Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 101–110 of 286

101

وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And when a messenger from Allah came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allah behind their backs as if they did not know [what it contained].

﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لِذِكْرِ كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ فَهو مِن أحْوالِهِمْ. وهاتِهِ الجُمْلَةُ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ فَعَطَفَها عَلى ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا﴾ [البقرة: ٩٧] مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإنْشاءِ وفِيهِ زِيادَةُ إبْطالٍ لِقَوْلِهِمْ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وفي الِانْتِقالِ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ إقْبالٌ عَلَيْهِ وتَسْلِيَةٌ لَهُ عَمّا لَقِيَ مِنهم وأنَّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ لا يُكَذِّبُ بِهِ إلّا مَن لا يُؤْبَهُ بِتَكْذِيبِهِ لِكَوْنِ هَذا المُنَزَلِ دَلائِلَ واضِحَةً لا تُقَصِّرُ عَنْ إقْناعِهِمْ بِأحَقِّيَّتِها ولَكِنَّهم يُظْهِرُونَ أنْفُسَهم أنَّهم لَمْ يُوقِنُوا بِحَقِيَّتِها.

واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ فَهُنا جُمْلَةُ قَسَمٍ وجَوابُهُ حَذْفُ القَسَمِ لِدَلالَةِ اللّامِ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] عَطْفٌ عَلى ”لَقَدْ أنْزَلَنا“ فَهو جَوابٌ لِلْقَسَمِ أيْضًا.

صفحة ٦٢٥

والفاسِقُ هو الخارِجُ عَنْ شَيْءٍ. مِن فَسَقَتِ التَّمْرَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى الخارِجِ عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ لِأنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ في التَّمْرَةِ وصْفٌ مَذْمُومٌ وقَدْ شاعَ في القُرْآنِ وصْفُ اليَهُودِ بِهِ والمَعْنى ما يَكْفُرُ بِهاتِهِ الآياتِ إلّا مَن كانَ الفِسْقُ شَأْنَهُ ودَأْبَهُ لِأنَّ ذَلِكَ يُهَيِّئُهُ لِلْكُفْرِ بِمِثْلِ هَذِهِ الآياتِ فالمُرادُ بِالفاسِقِينَ المُتَجاوِزُونَ الحَدَّ في الكُفْرِ المُتَمَرِّدُونَ فِيهِ. والإخْبارُ وقَعَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ. والتَّوْصِيفُ وقَعَ باسِمِ الفاعِلِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ وقَوْلُهُ ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ لا عَلى خُصُوصِ الجَوابِ وقُدِّمَتِ الهَمْزَةُ مُحافَظَةً عَلى صَدارَتِها كَما هو شَأْنُها مَعَ حُرُوفِ العَطْفِ.

والقَوْلُ بِأنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ والواوَ عاطِفَةُ ما بَعْدَها عَلى المَحْذُوفِ عَلِمْتُمْ إبْطالَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ“ وتَقْدِيمُ ”كُلَّما“ تَبَعٌ لِتَقْدِيمِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] .

والنَّبْذُ إلْقاءُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِنَقْضِ العَهْدِ، شَبَّهَ إبْطالَ العَهْدِ وعَدَمَ الوَفاءِ بِهِ بِطَرْحِ شَيْءٍ كانَ مَمْسُوكًا بِاليَدِ كَما سَمَّوُا المُحافَظَةَ عَلى العَهْدِ والوَفاءَ بِهِ تَمَسُّكًا قالَ كَعْبٌ:

ولا تُمْسِكُ بِالوَعْدِ الَّذِي وعَدَتْ

. والمُرادُ بِالعَهْدِ عَهْدُ التَّوْراةِ أيْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أخْذِ العَهْدِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالعَمَلِ بِما أُمِرُوا بِهِ أخَذًا مُكَرَّرًا حَتّى سُمِّيَتِ التَّوْراةُ بِالعَهْدِ، وقَدْ تَكَرَّرَ مِنهم نَقْضُ العَهْدِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ ومِن جُمْلَةِ العَهْدِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ، أنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ …

Al-Baqara 2:101Listen in Qur'an →
102

وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌۭ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Harut and Marut. But the two angels do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]." And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allah. And the people learn what harms them and does not benefit them. But the Children of Israel certainly knew that whoever purchased the magic would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.

﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ قَوْلُهُ ”واتَّبَعُوا“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجَوابُهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠١] الآيَةَ بِذِكْرِ خَصْلَةٍ لَهم عَجِيبَةٍ وهي أخْذُهم بِالأباطِيلِ بَعْدَ ذِكْرِ خَصْلَةٍ أُخْرى وهي نَبْذُهم لِلْكِتابِ الحَقِّ فَذَلِكَ هو مُناسَبَةُ عَطْفِ هَذا الخَبَرِ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ. فَإنْ كانَ المُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ في قَوْلِهِ ”﴿كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١]“ القُرْآنَ فالمَعْنى أنَّهم لَمّا جاءَهم رَسُولُ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم نَبَذُوا كِتابَهُ بِعِلَّةِ أنَّهم مُتَمَسِّكُونَ بِالتَّوْراةِ فَلا يَتَّبِعُونَ ما خالَفَ أحْكامَها وقَدِ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وهو مُخالِفٌ لِلتَّوْراةِ لِأنَّها تَنْهى عَنِ السِّحْرِ والشِّرْكِ فَكَما قِيلَ لَهم فِيما مَضى أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ يُقالُ لَهم أفَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ تارَةً وتَكْفُرُونَ بِهِ تارَةً أُخْرى.

