Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

Explained together with ayah 8

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

Explained together with ayah 8

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

Explained together with ayah 8

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

Explained together with ayah 8

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِنِ اسْتِهْزائِهِ بِهِمْ، وذَكَرَ بَعْضَهُ في سُورَةِ الحَدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] .

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

Explained together with ayah 15

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآيَةَ.

أفْرَدَ في هَذِهِ الآيَةِ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: اسْتَوْقَدَ وفي ما حَوْلَهُ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، مَعَ أنَّ مَرْجِعَ كُلِّ هَذِهِ الضَّمائِرِ شَيْءٌ واحِدٌ وهو لَفْظَةُ ”الَّذِي“ مِن قَوْلِهِ: مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي.

والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ لَفْظَةَ: ”الَّذِي“ مُفْرَدٌ ومَعْناها عامٌّ لِكُلِّ ما تَشْمَلُهُ صِلَتُها وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ الأسْماءَ المَوْصُولَةَ كُلَّها مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَإذا حَقَّقَتْ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظَةِ: ”الَّذِي“ وجَمْعَهُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، ولِهَذا المَعْنى جَرى عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ أنَّ: ”الَّذِي“ تَأْتِي بِمَعْنى الَّذِينَ، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في القُرْءانِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ أيْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧] .

وَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٣] . وقَوْلُهُ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أيْ كالَّذِينَ يُنْفِقُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] .

وَقَوْلُهُ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [ ٩ ]، بِناءٌ عَلى الصَّحِيحِ، مِن أنَّ: ”الَّذِي“ فِيها مَوْصُولَةٌ لا مَصْدَرِيَّةٌ، ونَظِيرُ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎يا رَبَّ عَبْسٍ لا تُبارِكْ في أحَدْ في قائِمٍ مِنهم ولا في مَن قَعَدْ

؎إلّا الَّذِي قامُوا بِأطْرافِ المَسَدْ

وَقَوْلُ الشّاعِرِ وهو أشْهَبُ بْنُ رُمَيْلَةَ، وأنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِإطْلاقِ الَّذِي وإرادَةِ الَّذِينَ:

؎وَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدٍ

وَزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ لَفْظَةَ الَّذِي في بَيْتِ أشْهَبَ جَمْعٌ ألْذٍ بِالسُّكُونِ، وأنْ ”الَّذِي“ في الآيَةِ مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وقَوْلُ عُدَيْلِ بْنِ الفَرْخِ العِجْلِيِّ:

؎وَبِتُّ أُساقِي القَوْمَ إخْوَتِيَ الَّذِي ∗∗∗ غَوايَتُهم غَيِّي ورُشْدُهُمُ رُشْدِي

وَقالَ بَعْضُهُمُ: المُسْتَوْقِدُ واحِدٌ لِجَماعَةٍ مَعَهُ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ.

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآيَةَ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنافِقِينَ مُتَّصِفُونَ بِالصَّمَمِ، والبُكْمِ، والعَمى. ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَعْنى صَمَمِهِمْ، وبُكُمِهِمْ، وعِماهم، هو عَدَمُ انْتِفاعِهِمْ بِأسْماعِهِمْ، وقُلُوبِهِمْ، وأبْصارِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] .

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى أنَّ المُنافِقِينَ لا يَسْمَعُونَ، ولا يَتَكَلَّمُونَ، ولا يُبْصِرُونَ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] .

وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ الآيَةَ [المنافقون: ٤]، أيْ لِفَصاحَتِهِمْ وحَلاوَةِ ألْسِنَتِهِمْ.

وَقَوْلِهِ ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ووَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ، وهو أنَّهم بُكْمٌ عَنِ النُّطْقِ بِالحَقِّ، وإنْ تَكَلَّمُوا بِغَيْرِهِ، صُمٌّ عَنْ سَماعِ الحَقِّ وإنْ سَمِعُوا غَيْرَهُ، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ وإنَّ رَأوْا غَيْرَهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا الجَمْعَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٦]، لِأنَّ ما لا يُغْنِي شَيْئًا فَهو كالمَعْدُومِ، والعَرَبُ رُبَّما أطْلَقَتِ الصَّمَمَ عَلى السَّماعِ الَّذِي لا أثَرَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ قَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صاحِبٍ:

؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا

وَقَوْلُ الشّاعِرِ:

؎أصَمُّ عَنِ الأمْرِ الَّذِي لا أُرِيدُهُ ∗∗∗ وأُسْمِعُ خَلْقَ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ

وَقَوْلُ الآخَرَ:

؎فأصْمَمْتُ عَمْرًا وأعْمَيْتُهُ ∗∗∗ عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخّارِ

وَكَذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ فَهو كالعَدَمِ.

قالَ هُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ المَخْزُومِيُّ:

؎وَإنَّ كَلامَ المَرْءِ في غَيْرِ كُنْهِهِ ∗∗∗ لَكالنَّبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيها نِصالُها

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ، الصَّيِّبُ: المَطَرُ، وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَثَلًا لِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الهُدى، والعِلْمِ بِالمَطَرِ؛ لِأنَّ بِالعِلْمِ والهُدى حَياةَ الأرْواحِ، كَما أنَّ بِالمَطَرِ حَياةَ الأجْسامِ.

وَأشارَ إلى وجْهِ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] .

