٥ ”طُوبى لِصانِعِي السَّلامِ لِأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ يُدْعَوْنَ“ وفِيهِ ”وصَلُّوا لِأجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إلَيْكم …

Al-Baqara 2:116Listen in Qur'an →
117

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.

صفحة ٦٨٦

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

هُوَ بِالرَّفْعِ خَبْرٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِاتِّباعِ الِاسْتِعْمالِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨]“ وذَلِكَ مِن جِنْسِ ما يُسَمُّونَهُ بِالنَّعْتِ المَقْطُوعِ.

والبَدِيعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الإبْداعِ وهو الإنْشاءُ عَلى غَيْرِ مِثالٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ إنْشاءِ المُنْشَآتِ عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ وذَلِكَ هو خَلْقُ أُصُولِ الأنْواعِ وما يَتَوَلَّدُ مِن مُتَوَلِّداتِها، فَخَلْقُ السَّماواتِ إبْداعٌ وخَلْقُ الأرْضِ إبْداعٌ وخَلْقُ آدَمَ إبْداعٌ وخَلْقُ نِظامِ التَّناسُلِ إبْداعٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِن بَدَعَ المُجَرَّدِ مِثْلَ قَدَرَ إذا صَحَّ ووَرَدَ بَدَعَ بِمَعْنى قَدَرَ بِقِلَّةٍ أوْ هو مُشْتَقٌّ مِن أبْدَعَ ومَجِيءُ فَعِيلٍ مِن أفْعَلَ قَلِيلٌ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كْرِبَ:

أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ

يُرِيدُ المَسْمَعَ. ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

سَقاكَ بِها المَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً ∗∗∗ فَأنْهَلَكَ المَأْمُونُ مِنها وعَلَّكَ

أيْ كَأْسًا مَرْوِيَّةً. فَيَكُونُ هُنا مِمّا جاءَ قَلِيلًا وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ويَأْتِي في قَوْلِهِ ”بَشِيرًا ونَذِيرًا“ وقَدْ قِيلَ في البَيْتِ تَأْوِيلاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ، والحَقُّ أنَّهُ اسْتِعْمالٌ قَلِيلٌ حُفِظَ في ألْفاظٍ مِنَ الفَصِيحِ غَيْرِ قَلِيلَةٍ مِثْلِ النَّذِيرِ والبَشِيرِ إلّا أنَّ قِلَّتَهُ لا تُخْرِجُهُ عَنِ الفَصاحَةِ لِأنَّ شُهْرَتَهُ تَمْنَعُ مِن جَعْلِهِ غَرِيبًا. وأمّا كَوْنُهُ مُخالِفًا لِلْقِياسِ فَلا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمالِهِ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُوَلَّدِ إذا أرادَ أنْ يَقِيسَ عَلَيْهِ في مادَّةٍ أُخْرى.

صفحة ٦٨٧

وذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّ بَدِيعَ هُنا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مَأْخُوذٌ مِن بَدُعَ بِضَمِّ الدّالِّ أيْ كانَتِ البَداعَةُ صِفَةً ذاتِيَّةً لَهُ بِتَأْوِيلِ بَداعَةِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي هي مِن مَخْلُوقاتِهِ فَأُضِيفَتْ إلى فاعِلِها الحَقِيقِيِّ عَلى جَعْلِهِ مُشَبَّهًا بِالمَفْعُولِ بِهِ وأجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِيَكُونَ ضَمِيرُهُ فاعِلًا لَفْظًا عَلى نَحْوِ: زَيْدٌ حَسَنُ الوَجْهِ كَما يُقالُ: فُلانٌ بَدِيعُ الشِّعْرِ، أيْ بَدِيعَةٌ سَماواتُهُ.

وأمّا بَيْتُ عَمْرٍو فَإنَّما عَيَّنُوهُ لِلتَّنْظِيرِ ولَمْ يُجَوِّزُوا فِيهِ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ السَّمِيعُ بِمَعْنى المَسْمُوعِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَرِدْ سَمِيعٌ بِمَعْنى مَسْمُوعٍ مَعَ أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ غَيْرُ مُطَّرِدٍ. الثّانِي: أنَّ سَمِيعٌ وقَعَ وصْفًا لِلذّاتِ وهو الدّاعِي، وحُكْمُ سَمِعَ إذا دَخَلَتْ عَلى ما لا يَسْمَعُ أنْ تَصِيرَ مِن أخَوات ظَنَّ فَيَلْزَمُ مَجِيءُ مَفْعُولٍ ثانٍ بَعْدَ النّائِبِ المُسْتَتِرِ وهو مَفْقُودٌ.

الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى وصْفِ الدّاعِي بِأنَّهُ مَسْمُوعٌ بَلْ عَلى وصْفِهِ بِأنَّهُ مُسْمِعٌ أيِ الدّاعِي القاصِدُ لِلْإسْماعِ المُعْلِنُ لِصَوْتِهِ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ داعٍ في أمْرٍ مُهِمٍّ. ووَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِبَدِيعِ السَّماواتِ والأرْضِ مُرادٌ بِهِ أنَّهُ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ وفي هَذا الوَصْفِ اسْتِدْلالٌ عَلى نَفْيِ بُنُوَّةِ مَن جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما. فَلا شَيْءَ مِن تِلْكَ المَوْجُوداتِ …

Al-Baqara 2:117Listen in Qur'an →
118

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌۭ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ

Those who do not know say, "Why does Allah not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].

﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] المَعْطُوفِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى﴾ [البقرة: ١١٣] لِمُناسَبَةِ اشْتِراكِ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى في الأقْوالِ والعَقائِدِ الضّالَّةِ إلّا أنَّهُ قَدَّمَ قَوْلَ أهْلِ الكِتابِ في الآيَةِ الماضِيَةِ وهي (﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ [البقرة: ١١٣]) لِأنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا بِذَلِكَ أيّامَ مُجادَلَتِهِمْ في تَفاضُلِ أدْيانِهِمْ ويَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ ما يُوجِبُ الِاشْتِغالَ بِذَلِكَ إلى أنْ جاءَ الإسْلامُ فَقالُوا مِثْلَ قَوْلِ أهْلِ الكِتابِ. وجَمَعَ الكُلَّ في ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرِيقٌ مِنَ الثَّلاثَةِ فِيهِ مُقْتَبَسًا مِنَ الآخَرِ بَلْ جَمِيعُهُ ناشِئٌ مِنَ الغُلُوِّ في تَقْدِيسِ المَوْجُوداتِ الفاضِلَةِ ومَنشَؤُهُ سُوءُ الفَهْمِ في العَقِيدَةِ سَواءٌ كانَتْ مَأْخُوذَةً مِن كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ في مَنشَأِ قَوْلِ

صفحة ٦٨٩

أهْلِ الكِتابَيْنِ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا أمْ مَأْخُوذَةً مِن أقْوالِ قادَتِهِمْ كَما قالَتِ العَرَبُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدَّمَ قَوْلَ المُشْرِكِينَ هُنا لِأنَّ هَذا القَوْلَ أعْلَقُ بِالمُشْرِكِينَ إذْ هو جَدِيدٌ فِيهِمْ وفاشٍ بَيْنَهم. فَلَمّا كانُوا مُخْتَرِعِي هَذا القَوْلِ نُسِبَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ نُظِرَ بِهِمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. إذْ قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ لِرُسُلِهِمْ.

و لَوْلا هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ قُصِدَ مِنهُ التَّعْجِيزُ والِاعْتِذارُ عَنْ عَدَمِ الإصْغاءِ لِلرَّسُولِ اسْتِكْبارًا بِأنَّ عَدُّوا أنْفُسَهم أحْرِياءَ بِالرِّسالَةِ وسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهَذا مُبالَغَةٌ في الجَهالَةِ لا يَقُولُها أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أثْبَتُوا الرِّسالَةَ والحاجَةَ إلى الرُّسُلِ.

وقَوْلُهُ ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ أرادُوا مُطْلَقَ آيَةٍ فالتَّنْكِيرُ لِلنَّوْعِيَّةِ وحِينَئِذٍ فَهو مُكابَرَةٌ وجُحُودٌ لِما جاءَهم مِنَ الآياتِ وحَسْبُكَ بِأعْظَمِها وهو القُرْآنُ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِنَ التَّنْكِيرِ وقَدْ سَألُوا آياتٍ مُقْتَرَحاتٍ وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا الآياتِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ الآياتِ هي عَجائِبُ الحَوادِثِ أوِ المَخْلُوقاتِ وما دَرَوْا أنَّ الآيَةَ العِلْمِيَّةَ العَقْلِيَّةَ أوْضَحُ المُعْجِزاتِ لِعُمُومِها ودَوامِها وقَدْ تَحَدّاهُمُ الرَّسُولُ بِالقُرْآنِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وكَفاهم بِذَلِكَ آيَةً لَوْ كانُوا أهْلَ إنْصافٍ.

وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أيْ كَمِثْلِ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ والمُرادُ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهْمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَقَدْ قالَ اليَهُودُ لِمُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً وسَألَ النَّصارى عِيسى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ وفي هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ مِثْلُ ما لاقاهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ ولِذَلِكَ أُرْدِفَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩] الآيَةَ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ واقِعَةً مَوْقِعَ الجَوابِ …

Al-Baqara 2:118Listen in Qur'an →
119

إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَٰبِ ٱلْجَحِيمِ

Indeed, We have sent you, [O Muhammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكاياتِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ القَصْدُ مِنها تَأْنِيسُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أسَفِهِ عَلى ما لَقِيَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ مِمّا يُماثِلُ ما لَقِيَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وقَدْ كانَ يَوَدُّ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ فَيَتَأيَّدُ بِهِمُ الإسْلامُ عَلى المُشْرِكِينَ فَإذا هو يَلْقى مِنهم ما لَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ أشَدَّ، وقَدْ قالَ لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ لَآمَنَ بِي اليَهُودُ كُلُّهم فَكانَ لِتَذْكِيرِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ تَهْدِئَةً لِخاطِرِهِ الشَّرِيفِ، وعَذَرَ لَهُ إذْ أبْلَغَ الرِّسالَةَ، وتَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْ قَوْمٍ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَحِيمِ. وفِيهِ تَمْهِيدٌ لِلتَّأْيِيسِ مِن إيمانِ اليَهُودِ والنَّصارى. وجِيءَ بِالتَّأْكِيدِ وإنْ كانَ النَّبِيءُ لا يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وبَيانِ أنَّهُ يُنَوِّهُ بِهِ لِما تَضَمَّنَهُ مِن تَنْوِيهِ شَأْنِ الرَّسُولِ.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ ضَمِيرُ الجَلالَةِ تَشْرِيفًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِعِزِّ الحُضُورِ لِمَقامِ التَّكَلُّمِ مَعَ الخالِقِ تَعالى وتَقَدَّسَ كَأنَّ اللَّهَ يُشافِهُهُ بِهَذا الكَلامِ بِدُونِ واسِطَةٍ فَلِذا لَمْ يَقُلْ لَهُ إنَّ اللَّهَ أرْسَلَكَ. وقَوْلُهُ بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْناكَ“، والحَقُّ هو الهُدى والإسْلامُ والقُرْآنُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ وهي كُلُّها مُلابَسَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ في رِسالَتِهِ بَعْضُها بِمُلابَسَةِ التَّبْلِيغِ وبَعْضُها بِمُلابَسَةِ التَّأْيِيدِ. فالمَعْنى أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ حالانِ وهُما بِزِنَةٍ فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ مَأْخُوذانِ مِن بَشَّرَ المُضاعَفِ وأنْذَرَ المَزِيدِ فَمَجِيئُهُما مِنَ الرُّباعِيِّ عَلى خِلافِ القِياسِ، كالقَوْلِ في بَدِيعِ السَّماواتِ والأرْضِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، وقِيلَ البَشِيرُ مُشْتَقٌّ مِن بَشَرَ المُخَفَّفِ الشِّينِ مِن بابِ نَصَرَ ولا داعِيَ إلَيْهِ.

صفحة ٦٩٢

وقَوْلُهُ ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ وهو إمّا عَلى جُمْلَةِ ”إنّا أرْسَلْناكَ“ أوْ عَلى الحالِ في قَوْلِهِ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ ويَجُوزُ كَوْنُ الواوِ لِلْحالِ. قَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّ لا حَرْفُ نَهْيٍ جازِمٌ لِلْمُضارِعِ وهو عَطْفُ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ، والسُّؤالُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الِاهْتِمامِ والتَّطَلُّعِ إلى مَعْرِفَةِ الحالِ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِأنَّ المَعْنى بِالشَّيْءِ المُتَطَلِّعِ لِمَعْرِفَةِ أحْوالِهِ يَكْثُرُ مِنَ السُّؤالِ عَنْهُ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ فَظاعَةِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ والكافِرِينَ حَتّى إنَّ المُتَفَكِّرَ في مَصِيرِ حالِهِمْ يَنْهى عَنِ الِاشْتِغالِ بِذَلِكَ لِأنَّها أحْوالٌ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ ولا يَبْلُغُ إلى كُنْهِها العَقْلُ في فَظاعَتِها وشَناعَتِها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ السُّؤالِ يَرِدُ لِمَعْنى تَعْظِيمِ أمْرِ المَسْئُولِ عَنْهُ نَحْوَ قَوْلِ عائِشَةَ «يُصَلِّي أرْبَعًا فَلا تَسْألُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ» ولِهَذا شاعَ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ إلْقاءُ المَسائِلِ الصَّعْبَةِ بِطَرِيقَةِ السُّؤالِ نَحْوَ (فَإنْ قُلْتَ) لِلِاهْتِمامِ.