صفحة ٦٢٧

وإنْ كانَ المُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ التَّوْراةَ فالمَعْنى لَمّا جاءَهم رَسُولُ اللَّهِ نَبَذُوا ما في التَّوْراةِ مِن دَلائِلِ صِدْقِ هَذا الرَّسُولِ وهم مَعَ ذَلِكَ قَدْ نَبَذُوها مِن قَبْلُ حِينَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِأحْكامِ التَّوْراةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ قالَ ابْنُ إسْحاقَ لَمّا ذَكَرَ النَّبِيءُ ﷺ سُلَيْمانَ في الأنْبِياءِ قالَتِ اليَهُودُ إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّ سُلَيْمانَ نَبِيٌّ وما هو بِنَبِيٍّ ولَكِنَّهُ ساحِرٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

‌‌‌ و”الشَّياطِينُ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا شَياطِينَ مِنَ الجِنِّ وهو الإطْلاقُ المَشْهُورُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ ناسٌ تَمَرَّدُوا وكَفَرُوا وأتَوْا بِالفَظائِعِ الخَفِيَّةِ فَأطْلَقَ عَلَيْهِمُ الشَّياطِينَ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ”يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ“ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهم يُدَرِّسُونَهُ لِلنّاسِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: (ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) إذْ هَذا الِاسْتِدْراكُ في الإخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مِنِ الإنْسِ لِأنَّ كُفْرَ الشَّياطِينِ مِنَ الجِنِّ أمْرٌ مُقَرَّرٌ لا يَحْتاجُ لِلْإخْبارِ عَنْهُ.

وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أيْضًا أنَّهُ لَمّا ماتَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَدَتِ الشَّياطِينُ فَكَتَبُوا أصْنافًا مِنَ السِّحْرِ وقالُوا: مَن أحَبَّ أنْ يَبْلُغَ كَذا وكَذا فَلْيَفْعَلْ كَذا لِأصْنافٍ مِنَ السِّحْرِ وخَتَمُوهُ بِخاتَمٍ يُشْبِهُ نَقْشَ خاتَمِ سُلَيْمانَ ونَسَبُوهُ إلَيْهِ ودَفَنُوهُ وزَعَمُوا أنَّ سُلَيْمانَ دَفَنَهُ وأنَّهم يَعْلَمُونَ مَدْفِنَهُ ودَلُّوا النّاسَ عَلى ذَلِكَ المَوْضِعِ فَأخْرَجُوهُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: ما كانَ سُلَيْمانُ إلّا ساحِرًا وما تَمَّ لَهُ المُلْكُ إلّا بِهَذا. وقِيلَ كانَ آصَفُ بْنُ بَرَخْيا كاتِبُ سُلَيْمانَ يَكْتُبُ الحِكْمَةَ بِأمْرِ سُلَيْمانَ ويَدْفِنُ كُتُبَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ لِتَجِدَها الأجْيالُ فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ أغَرْتِ الشَّياطِينُ النّاسَ عَلى إخْراجِ تِلْكَ الكُتُبِ وزادُوا في خِلالِ سُطُورِها سِحْرًا وكُفْرًا ونَسَبُوا الجَمِيعَ لِسُلَيْمانَ فَقالَتِ اليَهُودُ: كَفَرَ سُلَيْمانُ.

والمُرادُ مِنَ الآيَةِ مَعَ سَبَبِ نُزُولِها إنْ نَزَلَتْ عَنْ سَبَبٍ أنَّ سُلَيْمانَ …

Al-Baqara 2:102Listen in Qur'an →
103

وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And if they had believed and feared Allah, then the reward from Allah would have been [far] better, if they only knew.

﴿ولَوْ أنَّهُمُ آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾

أيْ لَوْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ واتَّقَوُا اللَّهَ فَلَمْ يُقْدِمُوا عَلى إنْكارِ ما بَشَّرَتْ بِهِ كُتُبُهم لَكانَتْ لَهم مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ ومَثُوبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن كُلِّ نَفْعٍ حَمَلَهم عَلى المُكابَرَةِ.

ولَوْ شَرْطِيَّةٌ امْتِناعِيَّةٌ اقْتَرَنَ شَرْطُها بِأنَّ مَعَ التِزامِ الفِعْلِ الماضِي في جُمْلَتِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

ولَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي ولَمْ أطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المالِ

وأنَّ مَعَ صِلَتِها في مَحَلِّ مُبْتَدَأٍ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ وما في جُمْلَةِ الصِّلَةِ مِنَ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ أكْمَلَ الفائِدَةَ فَأغْنى عَنِ الخَبَرِ. وقِيلَ: خَبَرُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ثابِتٌ أيْ ولَوْ إيمانُهم ثابِتٌ.

وقَوْلُهُ ”لَمَثُوبَةٌ“ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ جَوابَ لَوْ فَإنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوِ المُثْبَتِ بِها، والجَوابُ هُنا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وهي لا تَقَعُ جَوابًا لِلَوْ في الغالِبِ وكانَ هَذا الجَوابُ غَيْرَ ظاهِرِ التَّرْتِيبِ والتَّعْلِيقِ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِأنَّ مَثُوبَةَ اللَّهِ خَيْرٌ سَواءٌ آمَنَ اليَهُودُ واتَّقَوْا أمْ لَمْ يَفْعَلُوا.

قالَ بَعْضُ النُّحاةِ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ لا ثِيبُوا ومَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ. وعَدَلَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشّافِ فَقالَ ؟ أُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ في جَوابِ لَوْ عَلى الفِعْلِيَّةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ واسْتِقْرارِها كَما عَدَلَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ في (سَلامٌ عَلَيْكم) لِذَلِكَ اهـ.