وَقَدْ أوْضَحَ ﷺ هَذا المَثَلَ المُشارَ إلَيْهِ في الآيَتَيْنِ في حَدِيثِ أبِي مُوسى المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، حَيْثُ قالَ ﷺ: «إنَّ مَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا. فَكانَتْ مِنها طائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادَبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها، وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةٌ أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً، ولا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ اللَّهُ بِما بَعَثَنِي بِهِ؛ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ﴾ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المَثَلَ لِما يَعْتَرِي الكُفّارَ والمُنافِقِينَ مِنَ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ في القُرْآنِ، بِظُلُماتِ المَطَرِ المَضْرُوبِ مَثَلًا لَلْقُرْآنِ، وبَيَّنَ بَعْضَ المَواضِعِ الَّتِي هي كالظُّلْمَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّها تَزِيدُهم عَمًى في آياتٍ أُخَرَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ لِأنَّ نَسْخَ القِبْلَةِ يَظُنُّ بِسَبَبِهِ ضِعافُ اليَقِينِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْسَ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِهِ حَيْثُ يَسْتَقْبِلُ يَوْمًا جِهَةً، ويَوْمًا آخَرَ جِهَةً أُخْرى، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] .

وَصَرَّحَ تَعالى بِأنَّ نَسْخَ القِبْلَةِ كَبِيرٌ عَلى غَيْرِ مَن هَداهُ اللَّهُ، وقَوّى يَقِينَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؛ لِأنَّ ما رَآهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ والمِعْراجِ مِنَ الغَرائِبِ والعَجائِبِ، كانَ سَبَبًا لِاعْتِقادِ الكُفّارِ أنَّهُ ﷺ كاذِبٌ؛ لِزَعْمِهِمْ أنَّ هَذا الَّذِي أخْبَرَ بِهِ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ. فَهو سَبَبٌ لِزِيادَةِ الضّالِّينَ ضَلالًا. وكَذَلِكَ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ الَّتِي هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فَهي سَبَبٌ أيْضًا لِزِيادَةِ ضَلالِ الضّالِّينَ مِنهم؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ: ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] قالُوا: ظَهَرَ كَذِبُهُ؛ لِأنَّ الشَّجَرَ لا يَنْبُتُ في الأرْضِ اليابِسَةِ فَكَيْفَ يَنْبُتُ في أصْلِ النّارِ ؟ !

وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١]؛ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣١] .

قالَ بَعْضُ رِجالِ قُرَيْشٍ: هَذا عَدَدٌ قَلِيلٌ فَنَحْنُ قادِرُونَ عَلى قَتْلِهِمْ، واحْتِلالِ الجَنَّةِ بِالقُوَّةِ؛ لِقِلَّةِ …

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾

أيْ: يَكادُ نُورُ القُرْآنِ لِشِدَّةِ ضَوْئِهِ يُعْمِي بَصائِرَهم، كَما أنَّ البَرْقَ الخاطِفَ الشَّدِيدَ النُّورِ يَكادُ يَخْطَفُ بَصَرَ ناظِرِهِ، ولا سِيَّما إذا كانَ البَصَرُ ضَعِيفًا؛ لِأنَّ البَصَرَ كُلَّما كانَ أضْعَفَ كانَ النُّورُ أشَدَّ إذْهابًا لَهُ. كَما قالَ الشّاعِرُ: [ الكامِلُ ]

؎مِثْلَ النَّهارِ يَزِيدُ أبْصارَ الوَرى نُورًا ويُعْمِي أعْيُنَ الخُفّاشِ

وَقالَ الآخَرُ: [ الطَّوِيلُ ]

؎خَفافِيشُ أعْماها النَّهارُ بِضَوْئِهِ ∗∗∗ ووافَقَها قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ

وَبَصائِرُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في غايَةِ الضَّعْفِ. فَشِدَّةُ ضَوْءِ النُّورِ تَزِيدُها عَمًى. وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا العَمى في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم؛ أيْ: يَكادُ مُحْكَمُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى عَوْراتِ المُنافِقِينَ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ ضَرَبَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَثَلَ لِلْمُنافِقِينَ بِأصْحابِ هَذا المَطَرِ إذا أضاءَ لَهم مَشَوْا في ضَوْئِهِ، وإذا أظْلَمَ وقَفُوا، كَما أنَّ المُنافِقِينَ إذا كانَ القُرْآنُ مُوافِقًا لِهَواهم ورَغْبَتِهِمْ عَمِلُوا بِهِ، كَمُناكَحَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وإرْثِهِمْ لَهم، والقَسْمِ لَهم مِن غَنائِمِ المُسْلِمِينَ، وعِصْمَتِهِمْ بِهِ مِنَ القَتْلِ مَعَ كُفْرِهِمْ في الباطِنِ، وإذا كانَ غَيْرَ مُوافِقٍ لِهَواهم كَبَذْلِ الأنْفُسِ، والأمْوالِ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ المَأْمُورِ بِهِ فِيهِ وقَفُوا وتَأخَّرُوا. وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٨، ٤٩] .

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ أيْ: إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالمالِ والعافِيَةِ قالُوا: هَذا الدِّينُ حَقٌّ، ما أصابَنا مُنْذُ تَمَسَّكْنا بِهِ إلّا الخَيْرَ ﴿وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ أيْ: وإنْ أصابَهم فَقْرٌ أوْ مَرَضٌ أوْ وُلِدَتْ لَهُمُ البَناتُ دُونَ الذُّكُورِ قالُوا: ما أصابَنا هَذا إلّا مِن شُؤْمِ هَذا الدِّينِ وارْتَدُّوا عَنْهُ. وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١] .

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إضاءَتُهُ لَهم مَعْرِفَتَهم بَعْضَ الحَقِّ مِنهُ، وإظْلامُهُ عَلَيْهِمْ ما يَعْرِضُ لَهم مِنَ الشَّكِّ فِيهِ.

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.