وقَرَأهُ جُمْهُورُ العَشَرَةِ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ ورَفْعِ اللّامِ عَلى أنَّ لا نافِيَةٌ أيْ لا يَسْألُكَ اللَّهُ …

Al-Baqara 2:119Listen in Qur'an →
120

وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

And never will the Jews or the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allah no protector or helper.

﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] أوْ عَلى إنّا أرْسَلْناكَ وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ المُؤَيِّسُ مِن إيمانِهِمْ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ قَبْلَهُ التَّأْنِيسَ والتَّسْلِيَةَ عَلى نَحْوِ مَجِيءِ العِتابِ بَعْدَ تَقْدِيمِ العَفْوِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وهَذا مِن كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ .

صفحة ٦٩٣

والنَّفْيُ بِلَنْ مُبالَغَةٌ في التَّأْنِيسِ لِأنَّها لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وتَأْيِيدِهِ. والمِلَّةُ بِكَسْرِ المِيمِ الدِّينُ والشَّرِيعَةُ وهي مَجْمُوعُ عَقائِدَ وأعْمالٍ يَلْتَزِمُها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ يَتَّفِقُونَ عَلَيْها، وتَكُونُ جامِعَةً لَهم كَطَرِيقَةٍ يَتَّبِعُونَها، ويَحْتَمِلُ أنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن أمَلَّ الكِتابَ فَسُمِّيَتِ الشَّرِيعَةُ مِلَّةً لِأنَّ الرَّسُولَ أوْ واضِعَ الدِّينِ يُعْلِمُها لِلنّاسِ ويُمْلِلُها عَلَيْهِمْ كَما سُمِّيَتْ دِينًا بِاعْتِبارِ قَبُولِ الأُمَّةِ لَها وطاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. ومَعْنى الغايَةِ في ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الكِنايَةُ عَنِ اليَأْسِ مِنِ اتِّباعِ اليَهُودِ والنَّصارى لِشَرِيعَةِ الإسْلامِ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهم إذا كانُوا لا يَرْضَوْنَ إلّا بِاتِّباعِهِ مِلَّتَهم فَهم لا يَتَّبِعُونَ مِلَّتَهُ، ولَمّا كانَ اتِّباعُ النَّبِيءِ مِلَّتَهم مُسْتَحِيلًا كانَ رِضاهم عَنْهُ كَذَلِكَ عَلى حَدِّ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وقَوْلُهُ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] والتَّصْرِيحُ بِلا النّافِيَةِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ولا النَّصارى لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِقْلالِهِمْ بِالنَّفْي، وعَمَّ الِاقْتِناعُ بِاتِّباعِ حَرْفِ العَطْفِ لِأنَّهم كانُوا يُظَنُّ بِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ؛ لِإظْهارِهِمْ شَيْئًا مِنَ المَوَدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيءِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَّبِعٍ مِلَّتَهم وأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ القُرْآنَ لِأنَّهُ جاءَ بِنَسْخِ كِتابَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ أمْرٌ بِالجَوابِ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ مِن خُلاصَةِ أقْوالٍ لَهم يَقْتَضِي مَضْمُونُها أنَّهم لا يُرْضِيهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدْعُوهُمُ النَّبِيءُ إلَيْهِ إلّا أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهم وأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مِلَّتَهم هُدًى فَلا ضَيْرَ عَلَيْهِ إنِ اتَّبَعَها، مِثْلَ قَوْلِهِمْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّلَوُّنِ في الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ في جَوابِهِمْ بِما هو الأُسْلُوبُ في المُجاوَبَةِ مِن فِعْلِ القَوْلِ بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ قالُوا ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ . وهُدى اللَّهِ ما يُقَدِّرُهُ لِلشَّخْصِ مِنَ التَّوْفِيقِ أيْ قُلْ لَهم: لا أمْلِكُ لَكم هُدًى إلّا أنْ يَهْدِيَكُمُ اللَّهُ، فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهُدى اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيَّ هو الهُدى يَعْنِي: أنَّ القُرْآنَ هو الهُدى إبْطالًا لِغُرُورِهِمْ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ المِلَّةِ هو الهُدى، …

Al-Baqara 2:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.