ومُرادُهُ أنَّ تَقْدِيرَ الجَوابِ لا ثِيبُوا مَثُوبَةً مِنَ اللَّهِ خَيْرًا لَهم مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، أوْ لَمَثُوبَةً بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ، وكَيْفَما كانَ فالفِعْلُ أوْ بَدَلُهُ يَدُلّانِ عَلى الحُدُوثِ فَلا دَلالَةَ لَهُ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ يَقْتَضِي حُصُولَ المَثُوبَةِ وثَباتَها وثَباتَ الخَيْرِيَّةِ لَها لِيَحْصُلَ مَجْمُوعُ مَعانٍ عَدَلَ عَنِ النَّصْبِ المُؤَذِّنِ بِالفِعْلِ إلى الرَّفْعِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ لا تُفِيدُ الحُدُوثَ بَلِ الثُّبُوتَ

صفحة ٦٤٩

ويَنْتَقِلُ مِن إفادَتِها الثُّبُوتَ إلى إفادَةِ الدَّوامِ والثَّباتِ فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ بِالعُدُولِ عَنْ نَصْبِ المَصْدَرِ إلى رَفْعِهِ كَما في ”سَلامٌ عَلَيْكم“ و”الحَمْدُ لِلَّهِ“ ودَلالَتِها عَلى ثَباتِ نِسْبَةِ الخَيْرِيَّةِ لِلْمَثُوبَةِ مِن كَوْنِ النِّسْبَةِ مُسْتَفادَةً مِن جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ فَصارَتِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ جُمْلَتَيْنِ لِأنَّ أصْلَ المَصْدَرِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ أنْ يَدُلَّ عَلى نِسْبَةٍ لِفاعِلِهِ فَلَوْ قِيلَ ”لَمَثُوبَةً“ بِالنَّصْبِ لَكانَ تَقْدِيرُهُ لا ثيبوا مَثُوبَةً فَإذا حُوِّلَتْ إلى المَصْدَرِ المَرْفُوعِ لَزِمَ أنْ تُعْتَبَرَ ما كانَ فِيهِ مِنَ النِّسْبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ، ولَمّا كانَ المَصْدَرُ المَرْفُوعُ لا نِسْبَةَ فِيهِ عَلِمَ السّامِعُ أنَّ التَّقْدِيرَ ”لَمَثُوبَةً“ لَهم كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ سَلامًا وحَمْدًا عَلِمَ السّامِعُ أنَّكَ تُرِيدُ سَلَّمْتُ سَلامًا وحَمِدْتُ حَمْدًا، فَإذا قُلْتَ سَلامٌ وحَمْدٌ كانَ التَّقْدِيرُ سَلامٌ مِنِّي وحَمْدٌ مِنِّي، وهَذا وجْهُ تَنْظِيرِ الكَشّافِ وقَرِينَةُ كَوْنِ هَذا المَصْدَرِ في الأصْلِ مَنصُوبًا وُقُوعُهُ جَوابًا لِلَوِ المُتَأصِّلِ في الفِعْلِيَّةِ، ثُمَّ إذا سَمِعَ قَوْلَهُ …

Al-Baqara 2:103Listen in Qur'an →
104

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, say not [to Allah 's Messenger], "Ra'ina" but say, "Unthurna" and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾

يَتَعَيَّنُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ تَطَلُّبُ سَبَبِ نُزُولِها لِيَظْهَرَ مَوْقِعُها ووَجْهُ مَعْناها فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ كَلِمَةَ لا ذَمَّ فِيها ولا سَخَفَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِسَبَبٍ وقَدْ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِها أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا ألْقى عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ الشَّرِيعَةَ والقُرْآنَ يَتَطَلَّبُونَ مِنهُ الإعادَةَ والتَّأنِّيَ في إلْقائِهِ حَتّى يَفْهَمُوهُ ويَعُوهُ فَكانُوا يَقُولُونَ لَهُ: راعِنا يا رَسُولَ اللَّهِ أيْ لا تَتَحَرَّجْ مِنّا وارْفُقْ وكانَ المُنافِقُونَ مِنَ اليَهُودِ يَشْتُمُونَ النَّبِيءَ ﷺ في خَلَواتِهِمْ سِرًّا وكانَتْ لَهم كَلِمَةً بِالعِبْرانِيَّةِ تُشْبِهُ كَلِمَةَ راعِنا بِالعَرَبِيَّةِ ومَعْناها في العِبْرانِيَّةِ سَبٌّ وقِيلَ مَعْناها لا سَمِعْتَ دُعاءً، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ كُنّا نَسُبُّ مُحَمَّدًا سِرًّا فَأعْلِنُوا بِهِ الآنَ أوْ قالُوا هَذا وأرادُوا بِهِ اسْمَ فاعِلٍ مِن رَعَنَ إذا اتَّصَفَ بِالرُّعُونَةِ وسَيَأْتِي فَكانُوا يَقُولُونَ هاتِهِ الكَلِمَةَ مَعَ المُسْلِمِينَ ناوِينَ بِها السَّبَّ فَكَشَفَهُمُ اللَّهُ، وأبْطَلَ عَمَلَهم بِنَهْيِ المُسْلِمِينَ عَنْ قَوْلِ هاتِهِ الكَلِمَةِ حَتّى يَنْتَهِيَ المُنافِقُونَ عَنْها، ويَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ أطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلى سِرِّهِمْ.

صفحة ٦٥١

ومُناسَبَةُ نُزُولِ هاتِهِ الآيَةِ عَقِبَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في السِّحْرِ وما نَشَأ عَنْ ذَمِّهِ أنَّ السِّحْرَ كَما قَدَّمْنا راجِعٌ إلى التَّمْوِيهِ وأنَّ مِن ضُرُوبِ السِّحْرِ ما هو تَمْوِيهُ ألْفاظٍ وما مَبْناهُ عَلى اعْتِقادِ تَأْثِيرِ الألْفاظِ في المَسْحُورِ بِحَسَبِ نِيَّةِ السّاحِرِ وتَوْجِيهِهِ النَّفْسِيِّ إلى المَسْحُورِ، وقَدْ تَأصَّلَ هَذا عِنْدَ اليَهُودِ واقْتَنَعُوا بِهِ في مُقاوَمَةِ أعْدائِهِمْ.

