وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking, Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهْوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى ”ودَّ كَثِيرٌ“ وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] الآيَةَ اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ. والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ”إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ومَقُولُ القَوْلِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ القائِلِ فاليَهُودُ قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، والنَّصارى قالَتْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى فَجَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَ قَوْلَيْهِما عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِجَمْعِ ما اشْتَرَكا فِيهِ وهو نَفْي دُخُولِ الجَنَّةِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفِ لِأجْلِ تَفْرِيعِ الِاسْتِثْناءِ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ تَفْرِيقٌ ما اخْتَصَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ وهو قَوْلُهُ هُودًا أوْ نَصارى
صفحة ٦٧٣
فَكَلِمَةُ أوْ مِن كَلامِ الحاكِي في حِكايَتِهِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ فَأوْ هُنا لِتَقْسِيمِ القَوْلَيْنِ لِيُرْجِعَ السّامِعُ كُلَّ قَوْلٍ إلى قائِلِهِ والقَرِينَةُ عَلى أنَّ أوْ لَيْسَتْ مِن مِقُولِهِمُ المَحْكِيَّ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن مِقْوَلِهِمْ لاقْتَضى أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا ثِقَةَ لَهُ بِالنَّجاةِ وأنَّهُ يَعْتَقِدُ إمْكانَ نَجاةِ مُخالِفِهِ، والمَعْلُومُ مِن حالِ أهْلِ كُلِّ دِينٍ خِلافَ ذَلِكَ فَإنَّ كُلًّا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا يَشُكُّ في نَجاةِ نَفْسِهِ ولا يَشُكُّ في ضَلالِ مُخالِفِهِ وهي أيْضًا قَرِينَةٌ عَلى تَعْيِينِ كُلٍّ مِن خَبَرَيْ كانَ لِبَقِيَّةِ الجُمْلَةِ المُشْتَرِكَةِ الَّتِي قالَها كُلُّ فَرِيقٍ بِإرْجاعِ هُودًا إلى مَقُولِ اليَهُودِ وإرْجاعِ نَصارى إلى مَقُولِ النَّصارى.
فَأوْ هاهُنا لِلتَّوْزِيعِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّقْسِيمِ الَّذِي هو مِن فُرُوعِ كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ وذَلِكَ أنَّهُ إيجازٌ مُرَكَّبٌ مِن إيجازِ الحَذْفِ لِحَذْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِجَمْعِ القَوْلَيْنِ في فِعْلٍ واحِدٍ وهو قالُوا ومِن إيجازِ القَصْرِ لِأنَّ هَذا الحَذْفَ لَمّا لَمْ يَعْتَمِدْ فِيهِ عَلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ المَحُوجَةِ لِتَقْدِيرٍ وإنَّما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ مِنَ القَوْلَيْنِ بِجَلْبِ حَرْفٍ أوْ كانَتْ أوْ تَعْبِيرًا عَنِ المَحْذُوفِ بِأقَلِّ عِبارَةٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ قِسْمًا ثالِثًا مِن أقْسامِ الإيجازِ وهو إيجازُ حَذْفٍ وقَصْرٍ مَعًا.
وقَدْ جَعَلَ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ هاتِهِ الآيَةَ مِن قَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ الإجْمالِيِّ أخَذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ لِقَوْلِ صاحِبِ الكَشّافِ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ إلى كُلِّ فَرِيقِ قَوْلَهُ وأمِنّا مِنَ الإلْباسِ لِما عُلِمَ مِنَ التَّعادِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقَوْلُهُ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أرادَ بِهِ اللَّفَّ الَّذِي هو لَقَبٌ لِلْمُحَسِّنِ البَدِيعِيِّ المُسَمّى اللَّفُّ والنَّشْرُ ولِذَلِكَ تَطَلَّبُوا لِهَذا اللَّفِّ نَشْرًا وتَصْوِيرًا لِلَّفِّ في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ قالُوا مَعَ ما بَيَّنَهُ وهو لَفٌّ إجْمالِيٌّ يُبَيِّنُهُ نَشْرَهُ الآتِي بَعْدَهُ ولِذَلِكَ لَقَّبُوهُ اللَّفُّ الإجْمالِيُّ. ثُمَّ وقَعَ نَشْرُ هَذا اللَّفِّ بِقَوْلِهِ“ ﴿إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ ”فَعُلِمَ مِن حَرْفِ“ أوْ ”تَوْزِيعُ النَّشْرِ إلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وقالَ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ جَرى …