ولَمّا كانَ أذى الشَّخْصِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ لا يُعْلَمُ مَغْزاهُما كَخِطابِهِ بِلَفْظٍ يُفِيدُ مَعْنًى، ومَقْصُودُ المُتَكَلِّمِ مِنهُ أذًى، أوْ كَإهانَةٍ صَوَّرَتْهُ أوِ الوَطْءِ عَلى ظِلِّهِ كُلُّ ذَلِكَ راجِعًا إلى الِاكْتِفاءِ بِالنِّيَّةِ والتَّوَجُّهِ في حُصُولِ الأذى كانَ هَذا شَبِيهًا بِبَعْضِ ضُرُوبِ السِّحْرِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن شِعارِ مَنِ اسْتَهْواهُمُ السِّحْرُ واشْتَرَوْهُ ناسَبَ ذِكْرَ هاتِهِ الحالَةِ مِن أحْوالِهِمْ عَقِبَ الكَلامِ عَلى افْتِتانِهِمْ بِالسِّحْرِ وحُبِّهِ دُونَ بَقِيَّةِ ما تَقَدَّمَ مِن أحْوالِهِمْ وهاتِهِ المُناسَبَةُ هي مُوجَبُ التَّعْقِيبِ في الذِّكْرِ. وإنَّما فُصِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَمّا قَبْلَها لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ لِأنَّ هَذِهِ في تَأْدِيبِ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ يَحْصُلُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِاليَهُودِ في نِفاقِهِمْ وأذاهم والإشْعارُ لَهم بِأنَّ كَيْدَهم قَدْ أطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ وقَدْ كانُوا يَعُدُّونَ تَفَطُّنَ المَسْحُورِ لِلسِّحْرِ يُبْطِلُ أثَرَهُ فَأشْبَهُهُ التَّفَطُّنُ لِلنَّوايا الخَبِيثَةِ وصَرِيحِ الآياتِ قَبْلَها في أحْوالِهِمُ الدِّينِيَّةِ المُنافِيَةِ لِأُصُولِ دِينِهِمْ ولِأنَّ الكَلامَ المُفْتَتَحَ بِالنِّداءِ والتَّنْبِيهِ ونَحْوِهِ نَحْوَ: ”يا أيُّها النّاسُ“ و”يا زَيْدُ“ وألّا ونَحْوَها لا يُناسِبُ عَطْفَهُ عَلى ما قَبْلَهُ ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَبَرَ افْتِتاحُ كَلامٍ بِحَيْثُ لا يُعْطَفُ إلّا بِالفاءِ إذا كانَ مُتَرَتِّبًا عَمّا قَبْلَهُ لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ بَعِيدٌ عَنِ العَطْفِ بِالواوِ وأوْسَعُ مِن جِهَةِ التَّناسُبِ.

”وراعِنا“ أمْرٌ مِن راعاهُ يُراعِيهِ وهو …

Al-Baqara 2:104Listen in Qur'an →
105

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

Neither those who disbelieve from the People of the Scripture nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allah selects for His mercy whom He wills, and Allah is the possessor of great bounty.

﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فَصَلَهُ عَمّا قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ لِأنَّ الآيَةَ قَبْلَهُ في تَأْدِيبِ المُؤْمِنِينَ مَعَ التَّعْرِيضِ بِاليَهُودِ وهَذِهِ الآيَةُ لِبَيانِ حَسَدِ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ ووَجْهُ المُناسَبَةِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ظاهِرٌ لِاتِّحادِ المَآلِ ولِأنَّ الدّاعِيَ لِلسَّبِّ والأذى هو الحَسَدُ.

وهَذِهِ الآيَةُ رُجُوعٌ إلى كَشْفِ السَّبَبِ الَّذِي دَعا لِامْتِناعِ اليَهُودِ مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ لَمّا قِيلَ لَهم: (آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَقالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا) أيْ لَيْسَ الصّارِفُ لَهم تَمَسَّكُهم بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ بَلْ هو الحَسَدُ عَلى ما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ مِن خَيْرٍ، فَبَيَّنَ أدِلَّةَ نَفْيِ كَوْنِ الصّارِفِ لَهم هو التَّصَلُّبُ والتَّمَسُّكُ بِدِينِهِمْ، بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ ونَشَأ عَنْهُ مِنَ المُجادَلاتِ وبَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ أوامِرِ دِينِهِمْ واتِّباعِهِمُ السِّحْرَ وبَيَّنَ الآنَ حَقِيقَةَ الصّارِفِ والمُوجَبَ لِلشَّتْمِ وقَوْلِ البُهْتانِ لِيَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ إلى بَيانِ النَّسْخِ.

والوُدُّ بِضَمِّ الواوِ المَحَبَّةُ ومَن أحَبَّ شَيْئًا تَمَنّاهُ فَلَيْسَ الوُدُّ هو خُصُوصَ التَّمَنِّي ولا المَحَبَّةِ

صفحة ٦٥٣

المُفْرِطَةِ كَما حَقَّقَهُ الرّاغِبُ.

وذَكَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا دُونَ اليَهُودِ لِقَصْدِ شُمُولِ هَذا الحُكْمِ اليَهُودَ والنَّصارى مَعًا تَمْهِيدًا لِما يَأْتِي مِن ذِكْرِ حِكْمَةِ النَّسْخِ ومِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] الآياتِ. ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ دُونَ ما يَوَدُّ أهْلُ الكِتابِ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَّبِعُوا كِتابَهم لِأنَّ كُتُبَهم تَأْمُرُهم بِاتِّباعِ الحَقِّ حَيْثُما وجَدُوهُ وبِالإيمانِ بِالنَّبِيءِ المُقَفّى عَلى آثارِهِمْ وفي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مَواضِعُ كَثِيرَةٌ فِيها أخْذُ المِيثاقِ عَلى ذَلِكَ فَلَمّا حَسَدُوا النَّبِيءَ ﷺ عَلى النُّبُوءَةِ وحَسَدُوا المُسْلِمِينَ فَقَدْ كَفَرُوا بِما أمَرَتْ بِهِ كُتُبُهم وبِهَذا تَخَلَّصَ الكَلامُ إلى الجَمْعِ بَيْنَ مَوْعِظَةِ النَّصارى مَعَ مَوْعِظَةِ اليَهُودِ.

ولَمّا كانَ ما اقْتَضاهُ الحالُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ قَدْ يُوهِمُ كَوْنُ البَيانِ قَيْدًا وأنَّ الكافِرِينَ مِن غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ لا يَحْسُدُونَ المُسْلِمِينَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ”ولا المُشْرِكِينَ“ كالِاحْتِراسِ ولِيَكُونَ جَمْعًا لِلْحُكْمِ بَيْنَ الجَمِيعِ فَيَكُونُ لَهُ حَظٌّ في التَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ فِيما يَأْتِي ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْ يُنَزَّلَ بِتَشْدِيدِ الزّايِ مَفْتُوحَةً والتَّعْبِيرُ بِالتَّنْزِيلِ دُونَ الإنْزالِ لِحِكايَةِ الواقِعِ إذْ القُرْآنُ نَزَلَ مُنَجَّمًا لِتَسْهِيلِ حِفْظِهِ وفَهْمِهِ وكِتابَتِهِ ولِلتَّيْسِيرِ عَلى المُكَلَّفِينَ في شَرْعِ الأحْكامِ تَدْرِيجًا. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الزّايِ مَفْتُوحَةً أيْضًا وذَلِكَ عَلى أنَّ نَفْيَ وِدادَتِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِمُطْلَقِ إنْزالِ القُرْآنِ سَواءٌ كانَ دُفْعَةً أوْ مُنَجَّمًا.

والخَيْرُ النِّعْمَةُ والفَضْلُ، قالَ النّابِغَةُ …

Al-Baqara 2:105Listen in Qur'an →
106

۞ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allah is over all things competent?

﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِلْآياتِ قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ اعْتَذَرُوا عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِمْ ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١] وأرادُوا بِهِ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِغَيْرِهِ وهم في عُذْرِهِمْ ذَلِكَ يَدَّعُونَ أنَّ شَرِيعَتَهم لا تُنْسَخُ ويَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا وصَفَ التَّوْراةَ بِأنَّها حَقٌّ وأنَّهُ جاءَ مُصَدِّقًا لَها فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْعُهُ مُبْطِلًا لِلتَّوْراةِ ويُمَوِّهُونَ عَلى النّاسِ بِما سَمَّوْهُ البَداءَ وهو لُزُومُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ عالِمٍ بِما يَحْسُنُ تَشْرِيعُهُ وأنَّهُ يَبْدُو لَهُ الأمْرُ ثُمَّ يُعْرِضُ عَنْهُ ويُبَدِّلُ شَرِيعَةً بِشَرِيعَةٍ.

وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ عُذْرَهم وفَضَحَهم بِأنَّهم لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرْعِهِمْ حَتّى يَتَصَلَّبُوا فِيهِ وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ”﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]“ وقَوْلُهُ

صفحة ٦٥٥

”﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [البقرة: ٩٤]“ إلَخْ وبِأنَّهم لا داعِيَ لَهم غَيْرُ الحَسَدِ بِقَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] إلى قَوْلِهِ ”ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ“ المُنْبِئِ أنَّ العِلَّةَ هي الحَسَدُ. فَلَمّا بَيَّنَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ كُلِّهِ أرادَ نَقْضَ تِلْكَ السَّفْسَطَةِ أوِ الشُّبْهَةِ الَّتِي رامُوا تَرْوِيجَها عَلى النّاسِ بِمَنعِ النَّسْخِ. والمَقْصِدُ الأصْلِيُّ مِن هَذا هو تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ أصْلًا مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ وهو أصْلُ النَّسْخِ الَّذِي يَطْرَأُ عَلى شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ بَعْدَها ويَطْرَأُ عَلى بَعْضِ أحْكامِ شَرِيعَةٍ بِأحْكامٍ تُبْطِلُها مِن تِلْكَ الشَّرِيعَةِ. ولِكَوْنِ هَذا هو المَقْصِدَ الأصْلِيَّ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَةِ اليَهُودِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ ووَجَّهَ الخِطابَ إلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”ألَمْ تَعْلَمْ“ وعَطَفَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] ولِقَوْلِهِ ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِن شَرِيعَةٍ. وفي هَذا إعْراضٌ عَنْ مُخاطَبَةِ اليَهُودِ لِأنَّ تَعْلِيمَ المُسْلِمِينَ أهَمُّ وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ بِطَرِيقِ المُساواةِ لِأنَّهُ إذا ظَهَرَتْ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الأحْكامِ لِمَصْلَحَةٍ تَظْهَرُ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الشَّرائِعِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لَهاتِهِ الآيَةِ سَبَبَ نُزُولٍ، فَفي الكَشّافِ والمَعالِمِ نَزَلَتْ لَمّا قالَ اليَهُودُ ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ، وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ أنَّ اليَهُودَ طَعَنُوا في تَغْيِيرِ القِبْلَةِ وقالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِشَيْءٍ ويَنْهاهم عَنْهُ، فَما كانَ هَذا القُرْآنُ إلّا مِن جِهَتِهِ ولِذَلِكَ يُخالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَنْسَخْ) بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ السِّينِ وهو أصْلُ مُضارِعِ (نَسَخَ)، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وكَسْرِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ أنْسَخَ مَهْمُوزًا بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ أيْ نَأْمُرُ بِنَسْخِ آيَةٍ. وما شَرْطِيَّةٌ وأصْلُها المَوْصُولَةُ أُشْرِبَتْ مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ كانَتِ اسْمًا لِلشَّرْطِ يَسْتَحِقُّ إعْرابَ المَفاعِيلِ وتُبَيَّنُ بِما يُفَسِّرُ إبْهامَها وهي أيْضًا تُوجِبُ إبْهامًا في أزْمانِ الرَّبْطِ لِأنَّ الرَّبْطَ وهو التَّعْلِيقُ لَمّا نِيطَ بِمُبْهَمٍ صارَ …

Al-Baqara 2:106Listen in Qur'an →
107

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

Do you not know that to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allah any protector or any helper?

﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِلْآياتِ قَبْلَها أنَّ اليَهُودَ اعْتَذَرُوا عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِمْ ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١] وأرادُوا بِهِ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِغَيْرِهِ وهم في عُذْرِهِمْ ذَلِكَ يَدَّعُونَ أنَّ شَرِيعَتَهم لا تُنْسَخُ ويَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا وصَفَ التَّوْراةَ بِأنَّها حَقٌّ وأنَّهُ جاءَ مُصَدِّقًا لَها فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْعُهُ مُبْطِلًا لِلتَّوْراةِ ويُمَوِّهُونَ عَلى النّاسِ بِما سَمَّوْهُ البَداءَ وهو لُزُومُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ عالِمٍ بِما يَحْسُنُ تَشْرِيعُهُ وأنَّهُ يَبْدُو لَهُ الأمْرُ ثُمَّ يُعْرِضُ عَنْهُ ويُبَدِّلُ شَرِيعَةً بِشَرِيعَةٍ.

وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ عُذْرَهم وفَضَحَهم بِأنَّهم لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرْعِهِمْ حَتّى يَتَصَلَّبُوا فِيهِ وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ”﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِئاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]“ وقَوْلُهُ

صفحة ٦٥٥

”﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [البقرة: ٩٤]“ إلَخْ وبِأنَّهم لا داعِيَ لَهم غَيْرُ الحَسَدِ بِقَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] إلى قَوْلِهِ ”ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ“ المُنْبِئِ أنَّ العِلَّةَ هي الحَسَدُ. فَلَمّا بَيَّنَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ كُلِّهِ أرادَ نَقْضَ تِلْكَ السَّفْسَطَةِ أوِ الشُّبْهَةِ الَّتِي رامُوا تَرْوِيجَها عَلى النّاسِ بِمَنعِ النَّسْخِ. والمَقْصِدُ الأصْلِيُّ مِن هَذا هو تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ أصْلًا مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ وهو أصْلُ النَّسْخِ الَّذِي يَطْرَأُ عَلى شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ بَعْدَها ويَطْرَأُ عَلى بَعْضِ أحْكامِ شَرِيعَةٍ بِأحْكامٍ تُبْطِلُها مِن تِلْكَ الشَّرِيعَةِ. ولِكَوْنِ هَذا هو المَقْصِدَ الأصْلِيَّ عَدَلَ عَنْ مُخاطَبَةِ اليَهُودِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ ووَجَّهَ الخِطابَ إلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”ألَمْ تَعْلَمْ“ وعَطَفَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] ولِقَوْلِهِ ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِن شَرِيعَةٍ. وفي هَذا إعْراضٌ عَنْ مُخاطَبَةِ اليَهُودِ لِأنَّ تَعْلِيمَ المُسْلِمِينَ أهَمُّ وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ الرَّدَّ عَلى اليَهُودِ بِطَرِيقِ المُساواةِ لِأنَّهُ إذا ظَهَرَتْ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الأحْكامِ لِمَصْلَحَةٍ تَظْهَرُ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الشَّرائِعِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لَهاتِهِ الآيَةِ سَبَبَ نُزُولٍ، فَفي الكَشّافِ والمَعالِمِ نَزَلَتْ لَمّا قالَ اليَهُودُ ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ، وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ أنَّ اليَهُودَ طَعَنُوا في تَغْيِيرِ القِبْلَةِ وقالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِشَيْءٍ ويَنْهاهم عَنْهُ، فَما كانَ هَذا القُرْآنُ إلّا مِن جِهَتِهِ ولِذَلِكَ يُخالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَنْسَخْ) بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ السِّينِ وهو أصْلُ مُضارِعِ (نَسَخَ)، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وكَسْرِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ أنْسَخَ مَهْمُوزًا بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ أيْ نَأْمُرُ بِنَسْخِ آيَةٍ. وما شَرْطِيَّةٌ وأصْلُها المَوْصُولَةُ أُشْرِبَتْ مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ كانَتِ اسْمًا لِلشَّرْطِ يَسْتَحِقُّ إعْرابَ المَفاعِيلِ وتُبَيَّنُ بِما يُفَسِّرُ إبْهامَها وهي أيْضًا تُوجِبُ إبْهامًا في أزْمانِ الرَّبْطِ لِأنَّ الرَّبْطَ وهو التَّعْلِيقُ لَمّا نِيطَ بِمُبْهَمٍ صارَ …

Al-Baqara 2:107Listen in Qur'an →
108

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

Or do you intend to ask your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.

﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾

أمْ حَرْفُ عَطْفٍ مُخْتَصٌّ بِالِاسْتِفْهامِ وما في مَعْناهُ وهو التَّسْوِيَةُ فَإذا عَطَفْتَ أحَدَ مُفْرَدَيْنِ مُسْتَفْهِمًا عَنْ تَعْيِينِ أحَدِهِما اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا أوْ مُسَوًّى بَيْنَهُما في احْتِمالِ الحُصُولِ فَهي بِمَعْنى أوِ العاطِفَةِ ويُسَمِّيها النُّحاةُ مُتَّصِلَةً، وإذا وقَعَتْ عاطِفَةً جُمْلَةً دَلَّتْ عَلى انْتِقالٍ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى اسْتِفْهامٍ فَتَكُونُ بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ ويُسَمِّيها النُّحاةُ مُنْقَطِعَةً والِاسْتِفْهامُ مُلازِمٌ لِما بَعْدَها في الحالَيْنِ. وهي هُنا مُنْقَطِعَةٌ لا مَحالَةَ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَها في مَعْنى الخَبَرُ لِأنَّهُما لِلتَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ وُقُوعَهُما في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ ولَوْ لِلتَّقْرِيرِ يَحْسُنُ مَوْقِعُ أمْ بَعْدَها كَما هو الغالِبُ، والِاسْتِفْهامُ الَّذِي بَعْدَهُما هُنا إنْكارٌ وتَحْذِيرٌ، والمُناسَبَةُ في هَذا الِانْتِقالِ تامَّةٌ فَإنَّ التَّقْرِيرَ

صفحة ٦٦٦

الَّذِي قَبْلَها مُرادٌ مِنهُ التَّحْذِيرُ مِنَ الغَلَطِ وأنْ يَكُونُوا كَمَن لا يَعْلَمُ، والِاسْتِفْهامُ الَّذِي بَعْدَها مُرادٌ مِنهُ التَّحْذِيرُ كَذَلِكَ والمُحَذَّرُ مِنهُ في الجَمِيعِ مُشْتَرَكٌ في كَوْنِهِ مِن أحْوالِ اليَهُودِ المَذْمُومَةِ ولا يَصِحُّ كَوْنُ أمْ هُنا مُتَّصِلَةً لِأنَّ الِاسْتِفْهامَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَها لَيْسا عَلى حَقِيقَتِهِما لا مَحالَةَ كَما تَقَدَّمَ.

وقَدْ جَوَّزَ القَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ كَوْنَ أمْ هُنا مُتَّصِلَةً بِوَجْهٍ مَرْجُوحٍ وتَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ وتَكَلَّفا لِذَلِكَ مِمّا لا يُساعِدُ اسْتِعْمالَ الكَلامِ العَرَبِيِّ، وأفْرَطَ عَبْدُ الحَكِيمِ في حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ فَزَعَمَ أنَّ حَمْلَها عَلى المُتَّصِلَةِ أرْجَحُ لِأنَّهُ الأصْلُ لا سِيَّما مَعَ اتِّحادِ فاعِلِ الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ بِأمْ ولِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهم إذا سَألُوا سُؤالَ قَوْمِ مُوسى فَقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وإنَّما قَصَدُوا التَّعَنُّتَ وكانَ الجَمِيعُ في غَفْلَةٍ عَنْ عَدَمِ صَلُوحِيَّةِ الِاسْتِفْهامَيْنِ السّابِقَيْنِ لِلْحَمْلِ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ.

وقَوْلُهُ ”تُرِيدُونَ“ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”رَسُولَكم“ ولَيْسَ كَوْنِهِ كَذَلِكَ بِمُرَجَّحٍ كَوْنَ الخِطابَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ مُتَوَجِّهَيْنِ إلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ انْتِقالَ الكَلامِ بَعْدَ أمِ المُنْقَطِعَةِ يَسْمَحُ بِانْتِقالِ الخِطابِ. وقَوْلُهُ تُرِيدُونَ يُؤْذَنُ بِأنَّ السُّؤالَ لَمْ يَقَعْ ولَكِنَّهُ رُبَّما جاشَ في نُفُوسِ بَعْضِهِمْ أوْ رُبَّما أثارَتْهُ في نُفُوسِهِمْ شُبَهُ اليَهُودِ في إنْكارِهِمُ النَّسْخَ وإلْقائِهِمْ شُبْهَةَ البَداءِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا قَدْ يَبْعَثُ بَعْضَ المُسْلِمِينَ عَلى سُؤالِ النَّبِيءِ ﷺ . وقَوْلُهُ ﴿كَما سُئِلَ مُوسى﴾ تَشْبِيةٌ وجْهُهُ أنَّ في أسْئِلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مُوسى كَثِيرًا مِنَ الأسْئِلَةِ الَّتِي تُفْضِي بِهِمْ إلى الكُفْرِ كَقَوْلِهِمُ ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهُمُ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] أوْ مِنَ العَجْرَفَةِ كَقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فَيَكُونُ التَّحْذِيرُ مِن تَسَلْسُلِ الأسْئِلَةِ المُفْضِيَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ. ويَجُوزُ كَوْنُهُ راجِعًا إلى أسْئِلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ عَمّا لا يَعْنِيهِمْ وعَمّا يَجُرُّ لَهُمُ المَشَقَّةَ كَقَوْلِهِمْ …

Al-Baqara 2:108Listen in Qur'an →
109

وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allah delivers His command. Indeed, Allah is over all things competent.

صفحة ٦٦٩

﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ ما تَقَدَّمَ إخْبارٌ عَنْ حَسَدِ أهْلِ الكِتابِ وخاصَّةً اليَهُودَ مِنهم، وآخِرَتُها شُبْهَةُ النَّسْخِ. فَجِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَصْرِيحٍ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] الآيَةَ لِأنَّهم إذا لَمْ يَوَدُّوا مَجِيءَ هَذا الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعَهُ المُسْلِمُونَ فَهم يَوَدُّونَ بَقاءَ مَن أسْلَمَ عَلى كُفْرِهِ ويَوَدُّونَ أنْ يَرْجِعَ بَعْدَ إسْلامِهِ إلى الكُفْرِ. وقَدِ اسْتَطْرَدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآيَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ ”ما نَنْسَخْ“ الآياتِ لِلْوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ.

فَلِأجْلِ ذَلِكَ فُصِلَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ لِكَوْنِها مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِمَنزِلَةِ البَيانِ إذْ هي بَيانٌ لِمَنطُوقِها ولِمَفْهُومِها، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والكَشّافِ وأسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ أتَيا بَيْتَ المِدْراسِ وفِيهِ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ وغَيْرُهُما مِنَ اليَهُودِ فَقالُوا لِحُذَيْفَةَ وعَمّارٍ ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكم يَوْمَ أُحُدٍ ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ ونَحْنُ أهْدى مِنكم فَرَدّا عَلَيْهِمْ وثَبَتا عَلى الإسْلامِ. والوُدُّ تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّالِفَةِ.

وإنَّما أسْنَدَ هَذا الحُكْمَ إلى الكَثِيرِ مِنهم وقَدْ أسْنَدَ قَوْلَهُ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّ تَمَنِّيَهم أنْ لا يَنْزِلَ دِينٌ إلى المُسْلِمِينَ يَسْتَلْزِمُ تَمَنِّيهِمْ أنْ يَتَّبِعَ المُشْرِكُونَ دِينَ اليَهُودِ أوِ النَّصارى حَتّى يَعُمَّ ذَلِكَ الدِّينُ جَمِيعَ بِلادِ العَرَبِ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ شَرِقَتْ لِذَلِكَ صُدُورُهم جَمِيعًا فَأمّا عُلَماؤُهم وأحْبارُهم فَخابُوا وعَلِمُوا أنَّ ما صارَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ خَيْرٌ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ لِأنَّهم صارُوا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ والإيمانِ بِأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ وفي ذَلِكَ إيمانٌ بِمُوسى وعِيسى وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوا دِينَنا، فَهم لا يَوَدُّونَ رُجُوعَ المُسْلِمِينَ إلى الشِّرْكِ القَدِيمِ لِأنَّ في مَوَدَّةِ ذَلِكَ تَمَنِّي الكُفْرِ وهو رَضِيَ بِهِ. وأمّا عامَّةُ اليَهُودِ وجَهَلَتُهم فَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الحَسَدُ والغَيْظُ

صفحة ٦٧٠

إلى مَوَدَّةِ أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ إلى الشِّرْكِ ولا يَبْقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ لِدِينِ مُوسى في مُعْظَمِهِ نِكايَةً بِالمُسْلِمِينَ وبِالنَّبِيءِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] وفي هَذا المَعْنى المُكْتَنِزِ ما يَدُلُّكم عَلى وجْهِ التَّعْبِيرِ بِ ”يَرُدُّونَكم“ دُونَ لَوْ كَفَرْتُمْ لِيُشارَ إلى أنَّ وُدادَتِهِمْ أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ إلى الشِّرْكِ لِأنَّ الرَّدَّ إنَّما يَكُونُ إلى أمْرٍ سابِقٍ ولَوْ قِيلَ لَوْ كَفَرْتُمْ لَكانَ فِيهِ بَعْضُ العُذْرِ لِأهْلِ الكِتابِ لِاحْتِمالِهِ …

Al-Baqara 2:109Listen in Qur'an →
110

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

And establish prayer and give zakah, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allah. Indeed, Allah of what you do, is Seeing.

صفحة ٦٦٩

﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ ما تَقَدَّمَ إخْبارٌ عَنْ حَسَدِ أهْلِ الكِتابِ وخاصَّةً اليَهُودَ مِنهم، وآخِرَتُها شُبْهَةُ النَّسْخِ. فَجِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَصْرِيحٍ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] الآيَةَ لِأنَّهم إذا لَمْ يَوَدُّوا مَجِيءَ هَذا الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعَهُ المُسْلِمُونَ فَهم يَوَدُّونَ بَقاءَ مَن أسْلَمَ عَلى كُفْرِهِ ويَوَدُّونَ أنْ يَرْجِعَ بَعْدَ إسْلامِهِ إلى الكُفْرِ. وقَدِ اسْتَطْرَدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآيَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ ”ما نَنْسَخْ“ الآياتِ لِلْوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ.

فَلِأجْلِ ذَلِكَ فُصِلَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ لِكَوْنِها مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِمَنزِلَةِ البَيانِ إذْ هي بَيانٌ لِمَنطُوقِها ولِمَفْهُومِها، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والكَشّافِ وأسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ أتَيا بَيْتَ المِدْراسِ وفِيهِ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ وغَيْرُهُما مِنَ اليَهُودِ فَقالُوا لِحُذَيْفَةَ وعَمّارٍ ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكم يَوْمَ أُحُدٍ ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ ونَحْنُ أهْدى مِنكم فَرَدّا عَلَيْهِمْ وثَبَتا عَلى الإسْلامِ. والوُدُّ تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّالِفَةِ.

وإنَّما أسْنَدَ هَذا الحُكْمَ إلى الكَثِيرِ مِنهم وقَدْ أسْنَدَ قَوْلَهُ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّ تَمَنِّيَهم أنْ لا يَنْزِلَ دِينٌ إلى المُسْلِمِينَ يَسْتَلْزِمُ تَمَنِّيهِمْ أنْ يَتَّبِعَ المُشْرِكُونَ دِينَ اليَهُودِ أوِ النَّصارى حَتّى يَعُمَّ ذَلِكَ الدِّينُ جَمِيعَ بِلادِ العَرَبِ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ شَرِقَتْ لِذَلِكَ صُدُورُهم جَمِيعًا فَأمّا عُلَماؤُهم وأحْبارُهم فَخابُوا وعَلِمُوا أنَّ ما صارَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ خَيْرٌ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ لِأنَّهم صارُوا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ والإيمانِ بِأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ وفي ذَلِكَ إيمانٌ بِمُوسى وعِيسى وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوا دِينَنا، فَهم لا يَوَدُّونَ رُجُوعَ المُسْلِمِينَ إلى الشِّرْكِ القَدِيمِ لِأنَّ في مَوَدَّةِ ذَلِكَ تَمَنِّي الكُفْرِ وهو رَضِيَ بِهِ. وأمّا عامَّةُ اليَهُودِ وجَهَلَتُهم فَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الحَسَدُ والغَيْظُ

صفحة ٦٧٠

إلى مَوَدَّةِ أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ إلى الشِّرْكِ ولا يَبْقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ لِدِينِ مُوسى في مُعْظَمِهِ نِكايَةً بِالمُسْلِمِينَ وبِالنَّبِيءِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] وفي هَذا المَعْنى المُكْتَنِزِ ما يَدُلُّكم عَلى وجْهِ التَّعْبِيرِ بِ ”يَرُدُّونَكم“ دُونَ لَوْ كَفَرْتُمْ لِيُشارَ إلى أنَّ وُدادَتِهِمْ أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ إلى الشِّرْكِ لِأنَّ الرَّدَّ إنَّما يَكُونُ إلى أمْرٍ سابِقٍ ولَوْ قِيلَ لَوْ كَفَرْتُمْ لَكانَ فِيهِ بَعْضُ العُذْرِ لِأهْلِ الكِتابِ لِاحْتِمالِهِ …

Al-Baqara 2:110Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.